الرئيسية / Non classé / أرييل سوهام: سبينوزا والسعادة

أرييل سوهام: سبينوزا والسعادة

ترجمة:  أيوب هلالي وعز الدين بوركة

من دون تعارض الروح والجسد، يدعونا كتاب «الأخلاق» لسبينوزا إلى التحصيل والحفاظ على الأحاسيس المفرحة، وذلك لتعزيز قدرتنا على الفعل. مكتفياً بعدم تجاوزه الحد الأقصى من التجريد والحد الأدنى من «الممارسة»، يبدو للوهلة الأولى كتاب «الأخلاق» محمولاً بحزمةٍ من القضايا والبراهين التي من المفروض أن تقودنا إلى معرفة الله والحياة الخالدة. وقد كتب نيتشه «ما الذي تبقى من أزلية سبينوزا غير طقطقة العظام؟»، ولكن نيتشه لم يكلف نفسه عناء ملاحظة أن النظام المعروض مشبع بقواعد عملية وهي الوحيدة القادرة على كَسْوِ العظام لحماً. وإذا لم نضع هذه القواعد موضع تنفيذ، فلن تكون للسبينوزية أية أهمية، وبالفعل، لن تكون أكثر من طقطقة العظام! والمفارقة هي أن الخلود والذي يسميه سبينوزا أيضاً بـ«سعادة بالغة»، هو في الوقت نفسه، الهدف والوسيلة للوصول إلى هذه الغاية. وبدون شك يجب عليه بدايةً وضع الأسس الفعلية، ولذلك يقول في القضية العاشرة من الباب الخامس لكتاب «الأخلاق»: «..أن نحفظها في ذاكرتنا ونطبقها باستمرار على الأمور الجزئية التي تعترضنا كل يوم، بحيث تكون مخيلتنا متأثرة جداً بهذه المبادئ التي تبقى دوماً تحت تصرفنا». وبقدر ما ندرك الغاية وراء وضع هذه الأسس حيز التنفيذ بقدر ما نستمتع بالفرح المصاحب لها، والذي هو -بالنسبة لسبينوزا- القدرة عينها. والمهم إذن هو الاستمتاع في الممارسة العاطفية التي يلخصها سبينوزا في عبارةٍ بسيطة استمدها من أحد أسفار الكتاب المقدس: «اعمل خيراً وكن فرحاً».

خلال القرن السابع عشر برزت إشكالية أخلاقية ظلت لصيقةً بهذا القرن، تعلقت بالعجز الذي لحق بالعقل. حيث قام هذا الأخير بإبراز قدرته على تفسير الطبيعة وإخضاعها له فأصبح «سيداً ومالِكاً».

القدرة أولى من السلطة

ولكن بمجرد تطرق هذا العقل لقضايا الإنسان نفسه، اصطدم بعراقيل شتى. فهل كانت لديه القدرة على مساعدتنا في التحكم في مشاعرنا وانفعالاتنا، وبالأحرى أن يجعلنا نحقق غايتنا نحو الخلاص؟ لهذا السؤال إجابتان مختلفتان: الأولى لديكارت الذي عمل على مد العقل بإمكانية أخرى، وهي «الإرادة الحرة»، إذ تساءل حول سلطة الروح على الجسد. بينما فكر سبينوزا ليس في مفهوم «السلطة» بل في مفهوم «القدرة»: قدرة الجسد وقدرة الروح، وذلك دون إدخالهما في صراع، ولهذا فلن نستخلص إلا قدرةً وحيدة، هي عينها وإن كان يُنظر إليها في هيئتين. وبالتالي فلا جدوى من التعارض بين الجسد والروح أو الادعاء بالتقليل المباشر من القدرات: أولئك الذين يحاربون فعل «القدرة» بالقدرة، لا يسببون إلا التعاسة لأنفسهم وللآخرين! إذ ليست المسألة في من يجب أن يتحكم في الآخر [الجسد/‏‏‏‏‏ الروح]، بل كيف يمكن تنمية القدرة الجسمانية والذهنية، بطريقة تجعل الانفعالات السيئة لا تشغل فينا سوى حيز صغير.

التَّمَرُّسُ على الفرح

الأجدر بنا إذن هو التمرس على الفرح وتنمية القدرات الجسدية. إذ يقول سبينوزا: «وعلى الإنسان الحكيم إذاً أن يستعمل الأشياء ويتمتع بها قدر الإمكان… وعليه أن يستخدم لإصلاح ذاته واستعادة قواه، أغذية ومشروبات لذيذة متناولة بمقادير معتدلة، كما عليه أيضاً أن يستعمل العطور ويستمتع بالنباتات المخضرة وبالحلي والموسيقى والألعاب الممرِّنة للجسم والعروض المسرحية وأشياء أخرى من نفس القبيل، والتي بوسع كل واحد منا أن ينعم بها دون أن يلحق ضرراً بغيره»، (الأخلاق، الباب الرابع).

المنفعة البشرية

وفي ظل هذه الظروف، يصبح العقل قادراً على أن ينمو ويتطور تحت خاصيتين: خاصية تفسيريًّة وخاصية طبيعية. وبما أنه يعي ويفهم الأشياء عن طريق عللها الطبيعية فإن العقل يرى الأشياء وكل الكائنات، على أنها ضروريات: وبالتالي في هذه الحالة فليس لديه ما يسبب له الشعور بالاستياء، ولكن شريطة أن يُكوِّن لنفسه حدوده، فالعقل لديه القابلية لتعلم استعمال الأشياء التي تصب في منحى المنفعة البشرية.

الخيال.. حليفاً

لتجنب هذه العراقيل يجب على العقل أن يعتبرَ الخيالَ حليفاً له ومرتكزاً أساسياً لتكوين صورٍ جيدة، يضيف سبينوزا: «..ونحن قد وضعنا من بين قواعد الحياة مثلاً، أنه ينبغي التغلب على الكره بالحب والأريحية، لا أن نقابله بالكره. ولكي تكون هذه القاعدة العقلية تحت تصرفنا دائماً عند الحاجة، يجب التفكير باستمرار في الإهانات التي قد يسببها الناس عادةً بعضهم لبعض، والتفكير في أفضل الوسائل والسبل لاستبعادها وتجنبها بالأريحية»، (الأخلاق، الباب الخامس).

الوعي وقوة الروح

إذا كنا نعي بشكلٍ معقول فكرة الخير الناتجة عن الصداقة المتبادلة (خاصية طبيعية)، دون أن ننسى أن البشر يتفاعلون مثل بقية الكائنات الحية بضرورة طبيعية (خاصية تفسيريِّة)، فإن سبينوزا يعلل ذلك بقوله: «.. لو أن البشر يتصرفون، مثل بقية الكائنات، بمقتضى الضرورة الطبيعية، لما شغلت الإهانة ولا الكراهية التي تترتب عنها عادة، أكثر من جانب حقير من مخيلتنا، حتى لو كان الغضب -الذي ينشأ في الغالب عن أكبر الإهانات- لا يمكن تجاوزه بسهولة»، (الأخلاق، الباب الخامس). ولهذا بدل المواجهة المباشرة للغضب والتي ستكون أيضاً بحد ذاتها سلوكاً مغضباً، وجب مواجهتُه بـ«التأمل» والتمرن والتعود على التنبؤ بخطره وربطه بشكل مباشر بفكرة الخير، وبهذا لا يدوم الغضب مدة طويلة ويصبح سريع الزوال عن طريق «حضور الوعي» و«قوة الروح». وفي المجمل، فإن مؤلف «الأخلاق» لسبينوزا هو تعبئة لكل موارد الوجود من أجل فن السعادة والفرح، فن للتحصيل مع الحفاظ على الأحاسيس المفرحة والممتعة.

عزالدين بوركة يوقع كتابه الفن التشكيلي في المغرب

15 نوفمبر 2019 صدر حديثاكتبنصوص 0

كوة خاص يوقع ويقدم الباحث والشاعر المغربي عزالدين بوركة كتابه النقدي “الفن التشكيلي في المغرب.. من البدء إلى الحساسية”، يوم الأربعاء 13 نوبنبر 2019، بدار الفنون Villa des Arts بالدار البيضاء. يقدم اللقاء الباحث الجمالي والناقد الفني عبد الله الشيخ، ويسير اللقاء الكاتب والإعلامي عزيز المجدوب. ويعد هذا الكتاب مؤلفا …أكمل القراءة »

جدلية الديني والسياسي في فلسفة حنة أردنت

27 يوليو 2020 بصغة المؤنثدراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

قاسم شرف* قاسم شرف باحث في الفلسفة السياسية المعاصرة- جامعة ابن طفيل/ القنيطرة- المغربمشاركة في ندوة دولية بتركيا من تنظيم جامعة صاكريا أبريل 2018 حول موضوع الإسلاموفوبيا.نشر دراسة في مؤلف جماعي صادر بالأردن حول الخطاب السياسي الفرنسي والإسلاموفوبيا.مشاركة في ندوة دولية بجامعة ابن طفيل/القنيطرة بمداخلة موسومة الثابت والمتحول في الأديان …أكمل القراءة »

بيان مثقفين مغاربة بشأن الحراك الشعبي في الرّيف

12 يونيو 2017 متابعات 0

أصدر أكثر من 500 مثقف و مبدع مغربي بيانا يؤيدون فيه الحراك السلمي و الحضاري في منطقة الريف..ويؤكدون فيه على أن أول خطوة لإيجاد حلّ ناجعٍ لما يقع في الريف المغربي هو إطلاق سراح كافة المعتقلين من نشطاء الحراك الشعبي، والدخول في حوار فوري وحكيم مع نشطاء الحراك قصد الاستجابة …أكمل القراءة »

ميشيل سير: التفلسف هو الإبداع

‏أسبوع واحد مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

حاورته: هيلوويز ليريتي ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير (1930-2019) إنه، في منهجه، وطريقة تفكيره، سليل تقليد فلسفي عرفته اللغة الفرنسية ينحدر عن مونتيني. فديدرو على سبيل المثال: عندما يود الحديث عن الصدفة والضرورة، فهو لا يحلل مفهومات، وإنما يبرز شخصيتين، جاك القدري وسيده، إحدى هاتين …أكمل القراءة »

المغربي إبراهيم بولمينات يعرض رسوماته في أوستن

‏أسبوعين مضت تغطيةشاشةمتابعات 0

خاص ضمن فعاليات بينالي أوستن OSTEN للرسم بألمانيا 2020، يقيم الفنان التشكيلي المغربي –المقيم في بلجيكا- إبراهيم بولمينات معرضه الفردي، في الفترة الزمنية الممتدة من 3 إلى 13 شتنبر الجاري. ويعد بينالي أوستن ذو صبغة خاصة من حيث إنه ملتزم بإبداع فن الورق والحفاظ عليه، ولكن أيضًا لتشجيع التوجهات الإبداعية …أكمل القراءة »

ليندسي ستون بريدج: ما الذي يمكن أن تعلّمنا إياه حنة أرندت عن العمل في زمن كوفيد- 19

24 مايو 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة: علاء الدين أبو زينة ليندسي ستون بريدج* – (ذا نيو ستيتسمان) 15/5/2020 ينبغي أن يرشد تمييز الفيلسوفة بين العمل والكدح محاولاتنا لبناء مجتمع أفضل.* * وفقًا لإرشادات الحكومة، من المفترض أن نعود الآن إلى العمل. ولكن ماذا يعني “العمل” في زمن “كوفيد-19″؟ وسط الجدالات حول الكيفية التي قد نعود …أكمل القراءة »

عبد الكبير ربيع يصدر منجزه الجمالي “المنجز في مطلقه”

10 نوفمبر 2019 تغطيةكتبمتابعات 0

عز الدين بوركة خاص كوة صدر حديثا المؤلف الجمالي “عبد الكبير ربيع.. المنجز في مطلقه”، تحت إشراف وتنسيق الفنان والباحث في الجماليات محمد رشدي، منشورات ” H2 / 61.26″ الدار البيضاء، وهو كتاب جماعي ساهم فيه كل من النقاد والباحثين الجماليين: إليزابيث شامبون وجان كلود غويك وجان لانكري ومصطفى الشباك …أكمل القراءة »

سيمون فايل الشيوعية الصوفية

6 أغسطس 2019 بصغة المؤنثفلاسفة 0

عزالدين بوركة(كاتب وباحث مغربي)   العقل الكبير: “إنها أكبر عقول عصرها”، هكذا وصف الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو A. Camus المفكرة والفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل Simone Weil، والتي تعتبر عند البعض “العقل الأكثر إشراقا في عصرها”. وُلدت فايل بباريس في الثالث من فبراير 1909، ولم تعمر طويلا، إذ توفيت عن عمر ناهز …أكمل القراءة »

عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله

13 يونيو 2019 أنشطة ومواعيدعامةنصوص 0

عز الدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) يقول فريدريك نيتشه على لسان زارا بطل كتابه “هكذا تكلم زرادشت”: “أحب من يُعْلن حبّه لربّه بتوجيه اللّوم إليه”[1]. إنه اللّوم الذي يزيل عنه كل ما التصق به من “سلبيات” و”نواقص”، وهذا ما سعى إليه الفيلسوف العربي الذي تجول في الصحراء حاملا ديناميتا ومطارق، …أكمل القراءة »

الصورة الصحفية بين المصداقية والإقناع

1 يونيو 2019 أخرىجرائدشاشة 0

عز الدين بوركة (شاعر وباحث جمالي مغربي) على ماذا تقوم الصورة الصحفية؟ وما الذي يميّزها عن غيرها من الصُّوَر: الصورة الفوتوغرافية، والفتوغرافية التشكيلية، والصورة الإشهارية…؟ وما مدى كونها صادقة فيما تقوم به من نقل للواقع؟ وأين تكمن خواصها عن باقي أنواع الصور الأخرى؟ وأين يتمثل مسعاها في التأثير ولإقناع؟ يُذكر …

جويس منصور.. شاعرة النيل السريالية

8 مايو 2019 بصغة المؤنثعامةمجلات 0

عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي) الحلم المصري السريالي: جويس منصور “شاعرة النيل السريالية”، أو “الحلم المصري الجميل”، هكذا يحبذ البعض نعتها، وُلدت هذه الشاعرة المصرية سنة 1928 بإنجلترا، لتنتقل رفقة عائلتها في سن مبكر إلى القاهرة على حدود النيل، هناك ستتعرف على أسس الشعر ومساراته الملتوية والمتشعبة. انحدرت جويس منصور …أكمل القراءة »

إشكالية الصفح عند دريدا: تحقيقا للمستحيل

5 مارس 2019 فلاسفةكتبمقالات 0

بعد سنوات من صدوره باللغة الفرنسية، صدر مؤخرا كتاب “الصفح…”[i] للفيلسوف الراحل الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida، مترجما إلى العربية عن دار المتوسط بإيطاليا (2018)، وقد عرّبه كل من المترجمين عبد الرحيم نور الدين ومصطفى العارف.أكمل القراءة »

دريدا، الصفح.. والجرح الفلسطيني العضال

13 يناير 2019 ترجمةكتب 0

يفكّك دريدا في هذا النص أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح في كتابيه “الصفح” و”ما لا يتقادم” إشكالية الصفح بحدّة يتعصّب فيها للانتقام، على خلفية فظائع المحرقة النازية، ما جعله يرى الوعي الألماني كلّه مذنبًا وشقيًّا. من جهتها فالفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، وإن لا ترى في الصفحة امكانية ارتقائه إلى حد محو كل الجرائم التي تمس الإنسانية، لأنه لا يقابلها قانونيا، إلا أنها لا ترفضه كحل لا مناص منه للقضاء على شرور العالم، إلا أن التفاهة، تفاهة الشر بالتحديد، حينما يتم محاكمة شعب كامل أو شخص بعينه بتهمة جرائم ارتكبها نظام استولى على الحكم في فترة معينة،أكمل القراءة »

ميشيل سير وعصر “الأصبع الصغير”

11 ديسمبر 2018 مجلاتنصوص 0

عزالدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) عتبة للعالم الجديد: لقد تغير العالم إلى أن بات لزاما على شباب اليوم إعادة ابتكار كل شيء ! بالنسبة لميشيل سير (1930) Michel Serres قد وُلد “إنسان جديد”، الإنسان الذي لقبه بـ”الأصبع الصغير”، وذلك لقدرته على إرسال رسائل سريعة والتواصل والتفاعل بأصبع واحد. فقد عرفت …أكمل القراءة »

شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

18 نوفمبر 2018 بصغة المؤنثمجلات 0

عزالدين بوركة  (كاتب وباحث مغربي) رغم رفضها للَقب “فيلسوفة”، بحجة أنها تشتغل في التنظير السياسي، فحنة أرندت تعد من أبرز المفكرين وعلماء الاجتماع السياسي في القرن العشرين، الذين أعادوا الرؤية في الفكر الغربي وأزمة الحداثة، شأنها في ذلك شأن ميشيل فوكو وجاك دريدا ومارتين هيدغر وه

شاهد أيضاً

بيير ديلو: الإنترنت.. أو في روح العالم

الحسين أخدوش  Pierre Dulau [1] ترجمة الحسين أخدوش افتتاح الشّاشة المصطلحات: نّوافذ  «windows»، سّافاري «Safari»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *