الرئيسية / منشورات / كتب / النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

حسين مروه

الجزء الأول -40 ▪︎︎ القسم الثاني: بذور التفكير الفلسفي

¤ الفصل الخامس: العدل المعتزلي

☆ نظرية المعرفة عند المعتزلة

..لما تقرر عند المعتزلة أن الإنسان متفرد بين مختلف الكائنات بميزة حرية الإختيار في أفعاله، وأن امتلاكه خاصية العقل هو الأصل والمصدر في تفرده بتلك الميزة، كان طبيعيا أن يعالجوا مسألة المعرفة من حيث قدرة الإنسان في تحصيلها ودور العقل في هذا المجال ومدى حدود قدرته وإن يعالجوا في هذا الموضوع أنواع المعرفة ومختلف وسائل الإنسان في تحصيل هذا النوع وذاك وكيفية تحصيله ثم قيمة كل معرفة يكتسبها الإنسان بهذه الوسيلة أو تلك… ويدخل بحث هذه المسألة في بحث الأسس الرئيسة لنظرية العدل المعتزلية. فبقدر ما يكون لعقل الإنسان من مجالات وإمكانيات معرفية سعة وعمقا يكون مستند المعتزلة في نظرية العدل أكثر قوة وأرسخ حجة… وانسجاما مع طريقة المعتزلة أنفسهم في معالجة قضية المعرفة يتم تقسيمها قسمين رئيسين:

▪︎ المعرفة الحسية: يتصل بحث هذا النوع من المعرفة عند المعتزلة بمباحثهم المستفيضة بشأن النفس الإنسانية أو الروح وعلاقتها بالجسم وبأعضاء الحواس الخمس وعلاقة هذه الحواس بعضها ببعض ونظرتهم في الوظائف المعرفية لكل من الحواس الخمس هذه وقد اضطريت أقوالهم في تحديد النفس أو الروح، فاضطربت لذلك مذاهبهم بتحديد دورها في عملية الإحساس والإدراك. اي المعرفة.

وأول ما يبرز في هذا المجال نظرية إبراهيم النظّام الذي خاض طويلا وكثيرا في المسألة. وخلاصة رأيه في المسألة من مختلف النصوص المنسوبة إليه هي ثنائية الروح والجسد رغم قوله بالمداخلة والمشابكة بينهما. والمعرفة الحسية ليس سوى نوع من الإدراك العقلي لا يميزه عن هذا الإدراك سوى أن مدركاته من صفات الأشياء الخارجية. أما الحواس الخمس فلا تزيد عن كونها ممرات لتلك الصفات التي يصل بها تأثير المحسوس إلى الحاس، وهو النفس أي الإنسان… ولقد تأثر مذهب النظّام وتلميذه الجاحظ برأي أرسطو في المعرفة الحسية. والذي يقول بهذا الصدد أن النفس هي المدركة من هذه الفتوح ومن هذه الطرق وإنما اختلفت وصار واحد منها سمعا وآخر بصرا وآخر شما على قدر ما مازجها من الموانع. فأما جوهر الحساس فلا يختلف، ولو اختلف جوهر الحساس لتمانع ولتفاسد كتمانع المختلف وتفاسد المتضاد… وراي النظّام بجملته مبني على القول بأن الإنسان هو النفس أو الروح وأن الجسد ليس سوى سكن عابر للنفس أو قالب لها ولذلك كانت مهمات الإحساس والإدراك جميعا من عمل النفس مباشرة… ونجد للنظّام محاولة أخرى في موضوع المعرفة الحسية ترمي إلى تفسير علاقة التأثير المتبادل بين المحسوسات والحس حين يقول فيما أورده الأشعري في مقالات الإسلاميين: ” إن البصر إنما أدرك الألوان لقلة الألوان فيه (اي في المحسوس)، ولو كانت كثيرة لكان منعها أشد، ولو أفرطت عليه لما وجدنا لونا رأسا”. وهذه المحاولة ليست نقيضا لموضوعته بشأن مصدر الإحساس عند الحاس وإنما هي محاولة لتفسير عملية المعرفة الحسية في جانب طرفها الآخر وهو المحسوس بعدما فسر هذه العملية المعرفية الحسية في جانبها الحاس اي النفس و إذا كان مضمون المعالجة الأولى التي تخص المحسوس يتخذ طابعا ميتافيزيقيا واضحا فإن المعالجة في محاولته الجديدة تتخذ اتجاها فيزيقيا يتضمن محتوى ماديا متقدما. فالنظام في هذه المعالجة إذ يحاول الإشارة إلى المقاييس التي تحدد تأثير المحسوسات وعدم تأثيرها على الحس. يرجع إلى الظواهر الطبيعية في الأشياء المحسوسة فيرى أن مقادير اللون في المبصرات قلة أو كثرة هي التي تحدد مدى تأثيرها على الحس. وهكذا الأمر في سائر المحسوسات الاي تختص بسائر أنواع الحس من السمع والسن والذوق. ويعود هذا الرأي في مقادير اللون والصوت والرائحة والطعم عند النظّام إلى نظريته في الأعراض. فمن المعروف عنه أنه ينكر وجود الأعراض، وأن ليس شيء من الأعراض سوى الحركة في رأيه. أما هذه التي يدعوها غيره أعراضا فهي عنده أجسام لطيفة تتبعث من الأشياء الطبيعية. وهو يرى الالوان والطعوم والروائح والأصوات والآلام والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أجساما لطيفة. ويضرب لنا الشهرستاني مثالا واضحا لموضوعة النظّام هذه قائلا: “ذهب النظّام إلى أن الكلام جسم لطيف منبعث من المتكلم ويقرع أجزاء الهواء فيتموج الهواء بحركته ويتشكل بتشكله، ثم يقرع العصب المفروش في الأذن فيتشكل العصب بتشكله، ثم يصل إلى الخيال فيعرض على الفكر العقلي، فيفهم…” فعلى قياس هذا المثل يتم قياس تطبيق منطق هذه الموضوعة على اللون والطعم والرائحة… ويبدو واضحا أن استنتاجات النظّام في موضوعته هذه ليست بعيدة كثيرا عن نتائج العلم التجريبي الحديث في المجالات الفيزيائية. كما أن هذا المثال نفسه يبسط جانبا آخر من نظرية المعرفة عند النظّام. فهو يقدم لنا فكرة واضحة عم كيفية تسلسل المراحل في سير عملية المعرفة كما يتصورها هذا المفكر المعتزلي ابتداء من انعكاسات الأشياء المحسوسة على أعصاب الحواس مباشرة حتى التحولات الأخيرة لهذه الإنعكاسات حيث تدخل في نطاق المعرفة العقلية وبذلك يمكن استنتاج أن موضوع المعرفة الحسية المباشر هو العالم الخارجي المتمثل بأجسام طبيعية ذات وجود حقيقي موضوعي وأن هذا العالم الخارجي هو نفسه كذلك ينتهي إلى أن يكون الموضوع غير المباشر للمعرفة العقلية… إن المعرفة الحسية قادرة أن تؤدي إلى قيمة معرفية يستفيد منها العقل المفكر… ولمجمل آراء النظّام في موضوع المعرفة الحسية جانبان شبه متعارضين: جانب ميتافيزيقي محض وهو ما يتصل برأيه في قوى الإدراك الحسي، إذ يحصر هذه القوى في النفس والروح على حين يفصل بين النفس والجسم ويقيم العلاقة بينهما على الإزدواجية أو الثنائية. وجانب مادي وهو ما يتصل برأيه في تحديد طبيعة المحسوسات وتأثيرها على الحس… لقد مثلت نظرية النظّام في المعرفة الحسية وجها تاريخيا من وجوه المثالية الموضوعية…

أما أبو الهذيل العلّاف ومعمر بن عباد السلمي وهما من زعماء معتزلة البصرة فيريان أن حواس الإنسان الخمس أعراض مغايرة لبدنه ومؤدى هذا الرأي أن صلة النفس بالجسم صلة عرضية في حين كان مؤدى نظرية النظّام أنها صلة جوهرية. كما أن العلّاف يقول بأن الحواس أجناس مختلفة وليس كما قال النظّام أنها جنس واحد. ويشرح العلّاف هذا الاختلاف بقوله ” أن كل حاسة خلاف الأخرى، ولا نقول هي مخالفة لها، لأن المخالف هو ما كان مخالفا بخلاف” ويقصد بقوله هذا أن الاختلاف بين الحواس لا يعني التعارض بينها وإنما المغايرة والتعدد… ويظهر من كلام العلّاف ومعمر ومن وافقهما من المعتزلة أنهم يعترفون بإمكان المعرفة عن طريق الحس ولكن بتمييزهم الجوهر من العرض وقولهم بوجود الأعراض… ويحدد معمر كيفية إدراك الحس للمحسوسات وكيفية تحول هذه المحسوسات إلى إحساس، تحديدا يؤدي به إلى اعتبار المعرفة الحسية حادثا متولدا من التأثر الإضطراري بالمحسوسات وبهذا المعنى يقول: “إن إدراك المحسوسات هو ليس باختيار، ولكنه فعل طباع” وذلك يعني أن حواس الإنسان حين تتعرض لتأثير المحسوسات من أعراض الأجسام إنما تنفعل بهذا التأثير انفعالا اضطراريا لا اختيار لها فيه لأن طبيعة كينونتها بحد ذاتها تقتضي هذا الإنفعال الذي يتحول إلى إحساس. وعلى هذا تكون المعرفة الحسية مما يتولد عند الإنسان بفعل قانون طبيعي حتمي لا دخل فيه للإرادة. وهذا ما يعنيه معمر نفسه بقوله أيضا: “أن المتولدات وما يحل بالأجسام من حركة وسكون ولون وطعم ورائحة وحرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، فهو فعل للجسم الذي حل فيه بطبعه” فلا فرق إذن عنده بين الإحساس المتولد عند الإنسان من انفعاله بالمحسوسات وبين أي فعل من أفعال الطبيعة الخاضعة لقوانين طبيعية حتمية غير إرادية… ويبدو هذا الرأي قائم على أساس رفض معمر لفكرة مون الإحساس مسببا عن فعل الله. ذلك بناء على أن الحواس عنده أعراض وأن الله لا يفعل العرض كما يرى معمر في قوله هذا: “إن الله لا يفعل عرضا ولا يوصف بالقدرة على عرض ولا على حياة ولا على موت ولا على سمع ولا على بصر. وأن السمع فعل السميع، وكذلك البصر فعل البصير، وكذلك الحس فعل الحساس” فإن الحياة عنده عرض وكذلك الموت وسائر ما ذكره في هذا النص. وهو يبرهن على فكرة كون الأعراض ليست من فعل الله وليست مما يوصف الله بالقدرة عليها…

وخلاصة القول أن المعرفة الحسية عند هذا الفريق من المعتزلة يمكن تحديدها بأنها تحصل عند الإنسان بطريقين متعاقبين متلازمين تأثير أعراض الجسم على الحواس أولا وتولد الإحساس أو الإدراك الحسي من هذا التأثير ثانيا. وكلا الطريقين يحدثان بصورة طبيعة حتمية بعد سبقهما بعلة إرادية هي تعريض الإنسان حواسه إلى ما في الأجسام الطبيعية من أعراض مؤثرة في هذه الحواس… ولكن العلاف رغم اتفاقه مع معمر بن عباد في تمييز الجوهر من العرض وفي القول والأعراض وأنها وحدها هي موضوعات المعرفة الحسية دون الجواهر التي هي عندهما معا موضوعات للمعرفة العقلية وحدها… إلا أنه يختلف عن صاحبه في تفسير المعرفة الحسية بكونها فعلا متولدا منسوبا في آخر الأمر إلى الإنسان إذ يتخذ العلاف موقفا ميتافيزيقيا محضا ويفسر عملة تحول الأعراض المحسوسة إلى إحساس أو معرفة حسية بكونها فعلا إلهيا…

يتبين لنا من مختلف آراء المعتزلة في المعرفة الحسية أنهم متفقون على أن موضوعات هذه المعرفة تنحصر في المحسوسات أي في العالم المادي. ومعنى هذا حدود قدرة المعرفة الحسية على استطلاع الحقيقة تنتهي مذ يبدأ الإنسان يواجه الحقائق ذات الموضوعات غير المادية. ومن هنا انطلق المعتزلة حين أنكروا رؤية الله في العالم الآخر بواسطة البصر بناء على مبدئهم الأول من مبادئهم الخمسة والذي هو التوحيد. هذا المبدا الذي يقوم بالأساس عندهم على نفي كل ما يفيد تشبيه ذات الله بشيء من الماديات. وما دام البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال وهي مادية فقد أجمع المعتزل على القول بنفي إمكان أن يُرى الله بالأبصار في الدار الآخرة وإن قال بعضهم ومنهن العلّاف نرى الله بقلوبنا بمعنى نعلمه بقلوبنا والعلم هنا يحتمل أن يكون القصد منه ألمع فى العقلية أو المعرفة بالحدس وكلاهما غير المعرفة الحسية… ويستنتج مما تقدم أن المعرفة الحسية لا يمكن اعتمادها عندهم طريقا إلى معرفة الله لأن من جملة براهينهم على نفي رؤية الله بالبصر هو كون الله جوهر خالص من كل عرض وذات بسيطة مجردة. وبما أن الجوهر لا يمكن رؤيته بالبصر فليس من الممكن للبصر أن يرى الله ويتضح من هذا القول أن البصر قاصر عن إدراك الجواهر أيضا… ورغم قصور المعرفة الحسية عن إدراك غير ما هو مادي محسوس نرى المعتزلة يأخذون بمعطيات هذه المعرفة في مجال العالم المادي ويعتمدونها طريقا صحيحا لمعرفة هذا العالم… وفي نفس الوقت يتحدثون عن الغلط الذي كثيرا ما يحصل عند الحس. فالنظّام يقول في موضوع الغلط عند الحس: ” الأجسام أيضا غير باقية، بل متجددة آنا فآنا، مع أن الحس يحكم بخلافه” كما يقول في مكان آخر: “أن الرائي يتخيل أن هناك أمرا واحدا مستمرا”…

▪︎ المعرفة العقلية:

لقد احتل العقل عند المعتزلة محله الأسمى في أسس نظريتهم المتكاملة الجوانب إلى حد كبير. وما مسألة حرية إرادة الإنسان عندهم من حيث الأساس والمنطق سوى وجه من وجوه التطبيق الخلاق لنظريتهم الثابتة في مسألة العقل. وكذلك الأمر في المسألة المعروفة في أدبيات الفكر المعتزلي بمسألة الحسن والقبح العقليين. بل يصح القول أنه ما من مسألة كانت تطرحها الحياة الفكرية العربية الإسلامية في عصر المعتزلة سواء كانت في العقيدة أو الشريعة أو عالم الإنسان إلا انبرى المعتزلة لمعالجتها ووضع الحلول لها بالرجوع إلى العقل واعتماد حكمه في كل ذلك من الوجهة النظرية والعملية معا…

أمامنا نصّان في تعريف العقل عند المعتزلة يبلغان من الدقة والتركيز بحيث يغنيان عن الكثير ولهما تطبيقات شائعة عند معظم مفكري المعتزلة تختص بالمسائل المتصلة بإدراك الأشياء التي لا تتناولها المعرفة الحسية وهذه التطبيقات واضحة الدلالة على ما يقصدون بالعقل حين يبحثون هذه المسائل ولا سيما ما يتصل منها بوظيفته المعرفية…

أما التعريف الأول فهو لأبي الهذيل العلّاف ونجده عند الأشعري في فقرات ثلاث من كتابه مقالات الإسلاميين وهي فقرات تكمل بعضها البعض بحيث يؤلف مجموعها تعريفا كاملا. فالعقل كما يقول هذا التعريف هو “القوة على اكتساب العلم” وهو “القوة التي يفرق بها الإنسان بين نفسه وباقي الأشياء” ونحن “نميز الأشياء بعضها من بعض بواسطة العقل. والعقل الحسي إنما نسميه عقلا بمعنى أنه معقول” يشتمل هذا التعريف على العناصر المحددة لمفهوم العقل من حيث قدرته وعمله على استخلاص الكلي من جزئياته لأن هذا هو المعنى المعتزلي للعلم، فالعقل هو القوة التي بها يستطيع الإنسان اكتشاف القاسم المشترك بين الجزئيات من جنس واحد أو نوع واحد وتحويل هذا القاسم المشترك إلى مفهوم كلي تجريدي عام. ومن حيث حقيقة وظيفته المعرفية إذ العقل هو القوة التي يفرق بها الإنسان بين نفسه وبين سائر الاشياء إذ بالعقل يدرك نفسه أولا ثم يكتشف الفارق بينها وبين سائر الاشياء من خلال اكتشاف نوع العلاقة بين نفس الإنسان وغيرها من الأشياء الموجودة. ومن حيث موضوع المعرفة التي يؤديها إذ يعتبر موضوع المعرفة العقلية هي الكليات المجردة والنفس والعلاقات بينها وبين الأشياء من جهة وبين الأشياء بعضها مع بعض من جهة أخرى. ثم العقل الحسي الذي يعد وظيفة أخرى إضافية للعقل وهي تحويل الإدراك الحسي إلى إدراك عقلي مجرد. ومن حيث طبيعة هذه المعرفة التي هي اكتسابية اختيارية وليست تذكرا كما يقول أفلاطون ولا غريزية ولا ضرورية وأن أداتها الوحيدة هي العقل…

أما التعريف الثاني فهو لأحد كبار معتزلة البصرة أبو علي بن عبد الوهاب الجبائي الذي يرى أن “العقل هو العلم” و “إنما العقل سمي عقلا لأن الإنسان يمنع نفسه به عما لا يمنع المجنون نفسه عنه، وإن ذلك مأخوذ من عقال البعير، وإنما سمي عقاله عقالا لأنه يمنع به” وهذا التعريف يختلف عن سابقه بأمرين: أولهما أن الجبائي يعتبر العقل هو العلم نفسه وليس القوة على اكتساب العلم كما يقول العلاف. وثانيهما أن العقل دليل الإنسان في سلوكه العملي وهذا ما لم يتعرض له العلاف في تعريفه…

وهنالك تعريف ثالث يورده الأشعري ينسبه إلى المعتزلة دون أن يسنده إلى واحد معين من مفكريهم وهو لا يختلف عما تضمنته الفقرة الأولى من تعريف أبي الهذيل. يقول هذا التعريف الثالث: “أن العقل هو القوة التي في الإنسان تمكنه في اكتساب العلوم”…

والتعريفات الثلاث تختص بالعقل النظري الذي هو القوة على اكتساب العلم بالنظر والإستدلال. ونظرية المعرفة عند المعتزلة ترى أن العقل النظري هذا يؤدي المرحلة الأخيرة من مراحل المعرفة العقلية فإنهم يقسمون المعرفة العقلية إلى قسمين أولا وإلى مراحل ثانيا. فأبو الهذيل العلاف يقول أن المعارف ضربان أحدهما باضطرار وهو معرفة الله ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته. وما بعدهما من العلوم الواقعة عن الحواس أو القياس فهو علم اختيار واكتساب وهذا العلم الأخير هو ما يقصد به بالعلم النظري وهو نفسه الذي كان موضوع التعريفات السابقة الذكر. أما معرفة الله فإن المعتزلة يعدونها من نوع المعرفة الإضطرارية التي لا تحصل بالاختيار والاكتساب بل ببداهة العقل بمعنى أنها ليست ناشئة عن عملية تحويل الإدراكات الحسية إلى إدراكات عقلية ولا عن عملية تجريدية تحصل بواسطة الأقيسة الإستدلالية المنطقية والنظرية المحض. حتى معرفة الدليل الداعي إلى معرفة الله إنما هي تعتمد الدليل العقلي الضروري البديهي لا الدليل العقلي النظري… والمعتزلة يعدون معرفة المبادئ الأخلاقية كمعرفة الخير والشر والفضيلة من نوع المعرفة الضرورية كذلك… ومهما يكن نوع المعرفة اضطراريا أم اكتسابيا، بديهيا أم نظريا فإن المرجع في حصولها هو العقل وحده عندهم. لذلك هم يقولون أن معرفة الله واجبة عقلا فهو الذي يأخذون به حاكما هنا لا الإجماع ولا الآيات. فالحكم بوجوب معرفة الله مرجعه العقل نفسه. ويؤكد الشهرستاني هذا الإستنتاج بقوله أن المعتزلة: ” اتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر المنعم واجبة قبل ورود السمع” أي قبل ورود الأوامر والنواهي الإلهية وما الإختلاف بين نوعين المعرفة الضرورية والنظرية سوى اختلاف في درجة العقل أو في نوعية الإدارك العقلي. وهءا مبني على رأي المعتزلة في ترتيب مراحل المعرفة العقلية. فهم يرتبون هذه المراحل على نحو ما رتبها العلاف في محاولته القائلة بأن الطفل في أولى حالاته يعرف نفسه ومعرفته تكون حسية. فهو يلاحظ أن له جسما ونفسا وأنه يشعر بواسطة جسمه بالإحساسات. وفي الحالة الثانية لا يلزم الطفل أن يأتي بجميع معارف التوحيد والعدل بلا فصل، ولكن عليه أن يأتي مع معرفته بتوحيد الله وعدله، بمعرفة جميع ما كلفه الله بفعله حتى إن لم يأت بذلك كله في الحالة الثانية من معرفته بنفسه ومات في الحالة الثالثة مات كافرا وعدوا لله مستحقا للخلود في النار. وينقل البغدادي عن العلاف قوله أن على الطفل في الحالة الثانية إذ يكون قد بلغ “أن يعرف ما لا يعرف إلا بالسمع من جهة الإخبار”. أما الأشعري فينقل عنه قوله بأنه “لا يكون البلوغ إلا بكمال العقل” وقله بأن كلام العقل “منه علم الإضطرار، ومنه القوة على اكتساب العلم”…

والمعتزلة يبنون نظرتهم في المعرفة العقلية على الفكرة التي تشرح كيفية الإختيار العقلي. وهي فكرة الخاطِرَين. والمعتزلة يقولون حسب ما أورده الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام “أن المفكر يجد من نفسه، قبل ورود السمع، خاطرين: أحدهما، يدعوه إلى معرفة الصانع وشكر المنعم وسلوك سبيل المحاسن والخيرات. والثاني، يدعوه إلى خلاف ذلك. ثم يختار ما فيه النحاة ويجتنب عما فيه الهلاك. وذانك الخاطران الداعيان المحدثان مخبران عن كلام النفس وحديثها” من هنا نرى أنه حتى المعرفة العقلية الضرورية التي عرفها أبو الهذيل بانها التي “يدركها العقل بمجرد النظر” أنها خاضعة لعملية الإختيار عند الإنسان. فهم حريصون على تثبيت مبدأ الإختيار هذا لا في أفعال الإنسان وحسب بل في حصوله على المعرفة كذلك… وقد يفسر هذا قول سنسويه بن يونس الأسواري بأن للإنسان قدرة صالحة للضدين. بمعنى أن مبدأ الإختيار نفسه يقضي بأن يكون للإنسان موقف اختياري حيال كلا الضدين قبل الإقدام على فعل أحدهما. وهذا الموقف يعني التردد بين خاطرين: أحدهما يدعوه لهذا الصد. والآخر يدعوه إلى ذاك الضد. ثم يحسم الإنسان التردد باختيار أحد الضدين. وقدرة الإنسان على فعل الشيء وضده قبل الإختيار الحاسم هو ما يسميه المعتزلة بالإستطاعة… أما النظام فيعلل فكرة الخاطِرَين على هذا الأساس حين يقول أنه “لا بد كم خاطرَين: أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر بالكف، ليصح الإختيار”… وقد ورد في مسألة الخاطِرَين إشارة إلى ما أسماه المعتزلة بكلام النفس وحديثها ويقدصون بذلك حسب ما أورده الشهرستاني في نهاية الإقدام: “أن الإنسان، في مراتب نظره واستدلالاته، يضع قولا، ويرفع قولا، ويقسم كليا، ويبطل أحد القسمين فيتعين الثاني. فتقسيمه هو بعينه حديث النفس، وتعيينه أحد القسمين هو بعينه حكم العقل. وربما أخذ القلم وكتب مجلدا من حديث فكره، وشحن ديوانا من حديث نفسه، ولسانه ساكت لا ينطق”. لقد نفذت المعتزلة كما يرى الدكتور ألبير نصري نادر في كتابه فلسفة المعتزلة بهذا الكلام “إلى جوهر عملية التفكير واعتبرتها صادرة من قوة العقل مباشرة ومسترشدة بنوره الطبيعي” ذلك لأنه يصف عملية التفكير وصفا تحليليا هو أقرب أن يكون ذا طابع علمي. فإن كلام النفس وحديثها عند المعتزلة ليسا من نوع الاستبطان الحدسي الغريب عن منطقة العقل أو عن التفكير العقلي وإنما هما المرحلة الأولى من مرحلتي نشاط الوعي النظري اللتين بهما معا تتكامل عملية التفكير وبهما معا تبلغ العملية غايتها من النظر والإستدلال. لكلام النفس وحديثها كما يفهم من نص الشهرستاني هنا تلك المحاكمة العقلية الداخلية في تمييز المعاني بعضها عن بعض وفي النظر إلى هذا المعنى الكلي أو ذاك. ثم النظر إلى ما يحتويه الكلي وما يحتمله من تقسيم ثم الأخذ بأحد قسميه على التعيين دون الآخر. فهنا حركتان داخل عملية التفكير بكاملها: حركة تمييز وتقسيم وموازنة، وحركة تعيين. والحركة الأولى قاعدة ممهدة للثانية. الأولى هي حديث النفس والثانية هي حكم العقل. فهكذا تتحدد عند المعتزلة عملية النظر العقلي الاي تنتج المعرفة العقلية أو العلم…

وبناء على ما قرره المعتزلة من كون كلام النفس هو القاعدة لعملية النظر العقلي وكون هذه القاعدة داخلية صرفا لا صلة لها بالنطق باللسان انتهى المعتزلة إلى القول بأن كلام النفس هو أخص ما يميز الإنسان عن الحيوان. اي أنه الخاصة الأساسية التي بها يكون الإنسان إنسانا وبهذا يختلفون عن المناطقة في تعريفهم للإنسان بأنه حيوان ناطق فكأنما تعريف الإنسان عند المعتزلة هو كونه حيوان عاقل أو مفكر أو ناطق بفكره أي بكلام نفسه الداخلي المجرد من عبارات اللسان وحجتهم في ذلك “أن دلالات العبارات على النطق تختلف بالأمم والأمصار، بينما دلالة الأحكام على العلم هي دلالة العقل فلا يختلف ذلك بالأمم والأمصار”. و”أن مدلول العبارات مع اختلافها مدلول واحد. فإن المعنى الذي يفهم من قول: الله، هو بعينه الذي يفهم من: خدا، وتنكري، وسرنا، وند… إلى غير ذلك من الألفاظ. فالكلام الذي في نفس الإنسان قول محقق ونطق موجود هو أخص وصف لنفس الإنسان، حتى تميز به عن سائر الحيوانات”. و”أن أحاديث النفس تقديرات للعبارات التي في اللسان. ألا ترى أن من لا يعرف كلمة في العربية لا يخطر بباله كلام العرب، ومن لا يعرف الأعجمية لا يطرأ عليه كلام العجم، ومن عرف اللسانين تارة تحدثه نفسه بلسان العرب وتارة بلسان العجم؟. فعلم على الحقيقة أنها تقديرات تابعة للعبارات التي تعلمها الإنسان في نشوئه، والعبارات هي أصل لها، منها تصدر، وعليها ترد”. هذه الحجة بتفاصيلها ترجع إلى رؤية المعتزلة وحدة المدلول الفكري أو المضمون مع كون الدلالات اللفظية أو العبارات أو الشكل الكلامي مختلفة باختلاف الأمم واختلاف لغة كل أمة عن لغة الأمة الأخرى. ومن هنا قالوا: “أن الكلام ليس نوعا من الأعراض ذا حقيقة عقلية كسائر الأعراض، بل نطلقه على النطق الذي في اللسان بحكم المواصلة والمواطأة. والإنسان قد يخلو عنه وعن ضده، وتبقى حقيقة إنسانيته، فإنه إن ما يتميز عن الحيوان بصورته وشكله، لا بنطقه” والمقصود بالصورة هو مفهوم أرسطو أي أن المادة ليست المميز للإنسان. بل الهيئة النوعية التي لها صار الإنسان إنسانا يختلف عن سائر أنواع الكائنات في العالم الخارجي. والخلاصة أن الحقيقة العقلية هي الأساس في تميز الإنسان من الحيوان عند المعتزلة… ورغم انه كان لدى المعتزلة قصور في فهم العلاقة بين اللغة والفكر إذ لم يدركوا في زمنهم عدم إمكان الفصل بين اللغة والفكر حتى في كلام النفس غير المنطوق باللسان. إلا أنهم في تفسيرهم في النصوص السابقة أمر آخر ذو أهمية إيجابية بالغة بالنسبة لمفاهيم عصرهم ومجتمعهم بشأن اللغة. فقد ذهبوا إلى القول إنما اللغة توجد بطريق المواضعة بين الناس بمعنى أن الناس هم الذين يضعونها. وقد يكون هذا الكلام أمر بديهي وعادي اليوم إلا أنه في عصر المعتزلة وفي الوسط الفكري الذي عاشوا فيه فقد كان الشائع أن اللغة صادرة عن وحي إلهي لذلك كان رأي المعتزلة أن اللغة صادرة عن الناس الذين تواضعوا عليها للتعبير عن المدلولات الفكرية رأيا متقدما وقد جعلوا لهذا الرأي أساسا نظريا آخر غير الذي نجده في النصوص السابقة. وهذا الأساس النظري الآخر هو أن اللغة حادثة وليست قديمة بدليل أنها تختلف باختلاف الشعوب. فلو كانت أزلية لكانت ثابتة ولكانت واحدة لمختلف الشعوب ومن هذا الأساس النظري نشأت عندهم مسألة خلق القرآن…

▪︎ مسألة الحسن والقبح العقليين:

وتبقى مسألة أخرى مما يتفرع عن أصل العدل المعتزلي، وعن اعتبارهم حرية الإنسان أساسا لمفهوم العدل، وعن إجماعهم على أنه بإمكان العقل وحده أن يدرك أن للعالم صانعا وأن يميز الخير من الشر، وعن إقرارهم أن الله بحكم كونه عادلا لا يكلف الإنسان إلا بما يملك من حرية الإختيار في فعله استنادا إلى ما وهب من عقل ترجع إليه وحده قدرة الإختيار، كان حتما أن يقولوا بما قال به أبو الهذيل العلّاف من أنه “يجب على الإنسان المكلف أن يعلم حسن الحسن وقبح القبيح. فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل والإعراض عن القبيح كالكذب والجور”. أو بما قال به النظّام وغيره من “تحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعاله”. أو بما قال الجبائي وابنه أبو هاشم عبد السلام من أن “معرفة الحسن والقبح واجبات عقلية”…

إن هذه الأقوال وأمثالها عند مختلف مفكري المعتزلة تتجه جميعا إلى تلك المسألة التي عرفت في تاريخ هذه المرحلة الخصبة من مراحل تطور الفكر العربي الإسلامي ب”مسألة الحسن والقبح العقليين” التي كان جهم بن صفوان هو أول من فكر بهذه المسألة ووضع أصلها النظري بصيغته الأولية ثم طورها المعتزلة حتى استقرت بصيغتها الفلسفية على طريقة علماء الكلام…. ويختلف المعتزلة في هذه المسألة عن جهم بن صفوان في أسلوب التفكير. ففي حين كان جهم مناقضا لمنهجه الجبري إذ قال بمسألة الحسن والقبح العقليين، كان المعتزلة منسجمين كل الإنسجام مع منهجهم الفكري المتماسك حين أخذوا بهذه المسألة وبنوها على مسألة حرية الإختيار عند الإنسان التي تقوم من حيث الأساس على ملكة العقل في الإنسان…

لقد برهن المعتزلة عن قولهم بالحسن والقبح العقليين ببراهين عدة وأهمها ثلاثة:

-الأول: يقوم على الملاحظة التاريخية والمنهج الإستقرائي. فالمعتزلة يقولون أن الناس قبل ورود الشرائع كانت تحتكم إلى العقل وتتجادل بالعقل ويلزم أحد الفريقين خصمه بما يقضي به العقل. وما كان ذلك إلا بالرجوع إلى ما يراه العقل بذاته في الأشياء من حسن وقبح قائمين بذاتيهما بصورة مستقلة عن حكم كل شريعة إذ لم تكن أي شريعة بعد. فالعقلاء كانوا قبل الشرائع يستحسنون إنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى ويستقبحون الظلم والعدوان…

-الثاني: يجري على طريقة الإلزام المنطقي. إذ يقول المعتزلة أن الرسل يطلبون في دعواهم إلى الناس أن ينظروا في أشياء الكون بقولهم. فلو لم تكن الأشياء حسنة أو قبيحة في ذاتها يدركها العقل من نفسه من غير توقف على الشرع لقال الناس للرسل: لا يجب علينا النظر في معجزاتكم ونبوتكم إلا بالشرع، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في نبوتكم ومعجزاتكم… فيقف الرسل أمام هذا القول مفحمين. وتبطل دعوتهم. وهذا غير صحيح كما يرى المعتزلة فيثبت بهذه المعادلة المنطقية كون الأشياء حسنة وقبيحة في ذاتها يدركها العقل قبل ورود الشرع…

-الثالث: لو لم يكن في الأفعال ذاتها حسن وقبح وكان حسنها وقبحها مكتسبين اكتسابا من الشرع لما أمكن الفقهاء أن يعملوا عقولهم في المسائل التي لم يرد فيها نص شرعي. ولاستحال تعليل الأحكام ولبطل السؤال ب”لِمَ” والجواب عنه ب”لأنه”. لأن التعليل كله مبني على ما في الأشياء والأفعال من صفات قائمة في ذاتها موضوعيا…

ولقد استخلص المفكر المصري الدكتور أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام المدلول الحقيقي لرأي المعتزلة في هذه المسألة فيقول: “لقد قال المعتزلة بسلطان العقل في معرفة الخير والشر، فليس الخير يفرض من الله فرضا على الأشياء، ولا الشر كذلك. وبعبارة أخرى: ليس أمر الله بالشيء هو الذي يجعله خيرا، ولا نهيه عنه هو الذي يجعله شرا، بل الله يأمر بالشي لأنه خير في ذاته، وينهى عنه لأنه سر في ذاته. وفي طبيعة الأشياء صفات تجعلها خيرا وصفات تجعلها شرا، وفي وسع العقل أن يتعرف هذه الطبائع لمعرفة الخير والشر. وفي هذا المبدأ، من غير شك، تحرير للعقل من الجمود ومن الوقوف عند النصوص…”.

أما الأشاعرة فقد كان لهم رأي آخر في هذه المسألة إذ يقول أبو موسى الأشعري مؤسس مذهب الأشعرية أن ” العقل لا يوجب شيئا، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا. لمعرفة الله: بالعقل تحصل وبالسمع تجب” وملخص نظرية الأشاعرة أنه لا شيء حسن في ذاته ولا شيء قبيح في ذاته وإنما الحسن هو ما جعله الشرع حسنا بالثناء على فاعله وأنما القبيح ما جعله الشرع قبيحا بذم فاعله في حين أن الشرع لا يمدح ويذم ويأمر وينهى لنا في الشيء من حسن أو قبح في ذاته. ولذلك ليس للعقل مجال أن يحكم بأن هذا الشيء أو هذا الفعل حسن وأن ذاك الشيء أو ذاك الفعل قبيح. ومما استدل به الأشاعرة على هذا الرأي قولهم ان الحسن والقبح لو كانا في الشيء بذاته لكان الحسن فيه حسنا دائما وكذلك القبح دون أن يحتاج وجود إحدى هاتين الصفتين فيه إلى شروط في حين أننا نرى صفة الحسن أو القبح ليست مطلقة بل نسبية. فقد يكون الشيء الواحد حسنا في مواضع وقبيحا في مواضع. فالقتل يكون قبيحا إذا لم يكن المقتول قد جنى ذنبا يستوجب القتل ويكون جميلا إذا كان قصاصا لذنب جناه. فلو كان الحسن والقبح في ذات الشيء موضوعيا لِمَ يتبدل حسب الأحوال وكذلك قد يكون الشيء الواحد نفسه حسنا في زمان وغير حسن في زمان آخر. والشرائع نفسها تشرع أشياء لقوم وتشرع أشياء غيرها لقوم آخرين. فلو كان هناك حسن وقبح في ذات الشيء موضوعيا لم تتغير الشرائع بتغير الزمان والمكان والناس… ان لاستدلال الأشاعرة جانب من الصحة فيما يخص كون الحسن والقبح أمرين نسبيين وليس مطلقين لكن كيف نستطيع الحكم قبل ورود الشرع بأن القتل في هذه الحالة حسن وفي تلك الحالة قبيح؟ فما هو المرجع في ذلك وما المقياس؟ وهكذا يكون الأشاعرة قد اعترفوا في استدلالهم هذا نفسه بوجود موضوعي للحسن والقبح النسبيين في الأشياء ولم يبرهنوا على نفي إدراك العقل لهذا الوجود النسبي لكل من الحسن والقبح. وبذلك لم يستطيعوا إلغاء موضوعة المعتزلة من أساسها لأن مسألة العقل هي الأساس في تلك الموضوعة. ويضاف آلى ذلك أن المعتزلة أنفسهم لم يقولوا بالصيغة المطلقة للحسن والقبح في الأشياء بل يمكن أن نفهم من موضوعتهم أن القتل قصاصا مثلا حسن في ذاته والقتل ظلما قبيح في ذاته وأن الصدق النافع حسن في ذاته والصدق الضار قبيح في ذاته… ثم إن هناك الظلم غاية نسبية يمكن تصورها في الحكم بقبحه . وكذلك العدل فأية نسبة يمكن تصورها في حسنه. فالظلم ظلم ولا يتغير بتغير الناس والأحوال والأزمان. والعدل عدل ولا يتغير…

إن قوة منطق المعتزلة من جهة وتطور المباحث الفكرية نحو اعتماد النظر العقلي أكثر فأكثر لدى المعتزلة والأشاعرة من جهة أخرى قد ضيقا دائرة الخلاف بين الفريقين في هذه المسألة. بل ومسائل أخرى غيرها كذلك. وصار اعتماد النظر العقلي هو الطابع السائد في مباحث كلا المذهبين رغم تعارضهما في الأسس والمبادئ والمنطلقات الفكرية…

النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية حسين مروه الجزء الأول الطبعة الرابعة 1981 دار الفرابي – بيروت (ص790-816)

شاهد أيضاً

الفقيه والفيلسوف والزنديق والصوفي فصول التقديس: من الاغتيال السياسي الى الاغتيال المعنوي ؟

محمد بصري بصـري مــحمــــــد باحث تربوي بشار الجزائر                                                           كان تحولا صادما وعارما وانقلابا تاريخانيا في مجريات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *