الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / هل الغرب فاسق فاجر؟

هل الغرب فاسق فاجر؟

رسلان جادالله عامر

هناك فرق كبير بين تفهّم الآخر وبين موافقته على ما يتبناه من عقائد وآراء، ففهم الآخر يعني معرفة الطريقة التي يفكر بها ونظرته إلى الأمور والكيفية التي يرى فيها الخير والشر والأسلوب الذي يتخذ فيه مواقفه، والغاية من ذلك هي تصحيح صورة هذا الآخر مما يشوبها من تشويه، والسعي للتفاهم معه والاعتراف المتبادل به كمختلف.. وكشريك رغم هذا الاختلاف في عالم إنساني واحد!

وهذا هي غاية هذه المقالة، التي تهدف إلى توضيح الطريقة التي يفكر بها الغرب إزاء قضية جد حساسة هي العلاقة بين الجنسين، ولكنها لا تهدف قطعا للترويج لهذه الطريقة، والموقف منها يبقى شأنا خاصا.

السائد لدينا هو النظر بإدانة واستهجان إلى نمط الثقافة الجنسية المنتشر في الغرب، واعتباره بسببها فاسقا فاجرا واحتقاره وكراهيته بسبب ذلك!

هذه النظرة إلى الغرب نقيمها على أساس تقاليدنا وقواعدنا الأخلاقية الخاصة، ثم نسقطها على الغرب، فيصبح من وجهة نظرنا فاسد الأخلاق، لأن تقاليده ونواظمه شديدة الاختلاف عما لدينا؛ والغرب بدوره يفعل أمورا مشابهة، فهو أيضا كثيرا ما يسقط قوالبه الجاهزة علينا، فيسئ بدوره فهمنا وتقييمنا والحكم علينا، وفي كلتا الحالتين يرى كل طرف الطرف الآخر في صورة سيئة لا تعكس حقيقة ما هو عليه.

من هنا تأتي أهمية الحوار، والغاية منه ليست إقناع الآخر بوجهات نظرنا الخاصة، بل توضيح حقائقها له ليفهمنا جيدا ويكوّن عنا الصورة الصحيحة، والعكس بالعكس.

منذ قديم الزمان قال الإمام علي “ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه”، وهذه قاعدة كبيرة يجب أن يتعامل بها المختلفون بين بعضهم البعض، فغالبا ما يعتقد كل منهم أن المختلف عنه، والذي لا يلتزم بما يراه هو شخصيا خيرا وفضيلة، يتعمّد اختيار الشر وإنكاره ويرفض بشكل واع الخير، وهكذا لا يفكر كل منهم أن هذا المختلف الآخر ربما هو قطعا لا يتغيا الشر ولا يتعمده،  لكنه يسعى إلى الخير بدوره بصدق، ويصل إلى نتائج مختلفة، وقد يكون مخطئا في ذلك بحسن نية، أو مصيبا فيه بسبب نسبية الخير وقابليته للتعدد في حالة ما.. أو حتى بسبب خطأ الطرف الأول في تقييمه للخير جزئيا أو كليا.

فأين موقع الغرب من الخير في موقفه من الجنس، وهل هو فاسق فاسد كما نصمه.. أم أنه يرى الأمور بطريقة مختلفة عما نراها، ولا يستخدم نفس معايير الخير والشر التي نستخدمها؟

في حقيقة الأمر الغرب بدوره ينظر إلى تقاليده وعاداته وقواعده نفس النظرة التي ننظر فيها نحن إلى مثيلاتها لدينا، وهو يرى في هذه الأمور خيرا.. وتماما بنفس الشكل الذي نفعله نحن، والغربيون لا يفعلون في الجنس ما يرون هم أنه رذيلة، فبرأيهم هم يفعلون أمرا سليما ولا يخرق الأخلاق، وبذلك عندما يقيم الشخص منهم علاقته وفق معايير مجتمعه السائدة، فهو  فيها لا يشعر بالعيب أو العار أو الإثم  لأنه يؤمن بأن ما يفعله ليس غلطا ولا شرا، وبذلك يبقى هذا الغربي في حالة توازن قيـَمي وتصالح أخلاقي مع نفسه، وهذا يقودنا  في المحصلة إلى حالة من نسبية الأخلاق!

وما يعينا في هذا النقاش ليس الحكم بشكل مطلق على هذه النسبية الأخلاقية، ولكن التعامل معها كأمر واقع لأنها فعليا أمر واقع، وكل مجتمع لديه أخلاقه الخاصة التي يختلف فيها بالقليل أو الكثير عن سواه، ورغم أنها قد لا تكون قطعا الأفضل.. فهو نفسه يعتبرها الأفضل!

يرى الغربيون أن شرعية العلاقة الجنسية من الناحية الأخلاقية تقوم على حرية الإرادة إذا كان طرفاها شخصين راشدين، وهذا هو المبدأ التأسيسي لهذه الشرعية التي تنسجم مع ليبرالية التقاليد الغربية، ولذلك هم يتركون للناس أن يختاروا في الجنس شكل العلاقة الذي يفضلونه، كما يختارون في السياسة من يحكمهم، ويختارون في الدين العقيدة التي تعجبهم، وبذلك تتعدد أشكال العلاقات الجنسية في الغرب، فهناك  الزواج، وهناك العلاقات بدون زواج، وهناك أيضا الرهبنة والتبتل، وكل هذا مقبول في الغرب، كما هو مقبول أن يكون الشخص في السياسة ليبراليا أو اشتراكيا أو قوميا أو لا حزبيا، أو يكون في الدين مسيحيا أو مسلما أو بوذيا أو لا دينيا، وهلم جرى، والمبدأ السائد هنا هو قبول التعدد والاختلاف، وهو كذلك في العلاقات الجنسية، وهذا ما يساء فهمه حيث يُعتقد أن الثقافة الغربية مبدؤها في الجنس هو “العلاقة بدون زواج”، فالمبدأ هناك ليس هو العلاقة بدون زواج، ولكنه قبول أن يختار الشخص الزواج أو العلاقة بدون زواج أو حتى الرهبنة إن أراد، والتقاليد الغربية الراهنة فعليا لا تجبر أحدا على خيار محدد في العلاقات الجنسية أو المواقف السياسية أو المعتقدات الدينية وهلم جرى…

وهكذا نكون قد وصلنا إلى النتائج التالية:

  • العلاقة الجنسية في الغرب تقبل التعدد والاختلاف كما تقبله ميادين الحياة الأخرى.
  • حرية الإرادة هي أساس الاختيار في العلاقة الجنسية كما هي كذلك في باقي المجالات، ولا يفرض على الشخص خيارات يقوم بها سواه.
  • الغرب نفسه يرى في التعددية وقبول الاختلاف والاختيار الحر في جوانب الحياة المختلفة بما فيها العلاقات الجنسية خيرا حقيقيا، وهو لا يعتبرها شرا ويتعمدها رغم شرها!

ما يعني أننا في المحصلة اختلفنا في المسألة المطروحة مع الغرب على “الخير”، فكل منا يقصد الخير بطريقة مختلفة عن الآخر، وهذا يعني من حيث المبدأ أن استعمال أسلوب “شيطنة الآخر” هو أسلوب باطل تماما، ويجب التخلص منه!

إذا في الخلاصة كيف نقيّم الغرب؟

كما سلف الحديث، التقييم الصحيح هو ليس في إدانته أو تجريمه، ولا في إعطائه صكوك براءة، ولكن في اعتباره “مختلفا” والاعتراف به كـ “كمختلف”.

بالطبع هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن ننتقد المختلف، ولكن النقد غايته إظهار الحقيقة وليس إلغاء أو تحقير الآخر، وبما أن حسن النوايا وحده لا يصنع الخير حكما، فمن هذا المنطلق يمكننا القول أن الغرب الحديث سقط بقوة في ثقافة الاستهلاك، وهذه الثقافة الاستهلاكية هيمنت على كل مجالات حياته، والعلاقات الجنسية فيها ليست استثناء، ومع هيمنة هذه الاستهلاكية المتضخمة أصبحت الإنسانية هي الأضعف، وهي تتراجع تراجعا متواصلا سريعا وشديد الخطورة، يهدد فعليا بضياعها.

وهذا يعني أن الغرب لا يصلح قطعا قدوة إنسانية، وهو مطالب بقوة أن يراجع نفسه ويغيّر أسلوب حياته بشكل جذري قبل فوات الأوان!

لكن نحن أيضا مطالبون بفعل الشيء نفسه رغم ما بيننا وبين الغرب من اختلافات كبيرة في أساليب الحياة في مختلف الميادين، ونكذب على أنفسنا أكبر الكذبات إن نحن أنكرنا أزماتنا المستفحلة وثقافة الكبت المتفشية لدينا والذهنية اللاعقلانية السائدة والقمع المتسيّد في كل مجالات حياتنا، والعلاقة بين الجنسين بكافة أبعادها لدينا ليست استثناء، وهذا يعني أننا مطالبون أيضا بتغيير جذري شامل، وهذا استحقاق لا يعفينا منه قطعا إدانة الغير وشيطنة المختلف والتغني بأمجاد الماضي والتعظيم الوهمي للذات.

وختاما يمكن القول بإيجاز أن الغرب لا يصلح قدوة، ولكنه ليس شيطانا، ولا نحن بملائكة، وهو رغم ذلك سباق اليوم في الحضارة، وعلينا الاستفادة من نجاحاته وإخفاقاته بعقلانية في شتى المجالات.

*

‏31‏/10‏/2020

الكتابة عن الحب والجنس في موضع جدل

25 أبريل 2019 بصغة المؤنثنصوص 0

رسلان جادالله عامر – سوريا في الوقت الذي ما يزال الغرب فيه يدرس الظواهر الإنسانية جميعها ويتعمق في فهمها أكثر وأكثر، ومن أهمها ظاهرتا الحب والجنس بشكل كثيف، ويتناولهما بجوانبهما المتعددة، وعبر مجالات مختلفة، من العلم إلى الفلسفة، فالأدب والفن والدين، وعبر السينما والصحافة وسائل الإعلام الأخرى، وسوى ذلك، نجد …أكمل القراءة »

هل يعاني المسلم من عسف فعلي في الغرب؟

20 سبتمبر 2018 عامةمقالات 0

رسلان جاد الله عامر – سوريا في ‏18‏/08‏/2018 أعلنت بلدية لوزان السويسرية رفضها إعطاء الجنسية لزوجين مسلمين رفضا مصافحة أشخاص من الجنس الآخر أثناء جلسة استماع مع لجنة التجنيس التابعة للبلدية، لأنها اعتبرت ذلك دليلا على عدم الاندماج في المجتمع السويسري وفقا لكلام غريغور جونود عمدة لوزان! هذا الخبر تداولته …أكمل القراءة »

الوحدة الثقافية العربية إنجاز كبير يحب الحفاظ عليه – وجهة نظر

12 يناير 2018 عامةمقالات 0

رسلان جاد الله عامر – سوريا أول ما قد يتبادر للذهن عند قراءة عنوان هذه المقالة هو أنها مقالة “عروبية” تقليدية، تروج كالعادة لأطروحات الأمة العربية الواحدة، والوحدة القومية العربية، لكن بعيدا عن هذا الطرح بكل ماله وما عليه من الناحية السياسية التي فشل فيها فشلا ذريعا لأسباب عديدة لسنا 

شاهد أيضاً

الفقيه والفيلسوف والزنديق والصوفي فصول التقديس: من الاغتيال السياسي الى الاغتيال المعنوي ؟

محمد بصري بصـري مــحمــــــد باحث تربوي بشار الجزائر                                                           كان تحولا صادما وعارما وانقلابا تاريخانيا في مجريات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *