الرئيسية / فكر وفلسفة / شاشة / فيلم سيد المجهول: في محاولة تأسيس سينما العبث مغربيا

فيلم سيد المجهول: في محاولة تأسيس سينما العبث مغربيا


محمد تيسُكمين

محمد تيسوكمين

      من الضروري التمييز بداية ، في السينما المغربية بين عبث السينما كصفة أصبحت تلازم المشهد السينمائي المغربي أكثر فأكثرمن جراء اختلالات تنظيمية وإبداعية حاول الكثير من المهتمين والمهنيين الوقوف عندها كل حسب تخصصه، وبين سينما العبث كرؤية إبداعية واختيار جمالي واع رغم أن المفهوم لم يتحدد كليا ولم يستقل بنفسه في السينما كما هو عليه الأمر في المسرح والأشكال الأدبية الأخرى( ألبير كامي،يوجين يونسكو، كافكا، صمويل بيكيت ، بول أوستر سلفدور دايلي…) رغم ما راكمته السينما من أعمال كبيرة تنسجم مع الرؤية العبثية( تارانتينو،بازوليني،تاراكوفسكي، ، وودي ألن…).

     هدف هذا المقال إذن هو رصد العناصر الدالة على تأسيس هذا التصور في فيلم سيد المجهول -سيناريو وإخراج علاء الدين الجم، تشخيص يونس بواب، صالح بنصالح، حسن بديدة، انس الباز،  انتاج 2019- مع الإشارة بداية أن هذا الفيلم لا يستفرد بهذا التصور مغربيا ، بل نجده مبثوثا ضمن أفلام مغربية أخرى بدرجات حضور أكثرها وضوحا أفلام هشام العسري.

في الموضوع

       يتيح موضوع الاعتقادات، بما هو تابو، مساحة اشتغال مهمة نظرا لطابعها الجوهري المتجذر سواء في الحياة الجماعية، من خلال الأدوار التي تمارسها أو من خلال تمكنها من وعي ولاوعي الأفراد وتحولها إلى قوة فعل وتأثير رهيبة تتهاوى أمامها كل محاولات التهذيب والإصلاح والتوجيه العقلاني ذات المصادر الخارجية عنها كمنظومة مغلقة  ، بما فيها هذا التناول السينمائي نفسه ، مما يفرض اعتماد هذه الرؤية العبثية والموغلة في اللامعقول كاستراتيجيه لتحييد التناول والتقليص من طابعه النقدي ، رغبة في تطمين القلوب على ألا تأخذ أمر التناول على محمل الجد ! هذه هي الطريقة المثلى لتناول المعتقدات بأكبر قدر من الموضوعية والتجرد والفصل بين الذات والموضوع إلى حدود اللامبالاة، لامبالاة تتيح إمكانية أخذ المعتقد بنفس القيمة بغض النظر عن مصدره سواء كان دينيا أو بقايا وثنية ( نفس القيمة بين تقديس الضريح وبين إقامة صلاة الاستسقاء).

    وانطلاقا من هذا المعطى يبدو اختيار الأسلوب العبثي  في الفيلم بعيدا عن العبثية واللامعقول، بل على العكس من ذلك مؤسس بشكل عقلاني ومفكر فيه في مفارقة جمالية فريدة.

في الأحداث

    التقاء المقدس بالمدنس بضربة حظ عبثية أمر يبدو لامعقولا ودون معنى من الوجهة العقلانية الدوغمائية الموغلة في رسم الحدود وتصليب الجدران الفاصلة بين القارات، وهو الأمر الذي لا تنضبط له الحياة نفسها في تدفقها الحيوي غير الموَجّه نحو غاية أو معنى مسبق، أمر انتبه التوجه العبثي لتواتره في الحياة الاجتماعية  ففكر في تصعيده عبر الدفع به إلى أقصى نتائجه عن طريق المبالغة إلى حدود اللامعقول .

    لقد عمد الفيلم قصد توثير العلاقة بين المقدس والمدنس إلى التصعيد عند الطرفين، فاختار من المقدسات أقدسها: البركة المتاخمة لعوالم الغيب اللامتناهي من الهناك، المتدفقة خيرا وصلاحا إلى الهنا، بالمقابل اختار السرقة كتعبير عن أحقر المدنسات ، وهكذا فلا تجتمع البركة والسرقة إلا وفق روابط عبثية بعيدة عن “منطق الرجل العادي” وهذا ما يتيح للفيلم إمكانية إبراز المفارقات وتقديم الأحداث بشكل ساخر ولا تصبح المبالغة مقحمة بل الأداة الضرورية لمعالجة عالم الغرابة واللامعقول هذا.

في الشخصيات

   فرضت طبيعة الفيلم على الشخصيات خصائص محددة تجعلها في غاية التذرير والتشظي وجعلت مصائرها غير مرتبطة بالآخرين ولا بالعالم فتحولت بذلك العلاقات الاجتماعية فيما بينها إلى لقاءات عرضية فاقدة لأي حس اجتماعي ، والنتيجة مزيدا من اللامبالاة بالعيش المشترك سواء أثناء الأحداث أو كأفق جماعي للخلاص .

     ذرات أو “مونادات” مكتفية بذاتها و منغلقة على ذاتها نال منها حدث انبثاق تجمع سكاني حديث حول الضريح ، الذي نبث بدوره كالفطر بغتة . لكن إصابة كل من هذه الشخصيات تختلف عن إصابة الآخرين وتختلف  أعراض الإصابة من شخصية لأخرى، كما تختلف أيضا تصوراتهم لسبل الانعثاق:

  1 اللص هاجسه الحصول على ثروته بأقل الخسائر الممكنة وبأسرع وقت ممكن. تمركزه على الذات وعلى الهدف فوَت عليه إمكانيات تحقيق الهدف بطرق أقل تكلفة وأقل تهورا مثل نسج علاقة مع الحارس الليلي أو حتى الاختلاط بالزوار والاقتراب من الضريح ونبشه نهارا جهارا والناس في غيبوبة الإيمان الأعمى.

  2 -مساعد اللص جعلت المحاولات المختلفة لإثبات ذاته كلص “أصيل” يقدم على مغامرات فردية غير مفكر فيها، أبعدته أكثر فأكثر عن الحل الذي يفترض أن يكون حلا مشتركا. ارتباك ردود أفعاله وتناقضها من الرغبة في إحراق التجمع بكامله إلى قتل الكلب إلى التراجع كليا أثناء الفرصة الملائمة جعلت صلته بالواقع مبتورة والرهان عليه خاسرا.

 3 – حارس الضريح توليه هذه المهمة العبثية (حراسة ضريح لولي خارق القدرات جالب الصلاح للآخرين لا يستطيع حراسة جثته المقدسة !!.)هذه المهمة العبثية كرس لها وسائل لا تقل عبثية وغرابة: استقدام كلب من النوع غير المحلي كلفه الكثير للعناية به (يأكل أفضل وأكثر مما يأكل هو وابنه معا وأجرى له أول عملية جراحية لطب الأسنان في التاريخ !! )

 4 الطبيب والممرض: أكثر الشخصيات عبثية في الفيلم،إلى حد التماهي مع شخصية ميرسو  بطل رواية الغريب لألبير كامي الذي دفع به الملل والحرارة ، في نفس  اليوم الذي دفن فيه أمه ومارس فيه الجنس مع فتاة التقى معها منذ لحظات،  إلى إطلاق 4 رصاصات بدم بارد على شخص دون سبب ، نفس الملل دفع الطبيب والممرض إلى تجريب أشياء غريبة تقع خارج المنطق وبالأحرى خارج قسم أبوقراط ، كالسرقة ليلا،و إيقاد نار تجذير المعتقدات الخرافية للسكان أو الانشغال بتجربة كيميائية فريدة لصناعة “الماحيا.”

  5  النساء : حولتهن لعنة الحياة العبثية بالدوار الجديد إلى أشباح، لم يبق من آدميتهن إلا بعض آليات المقاومة تَم التعبير عنها بأكثر الأشكال طرافة وهي تحويل المستوصف  إلى منتزه جماعي يعتبر فيه لقاء الطبيب الشاب ” السطاج الأخير” من اللعبة قبل أن يعلن الممرض عن game over بتقديم علبة الدواء نفسها لكل النساء ولكل الأمراض.

 6 الشاب الملتحي : أو الثعلب الذي يظهر ويختفي  ، يختفي كثيرا ويظهر قليلا دون أثر ، حضوره الجسدي وسحنته يوحيان بوقوفه وراء مهمات في غاية الخطورة ضمن سيرورة الأحداث ، لنكتشف أن لا مهمة له داخل أحداث انفلتت من الجميع !

  7 سيدي إبراهيم وابنه ، هما الشخصيتان النشاز داخل النسق العبثي للفيلم، وليس داخل البناء السردي للفيلم،لهما أهداف واضحة،محددة،يخططان ويبحثان عن الوسائل المناسبة لبلوغها ويقاومان كل العبث من حولهما بأكبر قدر من المسؤولية والالتزام، كآخر المناضلين الشرفاء، قضى سيدي إبراهيم نحبه وهو يحاول، بينما واصل ابنه المسار إلى النهاية.

في الزمان والمكان

        منسوب التخلف المتسرب من الموضوع مؤشر أولي دال على الإحالة الزمنية إلى العصور الوسطى !! أو طفولة البشرية بالمعنى الانتربولوجي أما المؤشرات التقنية كالهواتف والسيارات والملابس وغيرها أمور عرضية لا تستطيع انتشالنا من هذا الغور الزمني السحيق. واللعب على هذا التداخل الزمني ذهابا وإيابا من والى الماضي مفيد دراميا لتصعيد المفارقات والدفع بالعبثية إلى أقصى مداها. الأمر نفسه ينطبق على المكان الذي ظل غُفلا منذ عصور جيولوجية ! مكان لا يحمل أي مؤشر يفيد أن عمرانا أو حضارة مرت من هنا حتى لا يتم تسييج القصة مكانيا داخل جغرافيا محددة ، فحيثما حلت البشرية حلت معها هذه المعضلات.

       من مفارقات الرؤية العبثية تواري النقد العقلاني المنظم والرغبة في الفعل والمشاركة والإحساس بالمسؤولية والالتزام الموقفي وراء هذا الصرح المثين من العبث واللامعقول وغياب المعنى كأسلوب للصياغة، بل أكثر من ذلك يترابط العقل واللاعقل والمعنى واللامعنى عكسيا في المنجز الأدبي. فكلما كان منسوب العبثية طاغيا ومبالغا فيه كلما أحسسنا بالروح المعذبة لصاحبه وكأن لسانه يقول” ما كان لي أن أواجه عالمكم بهذا القدر من السخرية والعبث لو كان طبيعيا عاديا، فكفوا عن العبث بالأشياء أكف عن العبث بالكلمات وان عدتم عدنا والبادي أظلم “

     هذه الروح المعذبة انفلتت في نهاية الفيلم من عقالها العبثية واللامبالية بمصير العالم  لتعبر عن نفسها بأكبر قدرة من المشاركة والالتزام بتحويل يافطة الضريح من سيد المجهول إلى سيدي إبراهيم كتحول من لامعقول وعبثية مرتبط بهالة وقدسية اللاشيء والفراغ إلى معقولية ومعنى يجب أن يسند إلى صاحبه الحقيقي المستحق له بانخراطه في الصلاح الاجتماعي إلى أخر رمق ، فكانت النهاية نهاية للعبث وانتصارا للمعنى والمعقول.

     فعملية التحول لا يفرضها بناء السرد الدرامي للفيلم بالضرورة، بل يرفضها “المنطق” والرؤية العبثية التي بني بها الفيلم وبالتالي تشكل خدشا في نسقيته، ولكن، ولأننا نشتغل على الظواهر الإنسانية فإن منطق التفهم أسبق من منطق التفسير والنسقية .

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

الفيلم القصير طالب اتران

4 يونيو 2017 Non classé 0

فيلم قصير اخراج حسن أمرير وسيناريو صديقي محمد تسكمين: فيلم حجاجي في موضوع: “الإنسان كخالق للدلالة وصانع للمعنى”، أي حول المسافة التي يتيحها التأويل بين فعل أر ارترا: يتقيأ، وفعل أر اترا: أي يكتب، وهذه المسافة بين التقيؤ والكتابة ينسبان معا للفقيه في التصور الشعبي وآفاق التأويل الممكنة. فيلم يحكي

رواية رواء مكة بين تنطع المقرئ وانضباط القارئ

17 مايو 2019 تغطيةصدر حديثاكتبنصوص 0

كوة: محمد تسكمين محمد تسكمين بحضور مجموعة من الدعاة والشيوخ، تفضل الداعية المغربي المقرئ أبوزيد الإدريسي بتقديم حماسي للسيرة الذاتية للدكتور حسن أوريد رواء مكة [1]باعتبارها أفضل ما قرأه طيلة عمره المديد من بين آلاف الكتب والمؤلفات،  ناصحا بها مستمعيه قصد اكتشاف هذه التحفة ، ودون  الانسياق مع التفاصيل فإن …

شاهد أيضاً

التباعد الاجتماعي في العزلة

يسأل JR Davis ما يمكن أن تعلمنا إياه تجربة Thoreau للعزلة. سفيان زاد في عام 1845، انطلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *