الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / من أسئلة الهوية إلى هوية الفعل 1/10

من أسئلة الهوية إلى هوية الفعل 1/10

علي أوعبيشة

لا أبتغي في هذا المقال الدفاع عن الهوية أو تفنيدها، ولا استحضار الحجج لتبرير جدواها أو نسف الحاجة إليها، بقدر ما أبتغي بالأساس خلخلة المفهوم التقليدي للهوية، وتثمين صيغ أكثر فعالية للخطاب الهوياتي تجعل منه خطابا عمليا، مقاوما لأنساق الظلم واللاعدالة. ولأجل ذلك، كان من الضروري أن أقف عند المعاني والدلالات المتضمنة في مفهوم الهوية، باحثا فيه، من جهة، عن الثغرات المعرفية والمسالك الايديولوجية التي تجعلُ السلفية تتسلّل إليه، وتحوّل خطاب الهوية إلى خطاب ارتكاسيّ محافظ، مع جرعات زائدة من الروحنة ونزع الطابع المادي عنه، ومن جهة ثانية عن أسئلة الفعل فيه، ودورها في تخليص الخطاب الهوياتي من رومانسيته الماضوية، وجعله خطابا للتغيير، يُسهم في مخاض التحديث والعقلنة، ويذهبُ في تحليل الأزمة إلى أساسها الأول، نحو المأزق الهوياتي.

كما أنطلقُ في هذه المساهمة من فرضية نيتشية يمكن اعتبارها أساس التفكيكية كلها كما صاغها جاك دريدا، تَعتبر “الخِطاب” أيا كان بنيةً غير متجانسة وغير منسجمة، وكل وحدة ظاهرية لخطاب ما تخفي صراعا مضمرا بين مجموعة من القوى المتنازعة والأصوات المتناقضة داخله، والخطابُ الهوياتي كغيره من الخطابات، ليسَ استثناءً، إذْ يُضمر هو الآخر تناقضا داخليا، ويعجّ بأصوات متعددة، تجعلهُ بكيفية واضحة لحد ما، خطابا بأهداف متباينة، إن لم نقل متناقضة في بعض الأحيان.

»إن الهوية بهذا المعنى ليست ما نحن عليه أو ما وُجدنا عليه. الهوية هي ما نأمله، إن ما يجمعنا ليس هو الماضي بل ما نريده مستقبلا، غير أن تحقق هذا المنتظر مشروط بتصفية الحساب مع الماضي، هكذا يمكن لنا أن نتجاوز كل سلفية هوياتية وما يرتبط بها من سلفيات في الاقتصاد والسياسة والأخلاق، وفي نفس الآن مصدر جرأة للترافع النقدي ضد كل دعوة بالقطيعة (البيضاء) مع الماضي «

علي أوعبيشة، سياسات الذاكرة: بدائل علاجية بطعم المرض، سليكي أخوين 2017

نحن هويةً بعدية!

»من نحن؟« سؤال مخاتلٌ يقدّم نفسه بصيغة زمنية ملتبِسة، إذ غالبا ما تتم الإجابة عنه بالرجوع إلى الماضي أو الأصل، فيصير السؤال ماضويا، يبحث عن شجرة النسب والجذر الإثني، والخللُ هنا لا يكمن في العودة إلى الماضي في حدّ ذاتها، بل في تكريس هذا الماضي وجعله صيغة ماهوية ثابتة للإجابة عن سؤال: »من نحن؟« المطروح في الحاضر. وهنا، يوقعنا -هذا السؤال المقلق- في سلفية هوياتية أصولية تعتقد بأننا (نحن) نمثّل ما أتينا منه، أو على الأقل أننا –ماهويا- هم أجدادنا لا فرق، كأننا بهذا المعنى نمثّل استمرارية لأيقونة الأصل، بحيث يجدّف بنا السؤال نحو العرق ويدعونا لأن نتشبّث بكينونتنا الأصلية. وتكمنُ خطورة هذا الفهم الماضوي للسؤال، في كونِ مفهوم الأصل لا يمكن أن يتمثّل أمامنا، إلاّ بالنظر إليه بوصفه تراكما من المضامين، أي إن دلالته في الطرح الماضوي لا تنفصل عمّا أنتجتهُ “النحن” في الماضي من عادات وتقاليد ونمط السلوك والتصرف والذوق والاعتقاد والأدب والفن…وشكل التنظيم بكل أنواعه. ولأننا غالبا ما نطابق بين الأصل أو الماضي من جهة والتحديد الماهوي للإجابة عن سؤال: من نحن؟ من جهة ثانية، فإن هذه المضامين التي يتحدّد بها الأصل تعلق بفهمنا للهوية، فتصبح تبعا لذلك محددات ثابتة لها، بل تتضخّمُ إلى أن تحل محلّ فهمنا الميتافيزيقي للأصل، لتأخذ مقاسَ الهوية ذاتها، وتكون الإجابة عن السؤال بهذا المعنى تاريخية بلكنة محافظة (بمعنى الحفاظ على المضامين).

         ولأنّ هذه المضامين، ليست إلاّ تراكما لرؤية ما للعالم، سواء كان هذا التراكم استمراريا أم قطائعيا، فإن هوية النحن – تأسيسا على الاستنتاج السابق – ليست إلاّ أشكال وعي معينة، أو لنقل إيديولوجيا الماضي، وإذا أخذنا بهذا الربط فإن الجواب عن سؤال »من نحن؟« لا يحدّد ماهية هذه “النحن” (أي الجماعة منظورا إليها كمتجهة نحو الماضي) إلا انطلاقا من مضامينها التاريخية. 

         تكمن الخطورةُ في هذا الفهم الماضوي للهوية، في كونها وفقا لهذا التحديد ليست شيئا آخر غيرَ مضامينها التاريخية، بحيث إن الدعوة إلى استرجاعها أو الدفاع عنها أو الحفاظ عليها لا تميّز بين المعطى الإيجابي المتمثل في مقاومة الطمس والنسيان والبلعمة الثقافية،  وبين المعطى السلبي المتمثل في النزوع السلفي للهوية (بحيث تتم المطابقة بين “النحن” بما هي ذاتُ الراهن والمضامين التاريخية باعتبارها تراكما ماضويا)، هذا المعطى السلبي المحافظ يعتبرُ الانزياح عن الهوية (الخروج من الهوية أو عنها، أو نسيانها أو التفريط فيها…) حاصلا في تجاوز تلك المضامين التاريخية كأنها نموذج مثاليّ لصيغة الحقيقة الوحيدة التي يجب أن نكون عليها.

         هذا جانب من جوانب اللّبس الزمني التي تسمُ سؤال »من نحن؟«، وتجعلُ منه سؤالا »مصيدة«. لهذا أعتقد بأن هذا السؤال “لا-زمني“، وليس القصدُ هنا أن نحدّد “النحن” خارج تاريخها، بل – وفقط – الانطلاق من اعتبار السؤال عابرا للأزمنة، أي لا تتحدد قصديته في زمن ما (الماضي أو الحاضر أو المستقبل)، فيكون السؤال بهذا المعنى حول طبيعة ما يمكن أن تكون عليه هذه “النحن” في الماضي أو الحاضر أو المستقبل؟

         هكذا تصير الهوية “بعدية” (منطقيا لا زمنيا)، فتكون بحثا مستمرا عن صيغة أمثل للتواجد، أو لنقل إنّ الهوية بهذا الفهم هي أفضل ما يمكن أن تكون عليه جماعة ما تعي سياقها التاريخي وشروطها الراهنة.

» ما يفصل بعضنا عن بعض يسبق بمعنى أكثر أهمية ما يربط فيما بيننا وهو أسبق إبستيمولوجيا وأخلاقيا على حدّ سواء، فنحن كأفراد مستقلون أولا، ثم نشكل بعد ذلك علاقات مشتركة «

Michael Sandel, Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge: Cambridge University Press, 1982, p.133.

» نحن « هويةً مبنية !

         تنظر السلفية الهوياتية إلى الهوية باعتبارها معطى قبليا، كأنَّ ما كنَّا عليه لم يكن بالإمكان أن نكون غيره (ليس في الإمكان أفضل ممّا كان)  – في ما يشبه قدرية هوياتية– أي اعتبار “الهوية” حتمية لا مفرّ منها، أو قدرا لا يمكن إلاّ أن يطالنا، ولو حاولنا الانفصال عنه بكل ما أوتينا من جهدٍ واستقلالية.

         لذلك فإن أيّ خطاب يقف عند حدود إعادة إنتاج ما كان، بوصفه النموذج الأصيل لهذه »ال- نحن «، ويطابقُ بين المضامين التاريخية المتراكمة ومفهوم الهوية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا يمكنهُ إلاّ أن يكون خطابا هوياتيا سلفيا، بحيث إن السلفية الهوياتية تبعا لهذا الفهم تصرّ على ربط ماهية » النحن في الحاضر « بالماضي المفترض لها، كما لو أنه لا يمكن تحديد الهوية – وفق فهمها –  إلاّ بوصفها مرآة تعكس الماضي.

         إن النظر إلى الهوية باعتبارها معطى قبليا، وتكريس الفهم السلفي لها، يجعلان الخطاب الهوياتي منصبا على ترميم المضامين التاريخية المتراكمة كي تحافظ على صورتها الأصلية تماما مثل ما يتم ترميم بعض المآثر العمرانية قصد الحافظ على نمط هندسي معيّن. والفرق بين المضامين التاريخية المتراكمة والمآثر العمرانية، أنّ الأولى ليست أثرا Trace ، يمثل حضورا مكتملا وجاهزا، بل أشبه بفخار يتغيّر شكلهُ باستمرار بفعل عملية التدوير مع حفاظه على بنيته الأصلية التي تظل ثابتة في تاريخية هذا التراكم، في حين إن الثانية تمثل بقايا مادية تعكس وجودا سابقا، أي أنها لا يمكن أن تكون إلاّ ما كانت عليه، أي ما تعكسه. وكلما نظرنا إلى المضامين التاريخية المتراكمة بمنظار السلفية الهوياتية فإننا نجعلُ من الهوية “معطى قبْليا” زمنيا ومنطقيا، وندافعُ عنها بالدعوى إلى ترميمها وملء فراغاتها المتهاوية وأجزائها المفقودة (مثلما نفعل مع المآثر العمرانية المتضررة)، ليس من أجل تحديد صورة شبه يقينية لما كانت عليه » النحن « في الماضي بل من أجل إعادة استحضارها وبثّ الحياة فيها بوصفها وجودا نموذجيا تاما.

         هذا النمط من الفهم للهوية يُساهمُ في جعل الجماعة تعتقد بأنّ الإجابة عن سؤالها الماهوي » من نحن؟ « تكمنُ في تراكم ما أنتجته » النحن « في الماضي، كما أنه أيضا يؤسّس لرؤية ممجدة للماضي تدعو إلى استعادته بوصفه كلا ناجزا ومتكاملا يؤخذ كله (مثل النصوص الدينية المقدسة). في مقابل هذا الفهم يمكن التعامل مع الهوية بوصفها بناءً، أي صيرورة مبنية مؤمنة بالحاضر ومنفتحة على المستقبل، تنطلق من فرضية أساسية مفادها: إنّزمانية النحنهي التي تحدد هويتها، أو بعبارة أخرى: تتحدد الهوية في أفضل ما يمكن أن تُمارسهُ جماعة ما مدركة لسياقها التاريخي الراهن الذي تعيش فيه، بهذا الشكل لا تكون الهوية ما كنّا سلفا عليه، أي ما كانت عليه  »ال- نحن « في الماضي،  بل ما يمكن أن تكون عليه الجماعة وهي تمارسُ فعل بناء ذاتها باستمرار.

         تأسيسا على ما سبق، فإنّ هوية جماعةٍ ما لا يجب أن تُختزل في ما كانت عليه، إلاّ إذا كان السؤال عن ماهية »ال- نحن «بصيغة الماضي، لأن السؤال عن هوية الجماعة في الحاضر مختلف تماما، إن لم نقل إن هوية  »ال- نحن « بصيغة الحاضر، تنقلنا بشكل جذري من سؤال الهوية إلى هوية الفعل، فما يهمّ ليس هو “من نحن؟”  بل ما يمكن أن نفعله.

» ليس الهدف ربما اليوم أن نكتشف من نحن، بل أن نرفض ما نحنُ عليه «

Foucault, M. (1982) “Afterword” in Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics. Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow. The University of Chicago Press (Second edition 1983), p. 216

» نحن « هويةً نقدية !

         إن الطرح الهوياتي المستند إلى تصور سلفي مُمجّد للمضامين التاريخية المتراكمة، أو الذي يكافح من أجل استعادة الماضي باعتباره النموذج المثالي لكينونة الجماعة (أي ذلك الوجه المرضي من الخطاب الهوياتي) لا يمكن له إلا أن يكون خطابا محافظا، لأن إمكانه لا يتجاوز دائرة الكائن. ونزوعه المحافظ هذا، يجعل منهُ موقفا غير مبالٍ بالتغيير الشمولي المتعدد الأبعاد، أو على الأقل يُحافظ على حياده كلما فرضت قضية التغيير نفسها على النقاش العمومي، بحيث لا ينخرط فيه إلا ثقافيا، لكن ليس من أجل الإنتاج بقدر ما يكون انخراطه الثقافي بحثا عن موضوعه الرومانسي الأثير في خطابات الآخرين.

في حين تقتضي الرؤية الحديثة للهوية، أن تكون هذه الأخيرة ممارسة نقديةً، بمعنى أن تكون رافضة لأشكالها البالية والنكوصية وتطمح دائما إلى تحقيق صيغة أفضل لما يمكن أن تكون عليه الجماعة (وهنا تكون معنية بالتغيير الشمولي).

         إن الخطاب الهوياتي إذن مضطر لأن يحافظ على يقظته النقدية دائما، كي لا يسقط في فخّ السلفية الرومانسية، ومناطُ ذلك، كونهُ خطاباً يتداخل فيه البعد العلمي بالبعد العاطفي، فالهوية ليست فقط موضوعا للعلم، بل إحساسا أيضا. لذلك غالبا ما تركن خطابات الهوية للوصف والتفاخر والتمجيد… مكونة صورة مثالية عن الماضي حدّ التقديس، فيصبح الحل وفق هذا الخطاب، هو استعادة الهوية المطموسة والمنسية، وإرجاع كل أشكال الفشل في الاقتصاد والتنمية والتعليم إلى الخلل الهوياتي.

         إنّ القول ب» نحن «هوية نقدية ! مضمونهُ اعتبار الهوية اشتغالا نقديا على خصومها وعلى ذاتها، لأن فشلها لا يكمن فقط في نجاح الخصوم في طمس معالمها، بل إن فشلها الذريع يكمن بالأساس في انتصار النُسخ الماضية على حاضر» النحن «، فتصير الآمالُ مقتصرة على استرجاع الهوية، وغالبا ما تُختزل في اللغة والعادات والتقاليد والغناء والرقص واللباس والحليّ… لأن إفراغ أي خطاب هوياتي من الاشتغال النقدي لا يمكن أن يؤدي إلاّ إلى روحنة الهوية وإبعادها عن أسسها المادية المتمثلة في الأرض والثروة والخيرات (البنية التحتية للهوية).

         تكون الهوية نقديةً كلما كانت تسمح بإخضاع الماضي للمساءلة والنقد، ذلك لأن الطرح الهوياتي ليس خطابا واحدا منسجما، إنه على العكس من ذلك بؤرة لصراعات ونزاعات قوية بين قوى المقاومة والتغيير والعدالة من جهة وقوى الطمأنينة والمحافظة والظلم من جهة ثانية.

         هذا ما يفرض خلخلةً دائمة للخطاب الهوياتي من الداخل، تمكنهُ من التمييز بين قواه الفاعلة وقواه الارتكاسية، بين قواه التي تقف إلى جانب التغيير ومع فكرة التقدم وقواه المحافظة التي ينحصر أفقها في إعادة رسكلة ما هو قائم، ومن ثمة إعادة إنتاجه بصيغ هوياتية مختلفة.

» نحن «هوية للفعل !

ليس الخطاب الهوياتي خطابا وصفيا، يكتفي باستعراض الماضي وتمجيده، بل إن قيمة أي خطاب هوياتي تكمن في قدرته على أن يكون خطابا للحاضر وللمستقبل، خطة للعمل، ومشروعا للفعل، وما دون ذلك، فالأمر يطرح أكثر من علامة استفهام؟

يتبع…

شاهد أيضاً

ميكائيل فوسيل (1): اجتثاث الشر نهائيا، معناه المساس بالحرية(2)

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة في هذا الحوار الشيق، يستعرض الفيلسوف الفرنسي ميكائيل فوسيل، مُختلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *