الرئيسية / ترجمة / فريديريك غرو: شجاعة الحقيقة من سقراط الى كانط

فريديريك غرو: شجاعة الحقيقة من سقراط الى كانط

ترجمة : محمد ازويتة

مدخل

في غمرة حدث الفيروس التاجي ، يفرض سؤال الحقيقة نفسه على الجميع . لا يتعلق الأمر بسؤال المعرفة ( العلماء و الباحثون ، المؤسسات العلمية و المختبرات … ) ، و لا بسؤال السلطة ( كيف يتم تدبير الجائحة ، بأية طرق ، وفق أي نظام للحقيقة …) ،  و لكــــــــــن بسؤال الايتيك ، إيتيك شجاعة الحقيقة ( من يستطيع قول الحقيقة ، ما هي صفاته و مؤهلاته … ).                                                             

في هذا النص نستحضر مع فريديريك غرو ، و استنادا الى التجربة اليونانية ،  ايتيك  ” شجاعة الحقيقة ” ،  كما بلوره الفكر الفلسفي مع سقراط  ، قبل أن يتبلور مع كانط ، من خلال الأنوار كموقف نقدي ، شعاره ” لتكن لك الشجاعة على استخدام عقلك ،  رهانه ” الخروج من حالة القصور” .

النص

قد يبدو من الغريب استحضار ” شجاعة الحقيقة ” ، لأن الشجاعة تتحدد عادةً على أنها قدرة على تأكيد قوة جسد المرء و شجاعته النفسية في مواجهة الأخطار أو التهديدات ، و حتى بمواجهات فعلية . الشجاعة ، داخل علاقة القوة  ، هي تثبيت الذات على الصمود  . قد يبدو الحديث عن شجاعة الحقيقة  متناقضًا ، و ذلك لسببين  . بداية ، لأن الحقيقة ، البحث عنها كالاستدلال عليها أو الإخبار بها ، تفترض عادة أن نكون خارج علاقة القوة . ثانيا ، أن الحقيقة  تتطلب أكثر من الشجاعة : الذكاء ، الوضوح  ، الصرامة و حدة النظر .  ومع ذلك ، فإن  فكرة “شجاعة الحقيقة ” هذه قد تم الدفاع عنها ، توضيحها ودراستها من قبل ميشيل فوكو ، الذي جعلها عنوانا عاما لدروسه بكوليج دو فرانس لسنة 1984 (1) .  قبل دراسة القيمة و الرهانات  المتعلقة بمثل هذا المفهوم ، يمكننا إعطاء بعض المؤشرات العامة حول العلاقة بـــــين الشجاعة والفلسفة .

هناك تاريخ للشجاعة (2) ، بالمعنى الذي أشار فيه هذا المصطلح إلى الوضعيات و المواقف المختلفة . في المجال العسكري ، فإن أشكال الشجاعة قد تغيرت وفقًا للثورات التقنية والإستراتيجية : نظام الجنود ، ظهور الأسلحة النارية ، الحروب الثورية ثم الشاملة ، حروب التمرد ، تطوير الأسلـــــــــــــــــحة النووية .

 أريد ببساطة  التذكير هنا بلحظة انتقالية ، مهمة لأنها لامست عن قرب الفلسفة ، حيث احتفظت نصوص أفلاطون بذلك . أصر مؤرخو اليونان القديمة على القطيعة  الذي مثلها اختراع الكتيبة [3] . فبدء من القرن السابع قبل الميلاد ، وظفت المدن اليونانية طريقة قتال ذات فعالية هائلة ، وهو ما يفسر إلى حد كبير انتصار الإغريق ، ولكن عددهم أقل بكثير ، على الفرس فيMarathon . يجب أن نتخيل الجهاز التالي : يحمل كل جندي درعًا مستديرًا كبيرًا (hoplon) مدعومًا بساعده الأيسر ، والذي يحمي به جانبه الأيسر والجانب الأيمن من جاره ، ويحمي درع جانبه الأيمن من الجندي الموجود على الجانب الآخر . يمسك بيده اليمنى رمحًا طويلًا يكون مفيدًا له عندما تصبح المشاجرة أكثر ارتباكًا . يرسم جنود المشاة خطًا مضغوطًا ويتم ترتيبهم في تشكيلات ضيقة من عدة صفوف   ، بحيث يتم استبدال الكتيبة المتساقطة على الفور بالخط الذي يقف خلفها . ما يقدم نفسه ، في مواجهة الأعداء المشتتين ، هو جدار دفاعي وهجومي في آن واحد ، يعارض تماسكًا لا تشوبه شائبة ولا هوادة فيه لهجوم العدو .

الثراء الرمزي لهذا الجهاز هائل .  يؤدي هذا إلى بعض المساواة بين جميع المقاتلين  . لم يعد هناك أبطال ، ولا تفردات ، بل أفراد يشكلون كتلة موحدة ، قطب موحد . كل قوة جهاز الحرب مصدرها  التماسك والانضباط . لا يتعلق الأمر بلعب الجندي دور  البطل واستفزاز الخصم ليصنع لنفسه اسمًا في قتال فردي . لأنه إذا خرج عن الصفوف ، فإنه يعرض شريكه على الفور للخطر. يجب على الجميع الاحتفاظ بأماكانهم والاهتمام بشكل خاص بالتحرك بنفس الوتيرة ، مثل أي شخص آخر . نفس هذه المساواة و هذا الاهتمام بالآخرين ، الشعور الجماعي يشكـــــــــلان أسس الديمقراطية  . النموذج الحربي  له أيضا قيمة سياسية.

من خلال هذا النظام الجديد ، عرف تحديد الشجاعة تغييرا كاملا . في السياق الهوميري ، في معارك الإلياذة ، كانت الشجاعة مسألة حماسة . كانت تعني تلك الطاقة التي تخترق البطل ، و التي لا تمنعه فقط  ​​من الاضطراب و التردد ، بل تدفعه بشدة إلى المعركة . يفرض نموذج الكتيبة قيماً أخرى . لم تعد الشجاعة مثل الغضب الإلهي ، والرعب البطولي ، الذي يقترب من العمى الذي يؤدي إلى فقدان كل وعي بالخطر . إنها الشجاعة كقدرة على الصمود والحفاظ على الإيقاع والتماسك حتى النهاية . الشجاعة إذن كصبر وكتحمل . كان على هذه القيم العسكرية الجديدة أن تذهب إلى أبعد من مجال ظهورها . يمكننا الاستشهاد على سبيل المثال بالتأمل الذي قدمه سقراط أثنـــــــــــــــــــــاء محاكمته [4] . عرض عليه القضاة الهروب من عقوبة الإعدام بشرط أن يتوقف عن الالتحاق بالأغورا Agora لاستجواب المارة ، و حثهم على الاهتمام بذواتهم  . لكن سقراط سيرد بأنه سيكون جنديا سيئا إذا سمح لنفسه بالخوف من التهديدات بالقتل وتخلى عن المهمة التي أسندها الله له . إن أخلاق الجندي هي التي  يعارض بها ، لكي يشرح للقضاة رفضه تقديم أي تنازلات : الصمود . يمكن العثور على تطور ثانٍ للشجاعة في ما يسميه المسيحيون la patientia الصبر ، فضيلة الشهيد . هنا  أيضا  ، بالنسبة لجنود المسيح هؤلاء ، كان الأمر يتعلق بالصمود  وعدم الاستسلام لآلام الموت ، وعدم التخلي عن قناعاتهم  .                                                           

 كان من المفيد التذكير بهذا السياق اليوناني ، لأنه شكل خلفية ثقافية مهمة لفهم عمل فوكو حول فكرة شجاعة الحقيقة . سأستخلص انطلاقا من دروسه بكوليج دو فرانس لسنة 1984 أربعة معلومات  (5) : الشجاعة الديمقراطية للحقيقة ، الشجاعة السقراطية للحقيقة ، الشجاعة الكلبية للحقيقة ، وأخيرًا ، شجاعة الحقيقة  كجوهر للأنوار مع كانط  .

هناك عدد من الأسس الواضحة للديمقراطية : المساواة بين الجميع أمام القانون ، حرية التعبير ، احترام الحقوق الأساسية وكرامة كل  فرد … هذه الأشياء معروفة ، لكن فوكو ، في كوليج دو فرانس   أحدث  المفاجأة ، عندما كشف عن ركيزة منسية أو مخفية ، بعزم  ، للديمقراطية اليونانية ، و المقصود : la Parrêsia  .  مصطلح يوناني يصعب ترجمته . فهو يعني اشتقاقيا قول كل شيء . قول كل شيء ، دون إخفاء أي شيء من فكره ، دون رياء أو دون دوافع خفية  . لكن ” قول كل شيء”  لل Parrêsia مشتق من  الصراحة أكثر مما هو مشتق من الصدق . إنه سياسي أكثر منه أخلاقي . إنه قول لكل شيء الذي لا يخشى العار بل الجبن . فالذي يلزمه قول كل شيء ليس المخطئ أمام معترفه أو الولد لوالديه . إنه السياسي في المجلس أو البرلمان ، الذي يجب ألا يخفي عن رفاقه أي شيء ، سواء عن خطورة الوضع الحالي أو صعوبة الخيارات التي يتعين اتخاذها . الشجاعة ركن أو ركيزة الديمقراطية ،  بدونها تتدهور كل ديمقراطية ، تفسد وتغرق في الغوغائية و الديماغوجية . إن عدو ال Parrêsia ،  هذا الامتلاك للكلام الصريح المباشر   ، هو المخادعة ، بلاغة الديماغوجي الذي لا يتوقف عن إخفاء قناعاته (بقدر ما لديه) و ارتباطه  بشكل خاص بالانحياز الى الآراء المهيمنة و التشبت بها .

ومع ذلك ، يجب تحديد سبب ارتباط  ” قول كل شيء” ،  ” قول الحقيقة ” بدون إخفاء أو التفاف ، بفضيلة الشجاعة . تفترض ال  Parrêsia  مسبقًا المخاطرة و المجازفة ، تعريضًا معينًا لغضب الآخر ، نظرًا لأن الأمر يتعلق تحديدًا بصياغة أطروحات تتعارض مع الجمهور . هذا هو المثال الذي تناوله فوكو ، عن بريكليس  Périclès الذي ، خلال الحرب Peloponnèse (6)  ، خاطب شعب أثينا لإسماعهم الحقائق المؤلمة . رفض بريكليس إرضائه و فضل المخاطرة بإثارة سخطه ، غضبه وكرهه . تحدث إلى الناس بخطابات صادمة يجب سماعها و عدم  التنازل عنها . الشجاعة في الديمقراطية هي التحدث بدقة و صراحة  عما ليس متوافق بشأنه . لا يتعلق الأمر بالبحث عن التراضي ، ولكنه بالعكس عما هو مزعج  . لا يتعلق الأمر بالبحث عن  اتفاق أو إجماع  أوسع ، ولكن على العكس إرباك و زعزعة  آراء الأغلبية المزعجة و المسلمات المريحة  .

مثال سقراط ، الذي رأيناه بالفعل من قبل ، يمكن أن يتخذ نموذجًا للشجاعة الحربية لوصف التزامه الفلسفي ، بالنسبة لفوكو ، الشخص الذي سيحول ال Parrêsia السياسية إلى ال Parrêsia الايتيكية . توجه بريكليس ، في خطب مختلفة ، لمجموع المواطنين المجتمعين في المجلس . لم يتوقف سقراط أبدًا عن السير في شوارع أثينا وساحاتها للقاء محاوريه ، و التساؤل حول قناعاتهم و معارفهم . تغير الإطار ، الشكل و الموضوع  . بالأمس ، المجلس السياسي ، الخطاب العظيم ، الشعب الموحد . في الحاضر ، الساحة العامة ، الاختبار مـــــن خلال الحوار ، روح الفرد  . وهكذا أخذت شجاعة الحقيقة ، مع سقراط ، شكلاً آخر يتضمن بالنسبة للفلسفة بُعدًا أصليا .

عندما خاطب سقراط محاوريه ، في حوارات متعددة أعطانا أفلاطون فكرة عنها من خلال عمله ، أثار بسرعة عدم ثقتهم ،  انزعاجهم و في ما بعد  غضبهم (  إهانات كاليكليس في ” جورجياس ” (7) ، و تراسيماك في ” الجمهورية ” (8)  . علاوة على ذلك ، يمكن للمرء أن يفهم ذلك تقريبًا ، حيث أصبح الجميع معتادًا على عدم التساؤل عن قناعاتهم والتصالح مع تناقضاتهم. هناك أيضًا شجاعة الحقيقة السقراطية : قبول الفحص الشامل لما يتلقاه المرء كمسلمات ،  والذي ربما يكون مجرد أوهام ، والتساؤل عن  الانسجام الذي يجب أن يوضع بين أقوال المرء وأفعاله  ، كلماته و ممارساته  وإيماءاته (9) .  فشجاعة الحقيقة ، التي كانت تمارس في المجلس ، ستأخذ مع سقراط شكلاً إيتيكيًا ، بين الأفراد . الشكل الذي سيتم العثور عليه لاحقًا ، خلال الفترة الهلنيستية والرومانية ، داخل ممارسة توجيه الوجود أو الحياة مع  الرواقيين أو الأبيقوريين  . سيتعين على معلم الحياة بعد ذلك أن يُمثل عمليا دليلا على نوع من الصراحة  ، شجاعة للحقيقة  . إذا أراد أن يوجه ، يحرر ، يشفي و يصلح ، فعليه أن يشجب بوضوح ومباشرة أخطاء تلميذه أو مريده  ، عواطفه القبيحة وعاداته السيئة ، و أن يقبل مقدمًا خطر إثارة سخطه أو غضبه (10) .

يمكن لشجاعة الحقيقة  هذه ، بعد بريكليس وبعد سقراط ، أن تأخذ شكلًا ثالثًا قديمًا مع الكلبيين ، وهو شكل مشوش للغاية (11)، ما كان يطلق عليه في الماضي ” بالكلبية ” يكاد لا علاقة له مع المعنى الحالي  .  في الحاضر  ، يُقصد بالكلبية السعي وراء المصلحة الذاتية التي تتجاهل جميع القيم الأخلاقية والإيثارية ، والتي لا تكلف نفسها عناء إخفاء نفسها ، ولكنها تتباهى بنفسها بلا خجل . كان كلبيو العصور القديمة فاضحين و مستفزين  أيضًا ، و لكن ليس للأسباب نفسها . كانت مهمتهم هي رفض ، إرباك و التنديد  بالاتفاقيات السخيفة ، النفاق الاجتماعي والتنازلات التي يرغب الجميع في قبولها ، لكنهم استنكروها من موقف خارجي جعلهم منيعين لأي خضوع . لذلك كانوا يعيشون مثل الكلاب (ومن هنا جاءت التسمية kunikos ، التي تشكلت من المصطلح اليوناني الدال على الكلب) : مشردة ، بائسة ، ضالة . كانوا ينتقلون من مدينة إلى أخرى مع ثروتهم الممثلة في العصا ، الحقيبة المتسخة والعباءة القديمة التي كانت بمثابة غطاء . أقاموا في الساحات العامة ، ومن هناك بدئوا في تأجيج الجمهور ، منتقدين كل الذرائع ، مستنكرين غرور الممتلكات المادية والوضعيات الاجتماعية ، حيث سجن كل فرد نفسه في تمثلات حمقاء ، وفضيحة عدم المساواة أو الفساد السياسي  . لكن أسلوب حياتهم هو الذي سمح لهم بهذا الكلام القاسي والاستفزازي . منحهم هذا الوجود الفاضح الحرية السيادية والاستقلال التام . لم يكونوا أسرى لأي رابط اجتماعي ،  و هو ما سمح لهم بانتقاد كل شيء ، دون أن يتمكن أحد من لومهم على تناقضهم . هنا ، يمكننا تخمين طريقة ثالثة لشجاعة الحقيقة ، مبنية على اختيار جذري للوجود. ذلك أنه مع الكلبيين ، ستبنى  شجاعة الكلام  الصريح و النقدي على الشجاعة العملية  : وجود ريفي ، قاس و شبه حيواني ، وجود يقبل و يتطلب الحرمان الكامل كشرط للحرية المطلقة ، يتم التعبير عنها من خلال الصراحة التي تضع كل واحد في مواجهة  تناقضاته و توافقاته  الضيقة .

هناك صورة رابعة  ، متأخرة ، لشجاعة الحقيقة  . علق فوكو ، في عدة مناسبات (12) ، على نص كانط  بعنوان “ما هي الأنوار؟ ” (13) . في هذا النص ، يقول كانط شيئًا بسيطًا للغاية : ما نسميه  بالأنوار هو العمل الشجاع . بأية شجاعة يتعلق الأمر ؟ .  هل هي الحركة ، الخروج ، الانفلات . إنها الحركة التي يتجاوز بها المرء إراديا  حالة القصور ، حالة التبعية المريحة . القصور هو الحالة التي يُقال لنا فيها ، نصف لكم و نأمركم  بما يجب عليكم القيام به ، التفكير فيه  والاعتقاد به ، كل ما  يقيدكم  و لكن يخفف عنكم عبء تحمل المسؤولية .

فكر انطلاقا من ذاتك ، دون ضرورة مواءمة آرائك مع آراء كتاب أو سلطة ؛ تصرف وفقًا لضميرك ، دون اتباع توجيهات معلم الضمير أو المرشد  بشكل أعمى ؛ امنح نفسك قواعد الحياة والنظافة ، دون السماح لطبيب باختيار حياتك : إنها الدخول في الأغلبية . الكتاب ، المرشد  ، الطبيب : هذه هي الأمثلة الثلاثة التي تناولها كانط في نصه القصير  .  نرى أنها جميعها تلتقي في مفهوم واحد : الاستقلالية . ما هي الأنوار؟ ، إنها شجاعة التفكير من خلال ممارسة حكمك الخاص ، التصرف من خلال ما يقوله فقط ضميرك و منح نفسك الانضباط في الحياة . من الواضح أن العنصر الأول مركزي ، لأنه من خلاله  يتم توظيف العنصرين الآخرين . لذلك ، فالأنوار ليست مرحلة من التاريخ (حتى لو كانت كذلك) ، تيارا فلسفيا ، تطورا للعقليات . إنها ، كما يقول فوكو بعد كانط ، موقف ، وضعية ، علاقة معينة من الذات الى الذات و قرار  ايتيكي  . نجد ، كما هو بالنسبة لل Parrêsia ، نفس عنصر الشجاعة ، مرة أخرى محول . كانت Parrêsia ، في نسختها القديمة ، كلاما حرا موجها للآخرين ، من خلاله يجازف المرء ، من خلال فضح قناعاته دون تزويق ، بالإهانة ، والإزعاج ، والإرباك . هذه المرة ، مع كانط ، يتم استيعاب و استبطان شجاعة الحقيقة . ليس الآخر هو من أستفز ، و لكن ذاتي  أنا. وأنا أقبل أن أنزعج في يقينياتي ، و أن أجبر نفسي على أن أكون المسؤول  الوحيد لأحكامي .

لقد انطلقنا من صورة للشجاعة ، هي في نفس الوقت عسكرية و تاريخية  : الشجاعة العسكرية كقدرة على الصمود والبقاء ، و الحرص على النظام و القدرة على التحمل . لقد ثبت أن هذا التصميم غني بما يكفي ليكشف عن نمط ثابت من المعنى : شجاعة الحقيقة . ذلك أن البحث عن الحقيقة يتطلب أكثر من مجرد الثقافة أو الذكاء  . يمكن أن توجد أيضا شجاعة للروح .  ليس فقط للدفاع عن قناعات ما  لتجاوز العقبات ، ليس فقط مواصلة البحث رغم  الصعوبات و المتاهات ، ولكن أيضًا قبول رؤية المسلمات تنهار ، و إعادة مساءلة  اليقينيات الراسخة . إنها أفعال للشجاعة . أن تفكر من خلال ذاتك ، أن تكون مسؤولاً عن أحكامك ، أن تكون آمرا لنفسك ، أن ترفض الخضوع للآراء المهيمنة ، أن ترفض دعامات الحقائق المكتسبة  ، أن تعطي دليلا على  الشجاعة . كما هو الحال مع الشجاعة الجسدية أو العسكرية ، فإن الأمر يتعلق بالفعل بمواجهة السلبية ، ولكنه أيضًا بكشف نفسك . من خلال الجرأة على التفكير بنفسك ، فإنك تعرض نفسك للنقد والأخطاء والإدانة . كان لفيتجنشتاين هذه الكلمة  : كان برويرBreuer أذكى من فرويد ، لـــــــــــــــكن فرويد كان أكثر شجاعة (14) .

الهوامش

 [1]ميشيل فوكو ، شجاعة الحقيقة ،. Frédéric Gros، Paris، Gallimard-Le Seuil-Hautes Études، 2009.

[2]راجع على سبيل المثال Thomas Berns، Laurence Blésin، Gaëlle Jeanmart، Du courage: une Histoire Philique، Paris، Les Belles Lettres، 2010.

[3]راجع حول هذه النقطة مقالة مارسيل ديتيين ، “الكتائب ، المشاكل والخلافات” ، في جان بيير فيرنا (محرر) ، مشاكل الحرب في اليونان القديمة ، باريس ، لو سوي 1999 ، وكذلك فيكتور- ديفيد هانسون ، النموذج الغربي للحرب ، باريس ، Les Belles Lettres ، 1990.

[4]أفلاطون ، أبولوجيا سقراط . ترجمة  لوك بريسون ، باريس ، غارنييه فلاماريون ، 1999.

[5]ميشيل فوكو ، حكومة الذات والآخرين ،. Frédéric Gros، Paris، Gallimard-Le Seuil-Hautes Études، 2008.

(6) تيوسيديد ” تاريخ الحرب البيلوبونيسية “، ترجمة  جاكلين دي روميلي ، باريس ، روبرت لافونت ، 1984.

[7]أفلاطون ” جورجياس ” ، ترجمة مونيك كانتو سبيربر ، باريس ، غارنييه فلاماريون ، 2007.

[8]أفلاطون ” الجمهورية “، ترجمة  جورج ليرو ، باريس ، غارنييه فلاماريون ، 2002.

[9]أفلاطون ، ” لا شيس ” ، ترجمة  لويس أندريه دوريون ، باريس ، غارنييه فلاماريون ، 1998.

[10]ميشيل فوكو ، تأويلات الموضوع ، أد. Frédéric Gros، Paris، Gallimard-Le Seuil-Hautes Études، 2001. النص القديم الأكثر كشفًا هو نص Galien، L’Âme et ses passions (ed. and translation. Vincent Barras، Terpsichore Birchler، Anne-France Morand، Paris ، Les Belles Lettres ، 1995).

[11] ميشيل فوكو ، شجاعة الحقيقة ، مرجع سابق .

[12]لأول مرة في مايو 1978 ، في مؤتمر لجمعية الفلسفة الفرنسية بعنوان “ما هو النقد؟ النقد و الأنوار ” .

[13]إيمانويل كانت ، ما هو التنوير ؟، طراد. جان فرانسوا بويرير فرانسواز بروست ، باريس ، غارنييه فلاماريون ، 2006.

[14]لودفيج فيتجنشتاين ، ملاحظات مختلطة ، طراد. جيرار جرانيل ، TER ، 1984 ، ص. 52. انظر هذا التفكير مرة أخرى في الصفحة. 32: “المحصلة النهائية ، في اعتقادي ، هي أن نشاط التنوير يجب أن يتم بشجاعة: إذا كان غير موجود ، فهو مجرد لعبة ذكاء. “.

فريديريك غرو: فوكو والحقيقة

11 يوليو 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة : محمد ازويتة ” و حتى لو قلت بأنني لست فيلسوفا ، فإن اهتمامي بالحقيقة يجعلني ، مع ذلك ،  كذلك ” . ” كتابات و أقوال ” ج 2 / ص 30 ـ 31 . مثل عمل ميشيل فوكو موضوعا  لتفسيرات متعددة وتعليقات عديدة داخل مجموعة متنوعة من …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن

19 مايو 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

فريديريك غرو ترجمة: جمال شحيد لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن: ويستحيل أن أتصرّف بطريقة مغايرة. هذه العلاقة واضحة وضوح الشمس. الذي يطيع على نحو مميَّز، هو العبد. وأقصد بالإذعان طاعة إكراهية خالصة: نطيع من يحمل في يديه السلاحَ والسوط، والقدرةَ على التحكّم بالوظيفة، بل بالحياة والموت. أي إننا نطيع ربَّ العمل …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: الكثير من الأمني يقتل الأمن

17 مايو 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

ترجمة الحوار : محمد ازويتة نحن فعلا في حالة حرب ، كما يشرح غرو  ، لكن احذروا  السقوط في المزايدة الأمنية . يمكن أن تكون مقاومة مناخ الرعب ايتيكية  بقدر ما هي عسكرية وسياسية ، ذاك ما يؤكده أستاذ الفكر السياسي فريديريك غرو ، الذي بالنسبة له  “يجب إعادة صياغة …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: في الحاجة الى إعلان عالمي لحقوق الإنسانية

23 مارس 2020 ترجمةكتبمفاهيم 0

ترجمة محمد ازويتة النص وارد في كتاب فريديريك غرو ” سؤال الأمن ” ، الذي ستصدر ترجمته قريبا عن المركز الثقافي العربي . مدخل: يعيش العالم اليوم بفعل التهديد المباشر لفيروس كورونا تحديا عالميا حقيقيا يهم الأمن الحيوي في نواته الأساسية أي الحياة الإنسانية . صحيح أن تحديات و عوائق …

دانييل لورينزيني: ايتيك العصيان من ثورو Thoreau إلى راولز Rawls وأرندت Arendt

‏7 أيام مضت ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة : محمد ازويتة ملخص أولاً ، يشير العصيان إلى حركة سياسية ليست في متناول الجميع ، ولكنها متاحة فقط للأفراد الذين هم جزء من”النقاش” الديمقراطي في بلادهم بموجب القانون – أي المواطنون.  ثانياً ، أن العصيان المدني هو ممارسة مدرجة بشكل أساسي في اللعبة الديمقراطية ، وهو شكل من …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏أسبوع واحد مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

روابط 76 مقالة نشرتها كوة حول كورونا

‏أسبوعين مضت أخرىعامةعلم الإجتماععلم النفسمتابعاتمفاهيممقالات 0

فريق كوة نقدم لكم هنا مجموع ما نشره موقعنا حول أزمة كورونا من مختلف المقاربات الفلسفية والسيوسيولوجية والنفسية والادبية والفنية… نجمعها في صفحة واحدة لتجنب عناء البحث في الموقع هل سنشهد”عالما جديدا” بعد فيروس كورونا؟ ‏5 دقائق مضت عامة, مساهمات, مفاهيم 0 أ.كرام ياسين أستاذ فلسفة بجامعة سطيف 2 – الجزائر-          وضع العالم …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة: 8 – خصوم القول الصريح

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثعامةفلاسفة 0

بقلم: ادريس شرود تقديم     أثار انتباهي وأنا أتناول في مقالات سابقة موضوع “شجاعة قول الحقيقة” عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو⃰ ، تطور معارضة تاريخية  ل”القول الحق، الصريح  والصادق والحر ” تزعّمها خصوم لهم علاقة فريدة مع “الحقيقة”، ومتميّزة مع “الآخر”، وأخصّ بالذكر سقراطSocrate  والفلاسفة السنيكيين les Cyniques. ذلك أن شخصيات مثل الخطيب/البلاغي والحكيم والنبي تمتلك تقنيات وطرائق في الكلام …أكمل القراءة »

دانييل لورينزيني: السياسة الحيوية في زمن الفيروس التاجي ( فيروس كورونا )

17 أبريل 2020 حواراتفلاسفةمجلات 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل : يندرج هذا المقال ضمن سلسلة الحوارات التي تمت بين عدد من الفلاسفة الغربيين المعاصرين بشأن إشكالية العلاقة بين الطب و السياسة ، ما أسماه فوكو بالسياسة الحيوية ، في ظل اجتياح الفيروس التاجي . إنه بذلك ” إضافة ” لما نشرته الباحثة عائشة نجار …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: في الحاجة الى إعلان عالمي لحقوق الإنسانية

23 مارس 2020 ترجمةكتبمفاهيم 0

ترجمة محمد ازويتة النص وارد في كتاب فريديريك غرو ” سؤال الأمن ” ، الذي ستصدر ترجمته قريبا عن المركز الثقافي العربي . مدخل: يعيش العالم اليوم بفعل التهديد المباشر لفيروس كورونا تحديا عالميا حقيقيا يهم الأمن الحيوي في نواته الأساسية أي الحياة الإنسانية . صحيح أن تحديات و عوائق …أكمل القراءة »

دانييل لورانزيني: الجنس كفن

15 مارس 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة: محمد ازويتة لماذا نترجم فوكو ؟ الغاية من نقل نصوص فوكو الى اللغة العربية ، و نشرها على موقع كووة الثقافي ، هي : أولا ، تعريف أكبر عدد ممكن من القراء باهتمامات الفكر الفلسفي الغربي في ما يخص القضايا و الاشكاليات التي يطرحها في ثقافته ، ثانيا ، …أكمل القراءة »

مارك هينيادي: من الاعتراف الى الحرية

10 مارس 2020 Non classé 0

هل مازال أكسيل هونيث Axel Honneth منتميا إلى مدرسة فرانكفورت ؟. مارك هينياديMark Hunyadi (1) ترجمة : محمد ازويتة تقديم يهدف هذا المقال إلى بيان أمرين :                                      ــ  الأول ، هو التحول المعرفي الذي طرأ على النظرية النقدية في ألمانيا . فبعد أن كان التمييز يتم بين مرحلتين  ــ …

ميشيل فوكو : التفريد و التجميع: في نقد العقل السياسي

4 مارس 2020 Non classéترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة : محمد ازويتة نشر المقال   في مجلة ( مناظرة ) نوفمبر 1986 . العدد 44  . وقد استندت هنا الى   (   أقوال و  كتابات) الجزء الثاني ” 1976 / 1988 . من  ص 953 إلى ص 980  . غاليمار طبعة  2001 تقديم أورد محمد عابد الجابري في مقدمة ”  …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: لنجعل من الحياة عملا فنيا

24 فبراير 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد ازويتة أنجزه : Edouard delruelle أستاذ الفلسفة الأخلاقية بجامعة لييج ببلجيكا في ابريل 1983 ، قام فوكو بزيارة دراسية إلى جامعة بركلي في كاليفورنيا . خلال إحدى جلسات العمل  سأله أحد الطلبة السؤال التالي :  ما هو نوع الأخلاق الذي يمكن أن نطرحه حاليا في عصرنا الحاضر ؟. كان …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: الجنون والمجتمع

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

تقديم و ترجمة : محمد ازويتة ” اختفى الجذام ، و توارى المصاب به أو كاد من الذاكرة ، إلا أن بنياته ستستمر . فستشهد الأماكن ذاتها نفس لعبة الإقصاء قرنيين أو ثلاثة بعد ذلك . فقد حل الفقراء و المشردون و الخاضعون للإصلاح و المرضى عقليا محل المصاب بالجذام …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة _ 6 _ القول الصريح عند المسيحيين

15 أبريل 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

بقلم: ادريس شرود مقدمة     يميز ميشيل فوكو بين أخلاق الإغريق وفلسفتهم، وتقنيات الذات والفحص الذاتي والمسؤولية الأخلاقية عند المسيحيين. فالناس في أخلاق الإغريق، كانوا يهتمون بسلوكاتهم الأخلاقية وعلاقتهم بذواتهم وبالآخرين أكثر من اهتمامهم بالمشاكل الدينية، بحيث كان موضوعهم الكبير هو تأسيس نوع من الاخلاق تكون بمثابة علم جمال الوجود. أما أخلاق …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: الذاتية و الحقيقة

21 فبراير 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

محمد ازويتة مقدمة المقال: تميز فكر فوكو في الثمانينات بانعطاف مفصلي ، محوره الانتقال من ذات تشكلت من خلال منظومة السلطة المعرفة الى ذات تشكلت من خلال العلاقة التي أقامتها مع الحقيقة ، إنه البحث في التذويت و في الأشكال التي اتخذها قول الحقيقة استنادا الى التقنيات التي تشكلت من …أكمل القراءة »

الباريسيا السنيكية (المقالة الثالثة)

31 ديسمبر 2019 دراسات وأبحاثمفاهيم 0

بقلم: ادريس شرود تقديم      تعتبر تجربة الفلاسفة السنيكيين وجها آخر للممارسة السقراطية للباريسيا وامتدادا للخطاب الفلسفي السقراطي، والصورة المعارضة للفلسفة الأفلاطونية. فهي تجربة مختلفة تقدّم كيفية أخرى في التفلسف وفي إدراك الحياة الفلسفية والممارسة السياسية. فإذا كان سقراط يدعو المواطنين الآثينيين إلى الإهتمام بأنفسهم حتى يتمكنوا من حكم أنفسهم والآخرين …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – القول الصريح عند سقراط وأفلاطون- (المقالة الثانية)

10 ديسمبر 2019 دراسات وأبحاثفلاسفة 0

بقلم: ادريس شرود تقديم     أعطى ميشيل فوكو أهمية للأعمال وللتحولات التي يتوجب على الذات القيام بها حتى تصير جديرة بأن تكون ذاتا صريحة وصادقة وحرة. فقد استنتج من الأبحاث التي قام بها حول كتابات بعض الفلاسفة اليونان والرومان أن العلاقة مع الحقيقة هي مباشرة أخلاقية وتتمظهر في تلك العلاقة المشروطة …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – الباريسيا أو القول الصريح الصادق والحر- (المقالة الأولى)

8 نوفمبر 2019 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

بقلم: ادريس شرود “لم يبق لنا على الأقل إذن باعتبارنا محكومين إلا  أن نؤكد بالطبع على الحق في طرح أسئلة الحقيقة” ميشيل فوكو تقديم     في آخر حوار لمشيل فوكو(1)، ميّز بين إيتيقا العصر القديم اليوناني والروماني والإيتيقا المعاصرة، ونفى وجود قواسم بينهما. على النقيض -يقول فوكو- حين نأخذ الأخلاق تحرير

دانييل لورينزيني: السياسة الحيوية في زمن الفيروس التاجي ( فيروس كورونا )

‏4 أسابيع مضت حواراتفلاسفةمجلات 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل : يندرج هذا المقال ضمن سلسلة الحوارات التي تمت بين عدد من الفلاسفة الغربيين المعاصرين بشأن إشكالية العلاقة بين الطب و السياسة ، ما أسماه فوكو بالسياسة الحيوية ، في ظل اجتياح الفيروس التاجي . إنه بذلك ” إضافة ” لما نشرته الباحثة عائشة نجار …

شاهد أيضاً

مفارقة التمثيلية والشعبوية

عز العرب لحكيم بناني عزالعرب لحكيم بناني كنت قد سمعت يوماً ما رأياً غريبا بخصوص …