الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / الرؤية الجمالية في التعليلات الفلسفية: نظرة فيثاغورس وأفلاطون لها

الرؤية الجمالية في التعليلات الفلسفية: نظرة فيثاغورس وأفلاطون لها

رحموني عبد الكريم


رحموني عبد الكريم

ظلت الرؤية الجمالية مقترنة بالفلسفة، ملائمة للفيلسوف المتأمل في الكون والعالم ومظاهر الحياة الصعبة، والظروف الاجتماعية القاسية، الملهمة له و الصانعة منه مفكر ينأى عن هذه الصعاب ويقصد إلى الذوق،  يبدع  أشكالا و جمالا، تصير ملكة رمزية متقررة تبلغ تحققها في الكتابة تنسيه القسوة وصعوبة العيش. وعلم الجمال الذي يتناول الإنسان في نشاطه المبدع لهذه الصور الجميلة يعد من أصغر أبناء الفلسفة؛ لأنه « لم يستقل عن نظريات المعرفة والخير إلا في العصر الحديث وعلى وجه الدقة في القرن الثامن عشر عندما أطلق الفلاسفة الألمان والأوربيون كلمة Aisthetics  على ذلك الفرع من فروع الفلسفة الذي يعنى بشعور الإنسان بالجمال وتذوقه وإبداعه له في الفنون المختلفة ».[1]

 فالمتعارف عليه ليس معنى ذلك أن قدماء الفلاسفة لم يعنوا بتناول موضوع الجمال في دراساتهم الفلسفية، وتعليلاتهم الفكرية بل أقاموا له جناحا خاصا في عمارتهم اللوغوسية وأعمالهم الفلسفية العديدة حتى أضحى الابن المدلل لأمه الجميلة الفلسفة.

حكماء الحضارة اليونانية وتعليلاتهم الفلسفية للجمال:

    إن الضرورة اُلملحة لعلم الجمال في التفكير الفلسفي تقتضي منا البحث والتقصي كرونولوجيا لهذا المفهوم، بدء من الحضارة الإغريقية مهد التأريخ والتأصيل لنظرياتهم الفلسفية ومنابع أفكارهم ومشارب حكمتهم، إذ لم يكن مفهوم الجمال عند اليونانيين قاصرا على الشعر والنحت والموسيقى والغناء وغيرها من الفنون الجميلة،بل كان يشمل العديد من الصناعات المهنية كالنجارة والحدادة والبناء وغيرها من مظاهر الإنتاج الصناعي.

و عليه فإن أقدم ما وصلنا من مظاهر الفكر الجمالي عند اليونان، ما وضعه هوميروس من نصوص جمالية في أشعاره وأساطيره مؤسسا للذوق الجمالي ما دام يملك بداخله دلالات تم تشكلها عن طريق الكلمات.

الحكيم فيثاغورس  والرؤية الجمالية للعدد:

يعد فيثاغورس محبا للحكمة، مدافعا عن اللوغوس، مقدسا للعدد سر الكون والتأسيس، ربط التأمل الفلسفي بالتذوق الفني للموسيقى بالنطة العددية، وتناغم الأعداد فيما بينها يحدث ذلك التناسق والانسجام « وقد انتهى فيثاغورس من تحليله للموسيقى إلى وضع تفسير لأنغامها وفسر التوافق الموسيقي أو الهارموني بأنه يرجع إلى وجود وسط رياضي بين نوعين من النغم».[2]

 فتصبح نظرية فيتاغورس الجمالية هي انعكاس لفلسفته القائمة على العدد التي تصور العالم من خلالها تصورا رياضيا وتناغما موسيقيا بين الأعداد، فلا يمكن الانتقال في الكون إلا من خلال انتقالا منسجما من عدد إلى عدد؛ وهذا الانتقال المنسجم يؤلف نغما موسيقيا وبعدا أستطيقيا تسلسلت النطات الموسيقية فيه بغية إحداث  الصوت أو السمعيات Acoustics )  (التي تؤلف العالم و الكون معا وتجعل الإنسان يتذوق الجمال في المظاهر الطبيعية للكون عن طريق تناغم الأعداد فيما بينها.

 « توصل الفيثاغوريون إلى فكرتهم الجديدة في تفسير طبيعة الأشياء. لأن العدد هو الحقيقة المعقولة المفسرة لظاهرة الصوت المحسوسة فيمكن أيضا أن يكون الحقيقة المفسرة لجميع الأشياء سواء منها المحسوسة أو العقلية ». [3]

فالعدد هو الأداة الوحيدة التي يتوفر عليها الإنسان في التأسيس للعالم والكون واللوغوس، لهذا وجب «أن يقاتل الناس من أجل اللوغوس أو القانون العقلي كما لو كانوا يقاتلون دفاعا عن أسوار مدينتهم.»

الوحدة المتعالية في فلسفة أفلاطون الجمالية:

 قدم أفلاطون أبو المثالية الفلسفية الجمال على أساس مثال ونموذج خالد يتأمله الفنان بناء على عقله، وفي هذا العالم المثالي الذي يتصف بالحقيقة والجمال والخير والخلود ما يذكر النفس أصلها السماوي، « ويجعلها تحن إليه وهي على هذه الأرض، أنها تتوق لمعاينته والاتصال به كلما صادفت ما يذكرها إياه، وأكثر ما يذكرها هذا العالم هو الالتقاء بالجمال، ولذلك فهي تهيم حبا بكل ما هو جميل، لأنه وسيلتها للارتفاع إلى هذا العالم».[4]

كان أفلاطون ينتقل مثلا من الجمال الحسي إلى الجمال الخلقي، ثم من الجمال الخلقي إلى الجمال العقلي، لكي ينتهي في خاتمة المطاف إلى الجمال بالذات أو مثال الجمال.وهذه النظرة تطلب الجمال لغايته وذاته دون نفع، وما الجمال عند أفلاطون سوى الخير نفسه لهذا وجب البحث الدائب عن الجمال بعيدا عن اللذات والمنافع والمصالح الضيقة. والقارئ لكتابه الجمهورية يقف على مدى الربط القوي بين الجمال والحياة الأخلاقية ومدى الانسجام بين السلوك و الذوق الفني في خدمة المجتمع اليوناني.

نحن اليوم نعيش في مجتمع عربي مؤزم، محكوم بالتشرذم والانقسام، فلا مناص لعلاجه إلا بفلسفة فيثاغورس القائمة على اللوغوس المقدس للعدد في تناغمه وانسجامه وكذا توظيف النظرة الجمالية عند أفلاطون التي تلح على التخلص من العناصر الضارة بالمجتمع  فهو علاج الفرد ونفسه وتحقيق توازنها بتخليصها من زيادة الانفعالات الضارة بها. وعليه فهي السيمة الغالبة على الجمال والبحث في خصائص التعبير الفني الجميل،لأن الإنسان حين يستجيب للجمال فإنه يستجيب بعقله و بجميع مشاعره لأنه يخاطب الوجدان والفكر معا.

قائمة و المراجع:

  1. أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، دار المعارف، القاهرة،دون طبعة.
  2. أميرة حلمي مطر:فلسفة الجمال من أفلاطون إلى سارتر، القاهرة، كلية الآداب، طبعة 1974.
  3. أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، طبعة جديدة 1998.

الأستاذ رحموني عبد الكريم. باحث من الجزائر.

ثانوية:أبي الحسن الأشعري …القنادسة ولاية بشار.

1 أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، دار المعارف، القاهرة،  ص: 06.

 2أميرة حلمي مطر:فلسفة الجمال من أفلاطون إلى سارتر، القاهرة، كلية الآداب، طبعة 1974، ص:23 .

 3أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، طبعة جديدة 1998، ص:74.


[1]  أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، دار المعارف، القاهرة،  ص: 06 .

[2]  أميرة حلمي مطر:فلسفة الجمال من أفلاطون إلى سارتر، القاهرة، كلية الآداب، طبعة 1974، ص:223 .

[3]  أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، طبعة جديدة 1998، ص:74.

[4]  أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، دار المعارف، القاهرة،  ص: 33.

النص الفلسفي متعة التدريس وكفاءة التأسيس

28 فبراير 2020 ديداكتيك الفلسفةمجلاتمقالات 0

عبد الكريم رحموني رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر النصوص الفلسفية و مكتسبات التأسيس: إن المواصفات الايجابية والمكتسبات التأسيسية التي تسعى إليها بيداغوجيا الكفاءات في منهاجنا التربوي الجزائري تَرومُ إلى خلق تواصل علائقي بين مادة الفلسفة والنصوص المغيبة فيها، وبالأحرى مد جسور التصالح و”إستطيقا” التواصل بين المدرس والنص الذي يعتبر …أكمل القراءة »

“العنف بين العقل والوجدان”

20 فبراير 2020 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

رحموني عبد الكريم رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر يعرف الإنسان بخاصيتي العقل والعاطفة، فالفكر ملكة للإدراك والامتلاك والقلب مستودع الشعور والوجدان ، وبينهما ينزع المرء نزوعا فيتواصل مع الغير بالحوار ويقدم وجهات النظر، ويذود عنها بكل قوة فيغضب وينفعل لإشباع رغباته الأنانية على حساب الآخر بغية امتلاكه والسيطرة عليه …أكمل القراءة »

الفلسفة فريضة التفكير… أم زندقة وتكفير

8 سبتمبر 2019 عامةمفاهيممقالات 0

عبد الكريم رحموني رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر التفكير الفلسفي المعطيات والعلامات:        للتفكير الفلسفي علامات يقفوها الفطن ويهتدي إليها الذكي، يحوكها العالم وينسج على منوالها، يعشقها الفيلسوف، ويتشبث بها كل محب للحكمة الفلسفية والباحث عن الحقيقة المعرفية. هذه العلامات صفاء في الفكر، واستقامة في التأمل، و إثارة للسؤال …أكمل القراءة »

الكتابة بين القراء والنقاد

24 يوليو 2019 عامةكتبنصوص 0

رحموني عبد الكريم رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر في الكتابة يملأ اليراع الصفحات، يشق عباب موج اليم بالكلمات، يكتب، يشطب، يرتب يوضب، ينبض بحجم مفردات تزدحم عليه، تتدفق كسيل عارم حطه الفكر على ثنايا صفحات منسية، مبعثرة هنا وهناك، مهمشة مرمية، مصفوفة على أدراج المكتبات، ، متناسية بين صفحات …أكمل القراءة »

الفكر العربي المعاصر وسؤال النهضة

2 يوليو 2019 أخرىمفاهيمنصوص 0

رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر عبد الكريم رحموني يكتسي الخطاب العربي الحديث طابعا، إشكاليا، عويصا، مؤسسا على  جدلية الأنا والغير؛ هذه الجدلية التي تبلغ تحققها الأعلى في التساؤل الجوهري:لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟     رصده المفكر الأديب اللبناني شكيب أرسلان(1869-1946) في كتابه ” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم “ …أكمل القراءة »

النص الفلسفي بين التوظيف والتخويف

7 يونيو 2019 أنشطة ومواعيدديداكتيك الفلسفةمقالات 0

الأستاذ رحموني عبد الكريم رحموني عبد الكريم ثانوية أبي الحسن الأشعري …القنادسة  بشار  الجزائر أهمية النص الفلسفي في المسعى الديداكتيكي     ولا يزال أساتذة الفلسفة في مرية من توظيف النص الفلسفي أثناء تدريسهم لهذه المادة، التي تستوجب الإبداع والتفكير والنشاط الحر، وتدعو التلميذ إلى التأمل المنتج وتحفز قدراته العقلية وتحرك …أكمل القراءة »

الدرس الفلسفي ومتعة المفهوم

19 مايو 2019 ديداكتيك الفلسفةعامةمقالات 0

ظلت الرؤية البيداغوجية وإستراتيجية تقديم الدرس الفلسفي الممتع ردحا من الزمن تنطلق من رؤية جزئية أحدية متعالية ضيقة، أو ربما تعاملت مع الدرس الفلسفي من خارجه بناء على معطيات نفسية مزاجية وقوالب اجتماعية جاهزة، وتكوين جامعي لا يرقى إلى مستوى إعداد ذلك الطالب “مشروع الأستاذ المبدع ” المتحكم في تقنيات تسيير الصف وتقديم درسا فلسفيا ممتعا، على طريقة صاحب كتاب “ماهي الفلسفة” جيل دولوز(1925- 1995 ) الذي يعتقد أن “الفلسفة هي فن تشكيل وإبداع وصنع المفاهيم، إذ أن المفاهيم لم تكن مفردات للحقيقة، بقدر ما تصير أدوات أو مفاتيح تتعامل مع أجواء الحقيقة.[1]”

شاهد أيضاً

سيولة الخوف في زمن الكورونا…الهلع مما لا يمكن إدارته

الزهرة قني الزهرة قني / الجزائر “الشيء الوحيد الذي لابد أن نخافه هو الخوف نفسه”                                        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *