الرئيسية / منتخبات / تغطية / أشياء غير مكتملة: حينما يقسو الكاتب على شخصياته

أشياء غير مكتملة: حينما يقسو الكاتب على شخصياته

عبد الغني بنان

عبد الغني بنان

باحث في الفلسفة

“نأتي من هاوية مظلمة وننتهي إلى مثيلتها. أما المسافة المضيئة بين الهاويتين فنسميها الحياة”. (ص 12)

أصدر حديثا الروائي الشاب محمد بدازي روايته الأولى المعنونة ب: “أشياء غير مكتملة” لتكون بذلك بمثابة  الإعلان عن بداية الولوج لمجال الكتابة والابداع.  وتتكون هذه الرواية من أربعة فصول جاءت معنونة بأسماء أهم شخصيات القصة: هبة، الروبيو، صوفيا، ملاك.

فما سبب تسمية فصولها بأسماء أعلام ؟ وما هو الموضوع المتناول فيها؟

تبتدأ الرواية في صفحاتها الأولى بتساؤل الراوي عن الحياة والتيه والعدم… “ما الحياة؟ لم لا أموت قبل أن أعي وجودي كما حصل لفلذة كبدي فأفوز بنعيم الجنة مثلها ؟ هل أنا حر في القول والفعل”؟  (ص 13- 14-16) كما أن الكاتب جعل من تساؤلاته المتكررة الخيط الناظم للرواية وكأنها مزيج بين الأدب والفكر الفلسفي القائم على التساؤل، بحيث يتساءل في نفس الفصل (هبة) عن الجدوى من الكتابة والدافع إليها مستشهدا في ذلك بأقوال كبار الكتاب عن الكتابة مثل ماريو فارغاس يوسا، موريس بلانشو، برادة، محمد شكري…

ليقدم الراوي بعد ذلك مشهدا متعلقا بالحياة العاطفية، والمتعلق بهبة إضافة إلى بعض من العلاقات العابرة -على حد قوله-، الأمر الذي سيؤدي بهبة إلى محاولة الانتحار نتيجة اكتشافها لخيانة الروبيو، سيدخل إثر ذلك للسجن لتكون الفرصة مواتية لتذكر الطفولة والكتابة عنها.

في الفصل الثاني (الروبيو) سيعود بنا الراوي إلى صباه بدءا من القرية التي ترعرع فيها،  بين أبوين منفصلين لتكون الصدفة حليفته. تشبع بكل أليات الصعلكة الناجمة عن الفراغ الأسري من جهة،  وعن الخواء الاجتماعي من جهة أخرى، رغم التحاقه بالمدرسة أو السكويلة كما سماها جده. لقد حاول الراوي  خلق نوع من المونولوغ  الداخلي بين ماضيه و حاضره محاولا الربط والتوفيق بينهما، وفي هذا السياق يقول: ”قلت في لحظة استبد بي المرض: آسرة تلك اللحظات التي يشعر فيها المرء بضعفه، نقصه، هشاشته، سقوطه، زواله ، بشاعته… وأضفت كأني أعزي نفسي: ربما يجب أن نحب لحظات ضعفنا، أن نصرخ ملء جوفنا: المجد للنقص والفناء والخسارة.” (ص 69) ليزيد في وصف  معاناة الطفولة بعد تنقله للحياة في الكاريان بالدار البيضاء رفقة أمه، ما سيزيده صعلكة. ففي المدينة الطفولة مختلفة نظرا للفرق الشاسع بين الأغنياء والفقراء: في طريقة العيش ما يزيد من وطيس القبح والغل…

اسمرت معاناة الروبيو في الفصل الثالث (صوفيا) وذلك بعد ولوجه للكلية عبر تخصص اللغة العربية وآدابها، لتزداد نظرته التشاؤمية للحياة من خلال تأثره بكتب الأدباء والروائيين، لكن تكوينه الأكاديمي بالكلية لم يمنعه من توظيف ضمير “النحن” بعدما غلب ضمير الأنا في الفصلين الأولين كرغبة منه، أي الراوي،  بالرقي بذاته وتعظيم أناه وإضمار ما يمكن  إضماره من فشل ومعاناة، وهذا حال من انتقل من مستوى تعليمي لآخر.

ارتبط إذن مشهد المعاناة بفصل صوفيا لما لحق بالروبيو من أزمات منها ما هو مادي وآخر ما هو عاطفي… لم تكن إذن الكلية ذلك الفضاء الرحب المفعم بالحرية والمعرفة كما يتصوره الغالب الأعم من الطلبة، إذ كان حقلا للتيه والضياع بالنسبة للروبيو. غالبا ما كان يجد نفسه مضطرا للبحث عن المعيل، فكان لا يجد حرجا في الذهاب للموقف لكسب دريهمات تكون سندا وعونا له في تحدي متطلبات الجامعة. اكتمل مشهد شخصية الروبيو المعطوبة بموت صوفيا.

في الأخير تساءل الروبيو في الفصل الرابع (ملاك) عن سؤال  الدين، أو لنقل سؤال الحقيقة ما إذا كانت واحدة أم متعددة، وهذا ما تجسد في قوله: ”عند نشأتنا كما عند نشأة أطفال في بقاع أخرى من الكون، يصور لنا الكون من زاوية معينة ومنها نرى العالم ونصدر أحكامنا على غيرنا، ومن خلالها نفرق بين الخير والشر، بين الجميل والقبيح، الخ، ومنها أيضا نميز بين أصدقائنا وأعدائنا. ولذلك، فنحن نصاب بالذعر والقفقفة حينما نرى من يخالفنا أو يعتقد بما لا نعتقد، بل إننا نكره كل من يقول بحقيقة غير حقيقتنا، وكل من يرى العالم من زاوية مختلفة عن زاويتنا، لأننا أقنعنا بوجود حقيقة واحدة وحياة واحدة، وواقع واحد، ومن يأتي بغير ذلك إما جاهل وإما مارق”. (ص 162)

انتهت الرواية بصيغة الدمار، العدم، اللاجدوى بعدما بدأت بسؤال التيه والحيرة، وهذا سبب كاف لعنونتها بأشياء غير مكتملة، بمعنى أنها تعبير عن شخصية معطوبة عاشت على شفير الهاوية .

محمد شكري من طفلٍ يقتاتُ على النّفايات إلى كاتبٍ عالمي

31 يناير 2020 أخرىمجلاتنصوص 0

محمد بدازي محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com “قل كلمتكَ قبل أن تموت فإنها، حتما، ستعرف طريقها. لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تُشعل عاطفةً أو حزنا أو نزوة غافية.” (الخبز الحافي ص 4) يدعونا هنا محمد شكري، من خلال هذا المُقتطف القصير من الخبز الحافي، إلى القَول، …أكمل القراءة »

في رحلة الوعي إلى اللاوعي.. إلى أين نمضي؟

‏أسبوع واحد مضت علم النفسمفاهيممقالات 0

إبراهيم صباحي يسوقني موج من الأفكار في بحر كبير من الأحداث دون أدنى معرفة إلى أين أمضي؟ مع الوقت صرت لا أكترث لغرقي في هذه الأفكار، ولم يعد يساورني أي خوف تجاه حقيقة هذه التجربة التي قد تنتهي خلالها حياتي بهذا الوجود في أي لحظة. أمّا الأمر الذي يزعجني حقا …أكمل القراءة »

نص خطاب ألبير كامو عند استلامه جائزة نوبل للاداب

20 أغسطس 2020 عامةنصوصنصوص 0

“وأنا أتلقّى الامتياز الذي شرّفتني به أكاديميتكم الحرة ببالغ الكرم، مايزال امتناني ضارباً في العمق، وبالأخصّ حين أستحضر مقدار ما تجسده المكافأة إذ تتخطّى بكثير استحقاقاتي الشخصية. كل إنسان -ولأسباب أشد قوّة- كل فنان، يشتهي أن يذيع صيته، وأشتهي ذلك أيضاً، لكن لم يكن لي مناص من أن يبلغني قراركم …أكمل القراءة »

الكُونْتِيسَة.. أو عَيْشَة قَنْدِيشَة

14 أغسطس 2020 تغطيةكتبمتابعات 0

محمد بدازي محمد بدازي – المغرب يُلاحظُ المُتتبّع للشّأنِ الأدبيِّ في المغرب، ظهورَ أقلام أدبية صاعدة، سواءٌ في القصة أو الرواية أو الشعر، وتميّزها في الساحة الأدبية العربية. ومُسايرة لهذا التميُّز والإشعاع الأدبي المغربي، لا بد لنا، نحن المُهتمون، من إيلاء تلك الأقلام الاهتمام الذي تستحق: بقراءتها أولا، والتعليق عليها …أكمل القراءة »

العرضَ ما قَبل الأوّل[1].. حتى لا ننسى

21 مايو 2020 تغطيةكتبمتابعات 0

محمد بدازي محمد بدازي تبدأ قصة الرواية بعودة “البطل” كمال من باريس إلى طنجة سنة 2018 بعد خبر احتضار والده. يتوفى الوالد ويعود كمال إلى البيت الذي كان يسكنه الوالد لوحده بعدما توفيت أم كمال. من داخل البيت، نعرف من كمال أن والده كان قاسيا معه ومع أمه، صعب المزاج… …أكمل القراءة »

حول تجربة الكتابة: حوار مع الكاتب عبد المجيد سباطة

30 أبريل 2020 حواراتكتبمتابعات 0

حاوره محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب محمد بدازي – المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com يُلاحظُ المُتتبّع للشّأنِ الأدبيِّ في المغرب، ظهورَ أقلام أدبية صاعدة، سواءٌ في القصة أو الرواية أو الشعر، وتميّزها في الساحة الأدبية العربية. ومُسايرة لهذا التميُّز والإشعاع الأدبي المغربي، لا بد لنا، نحن المُهتمون، من إيلاء تلك الأقلام الاهتمام الذي …أكمل القراءة »

الخُلوة والحَنين والحُلم في رِواية “ثورة المُريدين”

24 أبريل 2020 أخرىكتبمساهمات 0

محمد بدازي – المغرب محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com في البَدءِ كانت الخُلوة تُقرّر الذّات في لحظةٍ ما من لحظاتِ عُمرِها (حياتها)، وذلك لأسبابٍ متعددة، الاختلاء بنفسها. وقد يكون السّببُ –كما هو حال السّارد في رواية ثورة المريدين- هو الرغبة في عودةِ الذات إلى ذاتها ومراجعة قراراتِها واختياراتها. إنها …أكمل القراءة »

المغاربة.. من له الحق في الكلام باسمنا؟

16 أبريل 2020 أخرىكتبمقالات 0

محمد بدازي – المغرب محمد بدازي أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com المغاربة، هي رواية للكاتب المغربي عبد الكريم جويطي، صادرة عن المركز الثقافي العربي سنة 2016، ويصل عدد صفحاتها حوالي 400 صفحة. فازت بجائزة المغرب للكتاب صنف السرديات سنةً بعد صدروها، كما وصلت إلى اللائحة الطويلة لجائزة البوكر في نفس السنة. …أكمل القراءة »

العبث في رواية “الغريب”

20 يناير 2020 أخرىعامةنصوص 0

محمد بدازي – المغرب محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com يُعتبر القرن ال20 أحد القرون التي شهِد فيها العالم -خاصةً أوروبا- أحداثاً عنيفة، الشّيء الذي دفع عديد المُفكرين والفلاسفة والأدباء إلى التّأمل في هذا الوضع البشري المَأْزُوم. وقد عبّر كلّ واحدٍ من هؤلاء، كلّ حسب مجاله، عن واقع إنسان القرن …أكمل القراءة »

هل الإنسانُ كذلك بالولادةِ أم بالتَّربية؟

11 مارس 2019 أخرىعامة 0

هل الإنسانُ كذلكَ بالولادةِ أم بالتَّربية؟ سؤالٌ طرحهُ الفيلسوفُ الفرنسيُّ “أولفيي ربول olivier reboul” في معرضِ حديثِهِ عن التَّربيةِ وأهميتها داخل المجتمعِ البشريِّ، إذْ تَسائلَ الرَّجلُ عن ما إذا كان الإنسانُ إنساناً، أي بما هو كائنٌ يُفكر، يَشعر، يَتكلم، له أخلاق، وتقنيات، وعلوم، وفنون… هو كذاك بالطَّبيعةِ، أي بالأصل، أم أنَّ الإنسانَ، هو في الأصلِ، حيوانٌ أصبحَ عن طريقِ التَّربيةِ إنساناً.

امرأةٌ على أجنحة الرغبة[1] عندما تصرخ المرأة

22 يناير 2019 نصوصنصوص 0

بقلم محمد بدازي – المغرب محمد بدازي – المغرب يُقرأُ النصّ الأدبيُّ، في نظرِنا، لثلاثٍ: لأسلوبه، أو لحكايته/قصته، أو –وهذا هو الأهم عندنا- لقضيته أو فكرته. ونحنُ بعد قراءتِنا لنص الكاتبة المغربية الشابة سلمى بوصوف، وجدنا أنه نصٌّ يحكي عن معاناة امرأةٍ (الحكاية) بأسلوب سلسٍ ورائقٍ (الأسلوب)، والأهم، أنه يناقش …أكمل القراءة »

الطّهرانية في الأدب

13 يناير 2019 تغطيةمتابعات 4

سيدي الكاتب، كيف لنجاة (البطلة) التي “درست في الغَرب وتشبعت بثقافته[2]” أن تجعل منها محافظةً كما قلتَ عنها؟ ومن أعطاكَ الحق لتذكرنا “أن التّدخين مضرٌّ بالصحة[3]”؟ أليس التدخين عادةُ كبار الكُتَّاب؟ هل تُحَلِّلهُ على أنفسكِم، أنتم مَعْشر الكُتّاب، وتُحَرمهُ علينا نحن القراء؟ لمَ هذه الأبوية سيدي الكاتب؟ ثم، يا صاحب “برج الميزان”، ما أهميةُ الصحة والعيش في هذا البلد المُهْضَمَةُ فيه حقوقنا؟أكمل القراءة »

جدليات الأنا والآخر في الوعيِّ العربيِّ المُعاصر

10 ديسمبر 2018 عامةنصوص 0

محمد بدازي بينَ مأثورٍ شعريٍّ يقول إنَّهُ: بِضدّها تَتحددُ الأشياءُ، وبين مَوضوعةٍ هيجيليةٍ تُقرّرُ أن الآخرَ هو الذي يُحدِّدُ الأنا، نقول “إن من الطبائع في حركة الواقع والوعي أن الذات لا تنتبه إلى نفسها، أو لا تكاد تعي نفسها كتغايُر أو مغايرة، إلا متى اصطدمت بغيريتها، أي بآخر يدفعها إلى …أكمل القراءة »

عندما تَصرخُ الأجساد.. تقديم لرواية “صهيلُ جسدٍ”

19 نوفمبر 2018 عامةنصوص 0

محمد بدازي باحث في الفلسفة ومهتم بالأدب منذ البداية، يتعرف قارئ رواية “صهيلُ جسدٍ” على شخصيةٍ مُتَفَرّدة. وهي كذلك (متفردة)، لشُؤمها وتمردِّها و”قبحِها” وفرادتها… وأيضا لولُوجها إلى عوالم محظورة أبرزها عالمُ الجنس وما يدور في فلكه من ممنوعات (الجنس بمعناه الواسع). لذلك، يمكن القول إن نص الرواية هو مسحٌ سوسيولوجيٌّ …

شاهد أيضاً

في نقد العقل السردي: كتاب جديد للدكتور إسماعيل مهنانة

إسماعيل مهنانة صدر هذه الأيام كتاب للدكتور إسماعيل مهنانة، بعنوان: “في نقد العقل السردي” عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *