الرئيسية / منتخبات / عامة / السياسة أفيون الشعوب

السياسة أفيون الشعوب

سامي عبد العال

سامي عبد العال

        هناك علاقة كيفية- لا نفتقدها من حين لآخر- بين المواد المخدرة والسياسة، فالاثنتان مرتبطتان بزيادة الأوهام اللذيذة وتناسلها، والاثنتان تجعلان تفاصيل الحياة سحاباً كالدخان دون رؤية حقيقيةٍ، وكلتاهما تذيبان الزمن ونقاطه الفاصلة كما تذيب الأخيلة جبالاً من الثلج حيث لا شيء ثابت. والأخطر أنَّهما تكونان على موعدٍ بتشكيل (ذهنية غرائزية) لدى الجماهير التي تتعاطى إفرازها. وتعد الاثنتان(المخدرات والسياسة) موضوعين للإدمان الذي يصعب التخلص منه. فمعروف أنَّ كثرة تناول المواد المخدرة يعني إدماناً غير  محدد النتائج وعلى الطريق ذاته تمثل السياسة مادة لإدمان سلطةٍ لا نتصور العيش دونها. فالسياسي هو المدمن الوظيفي لما يفعل ويزعم ويتوهم، نتيجة الآثار المترتبة على امتلاكه للنرجسية والإحساس بالذات والهيمنة على الآخرين وبلوغ نفوذه إلى أبعد مدى.

هكذا فإنَّ بعض الأحداث السياسية لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي، لأنَّها نوع من التسكين غير المباشر لآلام الواقع ومشكلاته. والظاهر أنَّ التماثل ليس هو الوارد فيما أسلفت فقط، بل تعدُّ السياسة مجالاً للأفكار المخدرة حتى بالنسبة لمروجيها أيضاً على غرار مقولة ماركس( الدين أفيون الشعوب). إنَّ حياة القهر التي تعيشها الشعوب تقع الأحداثُ في محيطها المفترض بالمعنى ذاته. ألم تترك المواد المخدرة أثراً يُفقِد مدمنيها أيَّ إحساسٍ بالواقع جنباً إلى جنب مع الايديولوجيات؟ ألم تُولِّد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! إذن.. ماذا لو كانت الأحداث السياسية ذاتها أفيوناً رمزياً بالنسبة لصانعيها ومتلقيها؟ وهذا يدل على أنَّ السياسة توظف الأحداث لخدمتها وترويج الصورة التي تريد إيصالها للمتلقي سواء أكان محلياً أم دولياً.

 على سبيل الشرح (بمناسبة هرولة التطبيع مع اسرائيل دون الحقوق)، يبدو أنَّ حدث نقل السفارة الأمريكية- في حينه- إلى القدس كان ومازال كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. لأنَّ رمزية القدس(أورشليم) تغذي التطلُع التاريخي لشعب الرب وتمثل مساحة احلام اليقظة في مملكة بني اسرائيل عبر منطقتنا الغائصة بالمطامع من كل حدبٍ وصوب. أورشليم على الأقل عقدة الدراما(المأساة) في التراث اليهودي الصهيوني. وإذا اقتربت كعاصمة- ولو قليلاً – بقرار أمريكي في القرن الواحد والعشرين، فإنَّها تداعب الوعي الشقي لشتات بني اسرائيل وتمسح عنهم بعضاً من الأدران التي لطالما حاولوا التخلص منها. كما أنَّ أورشليم بمثابة اليوتوبيا التي تغلق قوس التاريخ على الوعد الإلهي لهم بقيام الدولة والمجتمع.  

ولذلك كانت اسرائيل حريصة على وضع لافتة “الدولة اليهودية” من ضمن أولوياتها حتى أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين. فرغم أن اليهودية صفة تخص اسرائيل لا أحد سواها بحكم أنها إشكالية (جيوسياسية لاهوتية theo-geopolitical)، إلاَّ أنها تغاير مفاهيم الدولة المعاصر. وتضع اليهود كل يهود العالم في دائرة الاهتمام، وتشغل حق كل ما هو يهودي في سكنى اسرائيل وتستعيد التراث العبراني إلى واجهة المستقبل. حتى أن رؤساء وزراء اسرائيل يطلبون دون مواربة من الفلسطينيين الاعتراف بتلك الصفة لدولتها، كأن اليهودية هو الاعتراف بحلم التاريخ والسياسة الذي يجلب النعمة على شعب الرب.

 واسرائيل لو نلاحظ تستخدم المصطلحات بطريقة سياسية حتى الرمق الأخير، حتى تصبح واقعاً يمكن أن يجلب القوة الناعمة لمحيطها الفعال. فاليهودية ترتقي إلى مادة أفيونية تضيع مآسي شعبها طوال الوقت، باعتبارها من لحمة الأحلام اليومية التي يطمع الإسرائيلي في تحقيقها. فيكون مواطناً يهودياً في أية بقعة من الحياة في الكون وبالتالي يصبح تلقائياً مواطناً اسرائيلياً ويتقاسم مع شعبها الحلم ذاته ويتبني القضايا نفسها ويعادي الفلسطينيين أنفسهم ويكشر عن انيابه طالما رأى عربيا يمرق بجواره.  

وبالمثل جاءت اتفاقيات التطبيع بين اسرائيل وبعض الدول العربية كالإمارات والبحرين وغيرهما… بالأثر المخدر للطرفين في غمرة التصريحات والصور. حيث أخذت بغمر طرفيها في خطابات من الرضا الذاتي واشباع الكلام بمزيد من الغموض بشأن المستقبل وتبادل الزيارات والأفكار والوفود وعقد الصفقات. ولم تسلم الشعوب من اغراقها بالآمال المنتظرة – كما رُوّج لذلك- بفضل النتائج الحاصلة من السلام والتطبيع. وهذا أفرز جدلاً ذهب إلى حد اعتبار المنطقة العربية آمنةً ومستقرة وداعب خيال العروش الحاكمة بأن مستقبلها مزدهر وأن أولاد العم يعقوب( بني اسرائيل) لن يكيدوا ثانيةً لأبناء اسماعيل( العرب) كما هو حال السرد السياسي الشائع. على الأقل أبعد الوضع عن الأذهان- تدريجياً- فكرة المكيدة والمؤامرات التي تلصق بإسرائيل في اللاوعي العربي. وأن التطبيع معاً سيجعل زيتنا العائلي(العائلة الإبراهيمية) في دقيقنا( الأحداث السياسية+ المنطقة العربية)، ليخرج العجين على هيئة أقراص المحبة ونذور لآلهة السياسة.

وتغدو عمليات التطبيع مخدراً على أكثر من صعيد:

أولاً: التخلص من الصداع( الصراع) الاسرائيلي العربي، لأنَّ العروش العربية دخلته وهي كارهة لدورها المنتظر. وأقول إنَّها غير مؤهلة له نظراً لفقدان وزنها الثقافي والحضاري بالمرة. لأنَّه صراع محسوم لصالح اسرائيل في الوجود والحضارة والسياسة. فلم تجد بداً من اصطناع حدث يزيل العبء عن كاهلها ويجعل مخرجها دون خسائر أمام الشعوب.

ثانياً: المساواة الزائفة بين الأطراف العربية واسرائيل نتيجة الجلوس على طاولة التطبيع، وكأنَّ العرب يقولون ها نحن قد جلسنا على مائدة واحدة مع اسرائيل الغالبة والمتفوقة عسكرياً ودولياً، وها نحن قد تساوينا بها ولم نعد أقزاماً، وأن الفارق الحضاري والسياسي يمكن تعويضه بمجرد توقيع اتفاقيات التطبيع.

ثالثاً: الثأر الرمزي من العدو، فإذا كانت اسرائيل قوية في الرد على اعدائها بالمحيط العربي وإذا كانت حريصة على التفوق العسكري والمعرفي والتقني، فالعرب الآن يهرولون للتطبيع من باب تقبيل الأيدي التي لا يستطيعون قطعها( اليد التي لا تستطيع قطعها قبلها). والتطبيع بهذا هو الوليد البديل والمشوه الناجم عن هذا الثأر، لكنه وُلد كالابن السفاح الذي جاء في غيبة الوعي والوجود بالنسبة للعرب. وقد استدرجت إسرائيل سذاجتهم الحضارية إلى غرف خاصة أسمها مكاتب التمثيل الدبلوماسي والتبادل التجاري.

رابعاً: الهروب الأقل عناء نحو الأمام، التطبيع حيلة هروبية من مسؤولية الحرية والاستقلال كطرفٍ له وجود وعليه مسؤوليات تاريخية. التطبيع انجاز وهمي كالمدمن الذي يسافر عبر الآفاق وعبر الزمن وهو مازال في مكانه ويفعل ما لم يستطع فعله في حالة الوعي، إنها عملية الإدمان الشديدة التي تفقد المُطبع إرادته وإحساسه بالعالم والأشياء.

 خامساً: القتل الناعم لإرادة الشعوب وتزييفها، فهذا النظام العربي أو ذاك لن يكون دوما عند توقعات شعبه، لأن ممارسات اسرائيل ليست خافية عن أحد وتتابعها الشعوب العربية عن كثب، وعندما تطبع الأنظمة معها، فالأخيرة تقول لشعوبها: لن أكون عند مستوى التوقع، ليس فقط إزاء اسرائيل، بل إزاء أية حقوق سياسية أخرى داخلياً وخارجياً.

 وطبعاً تدرك أمريكا كون الأحداث من هذا اللون صناعة ثقيلة ترسم واقعها على نحو افتراضي. إذ جاءت الطقوس المصاحبة لها هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة. ولم تخلُو الأوضاع من إطلاق الأطياف التي تنجز الأفعال من طرفي الأحداث ولا سيما في عملية التطبيع (بين طرفين) مثلما كانت بصدد الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل( من طرف واحد). لأنَّ أمريكا كراعٍ تحشو الفراغ بين العرب واسرائيل تخويفاً ودغدغةً للمشاعر الإقليمية، كما أنها مافتئت تهدئ الهواجس نتيجة تخفيض حدة الصراع التاريخي. وبخاصة أنَّ الكلام الصامت على هوامش التطبيع كان أكثر مما قيل من الإمارات واسرائيل أو من اسرائيل والبحرين. ولنتذكر أن أمريكا هي من أعلنت عن عمليتي التطبيع، وفي الحالين مثلت مرجعاً أفقد الطرفين الإحساس بالمشكلات والمخاوف من الظهير الشعبي العربي.

 ولذلك سيكون الخطاب السياسي في مثل هذه الحالات خطاباً تخديرياً. لأنَّه يأخذ زاوية التطمين لدرجة السذاجة، يقول إنَّ التطبيع قد انطلق لصالح الشعوب ولحل القضايا الفلسطينية العالقة. مع أن المشاهد معقدة ولا تبدو هناك أية آفاق مغايرة لما قبل التطبيع بحيث يرى الناس شيئاً جديداً يستدعي ذلك. مما جعل العبارات من قبيل “السلام أفضل من الصراع” وأنَّ “السلام فرصة للتنمية وتبادل المصالح” وأنَّ ” السلام مع العرب يخدم المصالح المشتركة” عبارات أفيونية الطابع مع ترديدها الاعلامي، لأنَّها تنوِّم فقط الهواجس وتغلب الإيهام بالمعاني وأشباحها لا الحقائق. لأنَّ الجديد في هذا المسار لم يتحقق بعد ولن يتحقق بتلك الطريقة الظالمة لأصحاب الحقوق الأصليين، وكأنَّ الخطاب دعوة للتأمل السارح خلف الأخيلة، فليس هناك أكثر مما يفقدنا التركيز على الصور السلبية التي تركها الاحتلال وتدميره للوجود الفلسطيني.

ولكن تكشف مثل هذه الأحداث: كيف يتصرف عالم السياسة اليوم مع التاريخ والسياسات الدولية والصراع والجرائم الجغرافية والعولمة والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها وكيفية السيطرة على أطراف الصراع وبث التصورات التي لا تطابق واقعاً. فكل شيء دون مبالغة كان حاضراً في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية -الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأنَّ تأسيس إسرائيل قد تم الآن، الآن فقط رغم أنها قامت على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت التاريخ والمدن والحياة. ورأينا بالمثل مظاهر الحراك تجاه التطبيع مع اسرائيل بالمنطق ذاته، فقد بدا بعض مسؤولي الامارات وإسرائيل وهم يتحينون الفرصة للظهور سواء في المطارات أو على منصات الاعلام والإدلاء بكلمات مهدهدة. وتم ادماج الصور الاسرائيلية الراغبة بالسلام مع صور الضيافة العربية الراغبة باحتواء الضيف والإغداق عليه.

  بينما نجحت إسرائيل- على الأرض- في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافةً إلى ذلك تطالب بحقوقها كدولة تدافع عن النفس. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من جغرافيا فلسطين، لكنها لم تبدأ إدارة ذلك بشكل خاص، إنما من خلال قوى العالم التي تعاطفت معها وكونت لوبيات فيها. إن إسرائيل طفيل جيوسياسي يتعلق بجسد القوى الكبرى( الصهيونية نزعة فيروسية)، حيث تعيش في كيان غيرها، وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها واقفة في مواجهة أعدائها من العرب. فالأحداث تغطي على هذا كله على نحو آمن وإزاءه تمثل تبريراً حالماً يواري أعمال التوحش الاسرائيلي.

 دوماً يُحسب للطُفيل أنْ يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأن يضع وظائفه سياسياً خدمة لتوسعاته. كان القرار الأمريكي بأن القدس عاصمة لإسرائيل دليلاً على هذا التضخم الأفيوني. وعد لترامب قال عنه نتنياهو” لقد وعد فأوفى”، وهاهو يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدداً للمرة الألف بعد المليون: كان الوعد ممنْ لا يملك لمن لا يستحق. حتى نفذ القرار كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وجبناً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق.

ولذلك سنفهم عمليات التطبيع المنذورة لإسرائيل مجاناً كخُرافة آتية من غابر الأزمان. وبات العرب يؤدون طقوس التطبيع بدم بارد.. النظام تلو الآخر متسابقين على مذبح السياسات الأمريكية الإسرائيلية. لم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، وبدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية وأزقتها لا قيمة لها. لأن العرب لم يعدوا أن يكونا حتى ظاهرة صوتية، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الحياة الراهنة. إنَّ ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من الواقع رغم أنَّه تحت أعينهم وأيديهم.  

الأحداث أمام الوعي تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. محشوة بالعنف المتضخم عولمياً والذي ينعكس في أعمال اسرائيل، ثم الأثر نفسه بالنسبة للكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات التراثية حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته. قال ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة. في المقابل يمضغ العرب( المطبعون وغير المطبعين) عبارات السياسة لعلهم يغيبون عن الوعي ولو للحظات خاطفة.

 المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث بما يفيد: تجديد النكبة بالنسبة للفلسطينيين والتأسيس بالنسبة لإسرائيل، الدمار لفلسطين وإعادة الإعمار لإسرائيل. والمفارقة بادية للعيان في الوعاء الزمني والمكاني ذاته ( القدس) ضد أية إرادة إقليمية. هؤلاء يصرخون وأولئك يحتفلون، هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

القاتل والمقتول يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى وعيسى ومحمد. والصراع بينهم ينتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيته المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت الأرض إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور سياسية متتابعة.

 أيُهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلاَّ بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب وماذا يحدث لنسل العائلة الابراهيمية المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام كما ردد آنذاك!! وكل ذلك أدى للتطبيع وكأن التاريخ قد انقلب رأساً على عقب. القتل والاحتلال الاسرائيلي يؤدي إلى هرولة المطبعين بدلاً من أن يؤدي التطبيع إلى إرجاع الحقوق إلى أصحابها.

كان الحدث يضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الطائشة. لم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بحفريات الأرض ومجال المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين  رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك حقوق كوكب الأرض؟! أية إنسانية – مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمرئ إذلال الشعوب وتخريب ممتلكاتها؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته الحربية ويضرب برماحه العابرة للقارات؟! وما المغزى من ظهوره في توقيع اتفاقيات التطبيع مثلما يظهر في اتفاقيات الحرب والاعتراف الاحادي باحتلال؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ الحدث سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنَّها دولة تغتصب حقاً ليس هو كيانها المشتت الآتي من دول العالم جرياً وراء أرض متخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل وقصصهم التاريخية. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم(أرض كنعان)، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال إنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة ثأرية وبأي منطق يبرمج خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم كانت هناك نكبة فعلية لدولة قائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد حولتها إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة( مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأب كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّ أُناس من قبل.

 عندما قتلت اسرائيل – وما زالت تقتل- أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط برك ومستنقعات الديكتاتورية والاستبداد العربي، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البرك الشرقية الآسنة. الوعود المسروقة لم تأت من المستقبل بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين ( إسرائيل وأمريكا ) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها الممتدة بهذا الزخم. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين. إن الكراهية هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن، بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

نبوءة الواقع أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل منذ بداية الخليقة. حقيقي ظهر الاحتفال بالقدس بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر عبثي لا يتوقف. وها هي دول العرب تنبطح أما العبث لتمكن القتل من فريسته وتمنحه كل الوجود المجاني ليس نهباً لفلسطين التاريخية، بل لخريطة المنطقة العربية.

وبدأت أنظمة الدول العربية في نفث دخان الأفيون السياسي بأن التطبيع سيقضي على الإرهاب في المنطقة وأنه سيقلص فرص الفوضى وسيتم إعادة الأعمار لمجتمعات الربيع العربي وتوفير فرص العمل. والمشهد بدا بروائح الأفيون كالملهاة حيث يتراقص عرب التطبيع(قابيل) ويحتسون نخب السلام فوق جثة أخيه هابيل( كل فلسطيني معاصر)، عرب التطبيع هم عرب التطبيل الذين مازالوا يقتلون قابيل ملايين المرات في فلسطين ويوافقون على ترك جثته في عراء العالم.

الفلسطينيون يُقتلون يومياً ويعيشون خراب الحياة بالمعنى الحرفي للكلمة بينما أشقاؤهم يقدمون قرباناً (هو أنفسهم وعروبتهم) للإله في البيت الأبيض من وراء البحار والمحيطات… ولكن نسي العرب تحت نشوة الأحداث السياسية سؤال الرب كما ورد في التوراة بسفر التكوين: فقال الرب.. قابيل.. أين هابيل أخوك؟ فقال لا أعلم؛ أحارس أنا لأخي. فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ من الأرض. فالآن، ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملْت الأرض لا تعود تعطيك قوتها.. تائهاً وهارباً تكون في الأرض.

وَجْهُ العالمِ خلْف كمامات

3 أبريل 2020 دراسات وأبحاثمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال الكمامة هي العنوان الطارئ للتعبير عن الوقاية، أي صد العدوى والخطر، وإشارة إلى الخوف منهما. لكنها أيضاً قد تكون عنواناً لما يحدد العلاقة بكلِّ ما هو قادم. اعلانٌ عن حالةٍ ليس مقصوداً بها أيَّ شخصٍ بذاته ولو كان مريضاً. لأنَّها تُمثل موقفاً مفرَّغَاً من …أكمل القراءة »

طَّواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم

19 ديسمبر 2018 مفاهيممقالات 0

سامي عبد العال – مصر في غياب النقدِ الجذري، يتلاعب الوهمُ بالفكر كما تتلاعب الرياح بأشرعة السُفن. ويتسلل إلى فضاء العقل من باب خلفي نتيجة الإيمان الساذج بلا رويةٍ. لذلك يتطلب الوعيُ قدرةً يقظةً على التساؤل وغربلة المعتقدات. أقرب الأمثلة إلى ذلك: أوهام الأيديولوجيات الدينية ( كما لدى الإخوان والسفليين …أكمل القراءة »

 اليوم العالمي للفلسفة: أين نحن؟!

18 نوفمبر 2018 تغطيةمساهمات 0

سامي عبد العال – مصر لا يجسد العنوان احتفاءَ العالم بإبداع مهم فقط، لكنه يترك تساؤلاً إزاء الموقف الضمني منه: أين نحن العرب تجاه ما يجري على صعيد التفلسف؟ هل من مواقف جديدة نخترعها لحياتنا البشرية النوعية؟ كيف نستطيع استشكال فكرنا بإيقاع فلسفي يصلح لمعايشة آخرية قصوى ومفتوحة؟ وسؤال الصلاحية …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏17 ساعة مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

اللغة … كيف نفكر؟!

سامي عبد العال سامي عبد العال  في أفعال الكلام والخطاب، تبدو اللغةُ دوماً كفرشاةٍ ترسمُ لوحةَ الفكرِ وتعيد تأسيسه بعدما كان دون معالم، هي تقف عند الجذور منه لا مجرد وعاء فارغ له. المُباعدة أو المُبارحة بين اللغة والفكر أمران غير واردين بالمرة، لدرجة أنَّه إذ نعبرُ تعبيراً ما في سياقٍ معين، نستغرق بالفكر فيما … تابع قراءة

قصة الـ “ما بعد” The post

‏6 أيام مضت دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

سامي عبد العال  سامي عبد العال  ليس هناك أبرز من تَعلُّق الإنسان بالجديدِ، دفعاً لوطأة المألوف أحياناً وكنوعٍ من احراز التّميُز في أحايين سواها. لكنَ لأنَّ الجديد قد يُمثلّ المفاهيم المنقُولة إلينا( عبر النصوص الكبرى لفلاسفة الغرب)، فإنّه يضعنا تحت طائلةِ الاستفهام. حيث أمسينا نفكر داخل لغةٍ لم تُنحت مصطلحاتُّها …أكمل القراءة »

روابط 76 مقالة نشرتها كوة حول كورونا

‏7 أيام مضت أخرىعامةعلم الإجتماععلم النفسمتابعاتمفاهيممقالات 0

فريق كوة نقدم لكم هنا مجموع ما نشره موقعنا حول أزمة كورونا من مختلف المقاربات الفلسفية والسيوسيولوجية والنفسية والادبية والفنية… نجمعها في صفحة واحدة لتجنب عناء البحث في الموقع هل سنشهد”عالما جديدا” بعد فيروس كورونا؟ ‏5 دقائق مضت عامة, مساهمات, مفاهيم 0 أ.كرام ياسين أستاذ فلسفة بجامعة سطيف 2 – الجزائر-          وضع العالم …أكمل القراءة »

كوجيتو الكورونا

‏أسبوع واحد مضت مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال فجأة تحول الأنا أفكر( على خلفية كورونا) إلى الأنا فيرُوس يُحْذَر منه. البدايةُ ليست الفكر بحد ذاته كما يؤكد ديكارت، بل الجسم بقدرته على ممارسة الحياة والتأثير في المحيطين. هو الآن كوجيتو العدوى بامتياز، أي أنَّه يطرح وجود الإنسان الحي بقدر ما يمثل عدوى …أكمل القراءة »

عُنف الخيالِ الديني

‏أسبوعين مضت أخرىمساهماتمفاهيم 0

سامي عبد العال سامي عبد العال ليس العنف باسم الدين مجردَ فعل طارئ، لكنه عمل مُركَّب يحتاج خيالاً يَفوقُه تهوراً وجُموحاً. إنَّه عمليات من الشحن الأيديولوجي والتهيئة والتفنُن بتوقُّع الأثر وفوضى المَشاهِد ورسم المجال وانجاز الأفعال وانتظار النتائج وافراغ الكراهية إلى أقصى مدى. الخيال الديني imagination religiousهو الآتون الواسع الذي …أكمل القراءة »

صناعةُ الرَّعاع: جسد الثقافة العاري(3)

‏أسبوعين مضت مفاهيممقالاتنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال بطريقةٍ جذريةٍ تماماً، كان حالُ” الرَّعَاع” نتاجاً ثقافياً خلْف سلطةِ الجماعة الغالبة في المجتمعات العربية(جماعة الدين والطائفة وأهل الحل والعقد ثم النُخب والأحزاب ورجال الدولة والمثقفون)، فهذا التكوين العام المشوَّه لم يكن لصالح المجتمع وتنوع عناصره في تاريخنا الحديث والمعاصر، من حيث كونَّه غير …أكمل القراءة »

صناعةُ الرَّعَاع: اللغةُ وجسدِ الثقافة(2)

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

سامي عبد العال سامي عبد العال هناك سؤالٌ مهم: كيف نفسر شيوعَ دلالة الرَّعَاع في الخطابات السائدة؟! فقد نقرأ بدائلها بكلمات تخاطب الجماهير والحشود، كلمات تُلصِق بهم فوضى الرغبات والغرائز واللاعقل، أي تزدريهم باعتبارهم أُناساً حمقى كما في الاعلام والسياسة والثقافة الدينية والحياة العامة. الحالة الأقرب إلى

صناعةُ الرَّعَاع: اللغةُ وجسد الثقافة(1)

‏3 أسابيع مضت مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال ” عندما يَشْرع الرَّعاعُ في التفكير يتلفُ كلُّ شيءٍ” …. فولتير الساسةُ مثل القُرود إنْ اختلفوا أفسدوا الزرع وإنْ اتفقوا أكلوا المحصول”” الرَّعاع صناعة لمجتمعات تنهش إنسانية الإنسان وتحتسي نَخْبَ الإقصاء” ” تأسيس يبدو أنَّ حدود عالمنا هي حدودُ الكلمات التي نتعامل معها، ولا …أكمل القراءة »

ماذا لو تساءلَّت الفلسفةُ حول المرضِ؟

‏4 أسابيع مضت عامةمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال بقلم سامي عبد العال لو افتراضاً أنَّ فيلسوفاً يتساءل عن الأمراض(الأوبئة، العلَّل الجسمية)، فالاستفهام بصدد أوضاعنا الصحيةِ سؤالٌّ جديدٌ في دائرة الفلسفة:( كيف أنتَ صحيَّاً؟ هل تعاني من علةٍ ما؟ ولماذا أنت مريضٌ؟ هل أصابتك الأوبئةُ؟). ورغم أنَّ الاسئلة خاصة إلاَّ أنها تمس ما هو عمومي في …أكمل القراءة »

الفيرُوسات وإدارة الحياة

22 مارس 2020 أخرىمقالاتمقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال يعدُّ تاريخ الفيروسات جديراً بالبحث والتقصي، ولا سيما أنَّه قد أحدَثَ تحولاً في مسارات الحياة سلباً وإيجاباً نحو الأزمنة الراهنة. ويَجْدُر أنْ يُطْرح تاريخُها الكونِي مرتبطاً بقضايا فلسفية وثقافية تخص الحقيقة وتنوع الرؤى البيولوجية للعالم والكائنات. إذ هناك علاقة ضرورية بين انتشار الفيروسات ومفاهيم …أكمل القراءة »

موت سقراط: هكذا يتكلَّم الفنُّ

4 مارس 2020 فلاسفةمجلاتمقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال        تعدُّ لوحة “موت سقراط” للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد Jacques David [1]  توثيقاً لهذه الحادثة بصيغة فلسفية فنيَّة متأخرة. تترك الألوان والشخوص تقول تشكيلياً ماذا جرى. ليس يجدي التذكر ولا اعادة القراءة حول تناول فيلسوف اليونان لجرعات السم، لأن الكلام الصامت، جدل العلامات، …أكمل القراءة »

كليمون روسي: نيتشه أو الفرح قبل كل شيء

24 يناير 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة يوسف اسحيردة مؤلف كتاب “الضحك”، هنري برجسون، والذي يكن له الفريد والساخر كليمون روسي احتراما شديدا، يُعرف الفيلسوف الأصيل بالشخص الذي يمتلك حدسا وحيدا. ما هو يا ترى هذا الحدس في حالة نيتشه؟ ترابط الفرح والمأساة في الوضع البشري، يجيب كليمون روسي دون تردد.  حتى أن هذه القناعة شكلت …أكمل القراءة »

لِمَنْ تُقْرَع أجْرَاسُ الفلسفةِ؟!

9 ديسمبر 2019 أخرىمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال         في يومِها العالمي مع كلِّ عامٍ، ربما يبزغُ السؤالُ التالي: هل تحتفل الفلسفة بنفسها؟! ومن ذا الذي بإمكانه حضور الاحتفال؟ وكيف سيتم الاحتفال؟!… الفلسفة بخلاف أي نشاط عقلي لا تحتفل بذاتها( أو هكذا يتم). لا تحتفل كعجُوزٍ بلهاء( أمُ العلوم قديماً ) تُطلق …أكمل القراءة »

” ببجي الخِلافة ” في عصر ما بعد الحداثة

7 نوفمبر 2019 عامةمفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال           يبدو أنَّ عصر الوسائط الديجيتال هو الواقع الطاغي بلا منازعٍ. إذ تتضاعف دلالة الأحداث بصورةٍ مذهلةٍ، وتتعلق إفرازاتُّها بالذاكرة وبالعيون التي تشاهد. وسيكون القولُّ الفلسفي لما بعد الحداثة ليس تنظيراً ميتافيزيقياً بقدر ما يلتقِّط أفكاره المحتملة من عالمنا الراهن. وقد نوَّه جان بودريار …أكمل القراءة »

غير القابل للاحتمال: في عداء الشعوب!!

27 أكتوبر 2019 مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال بأيِّ معنى تصنعُ الشعوبُ اعداءها، وهل استجابتها للعداء واحدةٌ أم أنَّ هناك اختلافاً؟! هل ثمة عداء عام بالصدفة دون قصدٍ، وما خطورة أنْ تعادي قوةٌ ما ( كالدولة التركية مؤخراً ) شعباً ضارباً في التاريخ( مثل الكُّرد )؟! وداخل تلك الدائرة: هل الصُور المتبادَّلة …أكمل القراءة »

كليمون روسي : لا وجود لوصفة سحرية من أجل التصالح مع الذات”

12 أكتوبر 2019 ترجمةمجلات 0

ترجمة : يوسف اسحيردة مقدمة المترجم : كليمون روسي، فيلسوف فرنسي توفي سنة 2018 عن سن يناهز 78 عاما. عُرف بشنه لحرب ضروس ضد الأوهام التي نحب عادة أن نختبئ وراءها، ومناداته، على خطى معلمه نيتشه، بقبول الواقع كما هو دون سعي إلى تغييره. في هذا الحوار الذي أجراه في …أكمل القراءة »

المَرْحُوم: ماذا لو اصبحت الثقافة قبْراً؟!

6 سبتمبر 2019 مفاهيمنصوص 0

      سامي عبد العال سامي عبد العال       ” عندما لا ندري ما هي الحياة، كيف يمكننا معرفة ما هو الموت”…( كونفوشيوس)      ” الشجاعة تقودُ إلى النجوم… والخوف يقودُ إلى الموتِ”… ( لوكيوس سينيكا)        ” المرْحُوم” كلمة تُطلق على منْ ماتَ، أي انتهى أَجلُّه وأَفِلَّتْ حياتُه. وهي ” 

ظاهرةُ الأسئلةِ الزائفة

19 أغسطس 2019 مفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال        لا تسقط الأسئلةُ من السماءِ ولا تنبتُ من الأرضِ، لأنَّها نشاط إنساني يثير قضايا فكرية خطيرة. الخطورة من زاوية كشف أبنية الثقافة ولماذا تتفاعل مع حركة التاريخ. لأنَّ كل ثقافة تلقي برواسبها على ضفاف المجتمعات كالنهر الذي تكتنفه تيارات شتى. والثقافة الإنسانية دوماً …أكمل القراءة »

السُلْطة وأُنطولوجيا الجسد

1 أغسطس 2019 أخرىبصغة المؤنثمفاهيم 0

سامي عبد العال سامي عبد العال        على مستوى الوجودِ،لم يختفِ الصراعُ بين الجسد والسلطة رغم اتفاقهما في كثيرٍ من الوجُوه. كلاهما يتعلق بأفكارٍ مثل:( الوسيط، التحول، السر، العلامة، الذاكرة، الفعل، الوشم، الرمز، الصورة، الشعار، السريان، الشبح، الظل )، وكلاهما يزاحِم الآخر داخل ثقافةٍ تحدد إلى أي مدى سيمارس أدواره. …أكمل القراءة »

الدين والعلمانية: القطة … سوداء أم بيضاء؟!

14 يوليو 2019 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال           مُجدَّداً في سياق السياسة، تبدو ثنائيةُ الدين والعلمانية ثنائيةً مُراوغةً.. زلِّقةً. حتى أنك إذا امسكت أحد طرفيها، التف الطرف الآخر مُخلِّفاً وراءه ثُقباً أسود، يبتلع الدلالات الثريةَ لأي تفكيرٍ مختلفٍ. ثم يقذفك عبر فضاءات مجهولة عائداً إلى ذاته مرةً أخرى. كأننا إذْ نناقش …أكمل القراءة »

قداسةٌ دون مقدسٍ

29 يونيو 2019 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيم 0

سامي عبد العال – مصر سامي عبد العال – مصر       ماذا يعني الدينُ في المجال العام؟! هل يعني توظيفه على نطاق أعم أم تأسيساً لقيم أخرى؟ سؤال لن يجد اجابةً واضحةً إلاَّ بفض الاشتباك الغامض بين طرفيه. لأنَّ المعنى لا يتعين فيما هو معروف ولا يعطينا وضعاً جاهزاً لأية …أكمل القراءة »

المجدُ للأرانب: إشارات الإغراء بين الثقافة العربية والإرهاب!!

19 يونيو 2019 أخرىعامةنصوص 0

وسط كرنفال القتل باسم الدّين تحت رايات الجهاد، وفي حمأة الدَّمار بمقولاته الفاضحة، يصعُب أحياناً كشف الواقع دون إيهام فنيٍّ. لقد غدا الجهادُ نوعاً من الاستربتيز(التعرِّي)الدَّمويّ(1)bloodily striptease إزاء مجتمعات أرهقتها الحياة برواسبها التَّاريخيَّة. وربَّما لو تمثلنا دلالة أيقونة الأرانب لتجنبنا مصيرًا يُحْدق بنا من بعيدٍ مثلما تُساق الحيوانات الوديعة إلى المذابح.أكمل القراءة »

لِماذا الصِراعُ على الجَسدِ؟!

4 يونيو 2019 دراسات وأبحاثمفاهيمنصوص 0

الجسد هو ” التجلِّي الحي ” بما يشحن طاقاتَّه صوبَ ما هو مرغوب أو ممنوع. واستعماله في الممارسات العامة يوضح إلى أي مدى تصبح علاماته خطاباً له أبعاد تأويلية. بهذا الإطار يعدُّ الصيام إدارةً ميتافيزيقيةً للجسد تحقيقاً لاعتقاد في أصل الحياة. صحيح هي إدارةُ ترتبط بالمقدس، لكنها تبلغ درجة الفعل الوجودي في الأديان بدوافع وغايات متفرقة. لأنَّ منها ما هو ماضٍ وما هو مستقبل، خلال لحظةٍ لا تحتملُ التقاءهما (الآن) إلاَّ بضرورة تأويل مقولات الإله والإنسان والحقيقة (من قبل). أي لن يلتقي الماضي بالمستقبل دون كشف معاني المقولات المذكورة وتحولاتها.أكمل القراءة »

لعنةُ الإرهابِ: الفلسفة والأرواح الشريرة!!

23 مايو 2019 دراسات وأبحاثعامةمفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال في تاريخ الرُعب– إذا أَمْكَّنَ التأرِيخ له- لا يُخلصنا ذهابُ الأرواح الشريرة من آثارها الباقية، فلديها القدرة على العودة إلى أقرب الأشياء. وربما تتلبس اللعنة ضحايا جُدداً من أبعد نقطة غير متوقعةٍ. كالأشباح التي تختفي كياناً لكنها تحل في الأجساد بأساليب ورُسُوم أخرى. وليس …أكمل القراءة »

دواعِش الفلسفة

28 أبريل 2019 ديداكتيك الفلسفةعامةمقالات 0

سامي عبد العال من الجذر اللغوي” دَعِشَ ” تأتيمفردات: الدَاعِشيَّة، الاسْتدْعَاش، التَّدَعُش، المُتدَعِش، المُسْتَّدعِش، الدَاعِش، الداعُوش، الدَعْدُوش، الدَعْيِدش، التَّدْعِيْش، الدَّعْشنَّة، التَّداعُش، التدعُش، أي دَعِش دعْشاً فهو داعش… وجميعها ليست حُروفاً تتناوب الترتيب، بل تقف على أرضيةٍ واسعةٍ من الثقافة التي تشكل الأفكار ورؤى الحياة. ناهيك عن الإشارةِ إلى تنظيم داعش …أكمل القراءة »

في مفهوم ” المُفكِّر العَابِر للثَّقَافات “

21 مارس 2019 جرائدمفاهيمنصوص 0

العبور والحدود… كلمتان متلازمتان من زاوية التضمِين الدلالي لإحديهما إزاء الأخرى. فالحد يفترض عبوراً لوضعةٍ ما متقاطعاً معها، بينما يطرح العبورُ شكلاً من أشكال الحدود. ودوماً لن يكون ثمة عبورٌ ما لم يكن ثمة حدٌ قابلٌّ للتخطي. الأمر نفسه أكثر دلالةً بصدد الثقافة، إذ تمثلُ كلمتا الحدود والعبور قدرتين على التجاوز وقطع المسافات والترحال نحو ما ليس معروفاً.أكمل القراءة »

حفريات المواطنة: استعارات الهويَّة في الخطاب السياسي (2)

9 فبراير 2019 أخرىدراسات وأبحاث 0

 الهوية، مواطنة الاستعارة سامي عبد العال رابط الجزء الأول من الدراسة         في وجود التزاوج بين البعدين: المفهومي والاستعاري، اللذين يتداخلان عبر المواطنة، يبزغ ما هو” سياسي ” political باعتباره ردماً للهوة بينهما. ألم يمارس السياسيون الأفعال والمواقف بصيغة ” كان ” المستقبلية، مثلما أظهرت؟! أي أنَّ العبارات

حفريات المواطنـة: استعارات الهوية في الخطاب السياسي (1)

24 يناير 2019 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيم 0

تطرح الدراسة العلاقة الإشكالية بين اللغة والسياسة عبر دلالتي المواطنة والأسطورة. وصحيح هما قضيتان تنتميان إلى حقلين مختلفين، لكنهما يُظهِران طبيعة المجتمع وآفاق السلطة وكيف يتم التعامل إزاء الإنسان كمواطن من عدمه. والطرح يعني التساؤل المختلف بما تحمله الكلمة من معنى: كيف تتشكل المواطنة عبر تاريخية اللغة وأية بلاغة تغلف حركتها ؟ فالمواطنة ليست فقط حالة سياسية تحدد حقوق المواطن في دولة ديمقراطية، ولا الأسطورة عبارة عن تيمة إنسانية كونية محورها سرد حول أحداث ودلالات لها مركزيتها في ثقافة سائدة وحسب. لكن كل ذلك يستحضر خلفية الهوية التي تحدد درجة المواطنة وحقوقها وظلالها في المجتمعات الأقل ديمقراطية وأكثرها أيضاً بحسب أوضاع النظام السياسي.أكمل القراءة »

سياساتُ الجمالِ: هل يمكن الثأرُ بالفنِّ؟

8 ديسمبر 2018 مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال      ذات لوحةٍ قال سلفادور دالي: ” كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ عن معايشةِ مأساةٍ يُعانيها “. كأنَّه يُذيب تجلط الآلام بالتقاط المستحيل باعثاً فينا روحاً جميلاً. ينطبق القولُّ على الفن المغموس في ظلام المآسي التي تكابدها الشعوب مع انكسار الأحلام الكبرى، كحال إحباط الشعوب العربية بعد …أكمل القراءة »

شيطَّانُ الديمقراطيةِ: هذه هي السياسة !!

5 نوفمبر 2018 مساهماتنصوص 0

سامي عبد العال –  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر يبدو أنَّ للديمقراطية وجهاً آخر كوجه الشبح، وهو” الأثر المقلُوب ” الذي يجعلها مصدراً لرعب البعض من الحرية. فالحرية ضمن المجال العام تشكل مصدراً لقلق دائم، لدرجة أنَّ تجنُبها( إنْ لم يكن للأنا فللآخر) هو القاسم المشترك بين التيارات السياسية في …أكمل القراءة »

حول استعادة  ” الله ” من الجماعات الإرهابية

16 أكتوبر 2018 مساهماتنصوص 0

سامي عبد العال ربما لم تُوجد كلمةٌ أُرْيقت بدلالتها الدماءُ مثلما أُريقت تحت كلمة الله. ففي كلِّ مرةٍ يقتل إرهابيٌ شخصاً آخرَ، لا يكون مقصودُها واحداً بين الاثنين. على الأقل يزعم الإرهابيُ كون القتيل قد تخطى رقعة الإيمان( المرتّد ) أو لم يؤمن ابتداءً( الكافر). كما أنَّ دلالة الكلمة بمُراد …أكمل القراءة »

أين تكْمُن قوةُ المجالِ العامِ ؟

3 أكتوبر 2018 مساهماتمفاهيم 0

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر هناك فارق حَذِر بين القوة والسلطة رغم إحلال الكلمتين أحياناً في اللفظ نفسه: power . إذ تنطوي القوة على أبعاد ماديةٍ وأخرى رمزية تمنحُ وجودَّها معنى بعيداً. وهي أيضاً القدرةُ على بث فاعليتها الخفية عبر نفوذها المقبول داخل المجتمعات مثل القوة …أكمل القراءة »

الأصُوليَّة… والوصُوليَّة: حين يُغْيَّب المجال العام  

25 سبتمبر 2018 مجلاتنصوص 1

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر في المجتمعات الأقل ديمقراطيةً وإزاء فشل” الاستعمال العمومي للعقل ” لو أوردنا كلمات كانط، ثمة أسئلةٌ مزعجةٌ: هل يُغيَّب المجال العام على غرار وصفنا الاعتيادي لأي شيء آخر؟! أليس المجالُ العام  Public sphereعمليةً تاريخيةً تستوعب طاقات المجتمع وبالتالي يبقى فضاءً مفتوحاً …أكمل القراءة »

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

16 سبتمبر 2018 مفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية للأحداث الإرهابية( تفجيرات 11 سبتمبر2001 )، لا تذهب آثارُها طيَّ النسيان. لكنها تظل باقية كأصداء ورواسب تسهم – فكرياً وثقافياً – في تأويل الأفعال والتداعيات السياسية على نطاق عام[1]. وربما تحددُ المواقف ودرجات الفعل ورد …أكمل القراءة »

 صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء

30 أغسطس 2018 عامةنصوص 1

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر هناك سمةٌ مشتركةٌ في خطابات الإسلاميين المتطرفين: كونَّها كلاماً ينحدر بأهدافها من أعلى إلى أسفل حيث ضجيج التفاصيل، وحيث إيراد المبررات الواهية فيما ينحدر إليه تداول الخطاب من

شاهد أيضاً

الأطفال والتفلسف

محمد بوبكري محمد بوبكري يفصل بعض الناس بين مختلف الحقول المعرفية ويقيمون جدرانا شاهقة وسميكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *