لسوء الحظ ماتت أمه قبل أن يبلغ باروخ السادسة من العمر، وعلى مدى السنوات الثلاث التالية أو نحو ذلك، تُرك لرعاية أخته غير الشقيقة، ربيكا، التي ربما لم تكن قد تجاوزت الثانية عشرة من عمرها آنذاك. وإذا ما استندنا في حكمنا على أحداث لاحقة، يمكن القول إنه لم يكن ثمة كثير من الحب بين ربيكا وباروخ. لأنه عندما توفي والدهما عام 1654، بذلت الأخت قصارى جهدها لمنع بينيديكت من الحصول على نصيبه من الميراث، فلجأ إلى الشريعة، رغم أنه سَمَح لها بالاحتفاظ بكل شيء تقريباً بعد أن ربح الدعوى. وعند وفاته أيضاً لم يكن سلوكها مثاليًا؛ فقد سارعت إلى لاهاي للمطالبة بميراثها، لكنها ارتدت على عقبيها بمجرد أن علمت أن هذه الممتلكات لم تكن تكفي لتغطية ديونه ونفقات الجنازة. مع ذلك، فكل هذا كان ينتمي حتى الآن إلى المستقبل. ففي تلك الأثناء، يمكن للمرء أن يتخيل صورة مثيرة للشفقة لطفل يقف أمام قبر أمه ويتمتم بصلاة النادب باللغة العبرية، والتي كان قد بدأ للتو بتعلمها. ولقرابة سنة كاملة بعد ذلك، كان يمكن رؤيته مرتين أو ثلاث مرات كل يوم في الكنيس المجاور، يقرأ بصوت عالٍ صلاة النادب ذاتها، بشعور غامض من الرهبة والجد؛ مع ذلك كان يسعده أن يفعل شيئاً من أجل أمه المسكينة. وكان سيُحتفل بالذكرى السنوية لوفاتها كل عام من خلال ضوء خاص يظل يشتعل في المنزل لمدة أربع وعشرين ساعة تخليداً لذكرى نور كان قد خبا، لكن يعتقد أنه لا يزال يذرف أشعته في مكان آخر. وكانت الأيام المهيبة في التقويم اليهودي أكثر جدية بالنسبة له فقط من خلال ذكريات رقيقة “للمسة يد اختفت، ونبرة صوت كان لا يزال موجوداً”.

مع ذلك، لا ينبغي لنا أن نبالغ في الجانب المحزن لحياة سبينوزا الصغير على الرغم من أنها كان لها جانبها الحزين بالتأكيد. وعندما كان في عامه التاسع دخلت حياته زوجة أب. وكونها مجرد لاجئة مارانو جديدة من لشبونة، قد لا تكون بالضبط ذلك النوع من النساء الذي يلهم سبينوزا الصغير بأي ارتباط دافئ خاص باليهودية. ومثل العديد من المارانويين فربما أنها كانت نصف كاثوليكية في عاداتها، وذلك بدافع من ضرورة التوافق الخارجي مع الكاثوليكية الرومانية. مع ذلك، ربما كانت رحيمة بالأطفال، وكان البيت سيسترد نغمته العادية. علاوة على ذلك، فإن التقويم اليهودي لديه أعياده السعيدة، بل حتى كرنفاله العابث؛ واليهودي الطيب مثل مايكل إسبينوزا لم يكن له على الأرجح أن يهمل واجبه الديني في أن يكون مرحاً وأن يصنع المرح في هذه المناسبات. أولاً، كان هناك أسبوعياً السبت وعشية السبت (مساء الجمعة) في اللذين كثير من الأحيان يُحتفل بهما في غالب الأحيان واللذين احتفي بهما شعرياً حتى من قبل هاينه، في قصيدته الأميرة السبت. والروح التي كان يُحتفى بها ربما يُعبّر عنها بأفضل ما يمكن في الأبيات التالية من إحدى تراتيل السبت المتأخرة:

“أنت الجميل أيها السبت، أيها اليوم المقدّس،

الذي يبعد همومنا وأحزاننا،

تعال بالحظ الحسن، بالفرح وبالسلام،

إلى منازل أتقيائك، ليزداد نعيمهم!

“تكريما لك تُفرش الطاولات بالأبيض؛

من الشمعدان النقي يشع كثير من الضوء.

جميع الرجال يرتدون أحلا الملابس ،

بقدر ما يوجد في محفظته يقدّم واحدهم أفضل ما لديه.

“لأنه بمجرد وضع قبعة السبت على الرأس ،

تولد مشاعر جديدة وتموت المشاعر القديمة؛

نعم ، يختفي فجأة الهم الأسود والحزن القاتم ،

ما من أحد ينزعج بأمور الغد.

“يتم إعطاء قوى سماوية جديدة لكل منهم؛

عن الأمور اليومية يسكت الآن كل الكلام.

مرتاحة جميع الأيدي التي كدحت بكثير من الألم؛

الآن يسود السلام والهدوء في كل مكان

شاهد أيضاً

قريبا كتاب: كورونا… أي فهم لأي تحوّل؟

سيصدر قريبا، عن دار بصمة لصناعة الكتاب، كتاب جماعي تحت عنوان: ” ” بمشاركة العديد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *