الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / هل يُمكن التَعايُش معاً وتَقاسُم الكَوْنيّة؟

هل يُمكن التَعايُش معاً وتَقاسُم الكَوْنيّة؟

د. خديجة زتيلـي

خديجة زتيلي

صحيفة ”الديمقراطي” السودانيّة

على امتداد التاريخ الإنساني لم يهدأ النقاش المتعلّق بجدليّة الأنا والآخر ووجدَ تُرجمانه في الحروب والإيديولوجيات وفي العقائد والنظريات الفكريّة المختلفة التي تعاطى فيها أصحابها مع الآخر، في غالب الأحيان، باحتقار واستهزاء وريبة وحتى برغبة جامحة في إزالته من الحياة، وكانت الكراهية الطافحة ضدّ الغير تُغذّيها المفاهيم المُتطرّفة والعُنصرية والنزعات الشموليّة التي تعمل على إقصاء الآخر. لكنّ الناس استبشرتْ خيرا بزمن الحداثة الذي وعَد بتكريس الحريّة والإيمان بالاختلاف وجعل الفكر في الطليعة بمحاولة ترجمة الكوجيطو الديكارتي إلى فعل، والانتقال به من مرحلة التنظير إلى طور التطبيق. ومضتْ الحداثة بمنجزاتها الكثيرة التي لا ينكرها عاقل ليأتي بعدها زمن التنوير يواصل مسارها وينبّه من جديد إلى أهميّة سيادة العقل والحريّة الفرديّة والتسامح والإخاء وفصل السلطات في بناء الإنسان واستقرار المجتمعات، وبعبارة مختصرة وعميقة التأكيد على ”الجرأة في استخدام العقل” كما نبّه إليه كانط في معرض تعريفه للتنوير. لكنّ التجربة الإنسانيّة والفرديّة على حدّ سواء تُعلّمنا أنّ أخطر مواجهة هي تلك التي تحدثُ مع الذات وتغدو في أحيان كثيرة أصعب من مواجهة الأعداء، وأنّ الإنسان الحديث برغم عوالمه الجديدة لم يتخلّص من أنانيته ولا من وحشيّته ولم يبتعد في سلوكياته كثيرا عن مبدأ هوبز الشهير ”الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” وعن نزعة الشرّ المتأصّلة في فطرته، وكلّ ما هنالك أنّه غيّر لبوسه واستراتيجياته ولعلّ ما يحدث اليوم في عالمنا خير دليل على انتكاس العقل وتراجع الضمير رغم الخطوات الجبّارة نحو العلم والمعرفة والتقنية الحديثة. تتناول هذه الورقة هذه الإشكاليّة كما تُجادل في الذاتية والغيريّة وفي الرهان الرصين الذي بإمكانه إنقاذ العالم من الجبروت والعنف والفناء.

لا يزال الحضور الناقد للفيلسوف الفرنسي إيمانويل لفيناس Emmanuel Levinas (1906-1995) قويّا بأطروحاته الرصينة في مسألة ”الأنا والآخر” أو ”الذات والغيريّة”، إذ يُسائل في كتابه ”الزمن والآخر” الزمن ليس كأفق أنثروبولوجي بل كأفق أنطولوجي للكائن الكائن له جدله الخاصّ. كما يتناول الزمن بوصفه محور العلاقة بين فكر وفكر آخر وبين الذات والذوات الأخرى، فيلحّ على كفّ الانسان عن النظر إلى الآخر بوصفه جحيما، وبهذه الأطروحة فإنّ لفيناس يقوّض مقولة سارتر عن الآخر/الجحيم، التي غذّت في واقع الأمر الإيديولوجيّات الاستعماريّة والنزعات الليبيراليّة المتوحشة والأنا الغربي المُتضخّم والتطرّف بجميع أشكاله. وتتّضح أهداف ومقاصد لفيناس في «إظهار الزمن ليس حدثا لموضوع ذاتٍ معزولة ووحيدة، ولكنّه يمثل علاقة الذات نفسها بالآخر،، فليس المقصود هو القول كيف يقطع الزمن وينتظم، وكيف يسمح لنا المجتمع بإنشاء تمثيل للزمن. وكذلك، فليس المقصود أيضا هو فكرتنا عن الزمن، ولكن المقصود هو الزمن نفسه» (1)، الذي من شروطه أن يكون بين البشر وفي سياق تاريخي. ويسْترسل لفيناس شارحا فكرته عن الذات في هذا العالم بتأكيده أنّها لا تكتسب معناها ولا مشروعيّة وجودها في ظلّ غياب الذوات الأخرى مُعمّقا بذلك فكرته عن ”إيطيقا الغيريّة”. فالكفّ عن احتقار الآخر والنظر إليه نظرة دونية من شأنه أن يفتح أفقا للحوار والعيش المشترك والانخراط في فكرة الهويّة الإنسانيّة الكوكبيّة التي أفاض مواطنه الفيلسوف إدغار موران Edgar Morin ،(ولد في عام 1921)، في تحليلها وحشْد الصوّر والأمثلة والأفكار لها في سياق شرحه لبربريتنا المعاصرة ومخاطر العولمة.

ليس في وسع المرء أن يتجاهل التحليل العميق لموران الذي اشتبك في فكره مع قضايا الأنا والآخر من زوايا مختلفة كالحضارية منها والثقافية، لقد أماط اللثام عن بربريّة أوروبا وتاريخها مُستعرضا قرونا من الغزو والاستعباد والاستعمار والإبادة، غير غافل عن البربريات المعاصرة التي جلبها القرن العشرين والتي أضحى العالم معها قاب قوسين أو أدنى من الهاوية، ولم يكن موران يهدف في كتابه ”ثقافة أروبا وبربريتها” تقديم عرض كرونولوجيّ لظاهرة البربريّة بل كان يحاول فهمها كظاهرة تاريخيّة تورّط فيها أسلاف ”الحضارة” الغربية! لكنّه، وهو ابن هذه الحضارة، لا ينسى تذكيرنا بالعقلانيّة الحديثة التي لا يُمكن حجْبها رغم كلّ مآسي التاريخ، فلعلّه بذلك يرفع التناقض الموجود بين الحضارة والبربريّة ويُخَلّصنا، فضلا عن ذلك، من التيه والضياع ومن تصدّعاتنا الداخليّة بقوله «إذا كانت أوروبا الغربية هي مقرّ السيطرة البربريّة في العالم، فإنّها كانت أيضا مقرّ الأفكار التحرّرية، مثل أفكار حقوق الانسان والمواطنة، بفضل تطوّر النزعة الإنسيّة» (2).

فاقمتْ نصوص موران من حدّة السجال حول مصير البشريّة في عصر التطوّرات التكنولوجية الهائلة ووسائط الإعلام والاتّصال الجديدة والتقدّم الحاصل في مجال العلوم والتكنولوجيا، التي أفرزت فروقات هائلة بين الدوّل وانبثق عنها حقيقة مؤلمة عن عالمين مختلفين إلى حدّ التناقض: أحدهما موغل في الفقر والتخلّف والصراعات السياسيّة، وآخر يُسيطر على مُقدرات العالم الأوّل ويؤجّج الحروب فيه ويرسم له مصائره وأقداره غير آبه بكآبة كوكبنا والأزمات الناجمة عن التهوّر والأنانية والبطش. لذلك لا يدّخر موران جهدا لكي يُذكّر الإنسانيّة بضرورة التفكير في كوكبنا لأنّ المشكلات الحيويّة هي نفسها تواجه كلّ النوع البشري، ليقترح ما يُسمّيه بــــ ”الأرض الوطن” حيث الكوكب هو للجميع. ووفقا لذلك فإنّ البشريّة عليها خوض معركة جديدة للسير نحو التحوّل لا في اتّجاه الهاوية أو أنّ عليها الاتّجاه من الهاوية نحو التحوّل لمقاومة مشتركة لعالم تصعبُ السيطرة عليه بشكل مطلق كما يؤكّده الواقع والأحداث المُتسارعة اليوم ، «فالجراثيم والفيروسات تدلّنا على أنّها تخرج وقد ازدادتْ قوّة بفعل تلك الأشياء نفسها التي كان يُسعى بها إلى القضاء المبرم عليها. وستظلّ الصيرورة تحبل على الدوام بمجازفات ومخاطر ،، لكن يمكنها أن تنطوي كذلك على قدرات إبداعيّة وتطوّر للفهم،، ووعي إنسانيّ جديد» (3)، تسقط معه الكثير من الأفكار العنصريّة والمتحجّرة التي أثبتَ الزمن هشاشتها وتهافتها مثل التقسيم العنصري والتراتبي للبشر ومفاهيم الحضارة النقيّة والأنساق المغلقة وأوهام الهويّة الخالصة (4)، فلا يتمّ الانتصار في هذا ”الوعي الجديد” إلاّ للحقّ والعقل وللكرامة الانسانيّة.

ورغم مأساوية العالم فإنّ مُتّسعا من الأمل والتفاؤل يبقى من أجل غذ أفضل للبشريّة تنتفي فيه فكرة النقاء الحضاري ويتمّ استيعاب الثقافات المختلفة والانتصار للإنسان الواحد والمتعدّد المتفرّد والعالمي، فهويّتنا في نهاية المطاف تشبهُ الثوب المرقّع بأربعين قطعة (5) على حدّ تعبير الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان Daryush Shayegan (1935-2018) ووعينا هجين يتجاور فيه ويختلط العقلاني مع الأسطوري، ولا مناص للبشريّة إلاّ أن تهتدي إلى التعايش معا في ظلّ الاختلاف والتعدّد ونبذ المركزيات. ويكتسي نصّ الفيلسوف بول ريكور Paul Ricœur (1913-2005) الذي يحمل عنوان ”الذات عينها كآخر”، بهذا الصدد، أهمية بالغة في هذه المسألة ذلك أنّ «الهويّة الذاتيّة تحرّك ديالكتيكا إضافيا للذاتية والعينية وهو ديالكتيك الذات والآخر المختلف غير الذات» (6)، إذ يُنبّه ريكور إلى هذه الثنائية الحواريّة التي تنعكس آثارها أولا وقبل كلّ شيء على الذات قبل الآخر، وكأنّ الذات من دون الآخر في عزلة عن العالم، ثم أنّ الاهتمام بالآخر والتعاطف معه والاستماع إليه وتقدير اختلافه من شأنه أن يجعل الذات تكتشف أخلاقها وسموّها، ففي تقرّبها من الآخر تتجلّى مُقدّراتها الجوانيّة ويتحقق مبتغى تقاسم الكونية. وحريّ بنا في ختام هذا المقال التنبيه إلى أهميّة جهود الفيلسوف التونسي فتحي التريكي Fathi Triki ،(ولد في عام 1947)، التي تعمّقت في فكرة التنوّع والاختلاف و تقاسم الكونيّة كمخرج نجاة ممكن للإنسانية، ويعرض كتابه ”قراءات في فلسفة التنوّع” (عام 1988) جانبا من هذا الاهتمام.

د. خديجة زتيلي

***********************

(1) إيمانويل ليفيناس، الزمن والآخر، تر: منذر عياشي، (دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 2015)، ص 13.

(2) إدغار موران، ثقافة أروبا وبربريتها، تر: محمّد الهلالي، (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط 1، 2007)، ص ص 39-40.

(3) إدغار موران، هل نسير إلى الهاوية، تر: عبد الرحيم حزل، (المغرب، أفريقيا الشرق،2012)، ص ص 172-173.

(4) أنظر كتاب: داريوش شايغان، أوهام الهويّة، تر: محمد علي مقلدّ، (لبنان: دار الساقي، ط 1، 1993).

(5) أنظر كتاب: داريوش شايغان، هويّة بأربعين وجها، تر: حيدر نجف، مراجعة وتقديم عبد الجفار الرفاعي، (بيروت، القاهرة، تونس: دار التنوير للطباعة والنشر، ط 1، 2016).

(6) بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: المنظمة العربيّة للترجمة، ط 1، 2005)، ص 72.

دارْيوش شايْغان ومَسْألة الهويّة في الحَضارة العالمَيّة المعاصِرة: قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”

4 مارس 2019 أخرىبصغة المؤنثكتب 1

د. خديجة زتيلـــي مقدّمة       تكْشِف مؤلّفات الفيلسوف الإيراني المعاصر داريوش شايغان Daryush Shayegan (1935- 2018) عنتوْليفة عميقة ومُنسجمة بين عالم الروح وعالم العقل، وعن دحْضه وتقويضهِ لكلّ مركز مُطْلق.ولا يمكن للقارئ الذي يُقْبل على نصوصه أن يتجاهل تحليله المذْهل وثقافته الواسعة التي تسْتقي مضامينها من الحضارات الشرقيّة والغربيّة على …

د. خديجة زتيلـــي* تكتب : قراءة في كتاب “الفلسفة بصيغة المؤنث لرشيد العلوي

5 أغسطس 2018 بصغة المؤنثتغطيةرشيد العلوي 0

د. خديجة زتيلـــي* تكتب : قراءة في كتاب “الفلسفة بصيغة المؤنث لرشيد العلوي الفلسفة بصيغة المؤنث هو عنوان الكتاب الجديد الذي صدر عن مؤسسة هنداوي بالمملكة المتحدة للباحث المغربي الدكتور رشيد العلوي، ففي استهلاله للكتاب يطرح العلوي السؤال: لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟ وفي معاينة له تبدو علاقة الكاتب منتهية مع 

دارْيوش شايْغان ومَسْألة الهويّة في الحَضارة العالمَيّة المعاصِرة: قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”

د. خديجة زتيلـــي مقدّمة       تكْشِف مؤلّفات الفيلسوف الإيراني المعاصر داريوش شايغان Daryush Shayegan (1935- 2018) عنتوْليفة عميقة ومُنسجمة بين عالم الروح وعالم العقل، وعن دحْضه وتقويضهِ لكلّ مركز مُطْلق.ولا يمكن للقارئ الذي يُقْبل على نصوصه أن يتجاهل تحليله المذْهل وثقافته الواسعة التي تسْتقي مضامينها من الحضارات الشرقيّة والغربيّة على حدّ سواء، ومن التراث العِرفاني … تابع قراءة

في مفهوم ”الأصنام الذهنيّة” بين فرانسيس بيكون وداريوش شايغان

الدكتورة خديجة زتيلـي – الجزائر د. خديجة زتيلــي * مقدّمة: لم ينْتقص فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561- 1626) من قيمة الفلاسفة القدماء ولا من وقارهم، ولكنّه في الوقت عينه لم يسْتسغ الكثير من أطروحاتهم الفكريّة، فقد كان الرجل يُخَطِّط لفتح طريق جديد في المعرفة ووضع ضوابط ل

شاهد أيضاً

فكر طه عبد الرحمان: الأيديولوجيا والسلطة

حسن العلوي      لا يسع الإنسان ذي العقل البشري الطبيعي الفطري، الذي يتقاسمه ويشترك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *