الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / ساندرا لوجييه: سؤال الحكمانية، الخلاف، التنافر، العصيان، الديمقراطية

ساندرا لوجييه: سؤال الحكمانية، الخلاف، التنافر، العصيان، الديمقراطية

SANDRA LAUGIER

تقديم و ترجمة : محمد ازويتة  

محمد ازويتة

 ساندرا لوجييه أستاذة الفلسفة بالسوربون . درست بالمدرسة العليا و جامعة هارفارد . نائبة مدير معهد العلوم القانونية و الفلسفية بالسوربون .  نشرت على نطاق واسع في فلسفة اللغة العادية (فيتجنشتاين ، أوستن) ، والفلسفة الأخلاقية (الكمال الأخلاقي ، وأخلاقيات الرعاية) ، والفلسفة الأمريكية (كافيل ، ثورو ، إيمرسون) ، ودراسات حـــــــــــول ” الديمقراطية والعصيان المدني ” .

يمكن القول ، إجمالا ، بأن الدراسات التي اهتمت بسؤال الحكمانية عامة و النظام الديمقراطي بشكل خاص في الغرب قد اتخذت ، انطلاقا من تصورها لمفهوم الأزمة ،  منحيين متعارضين : المنحى الأول معياري ينطلق من قواعد و مبادئ معينة في تنظيم الحكم الديمقراطي كما تبلورت مع التجربة اليونانية فيقارنها مع الديمقراطية في الوضع في الحاضر ، حيث ينتهي الى الحديث عن تراجعات ، انحرافات و سقطات ….  مفهوم الأزمة هنا يحمل دلالة معيارية تابثة ويكرس نموذجا مثاليا لنظام في الحكم ، كما أن الزمن الذي يتحرك فيه هو زمن تابث منعدم الحركة .   

المنحى الثاني نقدي ينطلق من التجربة اليونانية نفسها ، لا ليجعل منها نموذجا متعاليا ، و لا ليصدر حكما ما ، و إنما يسائل الاشكاليات التي طرحت على الفاعلين السياسيين و الباحثين معا ، و ما تولد عن ذلك من مناظرات و حوارات و ردود فعل ، و التي كان لها تأثير فعلي على الأفراد و المؤسسات . مفهوم الأزمة هنا يحمل دلالات المراجعة ، التحول و الانتقال ، و الزمن الذي تتحرك فيه ليس تابثا متموجا بل هو متغير و انفصالي . 

يمكن القول بأن المنحى النقدي للتجربة الديمقراطية في الغرب  ، قد تمظهر من خلال اتجاهين : الاتجاه الفرنسي ـ الألماني  كما مثله ميشيل فوكو ، فريديريك غرو ، ساندرا لوجييه … هابرماس ، هونيث …   و الاتجاه الامريكي كما تبلور مع كافيل ، ثورو و ايميرسون …

هذا لا يعني أن هناك انفصال تام بين الاتجاهين ، فدروس فوكو في الثمانينات ،  مثلا ، و التي تمحورت حول شجاعة الحقيقة ،  هي في صلب اشتغال و اهتمامات الفلاسفة الامريكيين ، من دون أن يمنع ذلك من تميز المقاربة الجنيالوجية لفوكو كما توضح ذلك محاضراته بجامعة كاليفورنيا ببيركلي .

 نريد في هذا الموقع المعرفي المتميز نقل نصوص الاتجاهين الى اللغة العربية ، لنطلع جميعا على منهجيات و اشكاليات مقاربة نظام الحكم المعاصر ممثلا في المنظومة الديمقراطية الغربية  .

النص

يتضمن سؤال المقاومة بالضرورة سؤال العصيان . لماذا الطاعة؟ سنجيب أن الحياة في المجتمع هي حياة الطاعة : للأشخاص ، للسلطة  و للقواعد . إذا كنت أعيش في مجتمع مستبد ، فلا بد أن أقاوم بالتأكيد ؛ و لكن في الديمقراطية ؟ .  أليس هناك تناقض بين المقاومة والديمقراطية ؟ بدلا من ذلك ، لدينا انطباع بأن الديمقراطية هي مكان الحوار والتفاوض ، وليس مكانا للمقاومة . تبدو الرغبة في العصيان في الديمقراطية  في أحسن الأحوال نزوة ،  ترفا ، و في الأسوأ غير مسؤولة  وخطيرة .

 لكن السؤال ليس بهذه البساطة . ألا توجد في الديمقراطية أشكال مقاومة ممكنة وضررية ؟ . تستند العديد من أشكال المقاومة المدنية الحالية إلى فكرة ، استعارية أحيانًا ، الديكتاتورية : دكتاتورية السوق ، ودكتاتورية الإعلام . هذه خطوة مشروعة ، وبالتالي ففكرة المقاومة هي فكرة احتجاج قد يكون عنيفًا ، ولكنه ضروري ، ضد قيود لم نخترها أبدًا . لكن فكرة العصيان المدني مختلفة وأكثر تعقيدًا وتجبرنا على التفكير في فكرة مقاومة لا تحتاج إلى ذريعة شكل من  الديكتاتورية : مقاومة الانصياع و الطاعة . إن فكرة المقاومة في الديمقراطية ليست رفضًا للديمقراطية .  بالعكس  إنها مرتبطة بتعريف الديمقراطية نفسه ، بحكم الشعب ، أي من قبل الشعب ، كما نص إعلان الاستقلال الأمريكي بوضوح شديد : الحكم الديمقراطي الجيد هو الحكم الذي لنا نحن ، لي – الذي يعبر عني . مسألة الديمقراطية على حد تعبير ستانلي كافيل Stanley بعد  إيمرسون Emerson  ، هي مسألة  الصوت الدال على الحضور . يجب أن يكون لي صوت في حياتي ، وأن أتعرف على نفسي فيما يقال أو يعرض في مجتعي ، وبالتالي ، بطريقة ما ، منحه صوتي ، وقبول أن يتحدث باسمي  . إن هذه الإمكانية لتناغم الأصوات ، أو Ubereinstimmung   ( لاستخدام تعبير فيتجنشتاين الشهير) هي التي تحدد التوافق الاجتماعي . العصيان هو الحل الأساسي عندما يكون هناك تنافر أو عدم توافق : لم أعد أسمع نفسي ، في خطاب يبدو كاذبًا (1) .

في هذه المقاربة ، يصبح السؤال السياسي هو سؤال التعبير . إذا كان مجتمعي حرًا وديمقراطيًا بشكل معقول ، إذا كان بإمكاني التعبير عن نفسي ، فلا داعي على ما يبدو لوجود مقاومة . كما لو أنه بطريقة ما لم يكن التعبير عن خلافي في شكل مقاومة ، كما لو كنت قد وافقت على الحد الأدنى من الموافقة على المجتمع ، بحيث يمكن التعبير عن خلافي بشكل معقول في هذا الإطار . ولكن ما هي الموافقة التي أعطيتها ؟ العصيان هو شكل من أشكال المقاومة في ما يعتبره رفضا  ، أنا لم أعط موافقتي الكاملة : ليس على كل شيء .

للمقاومة إذن مكانها في الديمقراطية ، في شكل محدد للعصيان المدني . أطروحتي هي أن هذا العصيان هو في أساس الديمقراطية ، إنه ليس انحلالها ، انحطاطها أو ضعفها الداخلي . ففكرة العصيان المدني (Civil Disobédience  ) نفسها نشأت في سياق ديمقراطي : في كتابات الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو H D Thoreau(1817-1862) ، وفي الدائرة الصغيرة من المفكرين المجتمعين حوله و بأستاذه وصديقه إيمرسون Emerson (1803-1882) في كونكورد ، ماساتشوستس في الولايات المتحدة . يتعلق الأمر بمقاربة أمريكية للديمقراطية ، في الفترة التي حاولت تجديد نفسها على الأراضي الأمريكية – رغم أن لها بالطبع مصادرها الأوروبية . في هذه الظرفية ، حيث يقع المرء يوضع بين معاداة أمريكا  أو الإعجاب ألامتثالي التام  للإمبريالية الأمريكية ، من المهم بشكل خاص إعادة اكتشاف هذا المسار ، على وجه التحديد الأمريكي ، للمعارضة ، لعصيان السلطة القائمة . إن مقاومة انحرافات السلطة الديمقراطية وفقدان طبيعتها الديمقراطية على وجه التحديد هي أساسية لنوع معين من التعارض و نمط معين من المقاومة المدنية. هنا نجد  العديد من التعبيرات المختلفة في السينما ، بدء من الكوميديا ​​الهوليوودية لسنوات 1930  إلى سنوات 1970 و حتى اليوم .

نحن الشعب

إن موقف ثورو وإيمرسون بسيط من حيث المبدأ : ليس للفرد الحق فقط بل واجب المقاومة ، وبالتالي ممارسة العصيان ، عندما تتصرف الحكومة ضد مبادئها  . رفض ثورو الاعتراف بالحكومة على أنها حكومته ، ورفض إعطائها صوته و التحدث نيابة عنه ، و السبب في ذلك هو أنها  تروج للعبودية و تشن الحرب في المكسيك. هذا هو الشعور السياسي الأساسي ، والذي نجده مؤخرًا في المعارضات الداخلية للحرب فـي العراق : ليس باسمنا .

لماذا هذه العبارة ؟ يمكننا أن نفكر هنا في تحديد الشعب الأمريكي ، و في الغموض الشديد  لكلمة ” الشعب ” ، التي تميل الى  اعتبار  الواحد و الكثرة ، كما يشير الى ذلك التعبير ” نحن الشعب ” . نقرأ في بداية الدستور الفيدرالي لعام 1787 : ” نحن شعب الولايات المتحدة ، من أجل تشكيل اتحاد أكثر كمالًا ، ننظم و نرسي  هذا الدستور ” . وبالمثل ، يمكننا أن نرى في الأوراق الفدرالية أنه منذ البداية يتم تعريف الشعب على أنه المصدر الوحيد للسيادة : ” يجب أن يقوم صرح الإمبراطورية الأمريكية على أساس متين من موافقة الشعب” (هاملتون 22 ) ، ” تكمن السلطة العليا في الشعب وحده “(ماديسون 64 )  . مسألة هذه الموافقة هي في أساس التفكير في الديمقراطية : كيف ننظر في موافقة الشعب ، أي كل فرد ،  للمجتمع ؟                                            

أصر ماديسون (  الأوراق الفيدرالية رقم 64 ) على هذه السيادة المطلقة للشعب ، ” المشترك الأسمى ” للحكومة العامة وحكومات الولايات . إنه بذلك ” مصدر كل سلطة  ” . يؤكد ” المبدأ العظيم للحق الأصلي بأن السلطة تكمن في الشعب “.  ” كل السلطة ، وفقًا للفيدراليين ، تكمن في الشعب ، وليس في حكومة الولايات ” . يتعلق الأمر هنا ” بتفويض للفاعلين السياسيين لتشكيل حكومة تعتقد الغالبية أنها ستساهم في إسعادها ” . إن قدرتها على نقد هذه الحكومة أو تلك ” في ما إذا كانت قادرة على تحقيق  سعادتها ” ، هي التي تحدد ” السلطة المتعالية ” للشعب .                        

 إن إعادة تعريف الشعب هي أيضًا إعادة تعريف لما يقوم عليه   الدستور :  ليست التنظيم النهائي للسلطة ، يمكن للشعب أن يسحب في أي وقت – دون اللجوء إلى ثورة – تفويضه إلى حكومة معيبة ، و إعادة مسائلة دستورها مرة أخرى .  و بالتالي  ” نحن الشعب ، نمتلك كل قوة ، سنشكل حكومة نعتقد أنها ستضمن سعادتنا ” (ويلسون) . يقوم الدستور على أساس ” موافقة الشعب وتصديقه ” ، أي ” موافقة وتصديق الولايات المستمدة من السلطة العليا لكل ولاية ، سلطة الشعب نفسه )  ماديسون ، الأوراق الفيدرالية 39) .  هنا نلاحظ ازدواجية الشعب ، المدرجة  في الفقرة من المفرد إلى الجمع . إن هذه التعددية ” للناس” هي التي تحدد “الشعب ” وتضاعف مسألة الموافقة . كما لاحظ جوردون وود Wood Gorden (2)، فإن الأمريكيين بدؤوا ثورتهم من خلال اعتبارهم الشعب وحدة متجانسة ، تقف ضد الحكام ، هنا نقف على نموذج  شامل للعصيان . مشكلتهم إذن هي إطالة أمد هذا العصيان بالمقاومة ، ليس كشعب موحد ، بل كشعب محطم ، بدون وحدة مصلحة . ” في المستقبل ، ستكون الصراعات السياسية داخلية للشعب ، ستتعارض مختلف الجماعات والأفراد ، الذين يطمحون إلى خلق عدم المساواة من خلال مساواتهم ” (3) . كيف نجعل الشعب مصدرا للسلطة ــ استخدام المصطلح بمعنى ” أهلية الانتخاب ” ، أو في الـــــــــــــمجال القضائي مع تعبير “People  vsX” –  ــ والشعوب التي لها اهتمامات فردية أو مجتمعية متباينة ؟ . يصبح العصيان إذن تذكيرًا بالمطلب الأول للشعب الأمريكي ، ويصبح لا غنى عنه عندما تكون الحرية أو المساواة أو ” السعي وراء السعادة ” موضع تساؤل . لكنه لم يعد بحاجة إلى أن يكون عاما ، ويمكنه (ينبغي له ) أن يكون عمل فرد أو مجموعة منعزلة . ذلك أن كل واحد هنا مطالب بالآخر ، و الصوت الفردي الواحد مطالب بالعمومية : إنه مبدأ الاعتماد على الذات مع ايميرسون ، إن هذه الامكانية في المطالبة هي التي تسمح  ، اليوم ، بتوسيع نموذج العصيان .

حياة اليأس الهادئ

العصيان ليس اتهاما للعقد الاجتماعي ، بل إعادة تفسيره . لأن مجتمعه ينكر الحقوق المتساوية التي ينادي بها دستوره ، فإن ثورو يطالب بالحق في الانسحاب من / داخل هذا المجتمع . الاستقرار المؤقت في والدن Walden هو احتجاج ضد الحياة التي يعيشها الآخرون (حياة اليأس الهادئ) ، ضد مجتمعه كما هو موجود . رفض إيمرسون وثورو المجتمع في عصرهم للأسباب نفسها التي أرادتها أمريكا من أجل الاستقلال ، وطالبوا بحقوق الحرية والمساواة والسعي نحو السعادة . لقد تمثلا إعلان الاستــــــقلال حرفيا : ” تنشأ الحكومات بين الناس لضمان هذه الحقوق ، وسلطتهم العادلة تنبع من موافقة المحكومين . كلما صار شكل من أشكال الحكم مدمراً لهذا الهدف ، يحق للشعب تغييره وإلغائه ، وإنشاء حكومة جديدة ” .

هنا والآن ، و كل يوم ، يتم تنظيم موافقتي مع مجتمعي  ؛ فأنا لم أمنحها ، بطريقة ما ، مرة واحدة وإلى الأبد . لا يعني ذلك أن موافقتي  مشروطة : ولكنها ، باستمرار ، في المناقشة و المحادثة . هذا ما يحدد إمكانية الاختلاف و التنافر . إذا لم يكن في استطاعتي  تغيير الحكومة ، فإنه يمكنني على الأقل رفض أو تعليق موافقتي . انعزال ثورو في والدن Walden هو الرفض الداخلي لمجتمع هو نفسه يائس : ” كان بإمكاني المقاومة بالقوة بتأثير أكثر أو أقل ، أن أندفع بقوة ضد المجتمع  ، لكنني فضلت أن يندفع المجتمع ضدي ، فهو   الشخص اليائس ” ، قال ثورو .

لا يتعلق الأمر بالمفكر الأمريكي لتلك الفترة ، لكي يثور على المجتمع ( موقف في بعض الأحيان خادع ، بل متفاخر) ولكن على الأقل لتحمل وإثارة العداء ، والذي لن يهم الشعب و إنما النخبة . تحدث إيمرسون ، في خطابه الشهير للمثقفين في عصره ، عن “حالة العداء الافتراضي التي يبدو فيها الباحث على صلة بالمجتمع ، وخاصة المجتمع المثقف “. لا يتعلق الأمر بتكرار أسطورة المفكر المضطهد والمعزول ، والتي أشار إليها الفلاسفة منذ فترة طويلة في توافق مع شخصية سقراط . يتعلق الأمر بالأحرى  بالقول بأن على المثقف أن يكون يقظًا وألا يتغاضى عن انتهاك المبادئ ذاتها التي يدعي الدفاع عنها. عندما عرف إيمرسون نفسه كأول مفكر أمريكي  تبنى قضية إلغاء عقوبة الإعدام في الخطابات الشهيرة (عامي 1844 و 1854) ، وفي دفاعه عن جون براون ، فإنه ندد مع العبودية ،  فساد مبادئ الدستور الأمريكي ذاتها ، وفساد السياسيين ممثلي الأمة . فهو لم يتردد في اتخاذ مواقف متطرفة ، مطالبا بعصيان القانون ، كما يتضح من إدانته الفاضحة للقانون الجائر الـــــخاص بالعبيد الهاربين .

أعلن تورو في (  العصيان المدني ) بأنه ” يرفض الخضوع لمنطق الدولة ، و يفضل الانسحاب منها أو الانعزال عنها فعليًا “. الانعزال ليس مجازيًا للمثقف الذي يضع نفسه فوق النزاعات ، خارج المؤسسة ، بل هو رفض للولاء و الانصياع . إذا رفضت الدولة فك اتحادها مع مالك العبيد ، فإن ” على كل مواطن في الدولة أن يفك ارتباطه معها “. قال إيمرسون : ” لا يمكنني الاعتراف بهذه الحكومة كحكومتي ، لأنها حكومة العبيد أيضًا “. إذا قبلت المجتمع ، واعترفت به على أنه ملكي ، فأنا عبد ، فنحن جميعًا كذلك ، حتى لو كنا نعيش في شمال الولايات المتحدة . ” أتساءل في بعض الأحيان كيف نكون تافهين بما يكفي ، إذا جاز لي القول ، للانتباه إلى هذا الشكل الجسيم من العبودية المسمى عبودية الزنوج ، حيث يوجد الكثير من السادة الماكرين  لاستعباد الشمال والــــــــــجنوب على السواء  “. تمرد ثورو وإيمرسون ضد الدولة ليس من أجل الدفاع – على طريقة الشيوعية – عن حقوق فئات معينة .  الذين تدافع عنهم ، هنود وعبيد ، ليس لديهم حقوق ( ليس لديهم صوت في تاريخهم ، كما يقول كافيل) . بدلاً من المطالبة نيابة عنهم ، وإبقائهم صامتين ، فإنهما فضلا المطالبة بالحقوق الوحيدة التي يمكنهما الدفاع عنها ، وهي حقوقهم . حقهم في أن تكون لهم حكومة تتحدث وتعمل نيابة عنهم ، ويعترفون بها ، ويعطون موافقتهم عليها . يجب أن أوافق على حكومتي ، أي أن أعتبرها تتحدث نيابة عني ، باختصار ، إعطائها صوتي .

المحادثة والطاعة

  المحادثة مفهوم مركزي في كل الفلسفة السياسية الأمريكية ، بأشكال مختلفة ، حتى في نظرية راولز   Rawls الليبرالية) : لكي تكون الحكومة شرعية ، يجب أن يجد الجميع فيها صوتهم  . و بما أن الوضع في أمريكا القرن التاسع عشر لم يكن كذلك (بالنسبة لثورو وإيمرسون ، الإرادة السياسية الأصلية لأمريكا ضاعت ) ، إذ تم استبعاد البعض من هذه المحادثة  ،  فقد قررا  سحب أصواتهما  .

 في ” الباحث الامريكي ” ، حث ايميرسون زملائه ، العلماء الأمريكيين الآخرين على تحرير أنفسهم من تأثير أوروبا بالقول : ” يشك المرء بالفعل في أن روح المواطن الأمريكي خجولة ، مقلدة وخاضعة . الجشع العام والخاص يجعل الهواء الذي نتنفسه كثيفًا و ملوثا . الباحث ، محتشم ، متراخ و راض ” . لماذا ندين الباحث والمفكر الموظف على وجه التحديد بدلاً من مهاجمة  السياسة والمجتمع ؟ لأن الأمر متروك له لضمان مناقشة المجتمع  ، والتحدث علانية نيابة عن الجميع . المجموعة هي ما يعطيني الصوت السياسي ، والتي يمكنها  أن تسحبه مني ، أو أن تخيب ظني ، أو خيانتي لدرجة أنني لم أعد أرغب في التحدث نيابة عنها ، أو أدعها تتحدث نيابة عني (4) . لأن مجتمعه ينكر الحقوق المتساوية التي ينادي بها دستوره ، فإن  ثورو يطالب بالحق في الانسحاب و الانعزال من (في) هذا المجتمع ، و رفض دفع الضرائب ” حتى لا يفسح المجال للشر الذي يدينه . (5)

الحق في سحب صوت المرء من المجتمع يعتمد ، أولاً  ، على فكرة أنني أستطيع نوعًا ما أن أحكم نفسي (الحكم الذاتي على أساس إعلان الاستقلال) . هذا هو مبدأ الاعتماد على الذات لدى ايميرسون . سيكون صوتي الخـــــاص هو الشعور العام . ” ذلك أن ما هو أكثر حميمية ينتهي به الأمر دائمًا إلى أن يصبح الأكثر عمومية  ” . سيكون صوتي الخاص عموميا  : تلك هي مشكلة الديمقراطية  . الانتماء للمجتمع ليس  معطى . ليس لأني قررت المشاركة في المجتمع  ، فإنه يمكنني إعطاء موافقتي في أي وقت ، وهو ما سيكون وجهة نظر مبسطة للموافقة . أنا لا أتفق مع الآخرين مسبقا . بدلاً من ذلك ، فإن مشاركتي هي دائما موضع تساؤل  – في المحادثة – فـــــــــــــــــي علاقتي بالمجموعة .  

  هذا الموقف الفردي الجذري ، حتى لو كان يدعو إلى التساؤل عن أسطورة الانتماء الى المجموعة  ، فإنه لا يؤدي بالضرورة إلى نقيضه الليبرالي . إنه يقود كافيل ليقرأ ، على وجه الخصوص داخل نظرية راولز Rawls ، إمكانية استبعاد أصوات معينة ، من البداية ، عن النقاش الديمقراطي ، عما أسماه كافيل ، في ” الشروط النبيلة و الدنيئة ” ” بالمناقشة العدالة  ” .  النقد الذي يمكن توجيهه إلى الليبرالية الحديثة يهدف إلى بيان عدم قدرتها على احترام المطالب  الفردية حتى النهاية . إن رفض رولز Rawls الصريح لإكتمالية إيمرسون Emerson هو أحد أعراض الرفض الأساسي من جانب الليبرالية السياسية ، رغم طموحه الديمقراطي ، لإسماع  صوت من سيكون في حالة ظلم مطلق ، و الذي لن يكون له صوت في مناقشة العدالة . إن موقفا مثل موقف ثورو وإيمرسون يمس كل من الليبرالية الحديثة والتشاركية ، كاشفا مسبقا عن قاعدتهما المشتركة : فكرة أنني إذا كنت هنا ، يجب أن أوافق بالضرورة ( على قواعد مجتمعي أو تراث يمكنه أن يتكلم نيابة عني ) ، لقد أعطيت موافقتي . هذا الأساس المشترك ، أطلق عليه إيمرسون اسمًا : إنه الانصياع ، وهذا بالضبط هو ما يجب على الثقة في الذات أن تزعزعه و تحرره ، كما يجب على الباحث أو المثقف الأمريكي ( المقبل ) هدمه .

ليس الصمت هو من يراقب المثقف و لكن الانصياع . أثيرت هذه النقطة داخل عبارات مماثلة مع جون ستيوارت ميل  J S Mill  في كتابه عن ”  الحرية ” .  

لا أود القول بأنهم اختاروا اتباع العرف على ما يناسب ميولهم الخاصة. لا يخطر ببالهم أن لديهم ميلًا لأي شيء آخر غير المعتاد. وهكذا فإن العقل نفسه ينحني تحت العبودية : حتى في ما يفعله الناس من أجل متعتهم ، فإن الامتثال هـــــــــــــو أول ما يفكرون فيه (الفصل 3 ، § 6). (6)

ضد الانصياع ، طالب كل من إيميرسون ،  ثورو  و ستيوارت  ميل بحياة تكون لنا ، التي وافقنا عليها ، بصوتنا الخاص : الحياة كمحادثة ، باختصار الديمقراطية. هل العدالة كما حددها راولز ، على سبيل المثال ، تلبي هذا المطلب ؟ بالطبع ، فكرة الموقف الأصلي تنطوي على مناقشة مشتركة لمبادئ العدالة . في مقدمة ” نظرية العدالة ” أكد راولز على أن مبادئ العدالة تجعل الأشخاص المنخرطين في مؤسسات ترضيهم ” يمكنهم أن يقولوا فيما بينهم بأن تعاونهم يمارس داخل شروط يتفقون عليها ، إذا كانوا أشخاصًا متساوين وأحرار ، حيث علاقاتهم المتبادلة ستكون عادلة “. ومع ذلك ، وفقًا لكافيل ، فإن هذا يقصي فكرة الظلم الراديكالي ،  الشعور ” ليس بالخسارة في معركة غير متكافئة ، مهما كانت عادلة ، ولكن بالتخلف عن الركب منذ البداية “.                    

عندما قال راولز  : ”  الذين يعبرون عن الاستياء يلزمهم أن يكونوا  جاهزين لإظهار لماذا بعض المؤسسات ظالمة أو كيف أساء إليها الآخرون ” (7)  ، فإنه بذلك استبعد من محادثة العدالة  فكرة الطبقة التي (باستخدام تعبير آخر عن ميل) في مجموعها ستُحرم من الصوت الخاص  ، لا يمكنها أن ” تبرهن ” على أن المؤسسة هــــــــــي ظالمة إزاءها  . بالنسبة للمفكر الليبرالي ، فإن الديمقراطية تستلزم المناقشة و الحوار الذي يؤدي إلى تبرير عدم المساواة عندما يتم الاعتراف بها على أنه لا غنى عنها ، أو على أي حال “مبررة في نظر الأقل حظًا ” (8) . لكن أولئك الذين ليسوا جزءًا من المحادثة العامة – كيف يمكنهم مناقشة وضع الظلم الذي هم عليه و الاحتجاج ضده ؟  كما أشارت خيبة أمل لراولز الأخيرة ، كتب جون ديبي J Dupuy

ربما أحس راولز بما لم يتم التعبير عنه فلسفيًا . إذ بسبب أن  مجتمعه الجيد يظهر علنًا كعادل ، فإن الذين وجدوا أنفسهم  في وضع الدونية  لا يمكنهم سوى التعبير عـــــــــن غيــــــــظهم و حقدهم . (9)

 المشكلة هي ، مرة أخرى ، معرفة ما وافق عليه المرء . فكرة راولز هي أن “على الناس أن يقرروا مسبقًا وفق أية قواعد سيختارون  مطالبهم المتبادلة ، وما الذي يجب أن يكون عليه الميثاق التأسيسي للمجتمع ” (10) . ليكن إذن ، و مسبقا،  اتفاق أصلي حول نطاق وطبيعة المطالب المصرح بها ، القواعد التي ستحكمها   . إن التفكير في العصيان لا يعني غياب قواعد محددة مسبقًا للأداء الاجتماعي ( وهناك العديد من الليبراليين على استعداد للاعتراف به ) ، و إنما غياب لقواعد تحد مقبولية المطالب وشكلها . ما أراد كافيل مساءلته مستدعيا إيمرسون وثورو هو فكرة – الشائعة في العديد من المذاهب السياسية المعاصرة – أن بعض المطالب مستحيلة ، أو في غير محلها ، لأنها تقع خارج قواعدها ، و ترفض الاتفاق الأولي الذي يؤسسها  . العصيان هو بالضبط مساءلة هذه الفكرة ، التي تطفو على السطح بشكل دوري ، بمجرد أن يكون هناك صراع خطير ، يكون داخل أي تعبير احتجاجي  حدود لا يمكن تجاوزها ، و التي في ما وراء ذلك هناك تشكيك في اللعبة الاجتماعية بأكملها. هناك ، في عمق الموقف الأصلي والاتفاق المسبق ، فكرة أنه يجب علينا بطريقة ما أن نتعلم المطالبة  بشكل صحيح (11) ؛ قبول قواعد معينة ( لعبة المجتمع كما تم ” قبولها “) حتى نتمكن من المطالبة بأي شيء . لكن لا. كما ذكر كافيل : لا توجد قاعدة تخبرنا كيف نطالب . إنه بذلك يهاجم  المعيارية التي تغزو الفكر السياسي (نتفق على القواعد) ، الفكر الاجتماعي (نحن نتبع القواعد الاجتماعية ، سواء أردنا ذلك أم لا) ، والفكر المعياري الذي هو في الواقع العلامة النهائية للإنصياع  . عندما تحدث مِيل Millعن طبقة محرومة من صوتها الخاص ، يجب أن يُفهم أيضًا بأن الأمر يتعلق  ، في العمق ، بالطبقة المثقفة عندما تتذوق الانصياع .             

هاجم كل من كافيل وإيمرسون النزعة الأخلاقية  واستبطان القاعدة من قبل المفكرين أنفسهم  . عندما أختار قاعدتي ، فأنا لست أقل من عبد لها . قال ثورو بشكل جميل ، في والدن Walden ، بعد إيمرسون ، منتظما مع المنظور الكانطي : ” من الصعب أن يكون لديك رئيس عمال جنوبي ؛ من الأسوأ أن يكون لديك شمالي ؛ لكن الأسوأ من ذلك كله هو أن تكون سجينا لنفسك . ”  الحرية بالنسبة لكانط هي الاستقلالية : إنها القانون الذي أمنحه لنفسي . مستعيدا ذلك ، فإن رولز وريث روسو وكانط ، و لفكرة حكم الذات ، ولكن بطريقة منحرفة . الموافقة على المجتمع هي الموافقة على المبادئ التي تم تبنيها أولاً ، اعتبار هذه المبادئ كأساس في المناقشات المستقبلية . لكن ماذا لو لم يكن لنا صوت في مناقشة المبادئ؟ ، نقدم لأنفسنا قانون الآخرين . مدهش . وبهذا المعنى ، يقول إيمرسون ، ليس العبيد أو الهنود وحدهم المستبعدون من المناقشة الأصلية ، ولكن أيضًا الجماهير الشعبية ،  التي لا تعبر عن ذاتها  . ماذا عن موافقتهم؟  تلك ، في النهاية ، هي مفارقة العصيان : لا يمكن الدفاع عن مطالبهم إلا أولئك الذين طُلبت منهم موافقتهم (والذين يمكنهم بالتالي سحبها بحق) – الذين يشاركون في مناقشة العدالة . ولكن ماذا لو لم يطلب مني شيء؟ المثقف ، عندما يأتي ليعطي لنفسه القانون الذي أقره الآخرون ، يذهب إلى نهاية الانصياع . يمكن أن نقول مع إيميرسون : ” الاثنان ليسا الاثنين الحقيقيين ، والأربعة ليسوا الأربعة الحقيقيين ، وكل كلمة يقولونها تحزننا ” .

يوم الاستقلال

عندما استقر ثورو في Walden ، كان ذلك ، كما يقول ، ” بالصدفة ، 4 يوليوز 1845 (في يوم الاستقلال) ” . تم تفسير ذاك على أنه “إعلان لاستقلال مثالي  ” من جانب ثورو ، لكنه يقول ” بالصدفة ” ، و يستهزء بما سمي بالاستقلال ؛ لدرجة أن إعلانه ربما يكون إعلان استقلال عن المجتمع .  يريد ثورو ، من خلال ذلك ، تكرار لفتة الاستقرار أو  الاستعمار ، لحظة نشوء أمته ، ولكن أيضًا لإظهار بمعنى ما (حيث يمكن للمرء أن يفعل الشيء نفسه عن طريق الصدفة) أنه لم يحدث شيء ، و أن الاستقرار مستحيل أو فاشل أو دائمًا عن طريق الصدفة . (12)            

 لكنه أيضًا من أجل إقامة قطيعة في العمل السياسي . ماذا يعني ثورو بانعزاله و انسحابه من المجتمع ؟ لماذا يحق لنا عزل أنفسنا عن مجتمع غير مرضٍ ؟ كافيل ، في كتابه الكبير عن كوميديا ​​هوليوود بعنوان ” في البحث عن السعادة ”  ، رسم تشابهًا مثيرًا للاهتمام بين سؤال المجموعة السياسية  و سؤال  الطلاق . بحسبه  ، فإن كوميديا ​​إعادة الزواج ، في 1930 و 1940 من القرن الماضي ، تتميز بإمكانية  القطع مع المحادثة السياسية ، و العمل على إعادة تشكيلها . ومن هنا جاء التحديد ، تماشياً مع دفاع ميلتون السياسي عن الطلاق ، بين الزواج والـــــــــوحدة  الاجتماعية : ” توجد نظرية جميلة للمحادثة في نص ميلتون الثوري تبرر الطلاق ، وتجعل من إرادة المحادثة أســــــــاس الزواج ” (13) . المحادثة العادية (التي تم تصويرها بشكل ملحوظ في الأفلام التي حللها كافيل) بين الزوجين هي قصة رمزية لمحادثة سياسية . ما هو على المحك في كوميديا ​​إعادة الزواج مرة أخرى (التي يتم فيها التغلب على الطلاق) هو مصير الديمقراطية . يمكن التفكير في أحد أشهر الأفلام في المسلسل ، قصة فيلادلفيا ، من تأليف كوكور Cukor، حيث يجري الحدث بالضبط في مكان تأسيس الأمة الأمريكية ، وحيث يتكرر بإلحاح بأن الزواج المعلن (زواج البطلة ، تريسي لورد ، الذي تلعبه كاثرين هيبورن ، مع رجل أعمال سينتهي في إعادة زواج تريسي وسي كيه ديكستر هافن ، زوجها السابق الذي يؤديه كاري غرانت) هو ” مسألة ذات أهمية وطنية “. يلمح الشريط الى ميلتون ، الذي يرى أن ” الحوار الملائم والسعيد هو النهاية الرئيسية والأنبل للزواج ” .  يتبين أن هذا المفهوم للمحادثة هو محوري بين العام والخاص ، و بمعنى آخر بين مسألة تبرير الدولة ومسألة العلاقة الخاصة . خصوصية ” قصة فيلادلفيا ” هي أن الأبطال ” يفسرون  زواجهما ، يقول كافيل ، على أنه نموذجي أو رمزي لمجتمعهم في مجموعه ، كما لو كانوا أسياده ؛ وأنهم يفسرون مجتمعهم كما لو أنه هــــــــو نفسه شرع في بعض المغامرة ” .

في هذا الشريط ، أعلن البطل ، سي كيه ديكستر هافن C K Dexter Haven، في سياق الحق في الاعتماد على الذات ، بأنه قادر على تحديد ما هو مهم وما ليس كذلك : بالنسبة له ، فإن ما يهم في وجوده الشخصي ، له ” أهمية وطنية “. لكن كيف سيكون للتعبير عن الرغبة الفردية والخاصة أهمية سياسية ؟ . في مقاله عن الطلاق قبل le Léviathan  لهوبز و ” المقالة الثانية ” لجون لوك ، جعل ميلتون عقد الزواج نظيرًا للعقد أو الميثاق الذي يخلق المجتمع . ثم يعرّف الطلاق بأنه شرعنة للمعارضة و الاختلاف ، وانسحاب للولاء :

من يتزوج ليس لديه نية في التآمر على سقوطه الشخصي كالذي يود الانصياع  . شعب بكامله مع الحكومة السيئة كما يرتبط الرجل بزواج سيء. إذا كان بإمكان الرجال ، ضد أي سلطة أو أي ميثاق أو أي قانون – إذا استطاعوا ، بموجب المرسوم السيادي للأعمال الخيرية ، ألا ينقذوا حياتهم فحسب ، بل ينتزعوا أيضًا حريات صادقة من العبودية التي لا تستحق ، فإن الانسان  الذي أبرم عقدًا خاصًا ، والذي لن يتعاقد عليه أبدًا بسبب سوء حظه ، يمكنه بنفس السهولة تحرير الاضطرابات التي لا تطاق لسلامه الصادق ورضاه العادل. (14)

مع ميلتون ، سوء الحظ المحلي سيء للدولة : ” لقد انتهى كل أمل في الإصلاح الحقيقي للدولة ، مادمنا لم نأخذ في الاعتبار أو أننا أهملنا هذا الشر في البيوت ” . كما لو أن الأمر لم يكن يتعلق بالانفصال عن الأمة بقدر ما يتعلق باحتمال انفصال الأمة عن المصيبة الخاصة . ومن أقسم على الأمة يلزم أن يدين لها ببعض السعادة – كما لو أن عقد الزواج كان نموذجًا مصغرًا للعقد التأسيسي للأمة – ومن ثم فإننا ندين للجمهورية بالمشاركة التي تتخذ شكل “محادثة متطابقة و سعيدة ” : الحفاظ عليها ، حتى على حساب العصيان ، واجبنا . يمكن أن نتساءل عما إذا كان ذلك بالصدفة (كما يقول ثورو) أن  ” قصة فيلادلفيا ” لها كإطار الفضاء الرمزي لإعلان الاستقلال . يتعلق الأمر بالأهمية الممنوحة ، في الثقافة الأمريكية ، للحق في الانفصال و المعارضة – الحق ، العزيز على ثورو ، في الانفصال عن دولة لم تعد تعترف به ، وحيث الحوار و المحادثة قد سقطت و توقفت .

الإكتمالية أو الكمالية  كمقاومة

هنا ينشأ اختلاف كبير بين ما يقترحه التراث الاكتمالي أو الكمالي (إيمرسون- ثورو- كافيل) والنظريات السياسية الموروثة عن جون لوك مثلا .  الخاص ليس فضاءً منفصلاً ، خارج عن العمومي : في الخاص تتحدد رهانات العمومي . لكن الرهانات تظل سياسية بحتة . بفرضنا سؤال العدالة السياسية في القطاع الخاص ، سيقيم  كافيل التشابه بين الزواج والديمقراطية .

ما أظهره كافيل ، مع كوميديا ​​إعادة الزواج  ، ولكن أيضًا مع الميلودراما (التي تصور استحالة المحادثة كالتربية المتبادلة للأبطال) ، هو بالضبط التعبير (الذي يأخذ شكل مطالبة) عن ظلم عام ، وليس خاصا .  لا يمكن أن تتأسس هذه المطالبة بشكل آخر إلا على مطلب البحث عن السعادة ، المتمثلة في المحادثة التي تتطلبها  الكمالية  ، التي هي  شــــــــــــــــرط لموافقتي .         

إن مقاومة السلطة ليس مجرد تساؤل عن الموافقة على المجتمع .  بالعكس  ، فهي تحدد شرط  الخلق للديمقراطي العادي . ومن هنا يأتي الموقف غير المريح للمفكر ، الذي لا يستطيع إغلاق باب المجتمع بالكامل ، بينما يظل في وضع يسمح له بالتعبير عن عدم موافقته . كما يقول كافيل ، ” أنا لا أقول أنه يجب علينا أن نأخذ إجازتنا ، ونغلق الباب في وجه جميع المجتمعات التي تنحرف حدسيًا عن التوافق المثالي مع العدالة . ” (15)                  

  لذا فإن مسألة العصيان لا تهم فقط أولئك الذين لا يتكلمون ، والذين ، لأسباب هيكلية لا يستطيعون الكلام (  الذين تم بالتأكيد ” استبعادهم ” من محادثة العدالة ) ، ولكن أولئك الذين يمكنهم التحدث ، ولكنهم في مواجهة عدم كفاية خطابهم (16) .  في المجتمع الحاضر ، بشكل شبه مفارق ، فإن المشكلة لا تهم فقط المقصيين من الكلام  ، ولكن أيضًا أولئك الذين لا يُستمع إلى كلامهم بقيمته الحقيقية ، التي يتم العمل على تبخيسها  . سيكون مثال المحادثة السياسية –  للديمقراطية – هو تداول الكلام ، حيث لا يكون أحد قاصرًا ، بدون صوت ، وهنا نجد المساواة كمطلب سياسي ، و المطالبة بها كشكل للاحتجاج و المقاومة المدنية .         بماذا يذكرنا إيمرسون وثورو؟  ، من لديه الكلمة (  المثقف ، الذي يمكنه على سبيل المثال ، التحدث علنًا ) يمكنه أن يقول ما لا يستطيع الآخرون قوله . إنه ليس إلزامًا ، ولديه دائمًا الحق في الصمت ؛ ولكن عندما يتكلم ، فليس من أجل أن ينوب عن أولئك الذين لا يتكلمون ، و أنه يلزمهم أن يطيعوا  قواعد اللعبة الاجتماعية . يحمل هذا التوافق لكلام المثقف شيئا  قاسيا ويائسا ، سواء بالنسبة لأولئك الذين يخاطبهم ، أو لمؤلفيه ؛ إن تحويل الصوت الفكري إلى طاعة خالصة و حرمانه من الحضور ، و كذا الإعجاب المرفق بالامتثال للسلطة ، هو ما استنكره إيمرسون في الاعتماد على الذات : ” امتثالهم لا يجعلهم  خاطئين في بعض التفاصيل ، ولا يجعلهم مؤلفين بعض الأكاذيب ،  ولكن يجعلهم خاطئين في كل التفاصيل . لا شيء من حقائقهم صحيحة تمامًا. الاثنان ليسا الاثنين الحقيقيين ، والأربعة ليسوا الأربعة الحقيقيين ؛ لدرجة أن كل كلمة يقولونها تؤلمنا ، ولا نعرف من أين نبدأ في تصحيحها ” . التنافر ، مثل الثقة بالنفس ، هو رفض هذا الانصياع ، والبحث عن النبرة الصحيحة بكل الوسائل ، بما في ذلك الرفض و المعارضة .

سوف نفهم الآن بشكل أفضل موقف ثورو ، الذي وجد نفسه في عام 1848 أثناء ليلة في سجن كونكورد ، لرفضه دفع ضرائبه لدولة شنت حربًا غير عادلة في المكسيك – السجون هي ”  المنازل الوحيدة في دولة العبيد حيث يمكن للرجل الحر أن يقيم بكرامة  ” .

عند ظهر أحد الأيام ، قرب نهاية الصيف الأول ، وأنا في طريقي إلى القرية لأخذ حذاء من الإسكافي ، تم القبض علي ووضعي في السجن ، لأنني لم أدفع الضرائب و لمعتراف بسلطة ”  دولة  تشتري أو تبيع الرجال والنساء والأطفال ، مثل الماشية ، عند باب مجلس الشيوخ (والدن ، الفصل 8) .

 بعيدًا عن الطابع التافه المتعمد ، وحتى المهرج للحلقة ، أراد ثورو أن يسلط الضوء على حتمية الانتماء إلى المجتمع ، حتى بالنسبة لأولئك الذين يريدون الانسحاب منه : ” أينما ذهب الرجل ، سيجد نفسه ملاحقًا من قبل الرجال ، مرتبطا و مقيدًا ، إذا استطاعوا ، بالانتماء إلى مجتمعهم القديم اليائس ” . ولكن أيضًا قيمة أدنى عمل للعصيان ، حتى لو كان غير ضروري وفردي . وإيمرسون جاد تمامًا عندما يقول في كتابه     ” الاعتماد على الذات ” : “هناك فئة من الأشخاص الذين سلمت إليهم يدي وقدمي مقيدين بكل التقارب الروحي في العالم ؛ بالنسبة لهم ، سأذهب إلى السجن إذا لزم الأمر . لكن جمعياتك الخيرية الشعبية المتنوعة (…) أعترف بخزي أنني أستسلم لهم أحيانًا وأنني أساهم بدولاري ؛ لكنها مساهمة سيئة ، وسأمتلك قريباً الطاقة لرفضها. هنا يتبين أن كراهية الأخلاق والامتثال لا تنفصل عن نقد الوضع الحالي ، عن الاشمئزاز التام ( و الخاص بالاكتمالية ) الذي لا يتطلب الإصلاح فقط (ومن هنا السخرية المتكررة  لثورو و ايميرسون حول ” الاصلاحيين “) ، ولكن تحولًا جذريًا للذات و الأشياء ، تغييرا  للنموذج ، حيــــــــث ستتبدل قواعد التغيير ذاتها .

بدء من نظريته في العدالة ، يقول راولز بجدارة : ” يمتلك كل شخص حرمة تستند إلى العدالة التي ، حتى باسم رفاهية المجتمع ، لا يمكن انتهاكها ”  (17) . ولكن ماذا لو كان لدى المرء شعور بانتهاك هذه الحرمة ، وعالم حيث ” كل كلمة تحزننا “؟ .  أشار كافيل ، في نقده لرولز ، إلى اللحظة التي كتب فيها ماركس ( “من أجل نقد فلسفة الحق عند هيغل  ” ) ، حيث تحدث عن” مجموعة اجتماعية لا تطالب بأي حق معين ، لأنها ليست موضوع أي ظلم معين ، بل هي موضوع ظلم بشكل عام ” . في هذه الحالة ، لا يمكن فعل أي شيء سوى العصيان . لن يكون العصيان المدني على الهامش أو الحد من الديمقراطية ، ولكنه في أساسها .

الهــــــــــــامش

  • انظر كافيل ” صوت من أجل الفلسفة ” ( لوجييه 2003 ) .
  • ولادة الجمهوريةالأمريكية ” 1969 .
  • نفس المرجع ص 703 .
  • كافيل ” صوت العقل ” 1996 .
  • ثورو ” في الاصلاح ” ص 74 .
  • راولز ” نظرية العدالة ” 1987 ص 39 .
  • نفس المرجع ص 576 .
  • نفس المرجع ص 287 .
  • (9)        ” فتحات الفلسفة العقلانية ” مجلة الفلسفة الاقتصادية 2003 .
  • نفس المرجع ص 37 .
  • مثال عدم ايقاف المدرسين لعمل المؤسسات العلمية و التربوية ، حتى لو كانوا مضربين .
  • (12)  ” في البحث عن السعادة ” لوجييه 1993 .
  • (13)  ” احتجاج الدموع ” شيكاغو 1997 .
  • ج ميلتون ” نظرية الطلاق والانضباط ”
  • كافيل ” شروط نبيلة و دنيئة ” 1993 .
  • (16)  انظر بينوازيت ” المطالبة كحقيقة لعدم التوازن الاجتماعي ”
  • (17)  راولز ، نفس المرجع ص 29 ـ 30 .

دانييل لورنزيني: الفلسفة كطريقة في الحياة من منظور بيير حادو

‏5 أيام مضت ترجمةفلاسفةكتب 0

محمد ازويتة ترجمة : محمد ازويتة لم يغير بيير حادو Pierre Hadot  فكرتنا عن الفلسفة القديمة فقط ، ولكن عن الفلسفة على النحو الذي هي عليه . لقد جعلنا ، منذ أعماله المبكرة عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة إلى كتابه الأخير عن غوته Goethe و التراث المتعلق  بالتمارين الروحية (1) ، …

فريديريك غرو: العصيان كاهتمام بالذات

‏6 أيام مضت ترجمةحواراتمفاهيم 0

محمد ازويتة ترجمة : محمد ازويتة تقديم النص عبارة عن حوار أجراه أحد الصحافيين مع فريديريك غرو  ، أستاذ الفكر السياسي في معهد الدراسات السياسية في باريس والمتخصص في أعمال ميشيل فوكو ، بمناسبة صدور كتابه ” العصيان ” عن دار النشر ألبان ميشيل 2017 . قيمة الكتاب : لم 

فريديريك غرو: شجاعة الحقيقة من سقراط الى كانط

‏3 أسابيع مضت ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل في غمرة حدث الفيروس التاجي ، يفرض سؤال الحقيقة نفسه على الجميع . لا يتعلق الأمر بسؤال المعرفة ( العلماء و الباحثون ، المؤسسات العلمية و المختبرات … ) ، و لا بسؤال السلطة ( كيف يتم تدبير الجائحة ، بأية طرق ، وفق أي …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: فوكو والحقيقة

11 يوليو 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة : محمد ازويتة ” و حتى لو قلت بأنني لست فيلسوفا ، فإن اهتمامي بالحقيقة يجعلني ، مع ذلك ،  كذلك ” . ” كتابات و أقوال ” ج 2 / ص 30 ـ 31 . مثل عمل ميشيل فوكو موضوعا  لتفسيرات متعددة وتعليقات عديدة داخل مجموعة متنوعة من …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن

19 مايو 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

فريديريك غرو ترجمة: جمال شحيد لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن: ويستحيل أن أتصرّف بطريقة مغايرة. هذه العلاقة واضحة وضوح الشمس. الذي يطيع على نحو مميَّز، هو العبد. وأقصد بالإذعان طاعة إكراهية خالصة: نطيع من يحمل في يديه السلاحَ والسوط، والقدرةَ على التحكّم بالوظيفة، بل بالحياة والموت. أي إننا نطيع ربَّ العمل …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: الكثير من الأمني يقتل الأمن

17 مايو 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

ترجمة الحوار : محمد ازويتة نحن فعلا في حالة حرب ، كما يشرح غرو  ، لكن احذروا  السقوط في المزايدة الأمنية . يمكن أن تكون مقاومة مناخ الرعب ايتيكية  بقدر ما هي عسكرية وسياسية ، ذاك ما يؤكده أستاذ الفكر السياسي فريديريك غرو ، الذي بالنسبة له  “يجب إعادة صياغة …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: في الحاجة الى إعلان عالمي لحقوق الإنسانية

23 مارس 2020 ترجمةكتبمفاهيم 0

ترجمة محمد ازويتة النص وارد في كتاب فريديريك غرو ” سؤال الأمن ” ، الذي ستصدر ترجمته قريبا عن المركز الثقافي العربي . مدخل: يعيش العالم اليوم بفعل التهديد المباشر لفيروس كورونا تحديا عالميا حقيقيا يهم الأمن الحيوي في نواته الأساسية أي الحياة الإنسانية . صحيح أن تحديات و عوائق …أكمل القراءة »

معوقات الترجمة في الجزائر

‏3 أيام مضت بصغة المؤنثترجمةمتابعات 0

جميلة حنيفي جميلة حنيفي    بعيدا عن كونها مهنة بالنسبة إلى البعض، تعتبر الترجمة فعلا إبداعيا، ينبجس من ولع وشغف، يمنح النص الأصلي امتدادا في الزمان والمكان، حتى يصبح عابرا للثقافات. إن الترجمة ليست ترفا فكريا بل ضرورة حضارية، كما أن المترجم لدى الأمم الحية ليس عتّالا للثقافة بل فاعلا …أكمل القراءة »

في ذكرى صدور كتاب: “الأدب و الغرابة”

‏أسبوع واحد مضت عامةكتبمتابعات 0

 محمد ازويتة محمد ازويتة الى استاذي عبد الفتاح كيليطو:” عندما انتخبتموه ، كنتم تعرفونه . كنتم تعلمون بأنكم اخترتم التوازن النادر للذكاء و الإبداع . لقد اخترتم شخصا جمع بين القدرة على فهم الأشياء كما هي و إبداعها في حيوية و ألق غير مسبوقين  . لقد اخترتم كاتبا عظيما ، …أكمل القراءة »

بيتر سلوتردايك: جيوردانو برونو

‏3 أسابيع مضت بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي ترجمة حصرية لكوة    من بين المجموعة اللامعة لفلاسفة النهضة الذين تولوا قيادة بواكير الفكر الأوروبي الحديث بعيدا عن الهيمنة الجبارة للمدرسية المسيحية تبرز بشكل بديع الجثة المفحمة لجيوردانو بورنوGiordano Bruno . منذ مصرعه على الخازوق في روماRome  في شهر فبراير من سنة 1600 ما …أكمل القراءة »

فوكو وميلاد المستشفى: الفيروس التاجي هو مصيبة الرأسمالية في العصر الحديث

‏4 أسابيع مضت دراسات وأبحاثعامةفلاسفةكتاب كوة 0

إنجاز : محمد ازويتة مدخل حظي موقع كوة الثقافي بالعديد من المقالات و الحوارت ، من الشرق و الغرب ، التي تناولت موضوع الفيروس التاجي  من وجهة  نظر  ” فلسفية ” .   تمحور  النقاش بشكل عام حول الإشكاليات الكبرى لعلاقة الطب بالسياسة ، حياة  الكائن الإنساني بالسياسة ، و التي …أكمل القراءة »

جيرار مالكسيون: تعليم الفلسفة في إيطاليا

10 سبتمبر 2020 بصغة المؤنثترجمةديداكتيك الفلسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي تعتبر إيطاليا البلد الأوروبي الوحيد رفقة فرنسا حيث يتم تدريس الفلسفة على نطاق واسع في المستوى الثانوي. وعلى الرغم من ذلك، لا يعرف أساتذة كلتا الدولتين، المتجاورتين جغرافيًا وثقافيًا، شروط تعليم مادة تخصصهم في البلد الآخر. وغالبًا ما يصطدم إعجاب زملائنا عبر الألب بالنموذج الفرنسي …

درس محمد عابد الجابري: في الحاجة إلى إعادة “كتابة تاريخ الفكر العربي”

29 يوليو 2020 أنشطةفلاسفةمقالات 0

محمد ازويتة محمد ازويتة الدروس التي قدمها الجابري عديدة . للأسف ، لم ينتبه إليها الكثير ممن”  ناقشوا ” مشروعه النقدي ، دعنا نقول بأنه لأول مرة مع الجابري ، صار تاريخ الفكر العربي المعرفي ، السياسي والأخلاقي واضحا منظما على صعيد الفهم و المعقولية ، بعد أن كان مشتتا …أكمل القراءة »

درس محمد عابد الجابري: في العلاقة بالآخر

30 يونيو 2020 دراسات وأبحاثمفاهيممقالات 0

محمد ازويتة في إحدى المساهمات الثقافية التي قدمها الباحث المغربي عز العرب بناني ، على موقع كووة الثقافي ،  بخصوص التلقي الغربي لأطروحات الجابري أو بالعبارة التي قدمها الباحث ( الجابري بعيون ألمانية ) ، أثارتني ثلاثة ملاحظات : ــ مسألة الترجمة : ذكر الأستاذ عز العرب عن حضور الجابري …أكمل القراءة »

معوقات الترجمة في الجزائر

‏3 أيام مضت بصغة المؤنثترجمةمتابعات 0

جميلة حنيفي جميلة حنيفي    بعيدا عن كونها مهنة بالنسبة إلى البعض، تعتبر الترجمة فعلا إبداعيا، ينبجس من ولع وشغف، يمنح النص الأصلي امتدادا في الزمان والمكان، حتى يصبح عابرا للثقافات. إن الترجمة ليست ترفا فكريا بل ضرورة حضارية، كما أن المترجم لدى الأمم الحية ليس عتّالا للثقافة بل فاعلا …أكمل القراءة »

الترجمة بين المشروع الفردي وغياب الاستراتيجية

‏4 أيام مضت ترجمةحواراتعامة 0

بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للترجمة في 30 سبتمبر من كل سنة. محمد جديدي محمّد جديدي أستاذ وباحث أكاديمي في الفلسفة ومترجم تأثرت بتراكمات الماضي وصراعاته الإيديولوجية إنّ المُتأمل في راهن الترجمة بواقعنا سينتهي لا محالة إلى نتيجة سلبية، يلُفها التشاؤم وسيجده مُثقلاً بتراكمات الماضي وصراعاته الإيديولوجية حول اللّغة وتخلف مجال …أكمل القراءة »

جـاك دريـدا: العدالة بوصفها قانوناً

‏5 أيام مضت ترجمةفلاسفةكتبمفاهيم 0

ترجمة: سعيد العليمى إن حقيقة أن القانون قابل للتفكيك ليس بالبشارة السيئة. قد نرى في ذلك حتى ضربة حظ للسياسة، ولكل التقدم التاريخي. ولكن المفارقة التي أود أن أخضعها للمناقشة هي التالية: إن بنية القانون droit القابلة للتفكيك، أو إذا ما فضلتم العدالة بوصفها قانوناً droit، هي التي تؤمن أيضاً …أكمل القراءة »

ميشيل سير: التفلسف هو الإبداع

‏6 أيام مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

حاورته: هيلوويز ليريتي ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير (1930-2019) إنه، في منهجه، وطريقة تفكيره، سليل تقليد فلسفي عرفته اللغة الفرنسية ينحدر عن مونتيني. فديدرو على سبيل المثال: عندما يود الحديث عن الصدفة والضرورة، فهو لا يحلل مفهومات، وإنما يبرز شخصيتين، جاك القدري وسيده، إحدى هاتين …أكمل القراءة »

في ذكرى صدور كتاب: “الأدب و الغرابة”

‏أسبوع واحد مضت عامةكتبمتابعات 0

 محمد ازويتة محمد ازويتة الى استاذي عبد الفتاح كيليطو:” عندما انتخبتموه ، كنتم تعرفونه . كنتم تعلمون بأنكم اخترتم التوازن النادر للذكاء و الإبداع . لقد اخترتم شخصا جمع بين القدرة على فهم الأشياء كما هي و إبداعها في حيوية و ألق غير مسبوقين  . لقد اخترتم كاتبا عظيما ، …أكمل القراءة »

ديان غالبو: التفلسف مع الأطفال

‏أسبوعين مضت أخرىالفلسفة للأطفالترجمةمقالات 0

بقلم Diane Galbaud ترجمة وإعداد يوسف اسحيردة يوسف اسحيردة قامت اليونسكو مؤخرا بافتتاح كرسي مخصص للفلسفة مع الأطفال، وقد جعل كمقر له جامعة نانت، وذلك من أجل دعم وتشجيع هذه الممارسة داخل دور الحضانة والمدارس الابتدائية. هل يمكن جعل الأطفال يتفلسفون ؟ بالنسبة لليونسكو، الإجابة واضحة: نعم. فهي تدعو، من خلال …أكمل القراءة »

تأملات في زمن الوباء

‏أسبوعين مضت شاشةعامةمفاهيم 0

عبد الكريم لمباركي عبد الكريم لمباركي يقول أرسطو طاليس؛ إن الإنسان كائن مدني بالطبع” قولة مفادها أن الإنسان يميل إلى الإجتماع مع الآخرين، وهذا الاجتماع هو اجتماع طبيعي، فقُدر للإنسان أن يعيش مع الجماعة لكي يستمر داخل الوجود. لكن سرعان ما نلاحظ تحول هذه العبارة إلى إلى نقيضها لتصبح، “إن …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: شجاعة الحقيقة من سقراط الى كانط

‏3 أسابيع مضت ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل في غمرة حدث الفيروس التاجي ، يفرض سؤال الحقيقة نفسه على الجميع . لا يتعلق الأمر بسؤال المعرفة ( العلماء و الباحثون ، المؤسسات العلمية و المختبرات … ) ، و لا بسؤال السلطة ( كيف يتم تدبير الجائحة ، بأية طرق ، وفق أي …

بيتر سلوتردايك: جيوردانو برونو

‏3 أسابيع مضت بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي ترجمة حصرية لكوة    من بين المجموعة اللامعة لفلاسفة النهضة الذين تولوا قيادة بواكير الفكر الأوروبي الحديث بعيدا عن الهيمنة الجبارة للمدرسية المسيحية تبرز بشكل بديع الجثة المفحمة لجيوردانو بورنوGiordano Bruno . منذ مصرعه على الخازوق في روماRome  في شهر فبراير من سنة 1600 ما …أكمل القراءة »

فوكو وميلاد المستشفى: الفيروس التاجي هو مصيبة الرأسمالية في العصر الحديث

‏4 أسابيع مضت دراسات وأبحاثعامةفلاسفةكتاب كوة 0

إنجاز : محمد ازويتة مدخل حظي موقع كوة الثقافي بالعديد من المقالات و الحوارت ، من الشرق و الغرب ، التي تناولت موضوع الفيروس التاجي  من وجهة  نظر  ” فلسفية ” .   تمحور  النقاش بشكل عام حول الإشكاليات الكبرى لعلاقة الطب بالسياسة ، حياة  الكائن الإنساني بالسياسة ، و التي …أكمل القراءة »

نظام العدالة في فكر هيغل

11 سبتمبر 2020 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

حمزة الودان حمزة الودان من مبدأ الحق إلى مبدأ القانون       يقول هيغل أن: «التحقق الموضوعي للحق [يعتمد] أولا: على وجود أمام الوعي، أعني أن يكون معروفا بطريقة أو بأخرى للآخرين، ويعتمد ثانيا: على كونه صحيحا وأيضا على أن يُعرف على أنه صحيح على نحو كلي»([1]). هذا الوجود الموضوعي هو …أكمل القراءة »

جيرار مالكسيون: تعليم الفلسفة في إيطاليا

10 سبتمبر 2020 بصغة المؤنثترجمةديداكتيك الفلسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي تعتبر إيطاليا البلد الأوروبي الوحيد رفقة فرنسا حيث يتم تدريس الفلسفة على نطاق واسع في المستوى الثانوي. وعلى الرغم من ذلك، لا يعرف أساتذة كلتا الدولتين، المتجاورتين جغرافيًا وثقافيًا، شروط تعليم مادة تخصصهم في البلد الآخر. وغالبًا ما يصطدم إعجاب زملائنا عبر الألب بالنموذج الفرنسي …أكمل القراءة »

هنري أليسُن: مسيرة شخصية واحترافية*

1 سبتمبر 2020 ترجمةجرائدفلاسفة 0

ترجمة جميلة حنيفي أستاذة بقسم الفلسفة جامعة أبو القاسم سعد الله الجزائر2 جميلة حنيفي أعتقد يمكننا بدء هذا الحوار من الناحية التاريخية – أي من سيرتك الذاتية لأسأل ما الذي دفعك إلى أن تصبح مؤرخًا للفلسفة وإلى أن تركز على شخصيات محددة ؟ بادئ ذي بدء علي أن أبدأ بما …أكمل القراءة »

أكسيل هونيث: مجتمع الاحتقار – نحو نظرية نقدية جديدة

30 أغسطس 2020 ترجمةفلاسفةكتبمفاهيممقالات 0

ترجمة محمد ازويتة بقلم استيل فيراريس  Estelle Ferrarese   ، باحثة مهتمة بالنظرية النقدية  ، قدمت أطروحتها بعنوان  ” حول نظرية الفضاء العام عند يورغن هابرماس ” ، تعمل حاليًا محاضرة في جامعة ستراسبورغ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أكسيل هونيث Axel Honneth: ” مجتمع الاحتقار . نحو نظرية نقدية جديدة ” . ترجمة …أكمل القراءة »

فيروس كورونا زورق للنجاة أم هو دوامة الموت؟

28 أغسطس 2020 مفاهيممقالاتمقالات 0

بقلم الباحث رائد خضراوي  أردت أن تلعب، فعليك أن تعرف قواعد وزمن اللعبة” هذه حكمة صينية من بين آلاف الامثال الشعبية في بلد المليار ونصف نسمة، أستخلصتها مع بداية لعبة إقتصادية تلتها أزمة وبائية عالمية، وإستنتجت تفسيرين إثنين لظاهرة الكورونا كل منهما يؤسس للآخر وفي علاقة وطيدة ببعضهما البعض، فالتفسير …أكمل القراءة »

الذات- من “الأشْكلة” إلى “التفكيكية” وصولا إلى “الأسْلبة”- أركيولوجية “فوكو” نموذجا

15 أغسطس 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

زهير دارداني زهير دارداني لقد اكتشفنا بطريقة فجائية، وبدون سبب ظاهر، منذ حوالي خمسة عشر سنة، أننا مغرقون في البعد عن الجيل السابق، جيل سارتر وميرلوبنتي، جيل مجلة الأزمنة الحديثة الذي شكل قانونا في التفكير ونموذجنا في الوجود(…) جيل شجاع وكريم بالتأكيد، جيل شغوف بالحياة والسياسة والوجود…إلا أننا اكتشفنا لأنفسنا …أكمل القراءة »

ميشال فوكو وسياسة الحياة

13 أغسطس 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

العادل خضر لعلّ قول الفيلسوف الألماني بيتر سلوترداك Sloterdijk في شأن الأثر الفلسفي الكبير الّذي خلّفه ميشال فوكو يجد اليوم ما يبرّره. فقد ذكر في كتابه “لا الشّمس ولا الموت” أنّ هذا الأثر “يمثّل قطيعة لم يفهمها إلى اليوم سوى قلّة من النّاس” ( 1). وإذا استثنينا جاك دريدا Derrida …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: رولان بارث

13 أغسطس 2020 ترجمةعامةفلاسفة 0

  في هذا المقال الحزين ينعي فوكو صديقه رولان بارث ، و يتذكر لحظة انتخابه بكوليج دو فرانس ، كرسي ” السيميولوجيا الأدبية ” .  ترجمة : محمد ازويتة هذه هي المرة الثانية ، في وقت قصير شيئا ما ، التي أتحدث إليكم فيها عن رولان بارث .  قبل بضع

شاهد أيضاً

أندريه كونت سبونفيل: الغيرة

ترجمة: بنتابت طارق – لابد أن نميز بداية الغيرة عن الحسد، وهو أمر ليس هينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *