الرئيسية / منتخبات / عامة / ما يخفيه شعاري”دولة الخلافة” “وشريعة الله”!

ما يخفيه شعاري”دولة الخلافة” “وشريعة الله”!

محمد سعيدي

مع كل تفجير أو عمل تخريبي تقوم به داعش وأخواتها ،ترتفع كثير من الاصوات لتصف هذه الأعمال بالارهاب وتندد بها. والملفت أنه مع كل مناسبة يتم التركيز فقط على جانب العنف والتحذير من ضرب السلم والاستقرار ، بينما يتم التغاضي عن فكر داعش وعن الجماعات التي تنشر فكر داعش. إن هذه الأخيرة تلتقي مع ” الجماعات الاسلامية” الأخرى في الدعوة إلى إقامة “الدولة الإسلامية” أو إعادة “دولة الخلافة”. وإن سألت عن غاية هذه الدولة، قيل لك هي تطبيق “الشريعة الاسلامية ” أو “شرع الله”! وما هذه سوى شعارات تضليلية تستهدف جماهيرا تؤمن، تحت تأثير الثقافة السائدة، أن ماضي المسلمين كله أمجاد وبطولات! وأن الخلاص من أزمتنا هو في العودة إليه، ولا ترى أن تاريخنا كتب على مزاج الحاكم بما يقتضيه ذلك من مدح وإطناب حتى يخيل لنا أن الشعوب (“الرعايا”) كانت تسكن قصوراً مثل قصوره ، وتنعم بما ينعم…أما جوهر هذه الدعوة فهو إحياء وتطبيق الفقه الإسلامي الموروث الذي تناول تفاصيل العبادات وبعض المعاملات وبعض الحدود.. ولم يتجاهل سوى تفاصيل هذه الدولة واكتفى ب”وجوب طاعة الخليفة المتغلب أو المبايع” أو “وجوب طاعة الإمام المعصوم”. لا أشير هنا الى المذاهب الأخرى التي حاربتها الدولة العباسية منذ عهد المتوكل على الاقل، وورثت الجماعات “الإسلامية ” المعاصرة والوازنة العداء لها والذي وصل عند البعض حد التكفير. والمثال الأبرز هم المعتزلة الذين يرون أن الطاعة تكون لأمير عادل وليس لجائر (تفسير الكشاف للزمخشري، الآية 59 ، سورة النساء)، ويجوزون البيعة لإمام من غير قريش إذا لم يوجد منهم من هو أهل لها!! (المغني ، قاضي القضاة عبد الجبار، ج20 ص-239).

وقبل التساؤل عن صلاحيات الإمام وحقوقه وواجباته وحدود تدخل حاشيته، لا بد أن نتساءل عن دليل هذه الدعوة. فليس في القرآن والحديث المتفق عليه دعوة إلى إقامة “دولة الخلافة”، ولو كان ذلك لأتت بما يكفي ما التفاصيل لتجنيب القادة الأوائل على الأقل الاقتتال. فمن أول تجربة لبناء هذه الدولة، تشبت الشيعة بأن الخلافة لا تكون إلا بنص، وأبطلوا خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب، وأولوا حديث الغدير كوصية تفيد أحقية علي بن أبي طالب في الخلافة وأحقية أهل البيت “المعصومين” من بعده. أما “أهل السنة”، وإن كانوا يعترفون بصحة الحديث ، فهم لا يفهمون منه معنى الإمامة الكبرى (الخلافة). وتشبتوا بأن الخلافة تكون ببيعة أمير من قريش، قياساً على بيعة الرسول وليس لهم نص ثاني يدعو إلى الخلافة أو يفيد توصية. و تصح البيعة عندهم بالغلبة لأمير. وبينهم اختلاف في عدد المبايعين؛ فقد يكون واحداً، إثنين، خمسة، ستة أو أكثر (كتاب “الاحكام السلطانية”،الماوردي المتوفى في 450 ه، ص-22). وسواء بالنسبة لهذا الفريق أو ذاك، فالخلافة، لاتخرج عن دائرة قريش! وأبو بكر كان واضحاً في أول خطبة له كخليفةحيث قال”..نحن المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، ..فنحن الأمراء وانتم الوزراء، لاتدين العرب إلا لهذا الحي من قريش…”(العقد الفريد، الواسطة في الخطب ، لابن عبد ربه، ص149). أعلن عن خلاصة النقاش الذي دار مع الأنصار (من أهل المدينة) الذين أصروا على قولتهم الشهيرة “منا أمير ومنكم أمير”. ويبدو أن هذا الإعلان يخالف ما جاء في خطبة الوداع” أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ ، كُلكُّمْ لآدمَ وآدمُ من تُراب، إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ،..”. أما معاوية بن سفيان فقد أعطى السيف مكانته في أحقية الخلافة حين قال:”..أما بعد فإني والله ماوليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي ،ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة…(نفس المصدر، العقد الفريد، ص170)

ورغم أهمية “الخليفة/الإمام” في هرم “الدولة الاسلامية”، لم يأتي الفقه الاسلامي بنص صريح من القرآن أو الحديث يدعو إلى تعيين أحد في هذا المنصب، أو يفصل كيفية محاسبته وعزله. وسكوت النص عن هذه المسائل يفضح أصحاب الدعوة إلى “إعادة دولة الخلافة”؛ فرغم أنهم يحاولون الظهور بمظهر من يقدس النص الديني، فهم لا يترددون في تركه حين يتعلق الأمر بمصالحهم الدنيوية المهمة. وعموما، فكتب الفقه الموروث التي جاءت بالدرجة الاولى لخدمة السلطان إما سكتت عن الموضوع وإما قفزت مباشرة إلى سؤال “وجوب الطاعة أم لا”، وفي هذا الباب نص مختلف في تفسيره وتأويله. وهذا غير مستغرب لأنها ألفت إما بأمر من السلاطين كالموطأ (المنصور العباسي أمر مالك بتصنيفه، أنظر “الاعلام” الزركلي، ج5، ص-275)، أو ألفت من طرف فقهاء ذوو نفوذ وشركاء في الحكم، كشيخ الطائفة الشيعية ومؤسس حوزة النجف (كان وزيراً لهولاكو بعد غزو بغداد ، له كتاب “الاستبصار” و”العدة”، أقرب إلى الشافعية في الفروع)، وقاضي القضاة أبو يوسف (من مؤسسي مذهب أبي حنيفة ، عاصر المهدي والهادي والرشيد العباسيين)، والماوردي (أكبر قضاة آخر الدولة العباسية، ممن ساهموا في نشر وتطوير الشافعية)، والقاضي أبو يعلى (ولي القضاء في حكم العباسيين، له إسهامات هامة في الفقه الحنبلي)، وقاضي القضاة عياض (له إسهامات هامة في الفقه المالكي، عاصر آخر دولة المرابطين الموالية للعباسيين).. وإن كان هؤلاء الفقهاء، وأمثالهم الذين اشتغلوا بالقضاء أو الافتاء، في مواقع المسؤولية ولهم دراية بواقعهم وبحثوا عن إجابات عملية تناسب تطور مجتمعاتهم، فقد أغرقوا الشعوب في تفاصيل العبادات والسنة، مثل أبواب”إذا وقعت الفأرة في السمن” و “إذا وقع الذباب في الإناء” و “توقيت تقليم الأظفار “..و شددوا الحدود من قطع ورجم وجلد..بينما حرموا الجهر بمساوئ الحاكم أو التعرض له أو الخروج عليه إلا إذا ظهر منه “كفر بواح”..وأباحوا له مادون ذلك من سرقة و نهب، وزنا وغصب، وقتل بسبب أو بدونه…و منهم من تغاضى عن شرط “الكفر البواح”، حين حلت ساعة الامتحان أمام هولاكو الغازي، شيعة وسنة، وعلى رأسهم الطوسي.

إن الاشتغال بالفقه كان وسيلة للتسلق الطبقي عند كثيرين، فهو يجلب المال والجاه ويقرب من الامراء والسلاطين. لهذا، وكأي تاجر يعتني بسلعته وطريقة عرضها، أفرد مصنفون أبواباً في آداب مخاطبة الملوك والامراء والسلاطين والدخول عليهم. وهذا ليس سراً ، فأبو حامد الغزالي يقول:”..روي عن جماعة من الصحابة أنهم أدركوا أيام الأئمة الظلمة وأخذوا الاموال..فأخذ أبو سعد وابو هريرة من مروان ويزيد بن عبد الملك، وأخذ بن عمر وابن عباس من الحجاج. وأخذ كثير من التابعين منهم كالشعبي وإبراهيم والحسن وابن ابي ليلى. وأخذ الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار في دفعة، وأخذ مالك من الخلفاء أموالًا جمة..ألا ترى قول أبي ذر للاحنف بن قيس: خذ العطاء ماكان نخلة فإذا كان أثمان دينكم فدعوه؟”(“إحياء علوم الدين”، ص-589). أبو ذر الغفاري عارض هذه السياسة وأنكر كنز الأموال ودعا إلى توزيعها على الفقراء، لكن السلطة السياسية حاربته، و كتب الفقه المقارن ما نقلت مواقفه إلا للزخرفة في باب الزكاة، ومذهبه “منكر وشاذ” عند من ينادون اليوم بالعودة إلى السلف! وظلت، لقرون من الزمن، الأدوار متكاملة والمصالح متبادلة بين الفقهاء والسلاطين إلى أن دخل في مرحلة الجمود التي لم يخرج منها بعد. ووصل حد تحريم طباعة القرآن(فتوى علماء الأزهر عام 1833م، وقبلهم فتوى السلطان العثماني بازيد الثاني).

فقه السلاطين تطور في مجتمع منقسم إلى أحرار وعبيد. فالقضاة كانوا ينظرون في المعاملات والنزاعات التي لها علاقة بهذا الموضوع، وينتجون أحكاماً وفتاوى ساهمت في تطوير المذاهب الفقهية. و من بين الأحكام المدونة، نجد مثلاً بيع وشراء العبيد، العبد وماله هو ملكية لسيده، إعارة المسلم فرج امته (عبدته) لأخيه، سبي النساء وتحويلهم عبيدا هن وأبنائهن، وإذا اشتريت أمة على أنها بكراً وهي ثيب، ..(للتفاصيل، يمكن الرجوع إلى كتب الفقه شيعة وسنة). كما طور قواعد لملكية الأراضي والتصرف فيها تتماشى مع النظام الاقطاعي ، وفرض على جزء منها آداء الخراج لبيت المال. ومع الزمن، تكونت شبه يقينيات بأن ما أنتجه الفقهاء هو دين الاسلام وأصبح الاجتهاد من خارجه مهمة صعبة. فسقط الفقهاء(ما عدا قلة) فيما سمي “بالتقليد”، ولم يعودوا قادرين على تصور الاسلام إلا داخل نظام العبودية والاقطاع.ولم يعد

الفقه الموروث قادراً على مسايرة التطورات التي تعرفها مجتمعاتنا خاصة اندماج الطبقة الحاكمة في النظام الرأسمالي العالمي. لهذا تخلت عنه هذه الطبقة في كثير من المجالات المهمة، “واستوردت” قوانين شبه جاهزة تخص مثلا التجارة والابناك والضرائب والجنايات والقضاء…فكثير من فقهاء عصرنا حرموا المعاملات البنكية ، مع العلم أن النظام البنكي ركيزة لاغنى عنها في الرأسمالية. وبعضهم حرم فقط الفوائد ، وعلى رأيه ظهرت “البنوك الاسلامية” التي تأخذ نفس مبلغ الفوائد تحت مسميات أخرى كالمرابحة. وهذا اقرب الى التحايل على النص الديني وأبعد من حقيقة المعاملة؛ ففي غياب احتمال الربح والخسارة وعنصر المخاطرة بالنسبة للبنك ، تبقى الارادة الحرة الحقيقية للطرفين في هذه المعاملة هي قرض مقابل فوائد. وكثير منهم حرم نظام التأمينات بجميع انواعه ، حتى التأمين على الصحة والدواء والتقاعد ( https://www.islamweb.net/ar/fatwa/7394/قرار-المجمع-الفقهي-بشأن-التأمين-بجميع-أنواعه) . أما موضوع الضرائب فقد سبب خلافا حتى قبل الرأسمالية بعد سن الحكام الخراج وأنواعاً أخرى لفائدة بيت المال. يقول ابو حامد الغزالي “.. الخراج المضروب على المسلمين والمصادرات وانواع الرشوة كلها حرام.” (احياء علوم الدين، ص-589). الذين يحرمون الضرائب ، طبعاً لايؤمنون بأن الدولة يجب ان أن تستثمر في البحث العلمي ، وأن توفر لمواطنيها مستشفيات ومدارس وطرق وأمن في المدن والقرى، …وغير ذلك من الحقوق التي جاءت بها نظرية العقد الاجتماعي. بل يؤمنون بألا حقوق بعد البيعة، و يحصرون مهمة الدولة في تطبيق الحدود والامر بالجهاد ومحاربة مخالفي مذهب السلطان وما شابه ذلك. يطول الحديث عن مظاهر الجمود عند فقهاء عصرنا الذين مازالوا يرون أن الخروج من أزمتنا يتم بجمع الزكاة(لا تتعدى العشر، ولا تذهب لميزانية الدولة) وتوزيعها على الفقراء مع إعطاء القائمين عليها نصيب، وبأن يقوم كل قوم بغزو من يليهم من غير المسلمين مع إعطاء سهم من الغنيمة للراجل وسهمين أو ثلاثة للفارس! ..إن الفقه الموروث ظل لقرون سيفا في يد السلاطين، وعلى أعناق المقهورين ، وأنصاره اليوم يشكلون عاملًا لتضليل الجماهير عن طريق التغيير.

لم يتقبل أنصار فقه السلاطين عزلهم عن القضاء (مركزهم التاريخي المفضل) وباقي مراكز القرار المهمة، وحشرهم في زاوية الفتاوى الجنسية وقصص الإثارة، فكان أن رد بعضهم بشكل عنيف على الدولة والمجتمع (أتباع السيد قطب في “نظرية الجاهلية” و تيارات “السلفية الجهادية”)، والبعض قبل المشاركة في السياسة وفق القوانين المعمول بها، ونادى ب “التغيير من داخل المؤسسات” وانتظار الفرصة المواتية لإعلان ” دولة الخلافة”!. أمام هذا التهديد ، ظهرت أصوات تدعو إلى مراجعة الثرات أو الموروث الفقهي. منها من تسعى إلى تغيير بعض الاحكام التي لم تعد تناسب عصرنا كزواج القاصر أو ملك اليمين أو الجهاد، ومنها من تسعى إلى مراجعة بعض أصول الفقه. و في نظري ليس هذا هو المطلوب؛ لأنه في عصرنا هذا أصبح ملحاً فصل الدين عن الدولة وعن السياسة، وليس التنافس حول من يمثل الدين الحق ، وليس التعسف في إقحام النص وتطويعه كي يتماشى مع المصالح والآراء المتصارعة. إن شعوبنا أدت الثمن غالياً نتيجة هذا ، ويكفي ما لدينا من اصطفاف عمودي في المجتمع ؛ السنة اصطفوا وراء كتاب بشري للتفسير (مثلا تفسير ابن كثير)، والشيعة وراء كتاب آخر (مثلا تفسير القمي) والمعتزلة وراء ثالث (مثلا تفسير الكشاف)، وكل طائفة اختارت رواتها العدل الثقاة وكتابها “الصحيح” في الحديث (صحيحي البخاري ومسلم بالنسبة للسنة، وصحيح الكافي للشيعة..) و أصولييها في الفقه المعتمدين وأخرجت الباقي من الملة وادعت أن كتبها هي صحيح الدين. ونظرًا لسمك الأسوار التي بنتها الطوائف بينها، فأبو الأعلى المودودي مثلًا-أحد زعماء “الصحوة الاسلامية “- لم يرى بنظرته “الثاقبة” و ” اطلاعه الواسع” من مذاهب الفقه الا “أهل السنة والجماعة”. يقول في كتابه “مبادئ الاسلام” (ص-63): “و قد كان رتب كتب الفقه رجال كثيرون على أساليبهم في بدء الامر، ولكن بقي آخر الأمر أربعة مذاهب فقهية، وهي التي يتبعها اليوم معظم مسلمي الارض:١. الفقه الحنفي..٢.والفقه المالكي..٣.والفقه الشافعي..٤. والفقه الحنبلي..”، وفي الصفحة -64، يقول عن الجماعة المعروفة ب”أهل الحديث”: “هم على الحق مثل الطوائف المذاهب المذكورة.”.

وفي إعادة قراءة الثرات ، سيكون من السذاجة اعتقاد أن الاختلافات ستحسم فقط بتحكيم النص، فمعظم القضايا المعاصرة لم يرد فيها نص مخصص. بل أكثر من هذا، فالفقهاء تجاوزوا منذ قرون نص القرآن والسنة وحكموا الاجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف، إلخ. وطرحوا جزءاً هاماً، إن لم يكن الأهم، من القرآن بدعوى أنه منسوخ، لكن القرار لم يكن يخلو من مصلحة طبقية للسلطان . فمع التحول من مجتمع تغلب عليه البداوة إلى مجتمعات تعرف التجمعات السكنية الكبرى، وغزو شعوب ذات عادات وأعراف مختلفة، كان لابد للقضاء الحاكم من وضع أصول وقواعد جديدة للفقه كي يتعامل مع القضايا الجديدة ، وظل يستدل بها رغم الاعتراضات المستندة إلى النص، وفيما يلي بعض الامثلة.

يلجأ الفقهاء للقياس للحكم في مسألة خاصة لم يرد فيها نص من القرآن أو السنة . ويكون مثلا على حكم مجمل ورد في نص من القرآن او السنة ، أو على حكم مخصص في مسألة ثانية تجتمع في العلة مع المسألة المبحوث فيها. وليس العلمانيون فقط من يقول أن هذا الاجتهاد هو عمل بشري، فهناك من أهل السنة من أنكر ذلك . ابن حزم مثلا يقول في كتابه” النبذ” (الصفحة 61 ) : “لا يحل الحكم بالقياس في الدين، والقول به باطل مقطوع على بطلانه عند الله تعالى.”

أما في الإجماع، فالأصوليون يختلفون بين من يحصر هذا الاجماع في عهد الصحابة والتابعين وبين من يحصره في القرون الثلاثة الهجرية وبين من يمدده إلى جميع العصور. وهو بشكل عام اتفاق ” المجتهدين من “أمة الإسلام” في حكم مسألة معينة. بعض المعتزلة (النظام) اعتبر أن الإجماع ليس بحجة وقدم عدة أدلة منها أنه يخالف ما جاء في القرآن :

“يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً” (سورة النساء، الآية 59)

أما بالنسبة لبعض الشيعة، فقول الإمام المعصوم حجة حتى وإن انفرد به.

وحتى إن لم يكن اعتراض بين المذاهب الاكثر انتشاراً على القرآن والسنة، فإ ن الاشكالات التي صاحبت تحكيمهما كانت أكبر من أن تحسم على مدى أربعة عشر قرنا.

فيما يخص القرآن، عرف تاريخنا ظهور المذهب الظاهري الذي يأخذ بظاهر النص كما هو ومن أعلامه داوود وابن حزم، كما ظهر مذهب التأويل الذي يعتمده بعض الشيعة والمعتزلة، وعرفنا كذلك المذهب الذي يجمع الإثنين ويعتمده كثير من “أهل السنة والجماعة”. ولا يعتقدن أحد أن هذا مجرد اختلاف رحمة؛ بل يوجد بين هذه المذاهب إخراج من الدين وتفسيق وتكفير وجولات من القتل يمكن الرجوع إليها في كتب التاريخ. أما إذا تناولنا مسألة الناسخ والمنسوخ، فإن الرجوع إلى القرآن لاستنباط الأحكام الفقهية سيتعقد أكثر. الدارسون للقرآن انقسموا إلى من يقول بعدم وجود النسخ في القرآن (أنكره أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي )، ومن أقر بوجوده مع اختلاف في الكم، حتى أن البعض قال بأن كل ماهو مكي منسوخ بما هو مدني. وهذه كلها آراء بشر ليس له دليل إلا فهمه الخاص ولا يسعى من وراء ذلك إلا لخلق الانسجام في مذهبه الضيق. وإذا رجعت مثلا إلى ما تقوله المذاهب الأربعة في باب الجهاد (كتاب المغني، لابن قدامة: كل قوم يقاتل الذي يليه من العدو ، وقتال اهل الكتاب خير من قتال غيرهم…)، تفهم لماذا نسخ الفقهاء الآيات التي تدعو الى الرحمة واللين ولا إكراه في الدين… ألا يخجلون من أنفسهم حين يدعون الناس إلى الدخول في الإسلام لأنه دين السلام والرحمة والمحبة ويسلموهم القرآن كحجة، وما أن يسلموا حتى يواجهوهم بأقوال مثل أن آية السيف وحدها نسخت 124 آية من القرآن( قول الشيخ ابن العربي المالكي مثلا). من أعطى هؤلاء صلاحية التصرف في القرآن وتقرير ما ينسخ وما لا ينسخ؟!

أما في موضوع السنة، فهناك إشكالات ليست بالهينة. ما وصلنا من أخبار في كتب التاريخ هو أن السنة لم تكتب في عهد النبي، وهناك من يقول كان منهيا عن ذلك على عهد الخلفاء الأربعة. ويعلم الفقهاء أن ما كتب على عهد الدولة الأموية أو العباسية من مسانيد وسنن وصحاح يضم الأحاديث الموضوعة والضعيفة والصحيحة. وقد وضعت أحاديث لتأييد السلطة القائمة كما وضعت أخرى في المقابل لتأييد المناوئين لها. وذاكرة الحفظ خانت بعض الرواة في أماكن وازمنة معينة. أضف إلى كل هذا أن الرواة كانوا يحدثون بالمعنى وليس حرفيًا، وأحيانًا يسرد المتن مقطوعاً عن أوله أو عن آخره. لهذا فالحكم المستنبط قد يتغير حسب النص المعتمد زيادة أو نقصانًا. أما كيف عولجت هذه الإشكاليات وغيرها؛ فطبعا بالتعصب والتكفير والتصفية والقتل على الهوية، وبقيت الأسئلة الحارقة معلقة. اختلف أهل السنة في مسألة هل يترك الحديث عن صاحب “البدعة” بالجملة أم فقط يترك ما يؤيد بدعته. وكي نقرب الفكرة، فالمذهب الشيعي مثلا بالنسبة لاهل السنة هو بدعة، و المذهب الأشعري (من يأخذ بالعقل والنقل في التعامل مع النص وهم كثير من المالكية والحنفية والشافعية وبعض الحنابلة) هو بالنسبة للسلفية بدعة! وفي المقابل، فالشيعة يأخذون الحديث على أئمتهم من أهل البيت لأنهم الأكثر صدقا وغيرة على السنة ولا يأخذون مثلا عن عائشة وأبو هريرة وعبد الله بن عمر ولهم حجج لا يتسع المجال لذكرها. المعتزلة الذين استعملتهم الدولة العباسية لمواجهة المذاهب الأخرى المناوئة كالشيعة والخوارج، دعوا الى استعمال العقل لقبول الحديث او رفضه ومنهم من رفض أحاديث الآحاد. محمد الغزالي الذي توفي عام 1996م دعا إلى عرض متن الحديث على القرآن للتأكد من سلامته. ومحمد عبده الذي توفي عام 1905م، فدعا إلى تقديم العقل على النقل عند التعارض. والغرض من سرد هذه الآراء المختلفة هو تبيان أنه لاتباع السنة ، فإما أن تعرضها على عقلك وتقبل ما تطمئن له ، وإما أن تسلم أمرك لأحد الأئمة ، رغم أنه ليس رسولا ولا عاصر الرسول، وإما أن تعرض متن الحديث على القرآن وآنذاك عليك التعامل مع الاشكالات التى أشرت إليها أعلاه من ضمن أخرى. ومهما كان الحكم الذي تتوصل إليه بعد هذا الجهد ، فلا يصح أن تنسبه إلى الله وتسميه شريعة الله ، بل سمه رأيك لأنه مطبوع بحدود فهمك ومنهجك.

إن هذا الفقه يبقى عملا بشريًا انطلاقاً من التفاسير المختلفة للقرآن والمتناقضة في الامور الهامة، وترجيح روايات الحديث وتكذيبها، والأخذ برأي صحابي وترك آخر ورأي إمام واستبعاد آخر، وتقدير العلة في القياس، إلخ. وهو ما تقصده “الجماعات الاسلامية” بشعاراتها المتنوعة ك”الشريعة الاسلامية ” ، و”شرع الله”، و”الحاكمية لله”.. التي تغطي على مذاهب فكرية تمثل العبودية والإقطاع. وهذا لا يصطدم مع مطالب الشعوب التواقة للتحرر من الاستغلال، بل حتى مع مصالح الرأسمالية التبعية في بلداننا. وإن كانت بعض الجماعات قبلت بالمشاركة في ديمقراطية الانتخابات ، فإنها لم تقبل بناء على اجتهادات فكرية منسجمة مع النظرية الليبرالية سياسياً واقتصادياً أو فيما يخص الحريات الفردية، وإنما بناء على خطاب مزدوج تمتزج فيه البراغماتية مع انتهازية ووصولية قادتها. لهذا فالصراع مع هذا التوجه الفكري قد يطول، خاصة أن الحملات ” الامنية” لا تحارب جذور “الارهاب”،وأن مصداقية مثقفي الأنظمة الحاكمة في الحضيض لوقوفهم ضد القضايا العادلة.

1,3 KMohamedali Benbrahim, Mohammed El Arkoubi et 1,3 K autres personnes

شاهد أيضاً

سيولة الخوف في زمن الكورونا…الهلع مما لا يمكن إدارته

الزهرة قني الزهرة قني / الجزائر “الشيء الوحيد الذي لابد أن نخافه هو الخوف نفسه”                                        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *