الرئيسية / منتخبات / عامة / هل يؤول البناء الفلسفي للسقوط ؟!

هل يؤول البناء الفلسفي للسقوط ؟!

صفوان الشويطر

غالبا ما يتم تشبيه أي إطار فلسفي او نظام معرفي بتشبيهات و استعارات تحيل الى كونه بناء معماريا لا يقوم الا على دقة هندسية مُحكمة بما يشير الى اتساق المقدمات والنتائج والعلة والمعلول والتدرج المدروس في تثبيت الفكرة او المفهوم و قدرته على الاحتواء مع تقيده بحيز فيزيائي مخصوص ومناسب.

و اذا كانت صورة البناء/الفكرة جيدة في تجسيد متانتها و فعاليتها و بالتالي نجاعتها سواء على مستوى الواقع المحسوس او الحضور العقلي إلا انها ايضا توحي بدوغمائية الفكرة وتصلبها الايديولوجي الناشز عن طبيعة الفكر التي تقتضي النقد الدائم والمراجعة الثاقبة ،وليست الايديولوجيات سوى إنساق تفترض صحة قراءتها للواقع انطلاقا من دعوى ثباتها و بداهة صوابها .

و اذا كان الفكر يمتلك الوعي الذاتي والحذر اللازم لتجنب الوقوع في شراك الايديولوجيا ،إلا ان سعيه لإمتلاك صفة البنائية بقدر ما يعطيه شكلا من الموثوقية المنهجية الا انه ايضا قد يدفع بالفكر الى وهم تقريرالحتميات و هذا ما وقعت فيه الفلسفات المادية التي اعتبرت ان احاطتها بتحليل قوانين التاريخ كفيل بالخلوص الى المالآت المُرتقبة و بالتالي معرفة ما كان و يكون و سيكون ! ..فيما لا ينبغي لأي ‘بناء’ فلسفي ان يتنبأ لأنه ومهما كان ثبات المبنى فإن المرونة الفكرية تقتضي استيعاب الجديد الوافد والمغاير المختلف و ليس فقط استقبال المألوف و المتلاءم،فوظيفة ‘البناء الفلسفي’ هي بالدرجة الاولى مهمة تأطير و تحديد و حصر للوسائل و الغايات بما يقود الى علاقة صحيحة بين الذات المفكرة والموضوع المُفكر فيه، لكن طبيعة هذة العلاقة وممكناتها ليس بالامر الذي يمكننا فقط اضافته للبناء وفقا لأبعاد البناء و ضوابطه لأن العناصر الغير منتظمة والدخيلة جزء من تفاعل الواقع مع العقل .

حتى في المنهج العلمي التطبيقي لا تزال امكانية ظهورالمتغيرات واستثناءات القانون أمرا واردا جدا لا تستطيع اجرائية المنهج سوى حصره لأن دراسة متغير جديد ستحتاج الى اخضاعه لإطر المنهج و دراسته في وضع الثبات و حالما يتم ذلك يطل متغير جديد و هكذا.

اذا كانت دراسة الفلسفة هي في الاساس دراسة لتاريخ الفلسفة ،فإن ذلك يعني ان كل بناء فلسفي لا يسمح فقط بالبناء عليه بل ايضا هدمه اذا كان منطقه الداخلي جامدا في التعامل مع المتغيرات في الوعي والعالم، فمشكلة فرز اصول الفكرة عن الفروع تصبح صعبة جدا كلما جعلنا من الأصل ثابتا لا يتحرك مع الفرع،ودائما تحضر فكرة “متانة الاصل و مرونة الفرع” و صورة الجذر و الغصن لتعيد للاذهان ما تراه الايديولوجيا الدينية لنفسها حتى يمكنها تقرير ما لا يجب التفكير به لأنه اصل لا يقبل النقاش!، وعلى الجانب الآخر تقتضي الفلسفة توسيع الاصل و تأصيل الفرع حتى تتحلى بقدرتها المستمرة في التفاعل الخلاق.

لقد كانت البنيوية بإعتبارها النسق الذي انتقل بالفكر من استحضار فكرة البناء الى تمثله و إستدخاله ظلت فكرة قبلية بالمفهوم الكانطي أي انها مفهوم نسقطه على الحقل المعرفي حتى يأخذ هذا الحقل شكل البنية وهو الشكل الذي أغفل السيرورة المتغيرة بحثا عن الكينونة الثابتة و في هذة الحالة لم يقود ‘البناء الفلسفي’ الى حتمية صارمة كما سبقت الاشارة بل الى إنغلاق للبنية على نفسها لأنها لم تعد قادرة على استيعاب ما يمكن ان يتغير فيها او يتغير بها.

ربما كان البحث عن اطر اخرى مثل ‘التفكير المنظومي’و ‘التفكير الشبكي’ و’الفكر البدوي’ ،اوالمرتحل و ‘الجذمور’ عند دولوز محاولات للتخلص من ربقة البناء والخروج من مجازه المزعج ، بحيث تتحول الفلسفة الى فعل و حدث حي و مستمر و ليس الى موضوع و حتى يصبح بإمكانها استيعاب فوضى العصر و تهيئة قوى الفكر للمقاومة .ان البناء الفلسفي يصبح عتيقا اذا لم يضم فناءا للعب الحر و حديقة غنية بالزهور الملونة.  

نزع المركز في فكر ما بعد الحداثة

‏3 أسابيع مضت مجلاتمساهماتمفاهيم 0

صفوان الشويطر تأسست الحداثة الأوربية على الكوجيتو الديكارتي ( أنا أفكر إذن أنا موجود) الذي يعلي من شأن العقل ويجعله الإطار المرجعي لقراءة الذات والعالم ,أدواته في ذلك  البرهان المنطقي المستمد من منطق أرسطو الصوري , منطق العلة و المعلول و السببية والثنائيات المتعارضة , ومع توالي العصور الفكرية وقيام …أكمل القراءة »

قراءة في تحولات الخطاب النقدي المعاصر

12 أكتوبر 2020 أخرىجرائدمفاهيم 0

صفوان الشويطر  النقد هو في حد ذاته تحول لأنه يقوم على حركة جدلية بين الفكرة و نقائضها و نظائرها في نفس الوقت لذلك فأي تحول في الخطاب النقدي هو بالتالي إما تحول نوعي على مستوى بنية الخطاب من أساسه يمس شكل الخطاب و مضمونه في آن واحد  او أنه تحول 

شاهد أيضاً

أندريه كانت سبونفيل: تاريخ مختصر للإلحاد الفلسفي [1]

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة الإلحاد يفترض فكرة الإله، لأنه يقوم بنفيها. ولذلك فهو أقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *