الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / بين عيد الفلسفة وعيد الاستقلال

بين عيد الفلسفة وعيد الاستقلال

عز العرب لحكيم بناني

عز العرب لحكيم بناني

كنت أتمنّى أن أحتفي باليوم العالمي للفلسفة، كما احتفى به الفلاسفة واحتفت به الجمعيات الفلسفية في مختلف الربوع. ورغم ظروف المرض الصّعبة التي أمرُّ منها، أحاول أن أساهم بدوري في الاحتفاء بطريقةٍ إيجابيّةٍ، من خلال مناقشة قضايا خطرت بذهني وتقاطعت مع عيد الاستقلال الذي يتزامن مع اليوم العالمي للغلسفة. أعتقد أنَّ أفضل طريقة في الاحتفال هي الذهاب رأسا إلى مناقشة بعض القضايا التي تهم الفلسفة وتهمُّ “الاستقلال” في ذات الوقت.

بالرغم من أنَّ الظروف الصحية لا تسمح بالتّركيز الكافي، أكتفي بالدّعوة إلى تجاوز مفارقة موجودةٍ بين الدّعوة إلى الحداثة والأنوار وقيم العقل، وهي دعوة موجهة إلى الإنسان بما هو إنسان من جهة أولى وبين الدعوة إلى المشاركة في المناقشة الفلسفية للقضايا المصيرية في المغرب من جهة ثانية، وهي دعوة موجهة إلى المغربي بما هو مغربي. والحقيقة أنَّ حلول عيد الاستقلال واليوم العالمي للفلسفة في ذات اليوم مناسبة للتفكير في الجمع بين العقل والاستقلال، في ضوء قضايا “تقرير المصير” و”الحكم الذاتي”. سأعالج هذه المفاهيم في إشارة أوليةٍ وجدِّ مقتضبة إلى أصولها الفلسفية.

ذلك أننا ننسى في كثير من الأحيان أنَّ المفاهيم الحقوقية والسياسية تتضمن حمولةً فلسفية لا ننتبه إليها لأول وهلة. ننسى ذلك في خضمِّ المناقشة السياسية والإيديولوجية التي لا تنبني على أساس فلسفي سليم. ذلك أنَّنا لا نستطيع استيعاب الإشكالات الحقوقية التي يطرحها حقُّ الشعوب في “تقرير المصير” دون أن نفهم مرجعيّتها الفلسفية. كما لا نستطيع أن ندافع عن “الوطنية” والولاء للوطن دون امتلاك حجج فلسفية مناسبة بعيداً عن الخطاب العاطفي الموسمي وبدون جدوى على المدى الطويل.

لذلك أعتقد أن الطريق الصحيح هو الجمع بين الدراسات التاريخية والبحث الفلسفي فيما يتعلق بدراسة مفاهيم “تقرير المصير” و “الاستقلال” و”الحكم الذاتي”، نحن نجد أدبيات لا متناهية في الموضوع في الكتب الفلسفية المتخصصة؛ ذلك أنَّ إثبات المرجعيات الفلسفية لهذه المفاهيم يُسهِّلُ صياغة الحججِ العقلانيّةِ التي تكتفي ببيان تناقض معنى “حق تقرير المصير” بالنّظرِ إلى تقابله مع مفهوم السّيادةِ.

يترجم الاصطلاح العربي “تقرير المصير” في الأصل المصطلح الألماني « Selbstbestimmung » وقد ترجم الأصل الألماني إلى عبارتين مختبفتين وهما « la destination de l’homme » وإلى مصطلح « autodétermination » . مصطلح « autodétermination » هو الترجمة السليمة للأصل الألماني الموروث عن المثالية الألمانية. ونحن نذكُرُ مصطلح “تقرير المصير” بالمعنى الذي يفيد أحيانا لدى علماء النفس “استقلال المرء عن المحيط والقدرة على اتخاذ القرار دون أن يظل تحت الوصاية. لكن تقرير المصير الذي يُعتَبرُ خطوةً أساسية في بناء الشخصية المستقلة يحتاج إلى عمل سابق وهو الوعي بالذّات، حينما تحقِّقُ الأنا وحدتها الجامعة بين الأنا التي تفكر والأنا التي أصبحت موضوع تفكير.

يتبين أولا بأن “تقرير المصير” يقال أولا على الأفراد، كما لا يفهم إلا في ضوء تقابله مع الوعي بالذات. الوعي بالذات هو القدرة على صياغة ذات عاقلة من زاوية نظرية؛ أما تقرير المصير فهو يشر إلى قدرة الشخص على اكتساب استقلاله وتحمل مسؤولية أفعاله بحكم الحرية التي تعتبر قيمته المعيارية الموجّهة.

تمَّ الانتقال بعد ذلك من تصور”تقرير المصير” الخاص بالأفراد داخل المثالية الألمانية إلى تصور جديد يتجاوز الفرد الواحد في مرجعيات مختلفة مثل مرجعية هيدغر عن “الوجود- مع” أو الوجود – الجماعي Ge-meinschaft. يحقُّ لأية مجموعة أن تتكتل داخل كتلة collectif بالمعنى المنطقي للكلمة.

السؤال المطروح: على أي أساس انتقلنا من تشكل “مجموعة من الأشخاص” إلى فكرة “الذات الجامعة” التي تفيد استقلال الذات الجديدة عن الجماعات الأخرى؟

لا نملك معايير واضحة لتشكل “ذات جامعة” (صحراوية) خارج مشترَكٍ ثقافي تاريخيٍّ يجمع بين كل المغاربة.

عندما نتحدث عن تقرير المصير بالمعنى الذي يتجاوز الآحادَ، نطرح الأسئلة التالية على من ينتصرون لعقيدة “تقرير المصير” :

لماذا لم يقم سكان طرفاية ولا سيدي إيفني بالمطالبة بتقرير المصير قبل عودتها إلى الوطن الأم؟ كان المبرِّرُ الممكن هو القول إنَّ هذه الأقاليم كانت خاضعة للحماية الإسبانية وقت وضع القوانين والدستور، لكنَّ مبرِّرَ الانضمام إلى الوحدة الترابية كان أكبر من ذلك وهو العلاقات القانونية والأعراف التي كانت تحكم علاقة بيعة القبائل بالسلطة المخزنية.

لماذا لم تقم طنجة بعد أن كانت مدينة دولية ولا المنطقة الخليفية الخاضعة لإسبانيا بالمطالبة تقرير المصير؟

لأن كل هذه الجهات “تشعر بالانتماء” إلى نفس الدولة بما أنها كانت تحتكم إلى علاقات بيعة تاريخية موثوقة بين القبائل والسلطة المركزية. وما يصدُقُ على مناطق المغرب في الشمال يصدق على مناطق المغرب الأخرى في الجنوب. اندمجت كلُّ المناطق التي خرجت من الحماية الفرنسيّة أو الإسبّانية داخل مجالها الجغرافي والثقافي الممتدِّ عبر رُبوع البلاد. تمتلك كلُّ منطقةٍ ما يجمعها بباقي الرُّبوع وما يفصلها عنها. لم تطرح أيّةُ منطقة الحقَّ في “تقرير المصير” من الزاوية التي ينادي بها دعاة الانفصال، ولكنه يحقُّ لكلِّ جهةٍ أن تدافع عن خصوصيّتها وأن تحمل “تقرير المصير” على المعنى الفلسفي الذي يروم تحقيق الآمال والأحلام والأهداف الحياتية للأفراد داخل الجماعة.

وعليه، من حقنا أن نُرْجِعَ مصطلح “تقرير المصير” إلى معناه الفلسفي الأصلي الذي يستكمل مبدأ “الوعي بالذات”. على هذا النحو، نزيل الالتباس الذي صاحب استعمال المصطلح. لا يستخدم الطفل “تقرير المصير” في معنى اختيار أسرةٍ جديدةٍ بديلا لأسرته التي لا تعجبه أو اختيار لغةٍ جديدةٍ. ذلك أنَّنا لا نتخيّلُ أنَّ الطفل سيجد مبرّراً يرفُضُ به الانتماءَ إلى لغته ووطنه ودينه وأسرته. ولكنَّ الطفل والراشد على السواء، كما هو حال كلِّ كائنٍ عاقلٍ، مصيبٌ في المطالبة “بتقرير المصير” وهو يعني بذلك اختيار مستقبله كما يشاء. وكلما ازداد ‘الوعي بالذّات’ توسعت مجالات تقرير المصير، مثل الحق في اختيار المهنة أو شريك العمر. على نفس النحو، فإنَّ الجماعات الترابية والجهات تشبه الأفراد في سعيها إلى “تقرير المصير” في القضايا التي تهمُّ الاختيارات الذاتية في مجالات الصحة والتعليم والبحث العلمي والاستثمار. وكلما تزايد “الوعيُ بالذّاتِ” أي كلما ارتقت الجماعات المحلية في معرفة الواقع ومواطن الخلل التي لا تساعد على تحقيق الرَّفاه العامّ، كلما تضمّن تقرير المصير توسيعَ الاختصاصات من أجل تحقيق الغايات العظمى للجهة.

وفي الأخير، يبدو أننا لمّا نستعمل “تقرير المصير” خارج الأصول الفلسفية، نستعمل المصطلح بالمعنى الذي ورد في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهو أحد أمرين، إمّا أن تطالب به شعوبٌ أصليّةٌ لم ترتبط يوما بأية رابطة قانونيّةٍ مع أيّةِ جهةٍ؛ وإمّا أن تقوم جماعة من المغامرين والرّحَّل باحتلال “أرضٍ خلاء” من أجل إنشاء دولة خاصةٍ بها. لا نملك في الحقيقة دليلا لتكذيب هذين الرأيين خيراً من الاندماج المتدرج الذي بدأ في التحقق بين الأقاليم الجنوبية وباقي ربوع المغرب. ومع ذلكَ، عندما نسترجع الصورة الإيجابية لتقرير المصير من داخل الفلسفة، لا شيءَ يمنع من تطوير قدرات “الوعي بالذات” وتحقيق الاستقلال الذاتي في كلّْ القرارت المصيريّةِ، مع الحفاظ على واجب التضامن والتعاون بين كلِّ جهات البلاد.

عز العرب لحكيم بناني: المسافة بين الفلسفة والعلم في ضوء ابن رشد

9 مايو 2020 تغطيةشاشةفلاسفة 0

عز العرب لحكيم بناني عز العرب لحكيم بناني أشكر في البداية الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة وجمعية أصدقاء الفلسفة على الدعوة الكريمة إلى لقاء فكري في موضوع المسافة بين الفلسفة والعلم في ضوء ابن رشد.أعتمد هنا كتاب “الضروري في السياسة” أو “جوامع سياسة أفلاطون” في ترجمة الأستاذ أحمد شحلان 1998 وأسعى إلى …أكمل القراءة »

عز العرب لحكيم بناني: الجابري بعيون ألمانية

4 مايو 2020 فلاسفةمقالاتمقالات 0

عز العرب لحكيم بناني بقلم: عز العرب لحكيم بناني مفهوم التراث بناء المستقبل وحفظ الذاكرة من خلال الترجمة الألمانية لبعض أعمال الجابري مقدمة: حضور الجابري بالغرب بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الفيلسوف والمفكر المغربي محمد عابد الجابري، أنشر نص المداخلة التي قدمتها بمناسبة ذكرى وفاته في إحدى السنوات الماضية، وكنت قد …أكمل القراءة »

موريس بلانشو: العزلة الجوهريـــــــة

7 سبتمبر 2020 ترجمةكتبنصوص 0

ترجمة : الحسن علاج يبدو أننا نتعلم شيئا ما حول الفن ، حينما نسعى إلى اختبار ما الذي تشير إليه عبارة عزلة . وقد أسيء كثيرا إلى هذه العبارة . ومع ذلك ، ما معنى أن ” يكون المرء وحيدا ” ؟ متى يكون المرء وحيدا ؟ إن طرح هذا …أكمل القراءة »

درس محمد عابد الجابري: في الحاجة إلى إعادة “كتابة تاريخ الفكر العربي”

29 يوليو 2020 أنشطةفلاسفةمقالات 0

محمد ازويتة محمد ازويتة الدروس التي قدمها الجابري عديدة . للأسف ، لم ينتبه إليها الكثير ممن”  ناقشوا ” مشروعه النقدي ، دعنا نقول بأنه لأول مرة مع الجابري ، صار تاريخ الفكر العربي المعرفي ، السياسي والأخلاقي واضحا منظما على صعيد الفهم و المعقولية ، بعد أن كان مشتتا …أكمل القراءة »

أندريه كونت ـ سبونفيل: باسكالي ملحد، ماعدا الإله

‏أسبوع واحد مضت ترجمةجرائدفلاسفة 0

أجرى الحوار : سيفن أورتوليه ترجمة : الحسن علاج ” باسكالي ملحد ” ، يحيي المفكر أندريه كومت سبونفيل(André Comte – Sponville)  في مؤلف خواطر  كونه مفكرا تراجيديا . فلدى هذا الفيلسوف بضمير المتكلم في كتابات يخترقها الوميض ، يستحسن الوضوح السياسي ، الاستبصار السيكولوجي ، والوضوح الجذري والمحرّر ” …أكمل القراءة »

دوني كامبوشنر: تجديد التأمل التربوي فلسفيا ([1]) (الجزء الأول)

‏أسبوعين مضت ترجمةديداكتيك الفلسفةمقالات 0

نور الدين البودلالي Denis Kambouchner ترجمة: نور الدين البودلالي يبدو أن العنوان المقدم لهذه الندوة و كأنه عنوان برنامجي programmatique. لا أحد يمكنه أن ينكر مصاعب هذا النوع من العناوين: الإفراط في التعميم؛ ثقة مفرطة في توصيفٍ أو توصية هي، زيادة على ذلك، لا تتوافق من جميع النواحي مع كفاءة …أكمل القراءة »

مفارقة حرية الرأي والتعبير

‏أسبوعين مضت Non classéمتابعاتمفاهيممقالات 0

عز العرب لحكيم بناني عزالعرب لحكيم بناني أكتشف مفارقةً لا توجد إلا في المجتمعات التي تسعى إلى انتهاك “حرية الرأي والتعبير” من خلال التَّرويجِ لصورٍ شعبويّةٍ ومبتذلةٍ لحرية الرأي والتعبير. وهذا ما يُنذِرُ بالتّشويش السلبي على معنى الحرية. تقوم كثير من الدُّول بفتح المنابر الإعلامية للإسفافِ والابتذالِ من أجل تقييد …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: العلوم التربوية والبيداغوجيا*

‏3 أسابيع مضت أخرىترجمةعامةمتابعات 0

ترجمة: نور الدين البودلالي نور الدين البودلالي المترجم: هذه الترجمة إلى روح أبي الذي وافته المنية وأنا أعدها للنشر «صحيح أن علوم التربية تزخر، كل واحدة في مجالها، بالكثير من الحقائق التي يمكن التحقق منها. إلا أن البيداغوجيا ليست، بالقدر المطلوب، هي علم التربية. إنها ممارسة لقرار متعلق بهذه الأخيرة. …أكمل القراءة »

فرناندو سافاتار و تصوّره للعالم بعد كوفيد 19

18 أكتوبر 2020 ترجمةمتابعاتمفاهيم 0

ترجمة: منعم الفيتوري تحدّث الفيلسوف الاسباني فرناندو سافاتار عن كوفيد-١٩، وما سيكون عليه العالم بعد الوباء في إطار مشروع رقمي تم التّرويج له في مهرجان هاي. تساءل الفيلسوف بقسوةٍ عن الذين يعتقدون أنّ هذا الوضع الذي تمرّ به الإنسانيّة، الغير عادي، بأنّه حالة حرب. وأكّد بأنّ هؤلاء الذين يريدون تطبيق …أكمل القراءة »

مفارقة التمثيلية والشعبوية

17 أكتوبر 2020 عامةمفاهيممقالات 0

عز العرب لحكيم بناني عزالعرب لحكيم بناني كنت قد سمعت يوماً ما رأياً غريبا بخصوص تعويضات نواب الأمّة والمستشارين وغيرهم من الفئات المنتخبة: يقول هذا الرأي: هل تظن أنَّ المجالس المنتخبة كانت ستحظى بهذه الأهمية لو لم توجد مصالح ملفتة للعيان تتحقق من خلال تلك المجالس؟ هل تظن أن المرشحين …

شاهد أيضاً

سيولة الخوف في زمن الكورونا…الهلع مما لا يمكن إدارته

الزهرة قني الزهرة قني / الجزائر “الشيء الوحيد الذي لابد أن نخافه هو الخوف نفسه”                                        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *