الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / سيولة الخوف في زمن الكورونا…الهلع مما لا يمكن إدارته

سيولة الخوف في زمن الكورونا…الهلع مما لا يمكن إدارته

الزهرة قني

الزهرة قني / الجزائر

“الشيء الوحيد الذي لابد أن نخافه هو الخوف نفسه”

                                       فرانكلين روزفلت، 1933

        إن التحذيرات التي وجهها االسوسيولوجي والفيلسوف المعاصر زيغمونت باومان[i] منذ سنوات اكتسبت اليوم راهنية جديدة بسبب أزمة/فيروس كورونا ((covid-19 والانشغال بأجندة الوقاية والحجر الصحي/المنزلي، فالمدن الكبيرة حول العالم تحولت كلها إلى حواجز، بينما يُستعبد الناس في العالم الذي تحول إلى سجن ضخم، فمع تفشي الفيروس وانتشاره عبر أرجاء العالم وارتفاع حالات الإصابات والوفيات بمختلف الدول أصبح الخوف يتصدر المشهد الإنساني /العالمي، فالخوف في زمن الكورونا هو الشعور المسيطر على كل فرد، الخوف من العدوى، الخوف من المصافحة والاتصال البشري الخوف من الأشياء والأسطح الخوف من الآخرين وعلى الآخرين، الخوف من انهيار أنظمة الرعاية الصحية، الخوف من الموت، الخوف من المجهول…إلخ، وهو ما تجسد في مقولة ز. باومان: ‹‹ سيولة الخوف تعني أنه لا يمكن الشعور بالأمان طوال الوقت حتى مع أقرب الناس إليك››[ii] حيث تسرب الخوف على كل ما يحيط بنا مادّيًا كان أو معنويًا، على علاقتنا بالأشياء والأسطح المحيطة، وجعلنا نتصرف معها بطريقة مغايرة بل ننظر إليها بطريقة مغايرة ليس كما اعتدنا على النظر إليها من قبل، تسرب نحو الأشخاص المحيطين، نحو العائدين من السفر، نحو الماديات كأكياس البقالة والنفايات والارتياب من التعامل مع الأوراق النقدية، أو لمس مقابض أبواب المنزل والسيارة والمكتب، أو شاشات التلفاز وأصبح كل ما اعتاد عليه إنسان الحداثة وظن أنه تحت سيطرته الكاملة، يتسرب ويسيل منه شيئًا فشيئًا، وهو ما يعكس مفهوم سيولة الخوف[iii].

       ومن ثمة، فقد خلقت أزمة كورونا، حالة من الخوف العالمي/الكوني السائل، فلم يعد يقتصر الأمر على أنها حالة بيولوجية صحية، بل تعدت ذلك لتكون ظاهرة نفسية واجتماعية، أو كتجربة انسانية فريدة من نوعها، حيث ولدت داخل الإنسان شعورا داخليا بالهشاشة والخوف، وقد أثبتت إحدى الدراسات الحديثة التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط، بالمغرب، (هيئة حكومية للإحصاء) عن التداعيات النفسية والاجتماعية لجائحة كورونا، أن أَزْيد من 40 بالمئة من الأسر التي شملتها الدراسة عانت، وبسبب الجائحة القلق والخوف، ورهاب الأماكن المغلقة، واضطرابات النوم، وفرط الحساسية والتوتر العصبي، والملل. كما كشفت الدراسة ذاتها أن 70 بالمئة من المبحوثين أبدوا قلقاً متراوحاً بين المتوسط والشديد، بشأن الخوف من الإصابة بالعدوى، وفقدان العمل، والوفاة بسبب الجائحة، وعدم القدرة على تموين الأسرة، والخوف على المستقبل الدراسي للأبناء، وعدم استثمار وقت الفراغ. وبين هذا وذاك، كان الملل والضجر، من سلطان التكرارية والاعتيادية، يلقيان بظلالهما على المعيش اليومي، ويُثْمر مَزيداً من التوتر والعنف والألم والخوف[iv]

       وعن تحليله للخوف ألقى زيغمونت باومان على عاتقه مهمة توصيف الوضع الإنساني المعاصر وفق إشكال يتموضع في صميم الراهن بامتياز وهو: هل يعتبر الوضع الإنساني الراهن ارهاصا أم نموذجا آليا أم استشرافا أم نذيرا بما هو آت؟، واصفا في كتابه الخوف السائل المجتمع الحديث بأنه ‹‹آلية تحاول أن تجعل حياة الناس مليئة بالخوف قابلة للعيش، فالكوارث الصادرة عن أفعال البشر تأتي من عالم غامض وتضرب بعشوائية، في أماكن يصعب التنبؤ بها والأهم من ذلك كله هو أن الشر الصادر عن هذه الأفعال غير الأخلاقية للبشر يبدو غير قابل للإدارة بالأساس على نحو متزايد غير مسبوق…إننا نخشى مما لا يمكننا إدارته››[v].

       حالة الخوف تلك التي أفرد لها باومان كتابا مستقلا، وكنتيجة متوقعة من هذا العصر السائل يقول باومان: ‹‹ في ظل حركة السيولة، كل شيء يمكن أن يحدث ولكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان، فتتولد حالة من (اللايقين تجمع ما بين الإحساس بالجهل (استحالة معرفة ما سيحدث) والعجز (منع ما سيحدث) والإحساس بالخوف دون أن نستطيع إدراكه ولا تحديده››[vi]، فالخوف هيمن على كل ما يحيط بنا بالأشياء والأشخاص، ليتسرب إلى حالة من الضبابية واللايقين نحو كل شيء وأي شيء.

إن السمة البارزة للوضع الراهن في عالمنا المعاصر هي الخوف من كل شيء وهو خوف معمم يعصف بكينونة الإنسان والوجود الإنساني يستحق أن نطلق عنه “الخوف الكوني” فالإنسان الذي سقط في سجن الخوف، صار يشعر بالتهديد الدائم من المستقبل والخوف المستمر من مصيره المجهول، إنه “قلق الحضارة” كما وصفه سيغموند فرويد، وفي ظل كل هذا الخوف السائل من كل شيء، والذي يستبيح كل شيء، يشعر الفرد بأن مواجهة التهديدات والمخاطر مهمته هو، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمتها لكتاب الخوف السائل لزيغمونت باومان: ‹‹لقد حررت العولمة الخوف من حدوده المعلومة ليصبح أي شيء موضعا للخوف، والأمراض الجديدة، والفيروسات التي تقاوم المضاد الحيوي، والمسمنة المفرطة التي تحملها السعرات الحرارية في الطعام، والخوف من إرهاب أصبح يضرب المسارح والمباريات الرياضية. كل شيء مخيف، وكل ما يملكه إنسان الحداثة هو إحكام إغلاق بابه جيدا في المنزل والسيارة والمكتب وكل مكان يتحرك فيه وأن يكون على حذر طوال الوقت من الهاكر الذي سيختطف بريده الالكتروني والكاميرا التي تراقبه أثناء القيام بعمله››[vii]، إنها مجتمعات الخطر والمخاطرة التي أهدتنا إياها النيوليبرالية المتوحشة.

خلاصة القول، تدل الرؤية الباومانية على استشراف تشاؤمي للمستقبل لا يخلو من الرهبة والخطر كونها تصب في باب الإنذار والتنبيه على سلبية القادم يقول زيغمونت باومان في كتابه الخوف السائل: “فالبشرية تمتلك كافة الأسلحة اللازمة للانتحار الجمعي لتدمير نفسها وما تبقى من حياة على هذا الكوكب”[viii]، للأسف تبدو هذه النظرة الاستشرافية لباومان قوية جدا وتنذر بما هو آت من شر محتوم لا محال، فالعالم كله ينجرف نحو الفوضى والغموض والبشرية كلها تحبس في نفق من الخوف والهلع وتزداد يوماً بعد يوم مخاوف جميع شعوب العالم، وعليه في ظل هذا الوضع الاستثنائي الذي تمر به البشرية وفي ظل شموخ اللايقين واللامعنى، وفي خضم كل ما نعيشه اليوم من خوف وقلق وفقدان شغف الحياة، ما الذي سقط فينا وانهزم واستحال خرابا تحت وطأة هذا الفيروس التاجي؟ وفي جحيم “اللامخرج” من ورطتنا الجماعية الكبرى، ما الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من أزمة كورونا؟ هل الخوف والمزيد من العزلة، أم هو إعادة النظر في وضع الإنسان اليوم وفي صلته بغيره بما يوحد البشرية ويعيدها إلى سكة الإنسانية الحقة؟ أي مسلك ابستمولوجي يمكن أن نسلكه للخروج من هذا المأزق الأنطولوجي؟


[i][i] -زيغمونت باومان: هو مفكر وعالم اجتماع بولندي من مواليد 19 نوفمبر 1925م ببولندا، وتوفي في: 9 جانفي 2017م لأسرة يهودية فقيرة استقر في انجلترا بعد ما تم طرده من بولندا عام 1971م بتهمة معاداة السامية، يجمع الكاتب بين علم الاجتماع والفلسفة ويحذو حذو ‹‹مدرسة فرانكفورت›› في نقدها للحداثة وهو صاحب الاشتقاق الاصطلاحي “للحداثة الصلبة” و”الحداثة السائلة”، والذي يظهر من خلال عناوين كتبه، بروفسور علم الاجتماع في جامعة ليدز (ومنذ عام 1990م أستاذ متقاعد) عُرف باومان بسبب تحليلاته للعلاقة بين الحداثة والهولوكوست، وأيضاً ما يتعلق بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة.

[ii] -زيغمونت باومان، الخوف السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017م) ص19.

[iii] –  أسماء عبد العزيز، الخوف ذو الوجهين في زمن الكورونا، مؤمنون بلا حدود للأبحاث والنشر، أفريل 2020م

[iv] -عبد الرحيم العطري، (من الحجر إلى الضجر)، مجلة الدوحة، قطر، 02 يونيو 2020.

[v] -زيغمونت باومان، الخوف السائل، مصدر سابق، ص122.

[vi] -زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2016م) ص 33.

[vii] -مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، كتاب الخوف السائل، مصدر سابق، ص 19.

[viii] -المصدر نفسه، ص107.

ما فائدة المثقفين اليوم؟ حـوار مع الفيلســوف زيغمونت باومان

1 يوليو 2017 حواراتفلاسفة 0

حاورته كاترين بورتوفان ترجمة أحمد عثمان لم يزل زيغمونت باومان محتفظًا بالأمل رغم سنه الكبيرة. كان من الممكن أن يفقده، ذلك الذي عرف توتاليتاريات القرن العشرين، قبل أن يهرب مرتين منها، الأولى من بولونيا، وطنه الأمومي، في عام 1939، بسبب النازية، والثانية في عام 1968 بسبب الشيوعية. كبروفيسور في الفلسفة والسوسيولوجيا …أكمل القراءة »

زيغمونت باومان: من “الحداثة الصلبَة” إلى الحداثة “السائِلة”

30 أبريل 2017 مقالات 0

  زيغمونت باومان  Zygmunt Baumanسوسيولوجي وفيلسوف بولندي ولد في بوزنان سنة 1925، من أبوين يهوديَّين اضطرا لمُغادرَة بولندا بعد الغزو النَّازِي سنة 1939 في اتجاه الاتحاد السُّوفيَّاتِي، واختارا سنة 1953 التوجه إلى إسرائيل، غير أن ذلك لم يرُق للسوسيولوجي المُعادِي للصهيونيَّة، ففي مقابلة له عام 2011 مع مجلة “بوليتكا” البولنديَّة، …أكمل القراءة »

قراءة في كتاب الحب السائل لزيغمونت باومان

25 أبريل 2017 شاشة 0

أكمل القراءة »

جدلية السيف والقلم: سلطة المثقف في مواجهة مثقف السلطة

15 أكتوبر 2020 دراسات وأبحاثمفاهيممقالات 0

عمرون علي ” إذا أراد الله بقوم سوءًا، جعل عشقهم الأول للسلطة السياسية”                            حكمة يونانية عمرون علي مدخل عام فِى الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ……. هكذا جاء في مقدمة انجيل يوحنا. الكلمة التي تحتمل من  جهة التفسير والتأويل العديد من المفاهيم  والتي يحيلنا حقلها الدلالي الى ( اللوغوس المتحكم في الكون …أكمل القراءة »

العلوم الإنسانية وأزمة المنهج: حدود التفسير وحدود الفهم

12 يونيو 2020 ديداكتيك الفلسفةعلم الإجتماعمقالات 0

 ابراهيم السهلي  ابراهيم السهلي باحث في علم الاجتماع ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز  brahim.sehli1987@gmail.com تــــــقــديـــــم : تسعى العلوم جميعا للوصول إلى المعرفة علمية رصينة ، وتحاول أن تستقي هذه المعرفة من الواقع ويمثل الواقع السياق الذي تقع فيه الوقائع الطبيعة والظواهر الإجتماعية والإنسانية . لقد بقي الإنسان لمدة …أكمل القراءة »

كوفيد 19- نحو مانفستو جديد للعدالة الاجتماعية

31 مايو 2020 متابعاتمفاهيممقالات 0

محمد العربي العياري محمد العربي العياري الى أي حد ووفق أي تصور تصح مقاربة الفيلسوف الكندي الان دونو والحاضرة بعمق في كتابه “نظام التفاهة” القائلة بأن البشر والافكار صارا قابلين للتعويض ؟ وكيف تتموضع هذه العبارة في زمن الكوفيد حيث لم نعد نقتنع كثيرا بالمقولات العبر-قطرية للسوبرمان الرأسمالي خالق التقنية …أكمل القراءة »

الفكر السياسي المعاصر ورهانات التعددية المنهجية: مارسيل غوشيه نموذجا

20 مايو 2020 علم الإجتماعمجلاتمفاهيم 0

الدهبي الصديق تمهيد:      يشترط النظر  في المقولات الكبرى للفكر السياسي المعاصر، الأخذ بالبنية المنهجية والروح البنيوية التي تؤسسه وتشكله، وفق ترابط يستلزم بالضرورة تَملُّكَ زاوية نظر  كلية تستوعب شتات الموضوعات في إطار  تكاملي مبني، وعلى هذا الأساس وحده نفسر مثلا الرفض الذي قابل به “باومان” ذات مرة، طلب إضافة تقديم …أكمل القراءة »

الحداثة السائِلة في مجتمع العولمة

18 نوفمبر 2017 مقالاتمقالات 0

الدار البيضاء: العلوي رشيد زيغمونت باومان  Zygmunt Baumanسوسيولوجي وفيلسوف بولندي ولد في بوزنان سنة 1925، من أبوين يهوديَّين اضطرا لمُغادرَة بولندا بعد الغزو النَّازِي سنة 1939 في اتجاه الاتحاد السُّوفيَّاتِي، واختارا سنة 1953 التوجه إلى إسرائيل، غير أن ذلك لم يرُق للسوسيولوجي المُعادِي للصهيونيَّة، ففي مقابلة له عام 2011 مع …أكمل القراءة »

الحاجة الى السياسة في عالم اليوم

3 أبريل 2017 مقالات 0

ما يجري في عالم اليوم لا تحكمه لا اتفاقيَّة وارسو (حول حق الاقليَّات في تقرير المصير) ولا اتفاقيَّة ويستفاليا حول الدولة – الأمة (الوطنيَّة)، من جهة أن الحدود السيَّاديَّة لم تعد كما كانت، أي أن العلبة السوداء للسيادة الوطنية بتعبير سيلا بنحبيب يتوجب فتحها، فالمهاجرون يتدفقون من كل حدب وصوب …أكمل القراءة »

فوكو ونقد العقلانية السياسية: دعوة للتفكير في احتمالات المقاومة

26 سبتمبر 2019 Non classéدراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

بقلم: ادريس شرود تقديم     تثير أبحاث ميشيل فوكو التي افتتحها بكتاب “إرادة المعرفة”، تساؤلات حول الأسباب والظروف التي دفعته إلى الإبتعاد عن “حقل السلطة”، وولوج “حقل الأخلاق”. فقد أثار اهتمامه بتاريخ الجنسانية ردود فعل من طرف العديد من المثقفين والأساتذة والصحفيين والسياسيين، تشير أغلبها إلى دور الأخلاق في إبعاد فوكو …

شاهد أيضاً

مَنْ كان يُدافعُ عن الفلسفة بالجامعة المغربيّةِ؟

عز العرب لحكيم بناني عزالعرب لحكيم بناني لا أعلمُ دوماً علمَ اليَقينِ من ناضلَ حقّاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *