الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / الفقيه والفيلسوف والزنديق والصوفي فصول التقديس: من الاغتيال السياسي الى الاغتيال المعنوي ؟

الفقيه والفيلسوف والزنديق والصوفي فصول التقديس: من الاغتيال السياسي الى الاغتيال المعنوي ؟

محمد بصري

بصـري مــحمــــــد

باحث تربوي بشار الجزائر                                                          

كان تحولا صادما وعارما وانقلابا تاريخانيا في مجريات التاريخ الاسلامي العربي، وهو ينتقل من براديغم إجتماعي روحي سياسي مثالي، إلى آخر مختلف تماما ومغاير في مستوياته وطبقاته الاجتماعية والثقافية والشرعية،  فالعصر الذي وسمته فترة ما يدعى في أدبيات الاخباريين الاسلاميين “الخلافة الراشدة”  القريبة من النبوة  الطاهرة تمايزت شكلا ومضمونا  عن العهود الجديدة في نمط الحكم و التدبير السياسي، والحياة العامة .كانت البدايات محطة ناصعة البياض رغم اجتهادية الصحابة الخلفاء وبشريتهم ونقصهم كآدميين يُصيبون ويُخطئون على خلاف صاحب الجسد الشريف المسجى في حجرات الروضة الخضراء عليه الصلاة والسلام.  لان الحياة المثالية الذي وسمت مجتمع الدعوة وبدايات تشكل الوعي الديني الاسلامي سرعان من إختفت مع بزوغ فجر الاستبداد السياسي والحكم العصبي القبلي المركزي .

الفيلسوف المُؤَدِّب وجحيم الملك العضوض:

يروي لنا المؤرخون قصة في قمة الغرابة والفظاعة والوحشية، وهو ما حصل للمعلم وعالم الكلام “عمرو المقصوص” الذي عَهِد اليه يزيد بن معاوية الاموي بتعليم وتأديب إبنه” معاوية الثاني” على عادة الملوك والأمراء في تدريب فلذات اكبادهم، و تمهيرهم على البراغما السياسية.” عمرو” هذا المنكوب والمفتون كما  يقول خالد سعيد في كتابه “أشهر الاغتيالات السياسية في الاسلام” كان قدريا يؤمن بحرية الانسان في اختياره، بل يُعتبر من الاباء الاوائل المؤسسين للفكر الاعتزالي العقلاني.  مُعضلته أنه عوّد تلميذه الخليفة” فتى بني أمية ،”معاوية الثاني بن اليزيد” على عقيدة السُخرية من تفويض الامراء على الاستئثار بالتسلط والملك والغنيمة على حساب العدالة الانسانية بقوله له “إما أن تعدل و إما أن تَعْتزِل” ***.  فوثب عليه بنو امية وقطعوا أطرافه ودفنوه حيا، بعد أن طمروه في حفرة مجهولة، وسمي مقصوصا  بسبب قص اطرافه بصورة بربرية يَندى لها جبين البشر، وقيل أنهم قَطَعوا لسانه الذي بقي يلهج بالذكر والدعاء بعد إستفزازه لهم. صُلب جثمانه في مدخل من مداخل المدينة وبقي عُرضة للتعفن  وقوتا للدود والفُرجة المقيتة الزجرية وعدا وعيدا وتحذيرا أسودًا،  لكل من تُسول له نفسه الحديث عن  الحرية أو إستنطاق النصوص الشرعية الداعية للتفكير والتفكر في الكون خارج الاجماع و المتفق عليه. دفع الرجل ضريبة رهيبة في زمن تأجيل التفكير في زمن التكفير والتجهيل السياسي. الرجل قتلته  أفكاره وتشبثه بالمثل العليا التي أملاها عليه ضميره الفلسفي .

غيلان الفيلسوف والاوزاعي الفقيه:

المثير حقا وصدقا في القصة ،الاستجواب اللاهوتي ذو الطبيعة الاستخباراتية، او سميه إن شئت تحقيق فقهي مارسه عالم له شأن كبير و مكانة في تاريخ الفقه هو “الاوزاعي707ه/774م ” مع غيلان الدمشقي  بحضرة الخليفة صاحب السلطة، وهنا تتضافر سلطتان إقصائيتان، السلطة السياسية المادية والسلطة الرمزية الفقهية لإهدار دم المُتكلم وإحلال دمه تحت شهود الزور وتلفيق تبريرية محسومة سلفا . قُتل غيلان شر قتلة، بعد جداله الميئوس منه ميتافيزيقيا ولاهوتيا مع الامام عبد الرحمان الاوزاعي في حضرة هشام بن عبد الملك الكاره والمُبغِض لغيلان، بعد حوار متشدد افتى الفقيه بقتله وقال “ان قتله افضل من قتل الفين من الروم الكفرة”1.بعض الرواة يرى أن غيلان كان محرضا على السوء والفحش الذي وصل اليه بعض امراء بني امية ولم يُخف افكاره ورأيه حول اللامساواة المُمارسة بين الرعية مما أوغر قلوبهم عليه .فالقتل كان بسكين سياسي ماكر وتأييد لاهوتي، لا طالما اذعن في مسائل مثل هاته.

قمع الفلاسفة بالشبهة :

أجدُني في منطقة وسطى بين مفترق سياقين وأطروحتين متناقضتين هوويا ومذهبيا .الايدولوجيا كانت طرفا ثالثا في الفتك بالأحرار. المفكر العراقي محسن حسين الذي يرى ان كل فترات الخلافة الاسلامية المتتالية والمتعاقبة من الاباء الى الاحفاد كانت وبالا ونكالا على الفلاسفة، عدا فترة استثنائية هي  مرحلة حكم الامير الراشد “عمر بن عبد العزيز” الذي كان فقيها ورعا  مقتصدا في العقوبات الشرعية وأمينا جدا  في دماء اهل الملة، حيث يروي الكاتب السعودي سعد بن فلاح العريفي في كتابه الضخم “الزنادقة عقائدهم وفرقهم وموقف الائمة منهم .نقلا عن إبن النديم والحموي أن الخليفة عمر بن عبد العزيز جادل الزنادقة وعلى رأسهم غيلان الدمشقي ودار بينهما حوار لطيف، إستتابه الامير بحيث قرأ غيلان سورة “يس” ودعاه بعدها الخليفة الراشد للردة عن فكره وقوله بالقدر فلم يكن  من غيلان غير إعلان  البراءة من مواقفه الكلامية والتوبة، فدعا عمر بن عبد العزيز بقوله” اللهم إن كان صادقا فثبته، وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين”.2 وهنا يتبادر تساؤل حول مصدرية ووثوقية هذا الدعاء الاخير لأمير المؤمنين الاموي عمر رضي الله عنه  الوارد في مؤلف” الإبانة” “لابن بطة العكبري”( 304ه/387ه) الحنبلي  الذي اشتهر بالروايات الضعيفة والسقيمة في سردياته والذي لم يتورع في الاستشهاد بالأحاديث الموضوعة  والأخبار المنحولة المشكوك في صدقيتها و وإسنادها وهي شهادة ائمة الاخبار والتاريخ السردي الحرفي السلفي كالذهبي وأبو القاسم الأزهري فيه ودعاة مبدأ الجرح والتعديل وعلم الرجال.

تفضيل عمر بن عبد العزيز فطرة الحوار والنقاش الهادئ بما يميه عليه ضميره الديني وحريته الايمانية،  قابله بصورة مريبة  ثقافيا وتاريخيا اصرار و موقف  الخليفة العباسي المهدي الذي كان قد أنشأ ديوانا  اشبه بخفارة استخباراتية أو وكرًا بيروقراطيًا سياسيًا، الغرض منه ملاحقة  وإستجواب والتحقيق مع المُتكلمة والفلاسفة المُتهمين بالزندقة وقد تم الضحية يبعضهم امثال الطبيب السرخسي بموجب شبهة الالحاد بعدما تم استدراجه من طرف الخليفة المعتضد  في الحوار وقد كان من خاصته وندمائه وتم تصفيته وقتله بدم بارد ودون تردد.

التوحيدي طريد الوعي الاسلامي والبلاط الاميري:

لم يسلم التوحيدي ابو حيان أو الجاحظ الثاني الذي اعتلى عرش الفلسفة ردحا من الزمن من التقزيم و التجديف في شخصه، وهو عالم عصره وأديب زمانه، صاحب الامتاع والمؤانسة. لم يكن له حظ إلا النفور والتكفير و الثلب،  لم يجد منافسا له إلا الفقر والفاقة و الصدود،  لم يرى فيه المفكر الاسلامي محمد عمارة إلا وراقا و نساخا وراوية  لا يُعتد بأدبه لقلة ابداعه وضحالة علمه وأعتقد أن المفكر الاسلامي الكبير لم يُنصف الرجل في منتوجه التراثي”أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والابداع” وتعمَّد محاكمته إيديولوجيا، فضاعت حقيقة التوحيدي رجل الكلام وفيلسوف اللغة. تأتي الادانة الفقهية الكبيرة من إبن الجوزي ابي الفرج جمال الدين الذي اتهمه بالزندقة والكفر الغامض بقوله “زنادقة الاسلام ثلاثة : ابن الراوندي، و التوحيدي، وأبو العلاء المعري وشرهم على الاسلام التوحيدي، لأنهما صرحا وهو مَجْمج (لم يُبيِّن) ولم يصرح)”3.

إن التوحيدي لم ينل حظا وافرا من الدنيا، رغم انتاجه الادبي والثقافي الكبير وتوسطه العقد بين الفلاسفة المتكلمة ورجال الادب الحصفاء. يُذكر  انه كان بائسا عاش شقاء كبيرا،  وهو يكابد ويناضل كفاف الحياة حيث لم يكن التأليف يدر عليه من مال يحول بينه وبين حاجة السؤال والفاقة والتودد للسلاطين . لم يسلم من تعنيف الاخباريين وسردياتهم البغيضة فهاهو ياقوت الحموي يصفه بأنه كان  “سخيف اللسان،قليل الرضا عند الاساءة اليه والإحسان،الذم شأنه، والثَّلب دكَّانه،وكان مع ذلك محدودا محارفا (محروما) يتشكى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه” 4.

وُصِف بسوء الطوية  الاخلاق والإلحاد وهو ما يُجمع  عليه فطاحلة الفقه والتفسير كالذهبي وابن فارس اللغوي وابن الجوزي بل أن الوزير المهلبي طلبه بعدما استتابه القضاة وكشفوا زندقته وقوله بالتعطيل ومنهم الصاحب بن عباد الفقيه فاستتر او ابطن خلاف ما كان يظهر او مال الى العمل الفكري السري ومات في الاستتار .

ابن السبعين وأزمة الصوفي الفيلسوف.

نماذج الصوفية  التي تم تعليقُ فيوضاتهم الايمانية، وطمرها في غيابات التاريخ  بفتوى سياسية،  ودحض طرائق انكشافهم عن الحقيقة الالهية بإتهام المروق عن جوهر المله .هم كثيرون في تاريخ التراث الاسلامي المنكوب بالتكفير والموبوء بالإقصاء الطهاري. لن أتحدث عن طواسين الحلاج ولا عن  شطحات السهروردي اللذين اجتاحهما سيف السلطان بتزكية من مؤسسة الفقهية السلطانية .بل عن صوفي ينتمي الى العترة الشريفة فهو من حفدة النبي الاعظم عليه السلام  شريف في قومه ومفكر من الطراز الثقيل للمتصوفة الذين اغترفوا العرفان من رياح الشرق الزرادشتي والمانوي والشرعي الاسلامي ايضا.”عبد الحق ابن ابراهيم ابن محمد الاندلسي المولود بمرسية سنة 613 م المنفي من الاندلس سنة 640 م الى المغرب التي طاف بها وجال وأسس لمذهبه في وحدة الوجود .ثار عليه مالكية المغرب واتجه الى مصر ولاحقته رسلهم اليها منفرين ومحذرين من إلحاده وقوله بالتشبيه والحلول. ارتحل مجددا الى مكة وبقي فيها يصارع حنابلة الحجاز وحين عرف ان المقام في دار الاسلام لا يطيب لخصومه اراد الرحيل لكن المنية عاجلته في مكة. و يرجح بعض الاخباريين أنه انتحر بعدما قطع شرايين يده بسكين ونزف دما حتى الموت.سنة 669 م.5″***

قراءة ابن السبعين للوجود كانت ثورة في علوم الالهيات ونموذج سابق في فهم العلاقات الميتافيزيقية التي تربط الفضاء الكوني بالسماء وقد سبِقت مقالاته الافكار الاصلاحية التنويرية لليبنيز واسبينوزا ولا أخاله،  إلا شريكا لسبينوزا في محنته اللاهوتية وهو يتعرض لنفس النقمة من حراس الشرائع. يقول عنه “الامام الجويني: “اذا ذكر أبو جهل و هامان فهو ثالث الرجلين”

يرى فيه “رشيد الرضا “”من اولئك المفتونين بوحي الشياطين من ظنَّ أنه تجاوز درجة الأنبياء، ومنهم ابن السبعين” 6 .

ربما القشة التي قصمت ظهر البعير وجعلته موضوعا للنقد الساخط والمدقع، رأيه في الحج والحجيج زوارُ بيت الله الحرام الطوافون حول كعبته الشريفة . فهو يقول ” أنهم كالحمير يطوفون حول المدار،ولو انهم طافوا به لكان أفظل لهم” 7 .وهو في هذا المقام يتوق الى رفع الحج من مجرد نسك وعبادة وشعيرة تعبدية فقط الى درجة الانسجام الروحي والتأله النفسي والارتقاء الى مقامات الحضور الناسوتي في حضرة التجلي الالهي.وهنا يمكن للغة الصوفية الشقية اللعوب أن تُغرق العارف الغارق في فناءه الحلولي في براثن التكفير والتوثين.فالمجاز الحق بالصوفية اضرارا بالغة ضربت من سوء فهمها اعناقهم وصلبوا فوق جذوع النخيل و الاشجار والصلبان بصورة وحشية بالغة الحقد والانتقام.

يروي المؤرخون للتراث الفقهي والصوفي أن النقمة على بن السبعين امتدت الى تصورات مغلوطة عنه من طرف ابن تيمية والعسقلاني وابن خلدون ويعتقد بعضهم ان خلافه الفكري مع ابن خلدون كان لأسباب شخصية جعل هذا الاخير يتحامل عليه ويوغر صدور العامة والفقهاء  في كتاباته ضده. و الاصل أن تصوراته المبكرة حول فلسفة الكون وتأويليته الصوفية وثقافته الانسانية الكبيرة وارائه الخطيرة في كتابه “المسائل الصقلية”  جلب له اتعابا مضاعفة وخصومات مجانية جعلته غير مستقر فكريا ومضطرب معرفيا وهو يستعمل نمطا لغويا دلاليا وسيميائيا لم تألف العقول الفقهية المنجرفة وراء يقين الرواية والنقل سماعه.هذا فضلا عن عقيدته في الالوهية التي لا تفصل بين طبيعة الكون الجزئية عن الطبيعة الالهية المطلقة اللانهائية.وتشملهما في وحدة مجهولة الهوية من تآلف العناصر وتكاملها وتوحدها.

ابن السبعين لم يكن مثقفا مهادنا ولا مفكرا مراوغا أو مخاتلا، بل صلب الطوية قوي في مواجهاته لا يستسلم ابدا، كان يفضل مقارعة ومجابهة خصومه فهو يقول في رسالته منتقدا فقهاء التقليد “ لا تلتفت الى الفقهاء، فإنهم لا مرتبة لهم يمكن الاعتراض عليهم..لأنهم زعموا أن الأعمال هي المرتبة الشريفة، لا من حيث الخلاص النفساني وما بعد العمل وفائدة التجرد والتخلق وأسرارهما الباطنية، بل من حيث الحكاية.وتلك الحكاية مكذوبة على المعلم أو محرفة، أو منقولة على غير وجهها، فافهم” 8.

الضغائنية والكتابات الحاقدة كانت سمة بعض الثقافات الدينية، ونمط معين من الأقلام الفقهية التي حملت على الفلاسفة. خطر الفيلسوف هو تسلُله الى وعي الجماهير بمكر. سلاسة افكاره وقابليتها للهيمنة على اي منطق هذا فضلا عن ادواته المعرفية فهو قادر على الحجاج تنويع سقف الجدال، يهرب من الصخب الحواري يجسد لعبة السجال  الاستفزازي بتطويع واقع ارتيابي أو بالأحرى دوغمائي . في أفق كل فيلسوف واعد تتأبد اسطورة سقراط الحالم بعصر الفلسفة ومملكة الفلاسفة .ابتذال وتفاهة الفكر هي ان يتحول الى طواحين تقذف كتلا  من الحماقات يتراشقها الخصوم وهمًا منهم القدرة على اثبات الذات كونهم اولياء الحقيقة .او الانفراد بالحقيقة. الدولة العربية الاسلامىة او سميه التجمع العشائري القبلي لعصبية حملت اسم دولة بني امية او بني العباس او الطولونية او البويهية او الفاطمية كانت تعامل شعوبها كرعايا في احسن الاحوال والأسوأ كأوباش طيعين تسري عليهم سلطة القاهر بأمر الله الخليفة. هو نمط شبيه بالمروق السياسي. فالدولة كأنظومة كنسق او براديغم حداثي تَشكَّل في الوعي الانساني مؤخرا، لا ينطبق على هذه المجاميع البشرية التي كانت تسير وفق تجميع المال والاقتصاد الريعي والدهاء والمكر البدوي في سياسة الخلق،  الدين في هذا التمشي ليس  إلا ضرورة نفعية فاقتناص اللحظة الذرائعية السياسية هي قنص هذا الطائر الحر كما كان يقول الملك فيصل السعودي نقلا عن مداخلة للمفكر العراقي رشيد الخيون. ” الدين طائر حر لي يصاده يقنص به”.في ظل جو مهيب مكون من الغزو العسكري فرض الضرائب او الجزية على المنهزمين او المخالفين عقديا. الانتشار الافقي لعقيدة فقهية وتيار سياسي عصبي معين كان لابد من وجود مشروعية فقهية ترعى مصائر الناس وتؤطر حضورهم الاجتماعي  بعض الفقهاء يحولون النص الديني الى مشروع سياسي سلطوي تتحقق من خلاله سطوة وحضور وحضوة الملك او السلطان او الخليفة وهو ما ظهر جليا في تحويل معضلة “خلق القرآن” الى ايديولوجيا سياسية لبني العباس ضد ايديلوجيا الارجاء الاموي .صراع القناعات الاميرية تجسد في صراع تأويلي كان النص المقدس والجليل القرآني احد بؤره واتونه.

الابتزاز الفقهي وأطروحة فتحي المسكيني:

رهان الفقهاء مع قوة ويقينية مصادرهم الجليلة التي طالما طالتها التفاسير الظاهرية والتأويلات السياسية، حين نتحدث عن رحابة وكونية كتاب الله وسنة مبعوثه الرسول عليه الصلاة والسلام، اقول امانيهم الهووية في تطويع الفلسفة لم يكن ليحدث ابدا وبصورة نهائية مغلقة نظرا لقوة الفيلسوف .حضوره الانطولوجي والموضوعي كان اكثر تأثيرا على الثقافة الاسلامية،  رغم مصادر الفلسفة لأننا سنجد ان من يعتبر الفلسفة وثنية الجذور  كما يرى فتحي المسكيني فهي ترتد الى الاغريق اصدقاء الالهة وأدعياء الطمأنينة.الشعوب تجد سعادتها وطمأنينتها وأمنها في افق تفكير الفيلسوف لكنها تجبر على الايمان بيقينيات الفقيه، لانه يبتزها دينيا من خلال فكرة الموت كما يقول المسكيني.الفقيه يعمل على تضييق الافق الميتافيزيقي للمؤمنين بقضية الخلود والعبور الى العالم الاخر يعمل على ارباكهم اخلاقيا بجعلهم محاصرين من طرف ضمائرهم الدينية، هو سفسطائي بامتياز حين يتحول الى وسيط سياسي بين البشر والحاكم فالدور الابتزازي الذي يلعبه مكنه من ابتلاع اي طموح تحرري للرعايا .إما تفويض الى حد التأليه الكامل للسلطان بحمايته بترسانة قوية من الفتاوى والاجتهادات التشريعية التي تخص الشأن العام للشعوب وهنا يمكننا الحديث عن النصوص السياسية التي تعلي من شأن التفويض الالهي للحاكم والتي هي مثار تحقيق تأصيلي لبعض الشكاك في نسبتها الى النبي الكريم.الذي كان انسانا بامتياز عظيم.

نحن نعيش ردة تاريخية فكل خطاب ثقافي لا ينوجد الا بين متلازمتي الدين والواقع.نستهلك قوى عقلانية جبارة في الاقناع المريب بتفاهة التفكير في التطرف و الارهاب.سلب منا فقه جهادي معين اي امكانية للتموقع في الحداثة وجعلنا نعيد حوارات وسجال قديم حصل في القرن الاول والثاني الهجري حول عبثية القتل بين ابناء الملة والطائفة الدينية الامة هو ما خلص اليه المسكيني في تفكيك خطاب اورثودوكسي شقي.

نحن نقتل الفيلسوف ونجعله طريد الوعي لأننا لا نترك له تلك المساحة في مناهجنا وثقافتنا والراهن اليومي بتعبيير المسكيني فتحي لا نعيد اختراعه او اكتشافه كما تفعل الحداثة الغربية مع صناع وعيها الكانطية والذين تنسحب عليهم التنويرية الكانطية. لامكان لسبينوزا الثائر في ادبياتنا الانتقائية التي نفاعل بها مع مدونات ووثائق الجاحظ المعتزلي.بما يشبه طهارة اصطفائية.مع ان ادبيات معينة تشكك في لاايمانيته وربما الحاده او في ابسط الاحوال تدينه الناقص.لان  التخشب الثقافي والعوار المعرفي جعلنا ننظر الى الواقع والمعرفة والمجتمع من خلال اعين الفقيه السلبي.التماس القناعة الفقهية كوسيط بيننا وبين موضوعات العالم الخارجي والواقع وهنا نفصل عرى المجتمع و مؤسساته وتاريخه الى مؤمنين او متدينين وغير مؤمنين لادينيين.هذا الواقع له امتداده التاريخي بعد عصر النبوة المثالية حيث كانت نصوص السماء فيصلا بين كل النزاعات والسجالات الحميدة وغير الحميدة..

الامر الوحيد الذي يمقته السياسي المتمسك بزمام السلطة اينما كان وفي ظل اي محطة تاريخية وتحت اي مظلة مذهبية او دين هو ان يعيش الانزواء الانطولوجي في مخيلة الجماهير اي أن يعيش منبوذا مثيرا للشفقة في تفكير ولا وعي شعبوي، اي ان يتحول الى امثولة او كاريكاتير أو فصل من فصول النكتة السخيفة الجوالة . والذي يؤجج هذا الشعور هو الفيلسوف لكن للأسف الذي يشرعن جور الحاكم بامر الله ويغبطه في فهم قطيع كبير من المؤمنين هو الفقيه ومن هناك كان ظهور الزنديق.الزندقة هي وصمة سياسوية ماكرة لإغراق المثقف الفيلسوف في الردة والخروج من مملكة الاله.

يميل محمد مجتهد الشبستري في كتابه ” نقد القراءة الرسمية للدين” أن الفقه تاريخيا عاش معضلة مركزية في عمقه التاسيسي والتشريعي وهي عملية الاستنباط من قضايا ثابثة ومعلومة وتأصيلية خاصة في “فقه المعاملات”حيث سماه حجة الاسلام ابو حامد الغزالي في احياء علوم الدين “بفقه السلطان لانه في مجمله كان تسويغا لاحكام الحكومات والإمارات السلطانية التي كانت تصطفي وتنتقي الفتاوى حسب ماتتطلبه رغبات الحكم والخلافة وكان الاجدر تسميته بمقاصد الحكومة بدل مقاصد الشريعة. وإن كان يمثل نظاما عقلانيا يحكم كل حقبة بشروطها السياسية والاجتماعية.9”

الخطاب الفقهي كما يرى المفكر المغربي ساعيد ناشيد  لا يخضع لصرامة منطقية يفرضها العقل الكوني بمعنى ان مباديء العقل الفقهي ذو الطبيعة الاخبارية بنحو منحى الاحكام، والحكم بدل القيم فهو يستدل اجتهاديا في النصوص وفق اطلاق قرارات الاحكام بدل القيم (وهو مايجعله متناقضا في المسلمات مع عقل الفيلسوف الذي يتنصل من الخضوع المطلق لنظام النصوص وجبريتها فتتجه احكامه الى القيم فهو معياري.

العقل الفقهي سمعي يعتمد على السماع “السمع والطاعة” كما يقول المفكر المغربي سعيد

مسلماته سكونية ثابتة .***

الفقيه يعمل على الاستثمار في سرديات الخوف لدى مجتمع الايمان كما يرى المسكيني قارئا نيتشه نظام العقوبات والحدود والتشريع اللامتناهي للعقوبات يخلق مجتمع الرعب وجحيم من مجتمع لا يفرق بين استقلاله الشخصي و ايمانه الحر وعذابات ضميره او لنقل حسب المفكر التونسي استغلال ضمير معذب يعتقد بالخلاص في نمط خاص من التبشير الفقهي بالجنة.***

قد يجد المؤمن التائه خلاصه في ايمانه الحر طواعية تحرره الحدساني هو ما يجعله يتبع اخاديد السالكين في البحث عن مملكة الرب السماوية.لذا كانت قناعة الصوفي هو التحرر من التجريد الفلسفي والقسوة الفقهية توجها الى عوالم النشوة المعرفية تحت وقع قلب نابض بالطفولة والنبوات.دمتم سعداء بشقائكم الفلسفي.

هوامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش

***-  سعيد خالد أشهر الاغتيالات في الاسلام  الناشر دار الفارابي بيرورت 2012 طبعة اولى ص.88

1محسن حسين اللامنتمي في التراث الاسلامي مكتبة التنوير ط الاولى ص 63 نقلا عن احمد بن يحي لمرتضى باب ذكر المعتزلة وطبقاتهم تحقيق توما آرلند المؤسة العربية للدراسات والنشر بيروت ص 25

 1-انظر نفس المرجع ص 63.

2-** سعد بن فلاح بن عبد العزيز العريفي الزنادقة عقائدهم وفرقهم دار التوحيد للنشر الطبعة الاولى 2013 . ص 648 .

. 3 محمد عمارة أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والإبداع الناشر دار النهضة مصر للطباعة والوزيع طبعو اولى 1997 صفحة5.

4– أحمد عبد الهادي  ابو حيان التوحيدي  فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة طبعةاولى 1997 دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة ص10.

5- مداخلة السعيد المقدمي الموريتاني “ابن السبعين” ساعة التصفح والمتابعة سا 12و 19  يوم 15/11/2020

6 -محمد ياسر شرف فلسفة التصوف السبعيني منشورات وزارة الثقافة دمشق 1990 ص  53 نقلا عن طبقات المناوي ابن العماد شذرات الذهب ج 5 ص 330.

7- نفس المرجع ص نقلا عن ابن كثير البداية والنهاية ج13ص 261

8- نفس المرجع ص 72 نقلا عن ابن السبعين (م.ت) ص 143.

9–انظر محمد مجتهد الشبستري نقد القراءة الرسمية للدين ترجمة أحمد القابنجي مؤسسة الانتشار العربي طبعة اولى  ص 179/180

.** مداخلة بتاريخ 10 ابريل 2017 ” الفتنة والاصلاح ” الهيئة المنظمة مؤمنون بلا حدود ساعة التصفح 14.00 يوم الاحد 20/09/2020.

*** فتحي المسكيني الايمان الحر او ما بعد الملة  مؤمنون بلا حدود ص 33.

لماذا أخفق محمد أركون في الردّ على سلمان رشدي؟ النبّوة بين الارتجالية والسقوط الروائي إلى الاستعلاء والإخفاق الاكاديمي

20 أكتوبر 2019 عامةفلاسفةنصوص 0

محمد بصري بقلم:  محمد بصري  بشار الجزائر الغريب في المسألة أن محمد أركون 1928- 2010 الناقد الابستيمولوجي  والمفكر الجزائري، الذي  يحظى بمكانة  ثقافية أزمية في العالم العربي والاسلامي، بدءا من التخوين الفكري والاتهام الايديولوجي الممزوج بعوالق الردّة والتكفير القادمين من ثقافة التصنيفات الاقصائية التراثية السخيفة، اُعتبر فقيها شبه اسلاموي يبشر …

شاهد أيضاً

أندريه كانت سبونفيل: تاريخ مختصر للإلحاد الفلسفي [1]

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة الإلحاد يفترض فكرة الإله، لأنه يقوم بنفيها. ولذلك فهو أقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *