الرئيسية / منتخبات / عامة / سورين كيركجارد: التكوين الأنطولوجي للذات

سورين كيركجارد: التكوين الأنطولوجي للذات

– إن الفلسفة برأي كيركجارد لا تؤمن بأن الإنسان يولد إنساناً ، بل يصير ، الإنسان يولد كبقية الحيوان ، غارقاً في المادة والحس ، بحيث يكون وعيه مفقوداً ، ولا يمكن له أن يمتلك الوعي إلا بالفلسفة. وهذا القول يشكل لبّ الفلسفة الوجودية التي ترى أن وجود الإنسان سابق على ماهيته ، بمعنى أن الإنسان يوجَد أولاً ثم يكتسب مهاراته وماهيته ووعيه الذاتي ، أي يصير ذاتاً.

لكن السؤال الذي يطرحه كيركجارد : كيف يمكن للإنسان أن يصبح إنساناً ؟ أي ماهي الكيفية التي يكتسب الإنسان من خلالها وعيه الذاتي ، أي كيف يمكن له أن يصير ذاتاً بشرية ؟ وهل هذه الذات التي يصل إليها ذاتاً أصيلة حقيقية ؟ بطريقة أكثر وضوحاً : هل جميع الذوات البشرية أصيلة حقة ؟

– يرى كيركجارد أن هناك ذواتاً أصيلة و أخرى زائفة. فعبارات من قبيل : “كن ذاتك” “اختر نفسك” ، الخ ، هي عبارات لا معنى لها إلا إذا كانت تفترض وجود نظرية عن الذات. إن كيركجارد في اعتقاده أن معظم الناس مرضى أو ليسوا أصحاء أو أنهم ليسوا ذوات حقة ، وأنه ينبغي عليهم أن يعملوا على تصحيح ذواتهم لتكون ذواتاً أصيلة ، قد وضع نظرية عن الذات ؟ وهنا فإن هذه النظرية تطرح عدة أسئلة : ماهي هذه النظرية ؟ وماهو التكوين الأنطولوجي للذات ؟ وماهي العوامل المكونة لوجود هذه الذات ؟

– إن التكوين الأنطولوجي والابستمولوجي الذي استخدمه كيركجارد في صياغة نظرية الذات ، يحمل ملامح شبيهة بالنظرية التي وضعها هيغل عندما عالج نفس المشكلة. حيث يذهب هيغل إلى أن العقل لكي يصبح وعياً بذاته لابد أن يزود بموضوع ابستمولوجي لوعيه الذاتي ، فالعقل في ذاته نشاط حر على نحو مطلق بغير خصائص محددة ، وهو – بما هو كذلك – لايمكن أن يكون موضوعاً للمعرفة أو الوعي ، لأن الوعي بموضوع لا خصائص له ، يعني الوعي بلا شيء أو معرفة العدم. وأقصى ما يمكن قوله عن هذا العقل في ذاته هو أنه موجود ، لكن الوجود الذي يخلو من كل تعين هو تجريد فارغ.

– وعلى نفس المنوال تنشأ مشكلة الفرد عند كيركجارد ، فرغم أنه يصبح شيئاً عينياً محدداً ، فإنه لايزال يملك عنصر اللاتعين ، ويحتفظ بقدرته على التخيل وقوة التجريد وإمكان الرغبة. فيعتقد في نفسه شيئاً مختلفاً أتم الاختلاف عما أصبحه ، وهكذا يفشل في أن يتحد مع ذلك الشيء العيني الذي أحدثته في العالم أفعاله و علاقته مع الآخرين. ومعنى ذلك أن الفرد عبارة عن ذات وموضوع في آن معاً ، فهو ليس ذلك الموضوع المتعين الذي ينشأ من تحديدات مفروضة على نشاط حر غير محدد ، بل هو كذلك النشاط الحر غير المحدد أو اللامتعين ، أو هو القدرة على التجرّد من كل شيء.

– فالفرد عند كيركجارد يتألف من هذين العاملين ( الذاتية – الموضوعية ) ، وعنده أن الفرد الذي يفشل في التعرف على نفسه كشيء أكثر من موضوع معين على أنه شيء أكثر من موضوع معين ليس ذاتاً ، بل هو أشبه بالفرد الذي يفشل في التعرف على نفسه على أنه شيء أكثر من ذات حرة ، و السبب أن الفرد في ذاته عبارة عن نشاط حر ، ولا بد له أن يصبح موضوعاً على نحو ما يصبح ذاتاً أيضاً ، أي لابد له من أن يوفِّق بين هذين الجانبين من طبيعته.

– يقول كيركجارد : “الإنسان روح ، لكن مالروح ؟ الروح هي الذات. لكن مالذات ؟ الذات علاقة تربط نفسها بذاتها ، لكن الذات ليست هي العلاقة ، وإنما تعتمد على أن تلك العلاقة تربط نفسها بذاتها الخاصة. الإنسان مركب من المتناهي واللامتناهي ، من الزماني والأزلي ، من الحرية والضرورة. باختصار : الإنسان مركب ، و المركب علاقة بين عاملين. وإذا نظرنا إلى الإنسان على هذا النحو قلنا أنه ليس ذاتاً بعد. وفي العلاقة بين عاملين تكون هذه العلاقة هي الحد الثالث ، بوصفها وحدة سالبة ، والحدان يربطان نفسهما بالعلاقة وفي العلاقة وبواسطة العلاقة ، ومثل هذه العلاقة هي العلاقة القائمة بين النفس والجسد ، عندما يُنظر إلى الإنسان على أنه روح. وإذا ما كانت العلاقة على العكس تربط نفسها بذاتها الخاصة ، فإن العلاقة تكون عندئذ حداً ثالثاً إيجابياً وتلك هي الذات”.

___________________

المرض حتى الموت ، سورين كيركجارد ، ترجمة أسامة القفاش ، دار الكلمة ، مصر.

رائد الوجودية ، إمام عبد الفتاح إمام ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، مصر ، 1986.

شاهد أيضاً

مَنْ كان يُدافعُ عن الفلسفة بالجامعة المغربيّةِ؟

عز العرب لحكيم بناني عزالعرب لحكيم بناني لا أعلمُ دوماً علمَ اليَقينِ من ناضلَ حقّاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *