الرئيسية / ترجمة / جيل دولوز: كيف الخروج من العدمية

جيل دولوز: كيف الخروج من العدمية

ترجمة : الحسن علاج

في وقت كان فيه الفكر الماركسي مهيمنا بفرنسا ، نشر جيل دولوز Gilles Deleuze) ( [كتاب] نيتشه والفلسفة (1962) ، بعد ذلك أصدر كتاب نيتشه ، حياته ، عمله (1965) . كان ينوي إبراز وجود فلسفة جدلية ، نقد الدولانية étatisme) ( والشيوعية المساواتية ، إطراء إثبات الحياة والقوة الفردية ـ التي يرمز لها بواسطة الإله الأبيقوري ديونيزوس .

إن فكرة نيتشه أن الله قد مات تعتبر حدثا عظيما صاخبا ، لكنها ليست كافية . لأن ال” عدمية ” تستمر ، بالكاد تغير شكلها . كانت العدمية تفيد على الفور : الحط من القيمة ، سلب الحياة باسم القيم السامية . والآن : سلب تلك القيم السامية ، استبدال بواسطة قيم إنسانية ـ مفرطة في الإنسانية ( تحل الأخلاق محل الدين ؛ المنفعة ، التقدم ، التاريخ ذاته يحل محل القيم الإلهية ) . لا شيء تغير ، لأن نفس الحياة المرتكسة ، فنفس العبد الذي انتصر في ظل القيم الإلهية ، والذي ينتصر الآن بواسطة القيم الإنسانية . نفس الحمال ، نفس الحمار ، الذي ظل ينوء تحت ثقل البقايا الإلهية ، يستجيب لها أمام الله ، والذي يتعهد بذلك الآن وحده ، بمسؤولية ذاتية . لقد تم القيام بخطوة أخرى في صحراء العدمية ؛ ينشد المرء معانقة الواقع بأتمه ، لكنه يعانق فقط ما تتركه القيم المثلى ، بقية القوى الارتكاسية وإرادة العدم . فلهذا السبب نجد أن نيتشه ، في الكتاب IV من زرادشت ، يرسم البؤس الكبير لمن يسميهم ” الأناس الأعلون ” . يرغب هؤلاء في استبدال الله ، يحملون القيم الإنسانية ، وحتى أنهم يعتقدون العثور على الواقع من جديد ، استرجاع معنى الإثبات . على أن الإثبات الوحيد الذي يبرعون فيه ، هو فقط ال” نعم ” الحمار ، I ـ أ ، القوة الارتكاسية التي تضطلع هي ذاتها بنتائج العدمية ، والتي تؤمن بقول نعم كلما حملت لا . […]

القيم القائمة

يعتبر موت الله إذا حدثا ، لكنه ينتظر لا يزال معناه وقيمته . طالما أننا لا نغير مبدأ التقييم ، طالما نستبدل القيم القديمة بقيم جديدة ، مع وسم تدابير بين القوة الارتكاسية وإرادة العدم ، لا شيء تغير ، إننا نخضع على الدوام لسيادة القيم القائمة . نعلم جيدا أنه توجد قيم تولد شائخة ، والتي منذ ولادتها ، تثبت انقيادها ، امتثاليتها ، عدم قدرتها على بلبلة هذا الوضع القائم . ومع ذلك ، عند كل خطوة ، تتقدم العدمية أكثر ، يتكشف البطلان بشكل أفضل . لأن ما يبرز في موت الله ، هو أن تحالف القوى الارتكاسية وإرادة العدم ، [تحالف] الإنسان الارتكاسي والإله العدمي ، هو بصدد التحطم : رغب الإنسان في الاستغناء عن الله ، على ذات الشاكلة مع الله .

إن المفاهيم النيتشوية هي مقولات اللاشعور . ما يهم ، هو أن الطريقة التي تتلاحق من خلالها المأساة في اللاشعور : حينما ترغب القوى الارتكاسية في الاستغناء عن ال” إرادة ” ، فإنها تتدحرج شيئا فشيئا في هاوية العدم ، في عالم مجرد شيئا فشيئا من القيم ، الإلهية أو حتى البشرية . عقب الأناس الأعلون ، يظهر الإنسان الأخير ، ذلك الذي يقول : كل شيء هباء ، ويحتمل أن ينطفئ سلبيا ! عدم إرادة بدلا من إرادة عدم ! بيد أن ، فضل هذه القطيعة ، إرادة العدم تنقلب بدورها ضد القوى الارتكاسية ، تتحول إلى إرادة نكران الحياة الارتكاسية ذاتها ، وتوحي للإنسان بالرغبة في تدمير نفسه بسرعة . ما بعد الإنسان الأخير ، ثمة الإنسان الذي يرغب في الهلاك . وعند نقطة اكتمال العدمية ( منتصف الليل ) ، كل شيء جاهز ـ جاهز من أجل تحول ما .

التحول

يتم تعريف كل القيم هكذا : صيرورة فعالة للقوى ، انتصار إثبات في إرادة القوة . […] تتعارض نعم زرادشت مع نعم الحمار ، مثلما تتعارض ابتكر مع حمل . تتعارض لا زرادشت مع لا العدمية ، كما تتعارض العدوانية مع الضغينة . يشير التحول إلى قلب روابط إثبات ـ نفي . على أنه يُلاحظ أن التحول لا يكون مكنا إلا في نهاية العدمية . ينبغي الذهاب حتى آخر الناس ، ثم إلى الإنسان الذي يريد أن يهلك ، لكي يصبح السلب ذاته فعلا ثم ينتقل ، منقلبا أخيرا ضد القوى الارتكاسية ،  إلى خدمة إثبات أعلى ( وبالتالي صيغة نيتشه : العدمية المنهزمة ، لكنها منهزمة من تلقاء نفسها ) .

    يعتبر الإثبات أعلى درجات قوة الإرادة . لكن ما الذي تم إثباته ؟ الأرض ، الحياة … لكن ما هو الشكل الذي اتخذته الأرض والحياة ، حينما تكونان موضوعا للإثبات ؟ […] تحت نفوذ العدمية ، تكون لها دوافع مشاعر سوداء : ” استياء ” ، فلا يُعرف أي الكرب ، أي قلق العيش ـ إحساس غامض للذنب . خلافا لذلك ، فإن صورة التحول الأولى تسمو بالمتعدد والصيرورة إلى قوة قصوى : إنهما يجعلان منها موضوعا لإثبات . وفي إثبات المتعدد ، ثمة الفرح العملي للمختلف . يظهر الفرح ، كباحث وحيد للتفلسف . تقويم المشاعر السلبية أو الانفعالات الحزينة ، هذا هو الخداع الذي تشيد عليه العدمية سلطتها . لقد سبق للوكريسيوس ، وسبينوزا كتابة صفحات قطعية في هذا الصدد . فقد كانا قبل نيتشه ، يتصوران الفلسفة كقوة إثبات ، مثل مقاومة عملية ضد المخاتلات ، مثل إبعاد السلبي . )

    يتم إثبات المتعدد بوصفه متعددا ، يتم إثبات الصيرورة باعتبارها صيرورة . وهو القول في نفس الوقت أن الإثبات متعدد في ذاته ، أنه يصبح هو ذاته ، وأن الصيرورة والمتعدد هما نفسيهما إثباتان . ثمة ما يشبه لعبة مرآة في الإثبات مفهوما جدا . ” إثبات سرمدي … إنني سرمديا إثباتك !

نيتشه  حقوق النشر والتأليف بوف ، 1965

ــ

جيل دولوز (1925 ـ 1995 ) فيلسوف فرنسي . لقد كتب تباعا حول الأدب ( بروست ، بيكيت ) ، السينما ، فن التصوير ( باكون ) وحول الفلاسفة ( نيتشه ، سبينوزا ، برغسون ) .

نيتشه ،PUF 1965

مجلة لوموند عدد ممتاز .

Le Monde hors série , édition 2019 . Friedrich Nietzsche , L’éternel retour

فلسفة جيل دولوز

‏4 أسابيع مضت ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

سعيد بوخليط ترجمة: سعيد بوخليط 1-مسافر،دائم الاستقرار : النفاذ إلى فكره،يشبه الولوج إلى غابة كثيفة،فمثل كثير من الأنواع المتوحشة،يزخر فكر دولوز بمفاهيم عديدة وكلمات متميزة، بأقصى درجات غرابتها : “اللا- تجذر”، “اللا- إقليمية”،”جسد، بلا أعضاء” ،”آلات راغبة”، “صيرورة حيوانية”،إلخ. دولوز،الذي يمثل ظاهرة المشهد الفكري خلال القرن العشرين،ينظر إلى الفلسفة بمثابة …أكمل القراءة »

كلمة نيتشه”مات الإله”: قراءة جيل دولوز وتأويل فتحي المسكيني

20 أغسطس 2020 جرائددراسات وأبحاثفلاسفةمفاهيم 0

بقلم: ادريس شرود “صيغة ’’الله مات’’ ذات طبيعة مختلفة تماما. إنها تجعل وجود الله يتبع تأليفا، تقوم                             بتأليف فكرة الله مع الزمن، مع الصيرورة، مع التاريخ، مع الإنسان”   جيل دولوز                            “إن زرادشت نيتشه، النبي ما بعد الديني، يبدو لنا فجأة خيارا أخلاقيا مستحيلا” فتحي المسكيني تقديم     لازالت صيحة نيتشه “مات الإله” …أكمل القراءة »

في الحاجة إلى الفلسفة: جيل دولوز وإبداع المفاهيم

7 يونيو 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

بقلم: ادريس شرود                       “كلما تم إبداع المفاهيم في مكان وزمان ما، فإن العملية المؤدية إليه ستُسمّى دائما فلسفة” دولوز- غتاري مقدمة – سؤال: ما رأيك في “الفلاسفة الجدد”؟ – جواب جيل دولوز: “لا شيء. أظن أن تفكيرهم بدون قيمة”. سيثير هذا الجواب ردود فعل متنوعة من طرف جيل جديد من الفلاسفة خاصة في فرنسا، توحّدت جلها حول …أكمل القراءة »

المفهوم الفلسفي عند جيل دولوز

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب زهير قوتال المفهوم الفلسفي عند جيل دولوز، زهير قوتالباحث جزائري، يحمل شهادة دكتوراه في الفلسفة من جامعة باتنة في الجزائر. هو أستاذ الترجمة في جامعة سطيف، وأستاذ الفلسفة والمنطق الرمزي في جامعتي باتنة وسطيف الثانية. له العديد من البحوث والمقالات في …أكمل القراءة »

“فن الرسم بين فرانسيس بيكون وبول سيزان”، تأليف: جيل دولوز

11 سبتمبر 2018 ترجمةفلاسفة 1

ترجمة وتقديم: كمال بومنير جيل دولوز Gilles Deleuze فيلسوف وناقد أدبي فرنسي معاصر، وُلد بمدينة باريس عام 1925. كان متأثرا إلى حد كبير بنيتشه وبرغسون وسبينوزا، ولكنه استطاع أن يشق لنفسه خطا فلسفيا أصيلا ومتميزا على الساحة الفلسفية الفرنسية منذ الستينيات من القرن العشرين، وهذا ما يظهر بجلاء بالنظر إلى …أكمل القراءة »

كيث انسيل بيرسون: الشارد و إغراءات المتاهة_ دولوز وتاريخ الفلسفة

23 أبريل 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

Keith ansell Pearson*      ترجمة : ربيع جواد  إن لحرف العطف ” و ”  مهمة الربط التي لا يمكن اعتبارها بريئة أو مجرد توافق رومانسي . إنها علاقة على المحك دوما، هكذا هي الإشارة و اللعبة التي صنعها دولوز في نص ” نيتشه و الفلسفة ” حيث كل إمكانات فلسفته …أكمل القراءة »

الإيتيقا في الفلسفة المعاصرة: فوكو، دولوز، باديو، يوناس، جون راولز

19 مايو 2018 دراسات وأبحاثمفاهيم 0

من الأخلاق إلى الإيتيقا:  قراءة في المنعطف نصر الدين شنوف – الجزائر إن المتتبع لمسارات الدرس الفلسفي المعاصر لن يخفى عنه بلا شك ذلك الانعطاف الحاسم الذي سلكته الفلسفة المعاصرة ” المنهج والموضوع ” بمخصوصيتها وتفردها، فلم تعد الفلسفة مثلما كانت مع اليونان ذو طابع تجريدي صوراني، ولم تبقى حبيسة …أكمل القراءة »

الدرس الفلسفي ومتعة المفهوم

19 مايو 2019 ديداكتيك الفلسفةعامةمقالات 0

ظلت الرؤية البيداغوجية وإستراتيجية تقديم الدرس الفلسفي الممتع ردحا من الزمن تنطلق من رؤية جزئية أحدية متعالية ضيقة، أو ربما تعاملت مع الدرس الفلسفي من خارجه بناء على معطيات نفسية مزاجية وقوالب اجتماعية جاهزة، وتكوين جامعي لا يرقى إلى مستوى إعداد ذلك الطالب “مشروع الأستاذ المبدع ” المتحكم في تقنيات تسيير الصف وتقديم درسا فلسفيا ممتعا، على طريقة صاحب كتاب “ماهي الفلسفة” جيل دولوز(1925- 1995 ) الذي يعتقد أن “الفلسفة هي فن تشكيل وإبداع وصنع المفاهيم، إذ أن المفاهيم لم تكن مفردات للحقيقة، بقدر ما تصير أدوات أو مفاتيح تتعامل مع أجواء الحقيقة.[1]”أكمل القراءة »

المعنى خلف الفلسفة

‏6 أيام مضت أخرىبصغة المؤنثعامةمفاهيم 0

سمية منيف العتيبي حين يقول جون لوك في كتابة “مقالة في الفهم الإنساني” أن الوعي هو ما يصنع الهوية الذاتية للفرد فهو يتحدث عن ما يميز فرد عن آخر ، أما حين ننظر للإنسان و الكائنات الحية الأخرى فقد يتساوى الإنسان في بعض مستويات الوعي مع الحيوان لكن يظل وصول …أكمل القراءة »

بيتر سلوتردايك: جيوردانو برونو

‏7 أيام مضت بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي ترجمة حصرية لكوة    من بين المجموعة اللامعة لفلاسفة النهضة الذين تولوا قيادة بواكير الفكر الأوروبي الحديث بعيدا عن الهيمنة الجبارة للمدرسية المسيحية تبرز بشكل بديع الجثة المفحمة لجيوردانو بورنوGiordano Bruno . منذ مصرعه على الخازوق في روماRome  في شهر فبراير من سنة 1600 ما …

شاهد أيضاً

بيير ديلو: الإنترنت.. أو في روح العالم

الحسين أخدوش  Pierre Dulau [1] ترجمة الحسين أخدوش افتتاح الشّاشة المصطلحات: نّوافذ  «windows»، سّافاري «Safari»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *