الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الإلهي والمقدس والدين في فكر هيدغر

الإلهي والمقدس والدين في فكر هيدغر

إسماعيل مهنانة

إسماعيل مهنانة

«السير نحو النجوم ولا شيء غير ذلك»

(هيدغر: تجربة الفكر ص 21)

لقد دأبت الأدبيات الفلسفية على تصنيف الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (M. Heidegger 1889-1976) في خانة “الوجودية الملحدة”؛ فيما على الفكر المتبصر أن يتجنب كل نزعة تصنيفية تحاكم المفكرين، كتلك التي تضع نيتشه وهيدغر في خانة الإلحاد السافر والعدمية، أو تجعل هيدغر فيلسوفا وجوديا؛ وفكره، كما سنكتشف، لا يمت بصلة إلى الوجودية التي هي فلسفة سارتر وألبير كامي A. Camus، إن مثل هذه التصنيفات المتسرعة لا تنمّ إلا عن جهل مطبق، وهي تصنيفات صحفية تجاوزتها الآن كل الأدبيات الهيدغرية، إن موقف هيدغر من المقدس والإله ومسألة الإيمان مرتبطة أشد الارتباط بفكره حول الوجود وتاريخه، لقد كان المقدس مصدر قوة وإلهام للإنسان القديم، أما نحن معشر المحدثين فليس بإمكاننا فهم ماهية المقدس بعد اختزاله في الشعائر والطقوس التي هي ذكرى المقدس؛ وتعبر عن انسحاب الآلهة من العالم، وليس عن حضورها: «لقد وصلنا متأخرين كثيرا عن الآلهة ومبكرا عن الوجود، إن الإنسان قصيدة بدأها الوجود.»(1)؛ يقول لنا فيلسوف الغابة السوداء.

يبقى صحيحا أن هيدغر يسعى إلى تجاوز تفكير الألوهية كما فكّرتها الميتافيزيقا الغربية لحد الآن، لكنه لا ينكر بتاتا الألوهية باعتبارها أفقا لخلاص الإنسان، إن ما ينكره على الإله الأفلاطوني-المسيحي هو كونه إلها أخلاقيا: “إن مفهوم الإله باعتباره قيمة هو الموت الحقيقي للإله'(2)، أي أنه وجد لغاية عملية هي التشريع للقيم الإنسانية وبالتالي يبقى وجوده مشروطا، وهذا حط من ماهية الإله: “إن إعلان الإله “بوصفه القيمة الأكثر سموا” هو حطّ من ماهية الإله”(3)، لقد كان هدف هيدغر دوما هو فتح دروب الوجود الأخرى التي ألغيت لحساب التأويل الأفلاطوني الأحادي لحقيقة الوجود، إن نسيان الوجود يعني كذلك نسيان الاختلاف الانطولوجي، فالمقدس سواء ما تم ّ تفكيره داخل براديغم الميتافيزيقا أو ما لم يفكّر بعد، ينتمي إلى حقيقة الوجود، ولنتأمل ما لم يفكّر بعد في الرسالة إلى جان بوفريه Jean Beaufret “ليس إلا بناءا على حقيقة الوجود يمكن تفكير ماهية المقدس، وليس إلا بناء، على ماهية المقدس يمكن أن نفكر ماهية الألوهية وليس إلا في ضوء ماهية الألوهية يمكن ربما تفكير وقول ما يجب أن تعنيه كلمة إله”(4).

والحق أن البحث عن الإله قد ظلّ شوقا خفيا يحرّك فكر هيدغر ولم يبرحه عبر كل مراحله، فقد بقي التكوين اللاهوتي المبكر في جامعة فرايبورغ يمارس عليه تأثيرا حاسما، وباتفاق كل شرّاحه؛ فإن مفهومه “للتزمّن الأصيل” تشكّل في ضوء التجربة المسيحية البدائية للزمن، وأغلب الظن أن هيدغر قد كابد أزمة روحية مريعة تجلت هالتها العليا في” الوجود والزمان”1927: إن الدازاين Dasein، أي الوجود الإنساني المتعيّن، ليس إلا هذا التدفق الزماني الممتد بين الولادة والموت، ولهذا فهو دائما في عجلة من أمره، مستبقا موته الخاص، ومستسلما إلى الثرثرة والفضول التي تحوله إلى موت عام يعني الجميع ولا يعني أحد بعينه، إن المسيحية البدائية وحدها فهمت تناهي الدازاين في هذا الدفق المريع، وهي جاءت بالضبط كأمل ورجاء(خلاص) في وقف هذا الدفق عن طريق الالتزام الأخلاقي، والإيمان الإسكاتولوجي(الآخرة).

بدأ هيدغر سنة 1918 متابعة دروس كارل ياسبرز في تأويل المسيحية تأويلا أنطولوجيا، وقدم قراءته حول دروس ياسبرز، ففي رسالة كتبها ياسبرز إلى هيدغر بتاريخ 1 أوت (أغسطس) 1921 يقول له: “لا أحد من الفلاسفة الشباب يهمّني رأيه مثلما يهمني رأيكم سيدي”(5)، لقد انطلق هيدغر من تجربة الإيمان المسيحي كما كابدها وكما تأولها ياسبرز لتنمية كل مفاهيمه الانطولوجية الأساسية، ويخبرنا غادامير أنه: “في سنة 1920 انقضّ هيدغر على مفهوم ياسبرز عن الطاقة الشريرة وجعله أكثر جذرية في الوقت ذاته”(6)، فقد قادته تعليقاته حول كتاب ياسبرز “سيكولوجيا رؤية العالم” إلى تبلور أطروحة “العالم” بوصفه معطى نسبي يتشكل داخل تجربة المعيش كما طرحته فينومينولوجيا هوسرل، ويمكن القول أن مسيحية هيدغر تقوم خلفية لا شعورية وراء عناصر تكوينية كثيرة: “كانت هناك عناصر تكوينية ذات أثر فاعل، فكان ثمة التأثير الذي استمده من كتابات مارتن لوثر في شبابه، وكانت هناك محاكاته المأخوذة بفكر أوغسطين، لاسيما استغراقه في الإيمان الأخروي الأساسي لدى القديس بولس، فقاده هذا كله إلى أن يرى الميتافيزيقا نوعا من سوء الفهم للزمانية والتاريخية الأصليتين اللتين يجربهما الإيمان المسيحي.”(7) .

ثمة إذن في هذه المرحلة من تكوينه، أي بداية العشرينيات، حضورا متساوقا لرافدين كبيرين: الفينومينولوجيا الهوسرلية، والتجربة المسيحية، لقد قدم محاضراته حول أرسطو سنة 1921 تحت تأثير الفينومينولوجيا، كما قادته المسيحية إلى محاضراته حول اعترافات أوغسطين سنة 1922، وفي إثر محاولته إعادة بناء العلاقة التاريخية بين اليونان والمسيحية، تعمق إيمانه بالفكرة التي تقول أن المسيحية هي الحقيقة المكتملة للفلسفة اليونانية، وأن براديغم المسيحية كان استكمالا لما عجزت الفلسفة اليونانية عن تفكيره مع أفلاطون وأرسطو، وقد كانت هذه الإشكالية حافزا لمحاضرة “فينومينولوجيا الدين” سنة 1923 وقد لاحظ المسكيني بحق: “أن هيدغر لم يسعى ضمن درس فينومينولوجيا الدين لاستكشاف “البراد يغم التاريخي للمسيحية” إلا من أجل أن يحرر الفينومينولوجيا نفسها منه”(8) .

يُعدُّ أوغسطين أول من كشف عن البنية الزمانية للنفس عبر مفهومه لـ”تمدد النفس”، فالنفس تتمدد نحو المستقبل تخيلا، ونسمي ذلك إرادة أو رغبة، وتتمدد نحو الماضي بالتذكّر، ونحو الحاضر بالانتباه ونسمي ذلك إدراكا، وحده مثل هذا التمدد من شأنه أن يحفظ النفس من الفناء الذي يجرّه عليها دفق الزمانية الأصلية الذي ينساب في غير رجعة، ورغم ما يعزى إلى الذاكرة عند أفلاطون من حفظ للحقيقة من النسيان، فإن مثل هذا الكشف لم يكن في حيازة الفلسفة اليونانية، ذلك أن التجربة الدينية لليونان لم تكن يوما محل تفكير فلسفي، بل أن هيدغر يجرؤ على القول أنه: “ليس لآلهة الإغريق أية علاقة بالدين”(9)، لقد كانت آلهة اليونان كائنات أسطورية وفلسفية، لا تلزم الإنسان أي إلزام، ولهذا لم يفكّر المقدس تفكيرا فلسفيا، وهو ما فكره أوغسطين ولكن في حدوده التاريخية، فقد بقي فكره محكوما بخلفية لاهوتية تمنعه من الذهاب إلى استجلاء كل أبعاد اللوغوس الهيراقليطي في النفس: “إن هذا اللوغوس المطلق كان في اللاهوت القروسطي ذاتية خلاقة غير متناهية: يظل الوجه المعقول للعلامة مدارا ناحية الكلمة والوجه الإلهيين”(10)، والكلام لدرّيدا. ليست حدود أوغسطين إذن ناجمة فقط عن اتخاذ النفس بنية للزمان، وإنما عن كونه لا يملك استبصارا أصليا لطبيعة وجود النفس ذاتها، وذلك أمر لن يصبح في الإمكان إبصاره إلا في أفق الانطولوجيا الحديثة، ورغم ما تزعمه هذه الانطولوجيا من تجاوز للأحكام الدينية، فإن البنية التيولوجية لا تزال تخترق نسق الفلسفة الحديثة قاطبة، ورغم ما يقره هيدغر أنه: “قد حلّ سلطان الوعي والعقل محل سلطة الإله البائدة ومحل نفوذ التعليم الكنسي”(11)، إلا أنه يعود إلى القول أن المسيحية كانت دوما مشكلة الفكر الحديث: “إن الفكر الحديث يبدو من حيث خصائصه الأساسية أشدّ إبهاما وصعوبة بالنسبة لنا، ذلك أن مؤلفات وأعمال المفكرين الحديثين لا تخلو من تعقيد وتقاليد، وهي تغوص دائما في جدل يتعلق بالمسيحية.”(12)، وبلغة أركيولوجية نقول أن مفهوم الذاتية الترنسندنتالية والكوجيتو الديكارتي الذي تتأسس عليه كل الفلسفة الحديثة، جاء نتيجة المزاوجة بين “النفس” الأوغسطينية و”اللوغوس” اليوناني، وهو ما يعزز النظرية الهيدغرية التي تقول أن المسيحية كانت الاكتمال التاريخي للميتافيزيقا اليونانية، وأنه ينبغي تفسير وجود النفس، أي اللوغوس في أفق تزمّن الدازاين، حتى يتم تجاوز الميتافيزيقا والمسيحية معا.

لقد بقيت التجربة المسيحية تلقي بأطيافها على فكر هيدغر، في مدونة 1927، عبر مفاهيم الزمانية الأصلية، العناية، العالم، والوجدان…الخ”.. إن “الوجود والزمان” هو ثمرة هذا الحوار بين المنظور الأنطولوجي المنحدر من الميتافيزيقا الغربية والمنظور الوجودي، المهمل في غالب الأحيان من طرف اللاهوت المذهبي، ولكن داخل تجربة الإيمان المعاشة”(13)، حتى أن موضوعة العدم في محاضرة “ما هي الميتافيزيقا؟” يعتبرها الكثير من الشرّاح نوعا من الإزاحة الانطولوجية لموضوعة الصحراء الإنجيلية، كما أن النداء شبه الديني إلى أصالة الوجود-نحو-الموت هي الصيغة الأكاديمية لمفهوم “روح الجد” في الميتافيزيقا المسيحية، وحتى فيما بعد، بقي يحدوه في ذلك إيمانه الراسخ أن المسيحية جاءت لتكشف عن ماهية الفلسفة اليونانية، وتحقق إمكانياتها القصوى، بل يمكننا الذهاب بعيدا في هذا الدرب كما فعل جان غرايش، أكبر شارحي هيدغر الآن، الذي يفترض أن هناك مشروع ثاوٍ في هيدغر الأول مؤداه، أن المسيحية كانت تحويرا تاريخيا أساسيا لكل الدازاين اليوناني حيث تم تأويل التراجيدي اليوناني إلى “امتحان” ديني(14)، كما يمكن فهمه بسهولة من قصة “أيوب”، وهنا تبدو أطياف كييركغارد واضحة، فمنذ درس 1930/1931 حول فينومينولوجيا الروح لهيجل، وقف هيدغر على الأصل الأنطو-ثيولوجي للميتافيزيقا الغربية، على نحو مكنه من إعادة تخريج طبيعة العلاقة بين الميتافيزيقا اليونانية واللاهوت المسيحي على نحو أكثر طرافة: فالأمر لا يتعلق بمجرد تأثير لاهوتي مسيحي في بنية الانطولوجيا اليونانية، بل إن الأنطولوجيا اليونانية نفسها تنطوي على ماهية انطو-ثيولوجية منذ أول أمرها، وأن ذلك هو الذي جعل ظهور اللاهوت المسيحي ممكنا، أي أن السمة اللاهوتية للأنطولوجيا لم تتأت من كون الميتافيزيقا اليونانية قد تم تمثلها فيما بعد من طرف الكنيسة المسيحية وتحويلها من طرفها، لقد أتت قبل ذلك من الكيفية التي تم بها تصور الموجود كموجود.

وقد واصل تنمية فرضيته هذه عبر كل كتابات الثلاثينيات، وخاصة كتاب “نيتشه”(1930-40) وقد توج هذا الشوق الخفي ب” مذهب أفلاطون حول الحقيقة” 1940، الذي لم يحاول فيه قول شيء حاسم بقدر ما دشّن فيه القول الفلسفي، وفتح الخطوط العامة لإعادة تفكير أفلاطون في ضوء الحقيقة المسيحية التي ينطوي عليها فكره، وربما نجد عند غادامير الذي أمضى بداية حياته الفلسفية في التمرس على تأويلية أفلاطون، شيئا من خيوط هذا البحث عن الإله المفقود عند هيدغر، يخبرنا غادامير أن: “العالم لدى أفلاطون (تيماوس)، يصممه إله فنان مهيمن، ومع ذلك، يتحقق هذا العالم من حيث تفصيلاته من طرف آلهة ثانوية تكون مسئولة عمّا هو غير منتظم وعرضي في حياتنا الأرضية، إن السماء وحدها هي الكاملة، وأرسطو يحول هذه الأسطورة الأفلاطونية إلى مفاهيم تشكّل ماهية الطبيعة: هذه المفاهيم هي، المادة وأصل الحركة، والشكل والغاية والزمان والمكان”(15)، إن الإله المسيحي قد تشكل في أفق الفكر الأفلاطوني وتمتد جذوره إلى عمق الميتافيزيقا اليونانية، وقد انكشفت مجمل أبعاده في ميتافيزيقا أرسطو، لقد ظلت أهمية أرسطو في فهم اللاهوت المسيحي تفوق أهمية أوغسطين، ففي موضع آخر يستأنف غادامير القول في المسألة: “ما من شك في أن اهتمام هيدغر القديم، الموثق جيدا، بالرسالة المسيحية الأصيلة كان الحافز على محاولاته مع أرسطو”(16). إن أهمية أرسطو ليست كونه يلقي بسطوته على ليل القرون الوسطى الطويلة وحسب، ويحدد نسق الميتافيزيقا الحديثة، بل كذلك كونه النافذة الكبيرة التي تطل على القرون اليونانية السابقة عليه واللاحقة له، وحلقة الوصل بين اليونان والمسيحية.

يمكن فهم أولى محاضرات هيدغر حول أرسطو سنة 1922، بشكل أفضل في ضوء آخر محاضراته سنة 1966 بعنوان “فيزياء أرسطو”، حيث يعيد تخريج مفهوم الطبيعة باعتباره مفهوما ميتافيزيقيا، كان اليونان الأوائل يعزون إليه نفس الخصائص والقدرات التي سيعزوها اللاهوت المسيحي إلى الإله: الفيزوس Phisus هو ما ينمو وينتشر بذاته، إنه مصدر كل هذه الحركة التي تطبع كل الموجودات، إن الطبيعة علة الحركة في الزمان والمكان لأن الحركة تفهم هنا كنمو أي تتجه نحو غاية قصوى هي الكمال أو الصورة التي هي غير مفارقة للمادة، وإذا كان الكمال أو الصورة هو العلة الغائية التي تتحرك نحوها بقية العلل (العلة المادية، الصورية، الفاعلة) على سبيل الشوق أو الإنيرخيا، فإن ما أوصل مذهب العلل الأرسطي إلى الدور والانسداد، ومعه الفكر اليوناني قاطبة، هو أن كمال الصورة الذي هو علة العلل يشترط مسبقا علة تتصور هذا الكمال وتدبر على أساس هذا التصور، إن هذه العلة التي لا يسري عليها مبدأ العلة هي التي جعلت فيزياء أرسطو تحتاج إلى عنصر ما بعد-فيزيائي، وتفتح الفكر على الميتافيزيقا واللاهوت، يقول هيدغر: “..معلوم أن العلة الأولى هي الله، أي أن مبدأ العلة لا يقوم إلا بوجود الله، والله لا يوجد إلا بقدر ما يصدق مبدأ العلة عليه وها أن فكرنا يدور.”(17) .

رب دور أراد الفكر اللاحق لأرسطو كسره بالتعالي، وخاصة الأفلاطونية المحدثة، فالمسيحية لم تتمثل الفلسفة اليونانية إلا في ضوء الأفلاطونية المحدثة، بل القرون الوسطى بأسرها لم تفهم أفلاطون وأرسطو إلا كما تأولتهما الأفلاطونية المحدثة، وهو ما جعل أفلاطون مفكرا متعاليا، وبالنسبة لهيدغر فإن الفلسفة الحديثة لم تنج البتة من هذا الإرث الثقيل، وليس الذاتية المتعالية إلا استجابة لهذا الإرث؛ يقول لنا غادامير: “أن الأفلاطونية المحدثة، كما نسمي هذا الموروث اليوم، هي أول من جعل أفلاطون مفكرا متعاليا، وكان هذا المفكر أيضا هو أفلاطون القرن التاسع عشر.”(18)، وعلى هذا؛ فعلى كل هيرمينوطيقا مقبلة أن تعيد تشكيل تصور جديد لتاريخ الفلسفة الغربية وخاصة في علاقتها المعقدة مع المسيحية والأفلاطونية المحدثة، ثمة ثورة هيرمينوطيقية دشنها هيدغر بمفهومه للبنية الأنطو-تيولوجية للميتافيزيقا الغربية والتي يجب تفكيرها دوما داخل الاختلاف الانطولوجي: “تنحدر البنية الأنطو-تيولوجية للميتافيزيقا من انتشار الاختلاف”(19) .

تنمحي المواجهة بين الانطولوجيا الميتافيزيقية واللاهوت الوجودي؛ شيئا فشيئا أمام مواجهة تاريخية بين مفكّري اليونان والميتافيزيقيين المتأخرين، هيجل ونيتشه: لاهوتيي موت الإله، ومن هنا تتأتى ضرورة تأويل نيتشه وهيجل وهولدرلين، إن مناظرة هيدغر مع نيتشه تهدف في الأساس إلى قطع شوط مهم مع الميتافيزيقا من أجل فسح المكان لقدوم الآلهة، الآلهة التي كانت تجربة هولدرلين الشعرية كلها تعبيرا عن فرارها، فمن “الفن باعتباره إرادة قوة” (الكتاب الأول في تأويل نيتشه) إلى محاضرة “الفن والمكان” يحاول هيدغر فسح المكان عبر الشعر الذي يسمّي المقدس: “فسح المكان، إنه إخلاء المواقع أو الأمكنة حيث للإله أن يظهر، حيث تهرب الآلهة كذلك، حيث الظهور للإلهي الذي طالما تأخر”(20)، يسمي هيدغر هذا الإله في “المساهمة في الفلسفة” بالإله الأخير، فما هو الإله الأخير وفيما يختلف عن الآلهة الأخرى والإله المسيحي على الخصوص؟.

يعرّف هيدغر الإله الأخير بأنه: “الآخر تماما إزاء الآلهة التي قد-كانت، وبخاصة الإله المسيحي.”، إن الإله الأخير هو ما يستنفد فضاء المقدس الذي عجز إله المسيحية عن استنفاده بسبب الإفراط في عدميته، وهو معنى “موت الإله” لدى نيتشه، إن الإله الأخير ليس إلها أخلاقيا لأنه لا يأمر ولا ينهى فهو إله الشعر وليس إله الوحي، ولهذا فهو إله التناهي في مقابل لانهائية الإله المسيحي، الإلهي عند هيدغر هو فضاء طوبولوجي للظهور والإشراق، أو الفرار والعودة كما يقول هولدرلين، يقول بوفريه: “الآلهة عند هيدغر ملائكة بوجهة نظر هولدرلينية.”(21)، إن سلسلة البانثوسيات panthéismes التي أنتجتها العصور الحديثة من اسبينوزا إلى هيجل إلى موت الألوهية لنيتشه، يعتبرها هيدغر تخريجات “علمانية” مختلفة للإله المسيحي الأخلاقي في أفق الحداثة الفلسفية، في حين أن تجاوز ميتافيزيقا الحداثة يقتضي فتح الفضاء لعالم الآلهة مختلفا، يقول آلان تورين: “إذا كانت الحداثة تقوم على الفصل بين الماهيات والظواهر وإذا كان الفعل التقني والعملي يختص فقط بالظواهر، كان مجالنا الثقافي والسياسي بالضرورة مجالا لتعدد الآلهة، بما أن وحدة التفسير العقلاني للظواهر تكون منفصلة عن عالم الآلهة الذي لم يعد له من الآن فصاعدا أي وحدة.”(22)

والحق أنه منذ دروس 1931 حول “فينومينولوجيا الدين عند هيجل” تحول هيدغر جذريا عن “الإلحاد المنهجي” الذي ميّز “الوجود والزمان” وبدأ يأخذ مسالة الألوهية مأخذ الجد إلى أن أخرج مفهوم “الإله الأخير” في “المساهمة في الفلسفة” 1938، وقد بين غادامير الموقف الديني لهيدغر بصورة حاسمة حيث يقول: “.. أود أن أبين أن فهم هيدغر بوصفه مفكرا ملحدا، إنما هو سوء فهم يستند فقط إلى فهم سطحي.”(23)، هكذا يبقى فيلسوفنا متعذّر عن كل تصنيف، لقد أراد هيدغر شق طريقه خلف كل الانتماءات والنزعات والعقائد، فوجد نفسه مفتوحا على كل الاتهامات وأشكال التبنّي، بل أن ثمة من يرى فيه المفكر الذي جمع كل التيارات المناقضة في قبضة واحدة، ففي نص متحامل لكارل لوفيت K. Lowit في يصف هيدغر أنه: “يسوعي (جزويت) بحكم التربية، وقد أضحى بروتستانتيا بالتمرّد، مدرسي دوغمائي بفعل دراسته؛ وبراغماتي وجودي بالتجربة، لاهوتي بالتقليد؛ ولكنه ملحد كباحث، لقد أنكر تكوينه متنكر في زي مؤرّخ، وجودي مثل كييركغارد؛ ولكنه مع إرادة النسقية الهيغلية، بقدر ما هو جدلي المنهج أصلاني الأفكار، جذري في أسئلته؛ ولكنه متواطئ مع الأشياء اليومية.”(24)

العهد وإقامة الأربعة

يتفق معظم شرّاح هيدغر أن سنة 1936 هي سنة التحول الكبير لفكره من الانطولوجيا الأساسية نحو حقيقة الوجود، فهي سنة بداية فكر العهد Ereignis الذي أسفر عنه المنعرج الهيرمينوطيقي، وهو محاولة جذرية في التفكير ما وراء الفكر التصوري واللغة الميتافيزيقية: “..العهد Ereignisهي الكلمة الهادية لتفكيري منذ 1936″(25)، يقول هيدغر، نشير أنه لا يوجد مقابل عربي لكلمة Ereignisولا حتى في اللغات الأوروبية الأخرى، حرفيا يعني “الحدث” أو الحدوث، ولكنه حدث محروم من صفة التكرار لأنه ينتمي إلى تزمن الوجود، فهو إذن حدث خاص ومخصوص Das Eigen، ولذلك هناك من يترجم الكلمة بالحدث الخاص، إنه حدث الالتقاء القدري بين الوجود والزمان في إضاءة الدازاينDasein، فهو إذن نوع من “العهد” والتعاهد تم بين الزمان والوجود في انفتاح الدازاين نقطة تقاطعهما وثمرة تعاهدهما، وهو ما جعل كلا من “فتحي المسكيني” ومحمد محجوب يقترحان كلمة العهد؛ عربية قرآنية(إن العهد كان مسؤولا: قرآن كريم)، يقول محجوب: “أن يكون الوجود عهد إذن: فليس في ذلك أكثر من كونه يعهد بالإنسان إلى الوجود مقاما له، وبالوجود إلى الإنسان راعيا له.”(26)، فالإنسان في نهاية التحليل يتعين بالقرب من الوجود بوصفه حارسا للوجود من الانطفاء والسقوط في صمت الموجود، فمعنى الرعاية والحراسة هو المقام الذي يكون فيه الإنسان إضاءة لحدث التزمن؛ وبالتالي متلقيا لهبة الوجود، يخبرنا هيدغر أن: “الزمن ليس من صنع الإنسان والإنسان ليس من صنع الزمن، لا يوجد هنا صنع لا يوجد هنا فعل”(27)، ثمة إذن هبة وتلقي، وتعيّن وهي معاني العهد، إن العهد هو آخر التخريجات التي يريدها هيدغر أن تتجاوز الميتافيزيقا بتجاوزها الوجود نفسه: “..إن تجاوز الميتافيزيقا هو الحدث المستحوذ Ereignis الذي بداخله يتم تجاوز الوجود نفسه.”(28)، يتضمّن العهد إذن؛ الوجود بوصفه هاوية بلا قرار، بلا عزم، الوجود كنسيان وغياب للأساس، وهو ما يعزز ترجمة الEreignis بالعهد على مسار الآية القرآنية المتضمنة لكل معاني العهد:«ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما» (طه 115).

لنعاود التسآل عن وجود الموجود: أن يوجد الموجود يعنى أنه يحضر للإنسان، يحضر في أفق الدازاين Dasein الوجود الإنساني)، وهنا ليس الدازاين هو من يتقدم نحو الموجود لأن الدازاين مقذوف منذ البدء خارج ذاته، مقذوف بوصفه ليس ذاته، بل أن الموجود يتقدّم بموجب حركة التخارج التي من شأن الدازاين، وهي الحركة التي يتحدد بها الدازاين باعتباره “ليس ذلك الموجود..”، إن الموجود ينتشر في هذه الليسية: “الوجود: السماح بالانتشار-في-الحضور.. الانعتاق من المنسحب، الوجود: المنح، ما ينعطي”(29)، الوجود هو منح الموجود لذاته في أفق الدازاين، وهنا نتساءل عن طبيعة الأفق الذي يفتحه انتشار الموجود بالقرب من الدازاين، إن العصور الحديثة بقيت تتصور الأفق في معنى المقولات الكانطية وخاصة الزمان والمكان، وهي صور قبلية تتقوم بهما الذات على منوال ما، في حين أن الأفق مفكرا في ضوء العهد يعني أن تزمن الدازاين خارج ذاته يفتح فسحة حرة يتلقى داخلها هبة الموجود: “..الأفق هو الفسحة La contrée التي تنفتح لحضور الأشياء أمام الأشياء.”(30)، وما يهم هنا هو أن الفسحة التي يفتحها التزمن تكون حرة رغم أنها محكومة بأبعاد الزمن ومقامات التوقّع والانتظار والنسيان، تستمد الفسحة حريتها من كون التزمّن يتخارج من دون هدف أو معنى، وهي الحرية التي تجعل ‘الفهم” أو الحضور والإقامة ممكنين: “.. فسح المكان يعني جلب الحر، المنفتح، المكاني، من أجل إقامة وسكن الإنسان.”(31)، إن المكاني هو ما يفتح المكان، وليس المكان سابقا أو متعاليا، فأن يتخارج الدازاين ويتحدد باعتباره “ليس هو..” يعني أن يكون في حالة انتظار بدائية وأصلية، إن التخارج تزمنا هو التوجه مستقبلا بشكل بدئي:”.. العلاقة بالامتداد الحر هي الانتظار، والوجود-في-الانتظار يعني: أن نُترك لننخرط داخل انفتاح الامتداد الحر.”(32) .

يوجد داخل هذه العلاقة وحدها كل ما هو إنساني، أي كل ما ينتمي إلى الدازاين في علاقته بالإلهي، الإنسان هو البعد الإلهي في الدازاين وليس كل الدازاين، لأن الإنسان هو أفق الظهور الوحيد، أي أفق الفسحة: “…فسح المكان: إنه إخلاء المواقع أو الأمكنة حيث للإله أن يظهر، حيث تهرب الآلهة كذلك، حيث الظهور الإلهي الذي طالما تأخر.”(33)، الفسحة إذن هي ما ينفتح من الأرض على السماء بدخول الدازاين إلى قلب الموجود، إن كل ولادة جديدة لدازاين ما؛ هي انفتاح لثقب الإضاءة في الأرض المغلقة للموجود، انفتاح للأرض على السماء، وكل نهاية هي انغلاق للأرض على السماء، وبين الولادة والموت يحمل الفانون موتهم الخاص تزمّنا: “..عندما نقول الأرض.. عندما نقول السماء.. أو عندما نقول الفانون أو الإلهيون نفكر سلفا في الثلاثة الآخرين إلاّ أننا لا نتأمل الوحدة البسيطة للأربعة.”(34)، الموت إذن هو سر كل انفتاح للأرض على السماء، وهو سر إقامة الفانون في بعد الإلهي، لأن الموت هو إمكانية ألا تكون هناك إمكانية: “إن الموت من حيث هو نهاية الدازاين، إنما هو إمكانه الأخص، الخلو-من-العلاقة واليقين، وبما هو كذلك، اللا متعين الذي لا يتجاوز.”(35)، الكائنات الأخرى لا تموت بل “تفسد”، فالإنسان وحده يموت لأنه يحمل موته الخاص منذ الولادة، وهو يتخارج تزمنّا بهذا الموت-في-حركة، إن التخارج هنا يكون كلاما أي لغة وتعبير، ولهذا يسقط الإنسان بموجب هذا التعبير المتخارج كل رؤيته للعالم تحت تجربة الموت، إن كل أشكال الثقافة والفن والدين والفكر التي أنتجها الإنسان تنتمي إلى هذا التعبيرEx- pression (أي الضغط المتخارج)، والضغط هو قلق الموت، يقول هيدغر: “..الإنسان وحده يموت وذلك بشكل متواصل طالما بقي على الأرض تحت السماء، أمام الإلهيين.”(36) .

إذا كانت هناك من إتيقا (فلسفة أخلاق) يمكن ترتيبها حول فكر الوجود؛ في هذا الزمن التقني فيجب أن تنطلق من معنى الإقامة، ورغم ما يميز فكر هيدغر معاداة للتنظير، فإن إتيقا الإقامة تتوجه هنا في صباح إيكولوجي جديد يحاول إناطته بالوجود الإنساني: “..إن السكن هو بالأحرى دائما إقامة عند الأشياء، إن السكن كصيانة يحفظ الرباعي في ما يقيم عنده الفانون في الأشياء.”(37)، الصيانة، أو رعاية الوجود هي مهمة “المستقبليون” داخل هذا العهد الرباعي، يبدو أنه فقط وبعد أن تتجاوز البشرية خلافاتها الداخلية، وصراعاتها الضيقة وحروبها التي لا طائل من ورائها، بعد أن تتجاوز بشريات الأرض هويّاتها المصطنعة والقاتلة؛ بعدها فقط يأتي المستقبليون لتدارك الخطر الذي يهدد الأرض؛ لأن الخطر سيبلغ درجة لا يستثني فيها أحد، وهنا يتوجب على الإنسانية توحيد الصف: “صيانة الرباعي، إنقاذ الأرض، استقبال السماء، انتظار الإلهيين، قيادة الفانين، هذه الصيانة الرباعية هي الماهية البسيطة للسكن”(38)، ربما يبدو هذا الكلام يوتوبيا لغير المستقبليين، لنا نحن “الإنسان الأخير”، لكننا نحن لم نعد أحد .. أنت أخير يا صاح لأنك لا أحد .. إننا إنسان نهاية الميتافيزيقا الذي يفقد كل صبح جديد شيئا من هويته، إن الدازاين المقذوف عرض الجماهير يفقد وجوده الأصيل، ويغدو وجها بلا ملامح، لقد أبدع هيدغر أيما إبداع في وصف ملامح “الإنسان الأخير” في معرض تحليله للروتينية اليومية للإنسان المعاصر، إنسان الجماهير، الإنسان الأخير، يفقد هويته الثقافية والدينية والإثنية؛ ويتجه رأسا نحو الهجنة، من حيث لا يشعر ومن حيث لا يرغب، لنقرأ عن “آلة الحرب المرتحلة” كما وصفها دولوز، أو عن هجنة إدوارد سعيد، وما نراه اليوم من عودة ارتكاسية نحو الهويات الدينية والإثنية؛ يشهد في العمق على موت هذه الهويات، إننا نتمسك بما نحس أننا نفقده، ولا تبعث إلا الأشياء الميتة، المستقبليون سيتجاوزون كل هذا للإقامة البسيطة في العهد: “ال Ereignis هو أكثر اللا ظاهر لا ظهورا، أكثر البسيط بساطة، أكثر القريب قربا والبعيد بعدا الذي نقيم فيه نحن الفانين مدى الحياة.”(39)، يقول فلاّح مسكريش مارتن هيدغر.

يوجد الإنسان متزمّنا؛ وبذا هو يشهد على موته ويفتح بتزمنه فسحة تكون عالمه؛ إن الإنسان الأخير يمنح للفسحة اسما لكي يبدأ في تشكيل هويته، لنتذكر مع فيكوVico أن التاريخ يبدأ حينما تبدأ مجموعة من الأفراد في ربط وشائج حميمية مع المكان.. حيث تتشكل خلفية إدراكية للعقل يقيس بموجبها الأشياء ويسميها /ليفي ستروس/ … يتكلم باشلار في “جماليات المكان”: “..أنه داخل المنزل يكتسب حسّا بالألفة والحميمية والسرّية والأمان وهمي أو حقيقي، وما يضفي عليه من قيمة تخيلية أو مجازية تجعله أكثر أهمية بكثير..” [جماليات المكان]، بينما الفسحة ليست من تسمية أحد: “يبدو أن الفسحة ولكي تكون كذلك يجب ألا تكون من تسمية أحد.”(40)، إن التزمن يفتح المكان داخل عالم الإنسان، المكان إذن في فكر هيدغر، هو بالضبط البعد الرابع من أبعاد الزمان: “الزمن الحقيقي رباعي الأبعاد” يقولها هيدغر بكل طمأنينة: “..هكذا، إلى الزمان الحقيقي ينتمي ما اعتدنا على تسميته البعد: la Dimension”(41)،

لنتذكر كذلك أن تزمّن الدازاين يكون كلاما، فالكلام يرتب إقامة الفانون، ولهذا يكون المستقبليون أقل كلاما: “اللغة هي ما يمكّن الانفتاح للمجال؛ حيث الإنسان يسكن بيت العالم المقام في الأرض وتحت السماء.”(42)، سيكون حينها قيمة حقيقية لكل ما يقوم به الإنسان، لأن الإقامة ستحفظ تحت نداء الشعراء، وكل ما ينمو حول الإنسان يرنو من أجله: “.. النمو يعني الانفتاح على شساعة السماء، ولكنه كذالك انغراس الجذور في الأعماق الغامضة للأرض…إن كل ما هو حقيقي وأصيل لن يصل إلى النضوج ما لم يصل الإنسان إلى نداء السماء الأكثر سموّا.. وأن يبقى في نفس الوقت تحت حماية الأرض التي تحمل وتنتج”(43)، إن كل ما ينفتح فوق الأرض وتحت السماء يشهد على هذه الإقامة: “ففي الإزهار الذهبي للشجرة تسود الأرض والسماء، الإلهيون والفانون، في إطارهم يتوحد العالم، لم يعد “العالم” كلمة ميتافيزيقية.”(44) .

يبدو أن هيدغر يبحث في كتاباته المتأخرة عن معنى غير ميتافيزيقي للعالم، معنى يخلو من إرادة القوة التي كانت توجه تاريخ الغرب طيلة خمسة وعشرين قرنا، سيقف المستقبليون مشدوهين أمام عالمهم، دون محاولة تسخيره أو السيطرة على الأرض واستنفاذ سرّها، سيقفون في سكينة ويحيون لهذه السكينة: “..السكينة: Gelassenheit إننا نتكلم عن الروح المعادلة لحضور الأشياء”(45)، يبدو إنسان الميتافيزيقا مهووس بالتملك، ولهذا فهو يحس دوما بقلق الانفصال الذي يربطه بأشيائه، وهذا القلق هو مصدر تنامي حاجاته الزائفة وعبوديته لها، كما رأينا في مقاربتنا لماركس، قلق الحاجة هو مصدر غربة الدازاين، وهي الغربة التي تمنعه من رؤية الأشياء على حقيقتها، ولهذا يعلن هيدغر أنه: “وحدها مساواة الروح أمام الأشياء والفكر-أي السكينة- تفتحنا على السر الذي يمكّننا ألاّ نسقط أبدا من السماء.”(46) ويواصل رسم المسارات التي يفتحها فكر السكينة أمام الإنسان، وأن يكون الإنسان هو الرهان الأول والأخير للفكر؛ وهذا لا يقدم أي مسوّغ للتقهقر نحو النزعات الإنسانية، بل يتوجب الانفتاح على ماهية الفكر بما هو فكر دون إحالته إلى الإنسان، حينها، يقول هيدغر، تستيقظ فينا مساواة الروح: و”حينما تستيقظ فينا مساواة الروح أمام الأشياء التي ينفتح الفكر على سرها، نستطيع حينها أن نأمل في الوصول إلى درب يأخذنا نحو أرض جديدة، إلى أرضية جديدة، على هذه الأرضية يستطيع خلق الأعمال الدائمة: التجذّر من جديد.”(47) .

لقد بدأت فلسفة هيدغر مغرقة في الأكاديمية والصرامة المنهجية، وانتهت إلى الشعرية بل وحتى الصوفية، وعلى مدار ستين عاما من التأمّل المتواصل، كابد خلالها كل أشكال الفكر الممكنة، كل الدروب المطروقة والمسدودة، كما يسمّيها؛ وانتهى إلى مشهد غروب قرمزي اللون، متسائلا عن مصدر النور.. وسر الكينونة، ومستسلما لسكينة المشهد، يقول غروندين: “في هذه الأيام نجد أن كل الفلسفة الهيدغرية التي يمثل المنعطف ذروتها تبدو كتأمل في إقامة الفانون الموسومة بالانفتاح على سر الكينونة”(48) .

______________________

أستاذ الفلسفة الغربية بجامعة قسنطينة، الجزائر.

Email: mehnanasmail2000@yahoo.fr

الهوامش

(1)- Heidegger, l’Expérience de la Pensée, in Questions III p21

(2 _____________, Chemins qui ne mènent nulle part, p319

(3) _____________, Lettre sur l’humanisme, Op. Cit.-, p129.

(4)Lettre sur l humanisme; Tr, Jean Beaufret, Aubier , p 135:” ce n’est qu’a partir de la Vérité de l’Etre que se laisse Penser l’Essence du Sacré, ce n’est qu’a partir de l’Essence du Sacré que se laisse Penser l’Essence de la Divinité .ce n’est que dans la Lumière de l’Essence de la Divinité que peut être Penser et dir ce que doit nommer le mot Dieu”. (التسويد من عندنا)وهي عدد المقدسات التي لا يزال هيدغر يحصيها

(5)- Martin Heidegger, Correspondances avec Karl Jaspers, Tr. C-N Grimbert, Gallimard, 1996, p 19

(6) غادامير، طرق هيدغر،(تر: علي حاكم صالح، حسن ناظم) الكتاب الجديد، بيروت، 2007، ص 48

(7) غادامير، طرق هيدغر، م س، ص223

(8) نقد العقل التأويلي، م س، ص 106

(9) Heidegger et E. Finke, Héraclite, Op. Cit. p22

(10) دريدا ، الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، ص 113

(11) Heidegger,Chemins qui ne mènent nulle part, Op. Cit. p 264

(12) هيدغر، مبدأ العلة، مصدر سابق، ص 88

(13) J.P. Raswenberg, La pensée de Martin Heidegger, Privat, Toulouse, 1971. p 38

(14)- Jean Greiche, l’arbre de la vie et l’arbre du savoir, pp 66

(15) ج. هانز غادامير، بداية الفلسفة، (تر: علي حاكم صالح، حسن ناظم) الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس،2002 ،ص 108

(16) غادامير، طرق هيدغر، مرجع سابق، ص 354

(17) هيدغر ، مبدأ العلة، مصدر ساق، ص 34

(18) غادامير، بداية الفلسفة، م س، ص ص 76-77

(19) Heidegger, Identité et Déférence , in Question I, Op. Cit. p305

(20) Heidegger, l’Art et l’Espace, in Questions IV, Op. Cit. p 273

(21) J. Beaufret, Entretiens, Op. Cit. p 171

(22) آلان تورين ، نقد الحداثة(تر: أنور مغيث) المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص 252

(23) غادامير، طرق هيدغر، مرجع سابق، ص 343

(24) Karl Lowith, ma Vie en Allemagne avant et après 1933, Hachette, 1988, p 63-64

(25) المسكيني، نقد العقل التأويلي، مرجع سابق، ص 35

(26) محمد محجوب، هيدغر ومشكل الميتافيزيقا، دار الجنوب للنشر ، تونس، 1996 ، ص 63

(27) Heidegger, Questions IV, Op. Cit., p 36

(28) Heidegger, Essais et Conférences, Op. Cit. p 82

(29) Heidegger, Temps et Etre, in Question IV, Op. Cit. p199

(30) Heidegger, Sérénité, In Questions III, Op. Cit. p 155

(31) Heidegger, l’Art et l’Espace, In Questions IV, p 272

(32) Sérénité, p 163

(33) l’Art et l’Espace, p 273

(34)Heidegger, bâtir, Habiter ,Penser, In Essais et Conférences, Op. Cit. p 177

(35) Etre et Temps, p 258

(36) bâtir, Habiter, penser, in, Essais et Conférences, op. Cit. p 178

(37)Ibid., p 179-

(38) Ibid., p 183

(39) مارتن هيدغر، كتابات أساسية (تر. إسماعيل المصدق) ، القاهرة، المجلس الأعلى للترجمة، ص 175

(40) Heidegger, Sérénité, Op. Cit. p 162

(41) Temps et Etre , in Questions IV, p212

(42) Heidegger, Hebbel, l’Amie de la Maison, In Questions III, Op. Cit. p 64

(43) Martin Heidegger, Le Chemin de Compagne, In Questions III, p 12

(44)Heidegger, Acheminement vers la Parole, (tr. J. Beaufret) Gallimard, 1976, p 26-

(45) Sérénité, Op. Cit. p 143

(46) Ibid., p 147

(47) Ibid., p 181

(48) J. Grondin, Le Tournant dans la pensée de Martin Heidegger, P.U.F, 1987, p 112

شاهد أيضاً

أفاية ينعي الفيلسوف محمد سبيلا

محمد نورالدين أفاية محمد نورالدين أفاية بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *