الرئيسية / منشورات / مجلات / حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ: (V) أَفَيرُوسَاتٌ طَبِيْعِيَّةٌ بيولُوجِيَّةٌ أَمْ بشَريَّةٌ مُؤَدْلَجَةْ؟!

حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ: (V) أَفَيرُوسَاتٌ طَبِيْعِيَّةٌ بيولُوجِيَّةٌ أَمْ بشَريَّةٌ مُؤَدْلَجَةْ؟!

عبد الرحمن بسيسو

عبد الرَّحمن بسيسو

مُحَفَّزاً بِرَسَائلِ عَيْنَيَّ إِلى وجْدَانِ الْحَيَاةِ الدَّافِقِ فِي قَاعِ مَجْراهِ الْمُحْتَجَزِ، والْمائِرِ في وَمْضِ عَيْنَيهِ الآمِلَتَينِ، تِلْكُمَا الْمُسْتَهدَفَتَينِ الآنَ، كَمَا عَينيِّ كُلِّ نَهْرِ حَيَاةٍ، بِالإِعْمَاءِ مِنْ قِبَلِ قُوي التَّفْرِقَةِ العُنْصُريَّةِ والتَّمْييزِ الْعِرْقيِّ والشَّرَهِ البَشَرِيِّ؛ خَرجَ “الدَّانُوبُ” عَنْ صَمْتِهِ، شَادَّاً عَلَى يَدَيْ لِيَنْقُلَ مَا يَمُورُ فِي أَعْمَاقِهِ مِنْ غَيْظٍ كَظِيْمٍ إلى أَعَمَاقِ وِجْدَاني، هَامسَاً فِي أُذُنيَّ المتلهِّفَّتَينِ للإصْغَاء إلَيْه: ثَمَّة شُعُوبٌ وأقْوامٌ تَقْطُنُ ضِفَّتّيَّ قَدْ كَافَحَتْ عَلى مَدَى أَلفِ عَامٍ وعَامٍ حتَّى قَرَّرَّتْ بِنَفْسِهَا، أَوْ قَرَّرَتُ نُخَبٌ مِنْهَا نِيَابَةً عَنْهَا، مَصِيْرهَا، وذَلِك بالاسْتِقْلال السِّيَادِيِّ في وطَنِهَا، مُجَلِّيَةً قَرارهَا هَذَا بِتَجْسِيْدِ قِيَامِ  دَولةٍ سَيِّدةٍ تَخُصُّهَا فِي كُلِّ رِحَابِهِ، ولَكنْ لَيْسَ دَائِمَاً لِكُلِّ قَاطِنِيْهِ مِنْ أَهْلِهِ الْمُتَاصِّلي الجُذُورِ فِي مَنَابِعِ جُذُورهِ!

غَيرَ أنَّ بَعْضَاً مِنْ هَاتِهِ الشُّعوب والأقوامِ سِرْعَانَ مَا أدْركَ أَّنَّ تَقريرَ الْمصير ليسَ آنْغِلاقَاً، فَآنْفَتحَ، بِرحَابَةٍ تَبَادُلِيَّةٍ وَوَعيٍّ مُسْتَقْبَليِّ، عَلَى أَغِيَارِهِ المُتَغَايِرِينَ، فِيْمَا بِقيَ بَعضٌ آخَرٌ مِنْهَا مُنْغَلِقَاً عَلى نَفسِهِ، مأْخُوذاً بِوهِمِ تَمَايُزهِ الْعِرْقِيِّ، أَوْ الْقَوميِّ، أو الدِّيْنِيِّ، هَذا الفَاتِكِ بِإنْسَانِيَّته بِقَدْرِ فَتْكِهِ بِمُسْتَقْبَلِ وُجُودهِ، وبِمَنْ يُخْضِعُهُ للمَهَانَة والاسْتِلابِ والتَّبْخِيْسِ الْوُجُوديِّ مِنَ قَاطِني الوطَنِ نَفْسِهِ مِنْ مجموعَاتٍ بَشَرِيَّةٍ وأَقْوامٍ لا يَتوافَرونَ، بِرَغْمِ انْفِتاحِهِم التَّفَاعُليِّ عَلَى آخَرِيْهم مِنَ النَّاسِ، عَلَى حَظِّ الْوجُودِ الَحيَويِّ في مَكَانٍ يَعْدُو وَطَنَهم مَنْ أَمَاكنِ الأرضِ، لأَنَّهُمُ، فِي الأصْلِ، لَا يتَوافَرونَ عَلَى قُدرةِ سَلْبِ أَوطَانِ آخَرِيْهِم مِنَ النَّاسِ، وسَرَقَتِهم، واسْتِلابِهم، والإمْعَانِ في انتْهَاكِ حُرِّيَّاتِهِم الفِطْرِيَّة الأساسيِّية وحُقُوقِهِم الإنْسَانِيَّة، تِلكَ المُؤَصَّلَةِ، والرَّاسِخَة أَصْلَاً، في ثَنياتِ وُجْدانِهم، وفي جَوهَرِ طبيعَتِهم!

وإِنِّي لأَعْجَبُ، الآنَ، كيْفَ، ولِمَ، عَادَ بَعْضُ الَّذيَن انْفتَحُوا، بِوعيٍّ مَصْلَحيٍّ ذي نَزْعَةٍ اجتِماعِيَّةٍ إِنْسَانيَّة، عَلَى حَيَاةٍ هي الْحَيَاةُ، إلى الانْغلاقِ! ولَعّلِّي أَعْثُرُ في “الْعَولَمَةِ الْمُنْفَلَتِةِ” و”النَّفْعِيَّةِ المُطْلَقَة” اللَّتَينِ يَلْتَحِمُ فِيهُمَا يَمِينٌ عُنْصِريٌّ آسِنٌ بِيَمِينٍ عُنْصُرِيٍّ يَسْتَعِيْدُ نَفْسَهُ، أو بِيَمِينٍ عُنْصِريٍّ يَتشكَّلُ الآنَ مُحَفَّزَاً، كَمَا سَوَابِقِهِ، بوَهِمِ التَّمَلُّك الأقْصَى، والثَّراءِ الرَّأْسِمَاليِّ، وُبِوُعُودِ سَادةِ هَذَا النِّظامِ الآسِنِ مِنَ الرَّأْسِماليينَ الْعُنْصِريينَ والنَّفْعِيينَ الرَّاسِخِينَ، و سَدَنَتِه، عَلَى مُبْتَدأ تَفْسِيْرٍ مَنْطِقيٍّ يُمْكِنُ تَفْسِيرهُ بِهَيْمَنَةِ الشَّرَاهَةِ الْبَشَرِيَّةِ، والاسْتِحْواذِيَّةِ التَّملُّكِيَّةِ، والأنَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، والْجَشَعِ الْوحْشِيِّ؟! 

ثُمَّ إنِّي لَأعْجَبُ كَيْفَ يَذْهَبُ الْجَشَعُ التَّوحُّشِيُّ ومُسْتَتْبَعَاتُهُ بِهَؤلاءِ الْبَشَرِيينِ الْعُنْصِريينَ الْمأفُونينَ إِلى اسْتِلَابِ آخَرِيْهِم، وسَرِقَةِ أَوْطَانِهِم، وتَعَمُّدِ الْفَتْكِ بِهِمْ وتَعْدِيْمِهُمُ الْوجُودَ، دونَ أنْ يُدْرِكُوا، لِلَحْظَةٍ، أنَّهُم يَفْتُكُونَ، فِي الآنِ نَفْسِه، بِإنْسَانِيَّتِهم الْمُمْكِنَةِ، الْكَفيَلةِ، وحْدَهَا،  بِتَمكينِهمِ مِنْ تجلِيَةِ وُجودٍ جَوهَريٍّ لأنْفُسِهم في الْوُجُود؟!

ومَا لِي، مَعَ الْعَجَبَ، إِلَّا أَنْ أظُنَّهُم فيروسَاتٍ بَشَريِّةً آيْديُولُوجِيَّةَ الْمَنْشَأِ؛ فيروسَاتٍ أَشَدَّ خُطُورةً عَليَّ، وعَلَيْكَ، وعَلَى كُلِّ نَهْرِ حَيَاةٍ وإنْسَانِ وُجُودٍ، مِنْ هَذا الفَيروُسِ الَّذي يُرَوَّجُ أَنِّهُ بِيُولُوجِيٌّ، وأَنْ لا صِلَةَ لِمُرَوِّجيِّ هَذَا الْقَوْلِ مِن الْمأفُونينَ مِنَ الْبَشَرِ بِوُجُودهِ واستِطَارةِ شَرِّه، وإنَّمَا هُوَ، فِي قَولِ مَأْفونينَ آخَرينَ يَنْفُونَ قَولَ هَؤُلَاءِ الْمُرَوِّجينَ، كَائنٌ خَفِيِّ صَنَّعَتْهُ أَصَابِعُ طَبِيْعَةٍ غَاضِبَةٍ مِنَ أفْعَالِ الْبَشَرِ، وجَعَلَتْهُ نَانَويَّاً غَامِضَاً، مُسْتَطِيرَ الشَّرِّ، لَا يُبْصَرُ، ولا يُرَى، ولا سَبِيْلَ لِخَلاصٍ نِهَائِيٍّ مِنْهُ، عَلَّهُمْ بِهِ يَتَّعِظُونَ، أَوْ يَبْقَى هُوَ الرَّقِيبُ دَائِمُ الْوُجُودِ، والْمُهَدِّدُ، بِلَا رَأْفَةٍ، وُجُوْدَهَم، حَتَّى يَتَّعِظُوا!    

***

سَكَتَ “الدَّانوبُ” واسْتَعَادَ صَمْتَهَ كاظِمَاً في أَعْمَاقِهِ غَيْظَهُ.  وإذْ كُنْتُ أُصْغِي، بِانْتِبَاهٍ كُلِّيٍّ، إِلَيْهِ، وأُمْسِكُ بِجَوْهِرِ كَلِمَاتِهِ مُقَلِّبَاً عَلى شَتَّى الْوُجُوهِ مَعَانِيْهَا، كُنْتُ أُفَكِّرُ مَلِيَّاً في مَا عَسَانِيَ أَنْ أَقُولَ تَفَاعُلاً مَعْ مَا يُلْهِبُ، فِي الأَصْلِ، أَعْمَاقِي، ومَعْ رجِعِ أَصْدَاءِ أَقْوَالِهِ فِي عَقْلِ بَصِيْرَتِي ووِجْدَانِي، وتَعبِيراً صَادِقاً عَنْ خُلَاصَة ما فَهِمَ مِنْ كِلَيْهِمَا عَقْلِي!

أَومَأَ “الدَّانُوبُ” بِومْضِ عَينَيْهِ إلِيَّ، فَفَهِمتُ، مَعَ تَحَفُّزِهِ لِتَسْرِيعِ خَطْوِهِ وتَوسِيْعِ مَدَى خُطُواتِهِ، أَنَّهُ يَدْعُونيَ أَنْ أَحْذُوَ حَذْوهُ بِقَدْرِ ما هُوَ يَحْذُو حَذْوِي، عَلَّنَا نَخْرُجُ، بِأبْكَرِ مَا يُمْكنُ وبِأَقَلِّهِ جَسَامَةً وكُلْفَةً، مِنْ عَتْمَة هَذَا السَّدِيِم الْعَدميٍّ الْخَانِق، فَاسْتَجَبْتُ لِدَعْوَتِهِ، وتَابَعْتُ تَهْيئةَ نَفْسِي لِقَولِ مَا قَدْ بَلْوَرهُ الإصْغَاءُ الْحِوَاريُّ والتَّبَصُّرُ الْعَميْقُ مِنْ خُلاصَاتٍ تَوقَّدتْ فِي مَجَامِرِ عَقْلِي، وانْزَلَقَتْ جَمْرَ كَلِمَاتٍ عَلَى لِسَانِي:

إنِّي لأُوافِقَكَ الرَّأيَ، وكَأنِّي بِكَ تُفَكِّر بِعَقْلٍ يَضُفُرُ عَقْلَكَ بِعَقْلي، ويُواشِجْهُمَا في تَفَاعُلٍ ثَرِيٍّ ووقَّاد! وبِقِدْر مَا أَعْجَبُ، مِثْلُكَ، لِهَذا الَّذي أثَار تَعَجُّبَكَ وأَضْنَاكَ، وأَشْعَلَ جَمَراتِ اسْتنْكاركَ، وأَحْزَنَكَ، فَإنِّي لَأَجِدُ خُلَاصَةَ الْخُلاصَاتِ في إرجَاعِكَ أَمْرَ الخرابِ الَّذي تُعَانِيْهِ البشَرِيَّة الآن إلى “الفيروسَاتِ البشَرِيَّةِ الآيْديُولُوجِيَّةِ الْمنْشَأِ والْمُؤَدْلَجَةِ الشَّهَوَاتِ والرَّغَبَاتِ والْوظَائِفِ والْغَايات”؛ فَمِنْ هَذِه الْخُلاصَةِ يَنبَغي لأَيِّ جَهْدٍ إنْسَانيٍّ جَمْعيٍّ مُتَضَافِرٍ ودَؤُوبٍ أَنْ يَبْدَأَ مَسيْرةِ البَشَريَّةِ الْمُعَذَّبَةِ لإدْراكِ خُروج آمَنِ مِنْ سَديمِ هَذَا الْعَدمِ المُراوغِ المَاسِكِ بِخِنَاقِهَا فِي هَذهِ الْبُرْهَةِ الزَّمَنِيَّةِ الْواقِفَةِ، بِلَا حَرَاكٍ، عَلى حَافَّةِ هَاوِيَةٍ وُجُوْدِيَّةٍ بِلا قَاعْ!

وإنِّي لَأَحْسَبُ، كَمَا تَعْلَمُ  وأعْلَمُ ويَعْلَمُ أَغْيَارُنَا وآخَرُوْنَا مِنْ صُنَّاعِ الْحَيَاةِ وبُنَاةِ الْوُجُودِ، أَنَّه لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ الْوُجُودِيَّةِ، والْفُرَصِ الإِضَافِيةِ، والْمُحَفِّزاتِ الْحَاثَّةِ، أَنْ تَتجَمَّعَ لِتَظْهَرَ دُفْعَةً واحِدَةً، فَتُبَصَرُ وتُرُى، إِلَّا مَعْ مَجِيئِ فايْرُوسٍ نَانَويٍّ ضَئِيلٍ كَانَ لِمَجَيْئِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذي جَاءَ عَليْهِ، كَمَا لِتَقْنِيْعِهِ، وتَلْبِيْسِ حَقِيْقَتِهِ، وتَزْيِيفِ شَجَرَةِ نَسَبَهِ، وتَتَوِيْجِهِ، وتَعِميْمِهِ ونَشْرِهِ، وتَرْوِيجِ دلالاتِ غُمُوضِهِ، وتَضْخِيمِ مَخَاطِرِ وُجُوْدِهِ الْخَفِيِّ، وتَرْويْعِ النَّاسِ مِنَ اسْتِطَارةِ شُرُوره، وتَقَاعُسِ الْعِلْمِ الْخَالِصِ، الْمُصَفَّى مِنْ قِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ، عَنْ تَطْويقِهِ، وكَبْحَ جِمَاحِهِ، واجْتَثَاثِ جُذُوْرِهِ، أَنْ يُرْغِمَ الْبَشَرِيَّةَ بِأَسْرِهَا، وضِمْنَهَا النُّخَبُ والطَّبَقَاتُ الرَّاسِماليَّةُ الْمُتَسَيِّدةُ، عَلَى الْوُقُوفِ، وَرُبَّمَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي تَاريخِهَا الْملْتَبِسِ الْحَافِلِ بِالْعَنْصَرَةِ والتَّوحُّشِ والْحُرُوبِ الْمُدَمِّرةِ، أَمَامَ مَرايَاهَا!

وإِنّي لأَرَاهَا واقِفةً الآنَ أَمَامَ تِلكَ الْمَرَايَا الَّتي لَمْ تَزَلْ مُعَتَّمَةِ بِوهَجِ الانْبِهَارِ الْعُنْصُرِي بالتَّفَوقِ والسُّموِّ والتَّسَامي عَلَى الآخَرِينَ مِنَ النَّاسِ! ولإنِّي لأَمُلُ لَهَا أنْ تَسْتَعِينُ بِقَبَسِ إنْسَانِيَّةٍ لا يَزالُ كَامِنَاً فِيْها، ليُضِيءَ لَهَا عَتَمَ النُّفُوسِ والْمرَايَا، فَيجْعَلُهَا قَادِرَةً عَلى أَنْ تَتَأَمَّلَ نَفْسَهَا الْكلْبِيَّةَ، فِي كُمُوْنِهَا وتَجَلِّيْهَا؛ فَلعَلَّهَا، إنْ فَعَلَتْ، تُدْرِكُ فَدَاحَةَ جَشَعِهَا الْوحْشيِّ الْمُنْفَلِتِ مِنْ كُلِّ عِقَالٍ، والَّذِي كَانَ لِتَفَاقُمِهِ الْغَرَائِزيِّ الْفَاتِكِ أَنْ يُمْلِي تَحَفُّزَ الْوُجُودِ الْإنْسَانِيِّ الْحَقِّ لِلشُّرُوعِ في الْعَملِ الْجَادِّ عَلَى كَبْحِ الْبَشَرِيَّةِ بِأَسْرِهَا عَنِ الإمْعَانِ فِي تَبْخِيْسِ نَفْسِهَا عَبْرَ الإيْغَالِ في دَيَامِيسِ تَوحُّشٍ يَأْخُذُهَا إِلى نِقِيْضِهَا!

أَفَلَا تَتَّفِقُ مَعِي فِي تَصَوُّري أَنَّه لَمْ يَكُنْ للِوُجُودِ الإنْسَانيِّ النَّبِيْلِ، إِلَّا أنْ يَتَدَخَّلَ لتَصْويْبِ خُطَى بَشَرَيِّةٍ عَمْيَاءَ أَبْصَرَهَا تَغُذُّ الْخَطْوَ، بِلَا أَدْنَى تُبَصُّرٍ أَو الْتِفَاتٍ صَوْبَ خَلاصٍ جَمْعِيٍّ مُمْكِنٍ، نَحْوَ شَفِيرِ آخِرِ هَاوِيَةٍ مِنْ هَاوِيَاتِ الْعَدَمِ الْمَاحِقِ الَّذِي تَقِفُ الآنَ مُجْتَمِعَةً، مَعِ انْشِطَارِهَا الْمُزْمِنِ وتَشَظِّيْهَا الْمُتَفَاقِمِ، عَلَى شَفَائِرِ جَمِيْعِ هَاوِيَاتهِ الْمُهْلِكَةِ؟!

***

ولَعَلَّك تَتَّفِقُ مَعِي أَنَّهُ لَيْسَ لِكَلَيْنَا، كَإنْسَانِ وُجُودٍ ونَهْرِ حَيَاةٍ مُتَواشِجَينِ، إلَّاَ أَنْ يَرى هَاتِهِ الْبُرْهَة الانْتِقَالِيَّة الْمُلْتَبَسةِ التَّى نَقْطُنُ دَيَامِيْسَها الآنَ، بِمثَابَةِ حَيَزٍ وُجُوِديٍّ انْتِقَاليٍّ ضِمْنَ أَحْيَازٍ تَشْغَلُهَا أَوْلَى دَوَائِرِ اصْطِراعِ الْوجُودِ والْعَدَمِ في شَتَّى مَجَالاتِ الْحيَاةِ! إنَّهَا، كَمَا أَحْسَبُ، أُوْلَى مَراتِبِ مُسْتَويَاتِ الاصْطِراعِ الْمُتَوَازِيَةِ الثُّنَائِيَّاتِ فِي تَنَاقُضٍ جَدَلَيٍّ، أَبَديٍّ، حَاسِمٍ ومَفْتوحٍ بِطِبيْعَتهِ، ومَكْبُوحٍ، عَلَى نَقيضِ طِبيْعَتِه، مِنْ قِبَلِ قُويً بَشَرِيَّةٍ غَاشِمَةٍ لا يُرَسِّخُ وُجودَهَا، ولا يُؤَبِّدهُ، مِنْ شَيءٍ سِوى كَبْحِ هَذَا الْجَدلِ، أَو تَزْوِيرهِ وتزييفِ طَبيْعَته! غَيْرَ أَنَّي أَعْلَمُ، مثْلَما تَعَلَمُ أَنْتَ ويَعْلَمُ كُلُّ نَهْرِ حَيَاةٍ وإنْسَانِ وُجُودٍ، أنَّة اصْطَراعُ قَابِلٌ، بِلا أَدْنَى ريْبٍ وبِإرادةِ الإنْسَانِ الإنْسَانِ، لإنْهَاضِ طَبِيْعَتهِ الحَقَّةِ وتَجْلِيَةِ وُجُودِهَا الانْفِتَاحيِّ الدَّائِمِ فِي شَتَّى مَنَاحِي الْحَيَاةِ، وفي جَميعِ مَداراتِ الْوجُودِ الحَيَويِّ وأَحْيَازه؛ أَلَيْسَ كَذَلِك؟!

وإَنِّي لأحْسَبُ أنَّ تَأْبِيدَ الْبَقَاءَ في أوَّلِ حَيِّزٍ مِنْ أحْيَازِ أُولَى دوائِر هَذا الاصْطِراعِ الْحَيَاتِيِّ الْوُجُوديِّ، أَو الانْتِقَال مِنْهُ إِلِى حَيِّزٍ سِوَاهُ إِنَّمَا يَقَعُ وِفْقَ مَا يَخْتَارُ كُلُّ كَائِنٍ بَشَريٍّ لِنَفْسِهِ، وبِحَسَبِ مَا يُريدُ وعْيُهُ لِهُوِيَّةِ حَيَاتِهِ، وطَبِيْعةِ وُجُودهِ، وسِمَة مَصِيرُهِ، ومنْ غَيرَ تَقَاعِسٍ وأَعْذَارٍ وذَرائِعَ ومُمَالآتٍ وتَخَلٍّ عَنْ التَّفَاعُلِ الحَيَويِّ مَعْ آخَرِيْهِ، أَنْ تَكُونَ: فَإمَّا الإيْغَالُ فِي سُعُرٍ هَلَاكٍ جَحِيْمِيٍّ يَقْبَعُ فِي قِيْعَانِ عَدَمٍ مُطْلَقٍ يَلِيْقُ، وحْدَهُ، بِمُفْسِدِي الْحَيَاةَ، ومُنْهِكِي الْوجُودَ، مِنْ وُحُوشِ الْبَشَرِ الْمُسْتَعْبِدِينَ آخَرِيْهِم مِنَ الْبَشَرِ والْمُسْتَعْبَدينَ لِآلِهَةِ الْمالِ، وسَدَنَةِ مَعَابِده، وأذْنَابِهم وتَابِعِيْهم؛ وهُوَ مَصَيرٌ يَكْرَهُهُ الْوُجُودُ الإنْسَانيُّ الْحقُّ ويَألَمُ لَهُ، فَلَا يُقْدِمُ عَلَى السَّمَاحِ بِحُدُوْثِه، إلَّا مُمْتَعِضَاً مِنْ بُؤْسِ مَا اخْتارَ الْكَائنُ الْبَشَريُّ الأَنَانِيُّ الْجَشَعُ لِنَفْسِهِ؛ وإمَّا الذَّهَابُ الْواثِقُ صَوْبَ حَيَاةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُفْعَمَةٍ بِحَيَويِّة الْحيَاةِ، وثَراءِ الْوجُودِ، وبِهَاء الْمَصِيرِ؛ حَيَاةٍ إِنْسَانِيَّةٍ خَلَّاقَةِ وُجُودٍ لا يَلِيْقُ سِوَاهَا بِمَا اخْتَارهُ الْإنْسَانِيُّونَ الْأحْرارُ مِنَ الْبَشِرِ، الْمُؤْثِرِينَ آخَرِيْهِم عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لِأَنْفُسِهِمْ ولآخَرِيْهِم، ولا يَرُوقُ لِلوُجُودِ الْإنْسَانِيِّ الْحَقِّ أَنْ يُبْصِرَ، بِأُمِّ عَيْنَيْهِ الْبَصِيْرَتَينِ، وفِي أَيِّ مِنْ مَدَارَاتِهِ، وآفَاقِهِ، ومَرَايَا تَجَلِّيَاتِهِ، إِلَّا إِيَّاهَا!

حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ (IV)

‏أسبوعين مضت مجلاتمفاهيمنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو عبد الرحمن بسيسو تَحَدِّيَاتٌ وُجُودِيَّةٌ وتَبَاينُ خَيَاراتٍ ومَصَائِرْ! هَمَسْتُ، مِنْ فَوْريَ، فِي أُذِنِ نَهْرِ الْحَيَاةِ، شَريْكِيَ الْقَارِيِّ الأُوروبيِّ فِي رحْلَةِ النُّزُولِ الْهَادِئِ الْمُسْتَكِيْنِ إلى مَهَاوي عَدمٍ مُرَاوغٍ وَوُجُودٍ مُؤَجَّلٍ، قَائِلاً: إِنِّيْ لأَفْهُمُكَ، وَإِنِّيْ لَأُقَاسِمُكَ التَّبَصُّرَ والرَّأْيَ، وإِنِّي لأُدْرِكُ مَقَاصِدَكَ، ولَأُجْزِلُ لَكَ عَمِيْقَ الامْتِنَانَ عَلَى حَمِيْمِيَّةِ صَدَاقَتِكَ، ونُبْلِ صُحْبَتكَ، …أكمل القراءة »

حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ III

‏3 أسابيع مضت أخرىمجلاتنصوصنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو عبد الرحمن بسيسو  (III) الأَمْرُ أَمْرُكَ، والشَّأْنُ شَاْنُكَ، أَيُّهَا الإِنْسَانُ شَدَّتْ يَدُ “الدَّانُوبِ”، آخَرِي وشَرِيْكِيَ فِي رِحْلَةِ الْبَحْثِ عَنِ حَيَاةٍ حَيَّةٍ في دَائِرةِ عَدَمٍ مُرَاوِغٍ يَجْتَاحُ أَرْوِقَةَ مُخَيِّلَتَيِّ نَهْرِ حَيَاةٍ وإنْسَانِ وُجُودٍ، ويَفْقَأُ، بِمَخَارِزِهِ الْمَحَمَّاةِ بالتَّرويِعِ، إِنْسَانَ عَيْنَيْهِمَا الْبَصَيرَتَينِ الرَّائِيَتَينِ بِلَا إِبْصَارٍ، الْمُسَيَّجَتينِ، الْآنَ، بِأَمْرِ صُنَّاعِ عَدَمَيْنِ: وَبَائيٍّ …أكمل القراءة »

حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ

‏4 أسابيع مضت مجلاتمقالاتمقالات 0

عبد الرحمن بسيسو عبد الرَّحمن بسيسو (II)- فَحِيْحُ عَدَمٍ مُراوغٍ وصَرِيَخُ وُجُودْ! أَمْسَكْتُ بِيدِ الدَّانُوبِ، سَوِيِّيْ وآخَرِيْ فِي رِحَابِ الْوجُودِ، وشَرِيْكَيَ الْكَوْنِيَّ الْوَفِيَّ فِي رِحْلَةِ الْبَحثِ عَنْ حيَاةٍ حَيَّةٍ فِي بُرْهَةِ حَيَاةٍ أُسِرَتْ، لِتَوِّهَا، في دَيَامِيْسِ عَدْمْ! أَمْسَكْتُ بِيدِهِ ومَضَيْتُ أَخْطُوَ وإيَّاهُ في حُلْكَةِ دُروبِ هَذَا الْعَدمِ الْمُرَاوِغِ، وفِي دَهَالِيزِ سَوادِ …أكمل القراءة »

حِوَارِيَّةُ نَهْرِ حَيَاةٍ وَإِنْسَانِ وُجُودْ

1 أغسطس 2020 أنشطةمجلاتنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو (I) آخَرِي وَأَنَا في بُرْهَةِ عَدَمْ كَذَيْلِ ثَعْلَبٍ ذِئْبِيٍّ طَوِيْلٍ وعَريضٍ، بَرَزَ فَوْقَ أُفِقِ السَّمَاءِ الْبَعِيْدِةِ قَوسُ ضَوءٍ كَامِدِ أَبيْضَ اللَّوْنِ مُصْفَرَّهُ قَلِيْلاً، ومَعْ بُرُوْزِهِ، غَابَ الْقَمَرُ، وغَابَ حَدُّ الْتِقَاءِ الأَرْضِ بِالسَّمَاءِ، وتَلاشَى أُفُقُ لِقَائِهمَا الْمنْشُودِ مِنْ كِلَيْهِمَا إِذْ تَدَاخَل بَعْضُهُمَا بِبَعْضٍ، وغَابَا؛ فَغْمَرَتِ الْحُلْكَةُ السَّدِيْمِيَّةُ السَّوداءُ الْكَونَ …أكمل القراءة »

ماتقوله دُرَّةُ الأرض أو هكذا تتكلَّم فلسطين

17 يونيو 2020 عامةمفاهيمنصوص 0

(نص نثري شعري ممسرح)… عبد الرحمن بسيسو عبد الرحمن بسيسو مقاطع من مشهد أخير .. …(وِقْفَةُ صَمْتٍ عن الكَلامِ مَصْحُوبَةٍ بِنَغَمَاتٍ مُوسِيقِيَّةٍ تَعْكِسُ شُعُوراً بالانْهِيَارِ النَّاجمِ عَنِ الخُذْلانِ والْعَجْزِ عَنِ الفَعْلِ المُفْضِي إلى الانْتِقَال مِنْ واقِعٍ اسْتِبْدَاديٍّ قاتمٍ بَغِيضٍ قَائِمٍ الآنَ إلى واقعٍ مَرْجُوٍّ مَوسُومٍ بِحَقِ الإنْسَانِ في مُمَارسةِ حُرِّيَاتِهِ الأَسَاسِيَّةِ، …أكمل القراءة »

في وصف المَسْخِ الاستهلاكي: كائنٌ أَلْحَوِيٌّ هَجِينٌ وبلاهة طليقة!

11 يونيو 2020 مفاهيممقالاتنصوص 0

عبد الرحمن بسيسو عبد الرحمن بسيسو “يتفاقم النَّهم فينتجُ جشعاً يتفاقم بدوره ليصبح ضرورة وحاجة تتطلبان المواجهة والإشباع. وهنا، في هذه الوضعية على وجه التحديد، يجدُ الكائنُ الأَلْحَويُّ الهَجَينُ نفسه في خضم معتركٍ غريزيٍّ ضَارٍ يأخذهُ إلى توحُّشٍ يمعن في إشباع غرائزَ سوداء.”عبد الرحمن بسيسو ثمَّة قدم تهتزُّ هُنَا، وقدمٌ …أكمل القراءة »

عُدَمَاءُ الدِّينْ!

3 يونيو 2020 عامةمفاهيمنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو – براتسلافا لا ينطوي ما يوجَّهُ من نقدٍ صارمٍ، وما يُتَّخَذُ من مواقفَ رفضٍ حاسمٍ وإدانةٍ قاطعةٍ، لما يُلاحظه النَّاسُ، ويُعانون عواقبه وعقابيله، من تناقضٍ جذريٍّ فادحٍ بين تعاليم الدِّين الإسلامي، كما أيِّ دِيْنٍ آخَرٍ، وأُصوله ومقاصِدِه، وبين ممارسات المُتقنِّعينَ بِهِ، والمُخْضِعِينَهُ لتأويلات تُنافي جوهره وتُناقضُ مَقَاصِدَهُ، والمُسْتَغِلِّينَهُ لاكتساب سلطةٍ قهريةٍ مُصطنعةٍ يمعنون في ممارسة ما تُوْقِعُهُ بإيدهم على النَّاس من ظلمٍ فادح لا تُسَوِّغه، بأيِّ منظور إنسانيٍّ أو حالٍ، المكاسبُ الدُّنيويةُ الرَّخيصةُ التي يُحقِّقونها، سواء لأسيادهم، أو لأنفسهم، أو للقلَّةِ القليلةِ من جماعتهم وأتباعهم ومشايعيهم؛ أقولُ لا ينطوي هذا النَّقد، وذاك الرَّفصُ، وتلك الإدانة، على أي قدرٍ من التَّسَرُّع أو الافتعال أو الزَّعم الظَّني الباطل، ولا يُمكن حَمْلُ أيٍّ منها على أدنى قَدْرٍ من التشويه أو القسوة أو التَّحامل المُتَعَسِّفِ على “عُدَمَاءِ الدِّين” الذين يزعمون أنَّهم “عُلَماءُ دِين”، “ومُبْتَعَثو إلَهٍ”، أو يظنون أنهم قد قبضوا على حقائقَ كونيةٍ مُتعاليةٍ عَجِزَ الأخيرون، أي عُلَماءَ الدِّين ودارسينهِ ومعتنقيه مِنَ الأفرادِ المُؤَهَّلين، ولا يزالونَ يعجزونَ، عن التماس بصيص ضوء يُرشِدهم إِلَى مَا قَدْ يُرشِدهم إليها!فظاهِرَةُ إمعان “الجُهَلاء” و”المُشَعْوِذِينَ” …أكمل القراءة »

صُورةُ المرأةِ بينَ ظِلَّينِ وَوَهَجٌ!

29 مايو 2020 بصغة المؤنثمفاهيمنصوص 0

عبد الرحمن بسيسو للتأصيل النَّظري المفهوميِّ، مقروناً بالتَّنزيل الواقعي العمليِّ، لمفهوم الهُوية الإنسانية، تلك التي يقف الرَّجل والمرأة على ضفتيِّ نهرها المُتَقَابلَتينِ، والمتداخلتينِ في مجرى تفاعل ثَريٍّ  تنسربُ مساراته عبر انسيابية الماء الجوهري الواحد الذي ينداحُ عليهما فَيُكْسبهما الجوهر نفسه؛ لهذا التأصيل المقرون بتنزيلٍ فعليٍّ في واقع الحياة المجتمعية الإنسانية، …أكمل القراءة »

الإِلَهُ الآتِيْ أو ثَقَافَةُ الْوْعِدِ الدِّيمُقْراطِيْ

13 مايو 2020 مجلاتمفاهيمنصوص 0

عبد الرحمن بسيسو “لَعَلَّه بات واضحاً لِكُلِّ ذِي بَصِيْرةٍ أَنَّ المسارات الحضارية الْحَداثية التي أمعنت في تحقيق الخير والنعمة، قد أمعنت أيضاً، وفي الوقت نفسه، في إلقاء فضلاتها السوداء على وجوه الحياة، والطبيعة، وجباه الناس” لئن كانت مقاربات جاك ديريدا المبثوثة في العديد من مؤلفاته الفلسفية ومحاوراته ومقالاته، ولا سيما …

شاهد أيضاً

الأطفال والتفلسف

محمد بوبكري محمد بوبكري يفصل بعض الناس بين مختلف الحقول المعرفية ويقيمون جدرانا شاهقة وسميكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *