الرئيسية / منتخبات / تغطية / قراءة فلسفية في فيلم الماتريكس

قراءة فلسفية في فيلم الماتريكس

خالد الخراساني

بقلم : خالد الخراساني

             لطالما كانت السينما مرآة للافكار التي يحاول المخرج التعبير عنها، ومن بين هذه الافكار، توجد إشكالات فلسفية عبر عنها بعض المخرجون السينمائيون في أعمالهم الفنية، إذ يبدو انهم استغلوا حاجة الإنسان الى التفلسف، والتفكير، لإنتاج أفلام سينمائية ناجحة ناقشت عدة أبعاد فلسفية، لأن “المفاهيم لا توجد دائما في النصوص، قد تكون الشاشة قادرة على ترجمة ما لا يمكن التعبير عنه أو توضيحه بلغة المفاهيم المجردة وفي هذا السياق كان التعبير المرئي السينمائي أداة أساسية لكشف صور جديدة للفكر”(1).

في هذا المقال، سأعمل على التطرق الى فيلم سينمائي امريكي من أكثر الافلام غرابة: فيلم “الماتريكس” او المصفوفة، يتكون هذا الفيلم من 3 اجزاء والكثير من الناس الان متشوقون لمشاهدة الجزء 4 الذي سيصدر في سنة 2021.و الفيلم من اخراج الاخوان واشوسكي، وبطولة كيانو ريفز، كاري ان موس. من العوامل التي ساهمت في شهرة الماتريكس، هو بعض مشاهد الاكشن والاثارة، من استعمال المسدسات والاسلحة وفنون الحرب القتالية، الا انه ليس العامل الوحيد، إذ يحس المشاهد ان الفيلم فلسفي وذلك لغرابة الاشكالية التي يطرحها.

        يلعب كيانو ريفز (نيو) كمهندس برامج و هو في نفس الوقت هاكرز، يعيش نيو حياة مزدوجة بين البرمجة في اطار العمل و القرصنة المعلوماتية، الى ان يتعرف الى مجموعة من الناس الذين يكشفون له الحقيقة : ان العالم الذي نعيشه ما هو الا برنامج معلوماتي (المصفوفة) ، اما العالم الواقعي والحقيقي، فهو ليس هنا : انه ذلك العالم الذي حدثت فيه صراعات بين الآلات و البشر، و انتصرت فيه الآلات، و قامت فيه بالسيطرة على البشر لاستعماله كبطارية لإنتاج الطاقة، و لهذا تم خلق المصفوفة اي العالم الخيالي اليومي، حيث ان الحقيقة ان كل البشر نائمون في سرير اصطناعي لتغذية الآلات بالطاقة، بينما العقل يبحر في المصفوفة و يعيش الحياة اليومية : الذهاب للصلاة، الى العمل، تأدية الفاتورات اليومية…         

يصدق نيو هذه الحقيقة بصعوبة بالغة ثم ينضم الى تلك المجموعة من الناس الذين يقومون بتدريبه على فنون القتال واستعمال الاسلحة كي يصبح “المنقذ”، ان المشكل ان المصفوفة فيها خلل وإثر ذلك تقوم فيروسات باختراقها، تتجسد الفيروسات في شخص العميل “سميث”، الذي له قدرة في “copier-coller” الاستنساخ. ومن هنا تبدأ معركة الخير والشر في لحظة ما نفهم ان المهندس قام باختلاق نسخ قديمة من المصفوفة ولكنها اندثرت ولهذا قام بتحديث المصفوفة وتزويدها ببرنامج معلوماتي “العرافة”، تخبر العرافة نيو في وقت من الفيلم انه سينقذ العالم.

              تكمن فلسفة الفيلم في طرحها لإشكالات من قبيل : من يسيطر على الاخر ؟ هل البشر من يسيطرون على الآلات او الآلات هي التي تسيطر على البشر ؟  فإدماننا اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي، و الهواتف الخلوية و الحواسب جعل من هذه التساؤلات و الاشكالات لها راهنية ملحة تستوجب منا البحث فيها. لهذا فالأبطال الاحرار في الفيلم يعيشون حياة حقيقية في عالم واقعي و حقيقي، بل و كأن اقرار حقيقة ان الآلات تسيطر على البشر اصبح امتيازا كما اكد عليه هيدغر بأن الإنسان لم يعد يسيطر على الآلة، بل أصبحت الآلة مهيمنة ومسيطرة عليه(2)، بل و حتى الاقرار ان هناك مجهود جسدي نخسره يوميا في قضاء الوقت على الآلات اصبح اعترافا بحقيقة كما يرمز اليها المخرج. و من تم يصبح اقرار الوجود بالبداية في التفكير بشكل صحيح و تمييز الواقع و الخيال، كما يقول ديكارت “انا افكر اذن انا موجود.”

          ان الاشكالية في الفيلم تكمن في الاعتراف بأن المجتمع اليومي و الحياة التي نعيشها ليس الا خيالا، بل هو برنامج معلوماتي مدمج في الآلات، و هذه الحقيقة المضحكة الماتريكسية المتخيلة من طرف مخرج الفيلم، تعكس الغرور الانساني و افتخاره بالتطور التكنولوجي الذي وصل له، و قدرته على تصميم برامج معلوماتية، الا ان الحقيقة الماتريكسية تسخر من الانسان في نفس الوقت باعتباره كائن لا عقلاني، لم يستطع حتى فهم كنه الوجود، كما اشار اليه الفيلسوف الالماني هربرت ماركيوز في كتابه الانسان ذو البعد الواحد: “المجتمع الصناعي هو برمته مجتمع لا عقلاني، لان تطور انتاجيته لا يؤدي الى تطوير الحاجيات و المواهب الانسانية تطورا حرا”(3)، بل ان الحرية حسب الماتريكس تكمن في التحرر من ذلك العالم الصناعي و فهم كنه الوجود الانساني، و تلك الحقيقية تبدو صعبة التصديق حسب مخرج الفيلم و لكن اكتشافها لا يتم بطريقة تكنولوجية. فحسب ماركيوز” المجتمع الصناعي المتقدم لم يزيف حاجات الانسان المادية فحسب بل زيف ايضا حاجاته الفكرية، فكره بالذات، و الفكر اصلا عدو لدود لمجتمع السيطرة، لأنه يمثل قوة الانسان النقدية، السالبة التي تتحرك دوما باتجاه ما يجب ان يكون لا باتجاه ما هو كائن” (4). 

                الا ان مخرج الماتريكس، في لحظة ما يقومون بطريقة غير مباشرة بطرح اطروحة عكسية للفلسفة الإغريقية، فالفلاسفة الاغريق يرون ان التقنية محاكاة للطبيعة، كما نرى مثلا: تشبيه جسر متماسك بعمود فقري لديناصور، وتشبيه نجيس بنسيج العنكبوت(5) المتماسك، الا ان الماتركيس يسأل: ماذا لو كان العكس: الطبيعة محاكاة للتكنولوجيا؟ والكون ما هو الا برنامج معلوماتي؟ الا ان هذه المكانة التفضيلية للتكنولوجيا عن الطبيعة تصطدم وقت ما بنظرية اللايقين التي طرحها جاك الول في كتابه خدعة التكنولوجيا سمة اللايقين فهو يقول في كتابه: “نحن نتجه نحو عالم هو نتاج التقنية بشكل متزايد لكننا نعيش ايضا في عالم يزيد تشككه في التقنيات وليس في أصلها او اليتها لكن في أثارها”(6). وهنا نحس بعدم طمأنة المشاهد بمصير الماتريكس نظرا لسمة اللايقين المصاحبة للتكنولوجيا والتي اصبحت تعطي للتكنولوجيا مكانة تفضيلية على الطبيعة عكس الفلاسفة الاغريق، حيث يربط نجاح نيو “المنقذ” وتغلبه على “سميث” الشرير، باستعانته بالعرافة التي تستطع التنبؤ بالمستقبل، والتي سبق ان ذكرنا هي برنامج معلوماتي ايضا مصمم لتحديث النسخة القديمة من الماتريكس.

           رغم ان سميث يتم القضاء عليه في نهاية الجزء 3 لفيلم الماتركيس على ما يبدو،الا ان الازدواجية بين الخير والشر في التكنولوجيا كما انتقدها جاك الول في كتابه خدعة التكنولوجيا هي أكثر تعقيدا من هذا: ليست التكنولوجيا طيبة كما يروها المتفائلون عندما يركزون على جوانبها الطيبة او شريرة كما يروها المتشائمون عندما يركزون على جوانبها السلبية(7). ففي المشهد الاخير من الماتركيس، تسأل العرافة المهندس “هل تعدني بذلك؟” يجيبها المهندس «ماذا تعتقدين؟ انني انسان؟” ، وكأنها إشارة أن التكنولوجيا ليست بالضرورة طيبة أو خبيثة، فإذ هي استطاعت ان تقوم بدور الشرير، الا انها لاتخلف بوعدها، عندما تستطيع عكس الانسان.

            استطاع الفيلم ان يترك بصمة خاصة له في تاريخ السينما الامريكية، فقد ناقش بطريقة غير مباشرة تأثير العالم التكنولوجي الحديث على الانسان، وارتباط الانسان بالتكنولوجيا، وكذا مصير هذا الارتباط، وسخر الفيلم من عدم استطاعة الانسان فهم كنه الوجود، وعدم يقينه في المصير المواكب للتطور التكنولوجي الهائل والسريع.

  • الفلسفة والسينما في الاصل كانت الصورة، بقلم فريد بوجيدة : مجلة يتفكرون العدد 12، صفحة 344.
  • خطر التقنية، عماد فوزي شعيبي.
  • هربرت ماركيوز, الانسان ذو البعد الواحد.
  • هربرت ماركيوز, الانسان ذو البعد الواحد.
  • فلسفة_التقنيةwikipédia,
  • جاك الول, خدعة التكنولوجيا.
  • جاك الول, خدعة التكنولوجيا.

الاسم : خالد الخراساني EL KHOURASSANI Khalid
البلد: المغرب Maroc/
المهنة : مهندس دولة في المعلوميات. / ingénieur d’état en informatique
email : elkhourassani1@gmail.com

شاهد أيضاً

في نقد العقل السردي: كتاب جديد للدكتور إسماعيل مهنانة

إسماعيل مهنانة صدر هذه الأيام كتاب للدكتور إسماعيل مهنانة، بعنوان: “في نقد العقل السردي” عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *