الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / قراءة في محاورة “القوانين” لأفلاطون

قراءة في محاورة “القوانين” لأفلاطون

محمد الحاجي

محمد الحاجي

مدخل:

تعتبر محاورة “القوانين” من أكثر المحاورات الأفلاطونية دقة ورزانة، لكونها آخر أعمال فيلسوفنا، الصادرة في فترة شيخوخته. ولكونها كذلك –أي أنها آخر أعماله- فإنها عند أغلب المؤرخين والباحثين في الفكر السياسي الأفلاطوني، مرجعا هاما وضروريا، بل وكانت عند بعضهم مرجعا أساسيا لتمحيص فلسفة أفلاطون ومحاولة تمييزها عن القول السقراطي.

 لقد امتازت محاورة القوانين إذن، بأسلوبها الجاد والرصين الذي يميزها عن كتابات الشباب لأفلاطون، والتي كان يطغى عليها الأسلوب السقراطي. على هذا الأساس، كان ترتيب المحاورات الأفلاطونية من طرف بعض المؤرخين قائما على مقارنة كل منها بالمحاورة الأخيرة، والتي هي “القوانين”، على مستوى الأسلوب وغيره من الخصائص الأدبية التي تخصها، “فكلما كانت نسبة هذه الخصائص الأسلوبية المتوفرة في القوانين كبيرة في محاورة ما، كانت أقرب الى القوانين، وكلما كانت نسبة هذه الخصائص أقل، كانت أبعد عن القوانين، وأقرب الى المحاورات السقراطية الأولى التي كتبها أفلاطون في شبابه”[1]

أولا: مراحل تطور الفكر السياسي الأفلاطوني:

لقد أثارت هذه الفكرة الملخصة في عنوان هذا المحور، انتباه العديد من المؤرخين المهتمين بالفكر الأفلاطوني بشكل عام، والشق السياسي منه، بشكل خاص. إذ نجد من بينهم –كما هو الحال عند إميل برييه- من قام بتقسيم المحاورات الأفلاطونية إلى ثلاث مراحل أساسية؛ مرحلة الشباب (أو المحاورات السقراطية)، ومرحلة النضج، ثم مرحلة الشيخوخة. في حين نجد بعض هؤلاء الباحثين، أمثال زيلرZeller وتايلور منTaylorقسم هذه المرحلة الأخيرة بذاتها الى قسمين، مستنتجين بذلك المراحل الأربع لتطور الفكر الأفلاطوني:

  1. المرحلة الأولى: مرحلة المحاورات السقراطية؛ وتشمل تلك المحاورات التي حاول من خلالها أفلاطون احياء النقاشات التوليدية لأستاذه سقراط. والتي تركز على مناقشة معنى الفضائل. من بين أهم هذه المحاورات يمكننا أن نذكر: محاورة الدفاعApology، وأوطيفرونEuthyphron، والكتاب الأول من محاورة الجمهوريةLa république؛
  2. المرحلة الثانية: محاورات مرحلة التنقل؛ وهي المحاورات التي بدأ من خلالها أفلاطون يكتشف طريقته الخاصة لعرض آرائه؛ بمعنى أن هذه المحاورات تظهر نوع من التميز الأسلوبي لدى أفلاطون عن الأسلوب التهكمي التوليدي لأستاذه سقراط[2]. أما من الناحية التاريخية فقد كتبت معظم محاورات هذه المرحلة قبل تأسيس أفلاطون للأكاديمية، أو على الأقل بعد تأسيسها بوقت قصير[3]، ومن أبرز هذه المحاورات نجد: محاورة جورجياسGorgias، ومينونMeno، وأوثيدموسEuthydemus.
  3. المرحلة الثالثة: محاورات مرحلة النضج؛ وهي المحاورات التي تظهر الفكر الافلاطوني الخالص، من حيث التعبير، وإن كنا نجد من بين هذه المحاورات ما له صلة بنوع من تخليد الخطاب السقراطي، كما هو الحال في محاورة “فيدونPhaedo”؛ التي يروي فيها أفلاطون أحداث اليوم الأخير من حياة أستاذه سقراط. لكن هذا لا يعني أن هذه المحاورة سقراطيه بالدرجة الأولى، ما دام صاحبها قد اعتمدها ليعرض أسسه النظرية حول طبيعة النفس، مقدما براهينه العقلية على خلودها. أما أهم محاورات هذه المرحلة فنجد منها: محاورة المأدبةSymposium، وفيدونPhaedo، ثم الجمهوريةla république (من الكتاب الثاني الى العاشر)؛
  4. المرحلة الرابعة: محاورات الشيخوخة؛ وهي المحاورات التي كتبها فيلسوفنا في آخر حياته. أما من حيث موضوعاتها، فقد تمحور غالبها على اظهار التطور الأخير لفلسفة أفلاطون، من حيث الدقة والرزانة في مقاربة موضوعاته. ومن بين هذه المحاورات يمكننا أن نذكر؛ محاورة بارمنيدسParmenides، و”القوانينLes lois”[4].

أما ما يهمنا من هذا العرض (مراحل تطور الفكر الأفلاطوني)، هو الوقوف على المنطق الذي يقود الفكر السياسي الأفلاطوني، خاصة الانتقال من “الجمهوريةLa république” الى “القوانين Les lois”. ومحاولة رصد كيف تحولت المقاربة الافلاطونية للفكر السياسي اليوناني بشكل عام، ولمفهوم “الحق والعدالة” بشكل خاص، من مقاربة متعالية أو لنقُل مثالية في محاورة الجمهورية وكذلك محاورة السياسي، إلى نظرة محايثة ومصاحبة للعالم المعيش الأثيني، كما هو حال محاورة “القوانين”.

هكذا نجد الكتاب الأول من “الجمهورية” يشير إلى الأسلوب السقراطي لدى أفلاطون، في تناوله للفكر السياسي، حيث يبدأ بمحاولة تعريف “العدالة”[5]. أما الكُتُب الأخرى من المحاورة ذاتها؛ أي “الجمهورية”، والتي قلنا إنها تنتمي لمرحلة النضج، فقد تحدث فيها فيلسوفنا عن عناصر الدولة المثالية. لكن هذا الإشكال المتعلق بأسس الدولة الديموقراطية، سيعاود أفلاطون طرحه بشكل أكثر رصانة وتريث، في محاورة “القوانين”، أي في مراحل متأخرة من حياته الفكرية.

ثانيا: تلخيص محاورة القوانين:

تتلخص أطروحة أفلاطون في محاورته القوانين، في القول بوجوب أن يكون للدولة دستور. والغاية من ذلك هي تحقيق المَثل الأعلى للمدينة، كما رسمته الجمهورية، شريطة مراعات طاقة الإنسان ومقتضيات حياته.

لبسط القول حول هذه الأطروحة، عمد فيلسوفنا إلى تقسيم محاورته إلى اثنى عشر كتابا، يمكننا أن نلخص أفكارها كالتالي:

  1. من الكتاب الأول إلى الكتاب الرابع: يتمحور القول حول مقدمة عامة في وجوب قيام التشريع على الفضيلة والعدالة.
  2. من الكتاب الخامس إلى الثامن: في نظام الدولة السياسية وقوانينها.
  3. من الكتاب التاسع إلى الثاني عشر: في الجزاءات والعقوبات المتعلقة بكل أنواع الجرائم والنزاعات.

أما إذا أردنا تفصيل كل كتاب على حدة، يمكن أن نعرض ذلك على الشكل التالي:

  • الكتاب الأول: ويتلخص في أفكار ثلاث:
  • هدف الدولة هو السلم لا الحرب، وينتقد في هذا الأمر التشريع الكريتي (نسبة إلى مدينة كريت) القائم على الاستعداد للحرب.
  • نقد التحريم الإسبرطي (نسبة إلى إسبرطة) والكريتي للخمر وما شابه ذالك من أنواع الملذات والمتع التي يقبل عليها المواطنون.
  • إن الطفل الصغير الذي لم يجرب قط الخمر وغوايته، يستطيع أن يدرع نفسه بالعفة دون مجاهدة.
  • الكتاب الثاني: في هذا الكتاب يُظهر أفلاطون المزايا الاجتماعية، التي يمكن أن نستمدها من التنظيم المناسب لاستعمال الخمر، والتي لا تظهر إلا بعد فحص مزايا الموسيقى والشعر وغيرها من الفنون، كمطية للتعليم الأخلاقي المبكر. ويختم الرجل كتابه هذا بالإشارة إلى وجوب تهذيب الحاسة الخلقية عند الطفل (كما فعل في الكتاب الثالث من الجمهورية).
  • الكتاب الثالث: يبدأ هذا الكتاب بتساؤل الأثيني حول ماهية المدينة؟ وكيف تقوم الدولة؟، وما هو الدستور الناجع لهذه المدينة؟[6] لمعالجة هذا الإشكال، يعود أفلاطون إلى التاريخ اليوناني القديم، متتبعا كيف تطورت النظم والدساتير السياسية. وينتهي هذا الكتاب بتأكيد أفلاطون على الحكومة الأرستقراطية المقيدة بهيئات نيابية، والتي تكفل التوازي بين السلط المختلفة، في مقابل حكومة الطغيان التي تغالي في حب السلطة، أو حكومة الديموقراطية التي تبالغ في الحرية[7].
  • الكتاب الرابع: ويتمحور حول الخصائص الطوبوغرافية للمدينة. ويؤكد في هذا الكتاب، على وجوب أن يضع السياسي نصب أعينه الخصائص الجغرافية للمدينة، وهو ما يظهر من قول أفلاطون على لسان الغريب الأثيني هذا: “ما يهمني أكثر في سؤالي هو هل يكون الموقع بحري أم غير بحري”[8].
  • الكتاب الخامس: في هذا الكتاب يعرض أفلاطون سيمات البناء الاجتماعي والسياسي لمدينته المثلى، وتتلخص فيما يلي:
  • إنه كيان من التشريع المنسق المنهجي؛
  • إنه جهازا تنفيذياً مكون، من الحكام القضائيين، والمجالس الرسمية لتطبيق ذلك التشريع.

بالإضافة الى هذا يؤكد أفلاطون على أن يكون أساس الاجتماع البشري داخل المدينة “غير مشاعي”. ذلك أن نظام العائلة الخاصة وما يتعلق به من ملكية سيكون من النظم الأساسية. وبالتالي يبدو أن هناك نوع من التراجع عن فكرة الشيوعية، التي تقول بها الجمهورية. رغم أن أفلاطون لا يحبذ الملكية الخاصة بشكل خالص، فمثلا يقترح توزيع الأراضي على المواطنين بشكل متساوي، مع مراعات قيمتها وبعدها أو قربها عن مركز المدينة، وحسبه في ذلك أن يجعل من مواطنيه أشد ارتباط بأرض مدينتهم بكاملها.

  • الكتاب السادس، والسابع، والثامن: في هذه الكُتب الثلاث، يعرض أفلاطون فكرة مشتركة بينهما، والمتمحورة حول دستور أهم المأموريات القضائية، والمكاتب الإدارية، حيث يقول أفلاطون على لسان الأثيني: “والآن وبعد كل ما عالجناه، سيكون عملك التالي فيما أضن، هو تكوين المأموريات في مجتمعك”[9]. أما هذه المأموريات فيمكن تلخيص مكوناتها على الشكل التالي: 1) حراس القانون، وعددهم 37 عضوا، يتمتعون بذكاء وخلق، أما سنهم ففوق الخمسين وتحت السبعين، أما عملهم فيختص بمراقبة كل ما فيه صالحٌ للقانون. 2) القواد، وعددهم 3 يعينون الضباط لمختلف فرق الجيش. 3) مجلس الشيوخ، وعدد أعضائه 360 عضوا، يحكمون بالاتفاق مع حراس الدستور، ويتداولون السلطة، لكل ثلاثين منهم شهرا واحدا، وفي باقي السنة يعنون بشؤنهم الخاصة. 4) الكهنة والكاهنات، في عدد يكفي لإقامة الطقوس والعناية بالهياكل. 5) الشرطة. 6) وزير التربية ينتخبه الشيوخ لخمس سنين. 7) المحاكم، وهي ثلاث: واحدة لفض الخلافات الشخصية، وتؤلف من جيران المتهمين؛ وأخرى تُستأنَف إليها الخصومات التي تعجز المحكمة الأولى عن فضها؛ أما الثالثة فهي للحكم في الجنح والجنايات[10]

كما يناقش في هذه الكتب الثلاث بعض القوانين الخاصة بسن الزواج والخدمة العسكرية؛ ففيما يتعلق بسن الزواج، يستوجب أن يكون الرجال ما بين 30 و35 سنة، والنساء بين 16 أو 17 و20 سنة. وحيث كان الهدف من الزواج هو الحفاظ على النسل، كان من الواجب فرض قوانين معينة في حالة الزوجة العقيمة، وغيرها من حالات الخلاف حول انعدام النسل. إذ يستوجب تأليف مكتب خاص بشؤون الزواج، بحيث سيتكلف بحل الزواج في حالة الزوجة العقيمة، وكذلك محاولة تدبير النزاعات والخلافات بين الزوجين، كما من شأنهم أن يفرضوا عقوبات على من تمرد على حكمهم.

أما بالنسبة للخدمة العسكرية، فيحدد أفلاطون سنها كالتالي: بالنسبة للرجال فيجب أن تتراوح أعمارهم ما بين 20 و60 سنة، كما كان عليه الحال في أثينا؛ أما بالنسبة للمرأة إذا ما كُلفت بالخدمة العسكرية، فيجب أن يكون ذلك بعد الوضع وقبل سن الخمسين. كما يستوجب عدم إسناد أي وضيفة مدنية إلى الرجال ما دون سن الثلاثين، والنساء ما دون سن الأربعين.

ويختم أفلاطون حديثه هذا بمناقشة موضوع التربية، حيث يشدد على أن تتأكد السلطات أن الحاضنة تتيح للأطفال اللهو والتمرينات الرياضية اللازمة، كما يجب أن يتمتع الطفل ما دون سن الثالثة باللعب والتسلية مع أقرانه… أما تلقي الدروس فيجب أن يبدأ في سن السادسة، مع عزل الذكور عن الإناث. ويؤكد أفلاطون على تعليم الذكور الركوب واستعمال بعض الأسلحة مثل الأقواس والنِبال والقلاع، والشيء ذاته بالنسبة للإناث قدر استطاعتهم. أما موضوعات الدراسة فيجب أن تتمحور حول الحساب من أجل الأعمال اليومية، وكذا أوليات الفلك لفهم التقويم، وقدرا من الموسيقى ليعرف الفرد كيف يحدث نغما على قيثارته، إلى جانب القراءة والكتابة إلى سن السادسة عشرة.

  • الكتاب التاسع: في هذا الكتاب نرى أفلاطون يعرض بتفصيل، القوانين المتعلقة بالجزاءات والعقوبات التي تدخل في تنظيم أنشطة الحياة لعامة الناس. بحيث يعود للتأكيد على إنشاء محكمة موحدة تبث في كل القضايا التي تعرض عليها. ومن بين هذه القضايا نجد: الاتجار مع العدو؛ انتهاك حرمة المعابد؛ تخريب قوانين الدولة، وإثارة الفتنه، بالإضافة إلى السرقة. أما هذه الأخيرة فيشدد أفلاطون على أن تخضع لنفس العقوبة المنصوص عليها، سواء كانت السرقة كبيرة أو صغيرة، بحيث يسجن السارق ما لم يستطع دفع ضعف ما سرق، أو يصفح عنه المدعي، سواء كان المدعي مواطنا فردا أو جمهورا (دولة).
  • الكتاب العاشر: يستمر في هذا الكتاب في تحليل مثل هكذا قضايا، المتعلقة بالعقوبات القانونية، بحيث نراه يعرض قانون التهجم على الغير ملخصا محتواه كالتالي: لا ينبغي لأحد رفع أثاث الغير، بل حتى ولا يستعمل ممتلكات الجار بدون أمر مالكها. كما يشدد على أهمية هذا القانون الذي يضعه في الترتيب قبل جرائم الاعتداء على المزارات الخاصة، والقبور الخاصة، وعقوق الوالدين[11].
  • الكتاب الحادي عشر: وهو الأمر نفسه يستمر فيه فيلسوفنا في هذا الكتاب، حيث نراه يعرض سلسلة من القوانين الخاصة بجرائم أقل حدة، كقانون منع الغش في البيع والشراء، وقانون تنظيم التجارة، وإدارة الفنادق، وقانون رعاية الأيتام، وفرض احترام الوالدين، وغيرها.
  • الكتاب الثاني عشر: أما في هذا الكتاب الأخير، فيعرض سلسلة من القوانين التي تدخل في مجال القانون العام؛ من قبيل جريمة الاختلاس من المال العام، وسوء خُلق السفراء والهيئات العامة، كتزييف الرسالة المكلف بتسليمها، أو تمويه ثابت للبلاغات التي تأتمنه الدولة عليها، فكل مثل هؤلاء الأشخاص سوف يناقشون الحساب بسبب جريمة التدنيس المرتكبة ضد وظيفة وشريعة زيوس وهرمس، وسوف يتحدد أي حكم وأي غرامة بعد الإدانة[12].

ثالثا: من مدينة “الجمهورية” الى مدينة “القوانين”:

لقد حاول أفلاطون في محاورته الأخيرة “القوانين”، توضيح الخطوات العملية لتحقيق المدينة الصالحة على أرض الواقع، بعدما كان اهتمامه في محاورتي “الجمهورية” و”السياسي” منصبا على بيان النموذج المثالي للمدينة. خاصة في محاورة الجمهورية التي استجمع فيها فيلسوفنا المبادئ الأساسية لفلسفته السياسية[13]. أما محاورة “القوانين” كما تقول الأستاذة أميرة حلمي مطر “فقد أظهرت لنا (محاورة القوانين) الطريق لتحقيق الدولة الواقعية”[14].

هكذا تضعنا مقاربة الفكر السياسي لدى أفلاطون من خلال المقارنة بين لحظة الجمهورية ولحظة القوانين، أمام مفارقة يمكننا صياغتها على الشكل التالي:

  • أولا: إما أن “الجمهورية” قد تحققت وبالتالي لا داعي للحديث عن الجمهورية بالطريقة نفسها، بل ما يجب الحديث عنه هو القانون ونوعيته، وجدية القوانين الصالحة لهذه الجمهورية؛
  • ثانيا: وإما أن الرجل قد أدرك أن حلم الجمهورية صعب المنال، إذا لم نبدأ بالقوانين الصالحة والفعالة، والتي من شأنها تقودنا نحو مدينة فاضلة بفضل مواطنيها الصالحين، ما داموا يلتزمون بقوانين مدينتهم.

إن ما يبدو أقرب إلى الصواب، هي الفرضية الثانية؛ أي أن الرجل قد تبين له بعد ثلاثين عاما من كتابته للجمهورية، أن تحقيق المدينة الفاضلة لا يستقيم فقط بتنصيب ملك فيلسوف على رأس الجمهورية، بحيث يكون هو عقلها الآمر والمشرِّع للقوانين التي تنظمها؛ بل يستقيم ذلك (بناء مدينة فاضلة) بتدارس القوانين الصالحة، واللاَّزمة للمدينة الفاضلة، بحيث يكون الحاكم والمحكوم معا، يسلكان طبقا لما تنص عليه هذه القوانين، لا مخالفتها. وهو الأمر الذي يمكن لأي متصفح لمحاورة “القوانين” أن يلاحظه، في شخصية الغريب الأثيني الذي سافر الى كريت ليتطلع طبيعة قوانينهم التي تنظم شؤون حياتهم اليومية في كل مناحيها المختلفة.

إن ما يميز الفكر السياسي عند أفلاطون في محاوراته السياسية الأولى، خاصة في “الجمهورية” و”السياسي”، هو سيره على ضوء “وضع السلطة السياسية في يد الحاكم الفيلسوف، الذي يعرف وحده الخير والشر، وقد كان هذا الرأي يصدم شعور الإغريق بالحرية في ضل القانون، وما كانوا يتطلعون إليه من مبادئ ديموقراطية تقرر حق الشعب في المشاركة السياسية”[15]. الأمر الذي دفع أفلاطون بعد سنين من التريث، إلى مراجعة آراءه السياسية والعدول عن الغلو في نظرياته حول الحاكم الفيلسوف.

هكذا جاءت محاورة “القوانين” في سياق إعادة الاعتبار لـ “القانون” بدل الحاكم وإن كان فيلسوفا. ومعنى هذا أن أفلاطون هنا سيحاول تقديم نظرية في الحكم السياسي؛ تجعل الحاكم والمحكوم خاضعين للقانون. وهو ما نلاحظه بجلاء من خلال استدعاء أفلاطون – في محاورة القوانين- شخصيات بارزة، من ذوي الخبرة الطويلة في عالم السياسة فكرا وممارسة. يصاحب هذا الأمر غياب تام لأستاذه سقراط، من هذا النقاش السياسي الراهن. فكانت شخوص هذه المحاورة مكونة من: الغريب الأثيني، والذي يستبعد أن يكون هو سقراط كما تقول الأستاذة أميرة حلمي مطر، ما دام هذا الأخير (سقراط)، لم يغادر قط أثينة[16]، بل يبدوا على أن الأثيني الغريب هو أفلاطون ذاته؛ ثم نجد الى جانب شخصية الغريب، كلينياس الكريتي وميجالوس الاسبرطي.

رابعا: في مصدر وطبيعة القوانين:

تجري أحداث هذه المحاورة في كريت، حيث يقدم أفلاطون شخصياته الثلاث، وهم شيوخ يتمشون في مدينة كنوسوس الكريتة، قاصدين كهف زيوس على جبل آيدا. في هذه اللحظة يخبرنا الأثيني أن زيارته لكريت هاته، إنما جاءت إثر قصده اكتشاف قوانين كريت القديمة المستمدة من الإله زيوس، وهي قريبة الشبه بقوانين إسبرطة المستمدة من الإله أبولون. الأمر الذي يتضح من خلال الحوار التالي:

  • الأثيني: إلى من يمكن أن ينسب فضل تنظيم قوانينكم أيها السادة؟ أترى ينسب لإله ما، أو لبعض البشر؟
  • كلينياس: ولمَ ذلك السؤال؟ إنه ينسب لإله ما يا سيدي، لإله بالتحقيق، وبالنسبة لنا ينسب لزيوس، وبالنسبة للاسيدومونيا وهي ما ينتسب إليها صديقنا –ينسب- كما أعتقد ووفقا لقصصهم- لأبولون، أليس الأمر كذلك؟ (مخاطبا ميجالوس).
  • ميجالوس: بالتأكيد[17].

هكذا يسترسل الشيوخ الثلاث في مناقشة طبيعة القوانين الكريتية، ليتضح من نقاشهم أن التشريع الكريتي إنما وضع ليلائم حاجات الحرب، فالطبيعة قد فرضت على كل مدينة أن تكون على أهبة الاستعداد للحرب مع المدن الأخرى، إلى أن صار النصر في الحرب غاية كل الغنائم.

ففي الوقت الذي يحاول الكريتي، أن يبسط وجه نظره هاته حول طبيعة القوانين، بادر الغريب الاثيني إلى إقناعه، أن غاية الدولة لا يجب أن تكون هي الحرب، بل على العكس من ذلك يجب أن يكون السلام هو الغاية القصوى لكل مدينة مثلى. وهو ما نلمسه من استغراب الأثيني في تساؤله مع الكريتي كلينياس، حول الغرض الذي ترمي إليه القوانين الكريتية عندما أقرت بنظام تناول الوجبات على نحو جماعي، والهدف من تدريباتهم الرياضية وعتاد الحرب الوفير الذي يمتازون به؟ ليتضح له من رد الكريتي أن الغرض من كل ذلك هو تكوين جنود أشداء على أعدائهم ومتدربين على وعورة تضاريسهم[18] .

هكذا يفهم الغريب الأثيني، من قول كلينياس الكريتي، أن ما يضعه المشرع الكريتي نصب أعينه أثناء صياغته للقوانين في كل لحظة هو الحرب وشؤونها[19]. وحيث كانت الغاية هي الحرب لا السلام، فإن القوانين الكريتية كانت لها الفرصة في أن تبدع في إعداد رعايا يمتازون بفضيلة الشجاعة ويقبلون عليها، من خلال امتناعهم عن كل أنواع اللذة من مآدب وحفلات الشراب[20]. الأمر الذي دفع بالأثيني الى التحفظ عن موقف الكريتي حول طبيعة تشريعاتهم القانونية، التي تحصر الشجاعة في التخلي عن اللذات وطلب التقشف في الحياة، وكأنها تتغيى الموت بدل الحياة، ما دامت تجعل من المواطنين آلة تصقل باستمرار من أجل الحرب. أما الدولة المثلى في نظر الغريب الأثيني لا تتحقق بفضيلة الشجاعة وحدها وبالطريقة التي يتصورها الكريتي، بل هي في حاجة إلى أن تتعدى فضيلة الشجاعة إلى فضيلة الاعتدال.

إن الاعتدال بالنسبة لأفلاطون كما جاء على لسان الغريب الأثيني لا يتحقق بالامتناع عن اللذات والتحريم الكلي للخمر وغيره من ملذات الحياة، كما هو الشأن عند الكريتيين والاسبرطيين، وإنما في تدبير نظام اشباع الشهوات. على هذا الاساس فلا حاجة مقبولة للمشرع الكريتي في تحريمه للخمر. خاصة وأنه يمتاز بفوائد اجتماعية جمة، وأن شاربي الخمر إذا ما أحسنت قيادتهم سلكوا سلوك المهذبين، وكانوا مثالا متينا للتدرب على ممارسة الاعتدال والعفة[21]. وهو الأمر الذي تسير عليه أثينا ذات الحرية النسبية كما جاء على لسان الغريب الأثيني.

هكذا نرى أفلاطون في شخص الأثيني “يأخذ على نُظم كريت وإسبرطة، قسوتها على مواطنيها، ويبين أثر الفنون الجميلة على المواطنين منذ الصغر ليكونوا مواطنين صالحين”[22]. بل أكثر من ذلك؛ إن فعل احتساء الخمر مثلا الذي تذمه القوانين الكريتية، يصبح فعلا مستحبا وجائزا، إذا ما علمنا بميزاته وقدرته على رد خاطر الشاب الذي شَبّ على الرذائل، إلى خاطر صبي يسهل إعادة ترويضه وتدريبه على الفضائل وترك الرذائل. إنه الأمر الذي يظهر بجلاء في الحوار التالي الذي دار بين الأثيني وكلينياس:

  • الأثيني: حسننا إذا، وأخبرني لنفرض إننا أغرقنا دميتنا في الخمر، فما هي النتيجة التي سنحصل عليها من ذلك؟
  • كلينياس: لماذا تدور وتعود إلى ذلك؟ وما هدفك من سؤالك؟
  • الأثيني: إنني لم أصل بعد (إلى لماذا). إن ما أريد أن أعرفه إنما هو بوجه عام كيف تتأثر هذه الدمية بالمشاركة في الممارسة. ودعني أحاول أن أشرح المعنى بدقة أكثر. إن سؤالي يصعد إلى ذلك المستوى، مستوى أن شُرب الخمر يجعل لذاتنا وآلامنا وأمزجتنا وقابليتنا للتأثير: أكثر حدة، أليس كذلك؟
  • كلينياس: نعم أكثر حدة الى حد كبير.
  • الأثيني: وماذا عن إدراكنا، وذاكرتنا، وعقائدنا، ومعارفنا، أتصبح أيضا أكثر حدة، أم هي تترك صاحبها تماما إذا ما أغرق نفسه في الشراب؟
  • كلينياس: ولماذا؟ إنها تتركه بإطلاق.
  • الاثيني: وبذلك يرجع الإنسان القهقري إلى عقله، في طفولته الأولى؟
  • كلينياس: بالتأكيد.
  • الأثيني: وذلك هو الظرف الذي تصبح فيه السيطرة على النفس في أضعف حالاتها؟
  • كلينياس: بلى.
  • الأثيني: وتستطيع أن تقول عن ذلك الرجل إنه في أسوء حاله؟
  • كلينياس: حتما.
  • الأثيني: وإذا، فإصلاح الطفولة الثاني يبدو قابلا للتطبيق في حالة السكر، كما يطبق في حالة الشيخوخة.[23]
  • كلينياس: لقد أوضحت الأمر توضيحا يدعو للإعجاب يا سيدي.

إن هذا النقاش المتعلق بتدبير اللذات والغرائز في مدينة القانون، والذي أخذ حيزا مهما من الكتاب الأول والثاني من محاورة القوانين، يظهر كيف أن “العدالة” لا تتحقق بشكل فوقي، وإنما هي ما ينتج عن تطبيق القانون فقط. وبالتالي يمكن القول: إن مدينة القانون لا تُدرك باعتبارها برادايم (نموذج) العدالة، القائمة على البنية الثلاثية لمدينة الجمهورية. كما أن مدينة القوانين لا تقدم العدالة باعتبارها كاملة في ذاتها، بل من حيث ما هو ممكن تحقيقه بفضل مواطنيها[24]. وبالتالي فنحن في حاجة الى وضعيات القانون بجزئياته وتفاصيله، التي تستوعب نمط الحياة اليومية للمواطنين، بدرجة تعقيدها وتشابكها، بدل الحديث عن المنظور الكلي لمعنى العدالة؛ بمعنى آخر، إن مدينة القوانين ستدعي الانتقال من الكليات الى الجزئيات، أي مما هو متعالي أو إلهي أحيانا، إلى ما هو محايث وإنساني بالدرجة الأولى.

على هذا الأساس نجد أفلاطون ابتداءً من الكتاب التاسع من محاورة القوانين، يناقش جزئيات القانون، وما يتعلق بها من إجراءات قضائية ناشئة عن كل الأنشطة الحياتية. هكذا يؤكد أفلاطون أن الأمر يحتاج الى روية وتريث، للتفكير في شؤون الناس على نهج إنساني محايث لما يعيشونه في زمنهم هذا، ذلك لأننا كما جاء على لسان كلينياس الكريتي “لسنا في مركز مشرعي العصور السالفة، التي كانت تشكل قوانينها لعصر أبطال كانوا إذا جاز تصديق الروايات الشائعة، أبناء آلهة. وكانت قوانينهم تسن لرجال من نفس النسب السماوي، إننا لسنا غير بشر، والقانون الذي نفترضه إنما من أجل الزلل الإنساني”[25]

إننا إذن أمام مواطن من طينة إنسانية، تتميز بالقصور الذي قد يؤدي أحيانا الى زلات معينة، وبالتالي يجب على المشرع أن يضع نصب أعينه كل ما يمكن أن يقع فيه إنسان المدينة من زلات وجرائم غير مقبولة لدى عامة المواطنين. لذلك نرى أفلاطون في شخصية الأثيني الغريب، يحاول أن يناقش هذه القضايا في جزئياتها الدقيقة كل منها على حدة، بدءَ بقضايا الدين؛ أي التداول في عقوبات الذين يتجرؤون على حرمة وقدسية المعابد، مرورا  بقضايا خيانة الدولة، وما يتعلق بها من إثارة الشغب والفتنة، بأن يحاكم مرتكبي هذه الجرائم أمام نفس القضات، مع مراعات أن لا تلحق الأحكام التي ستعاقب بها المدانون، بأهلهم وذويهم من ولدان وأطفال مالم تدان العائلة بأكملها أمام المحكمة، ففي هذه الحالة سيتم نفي العائلة كلها الى موطنها الأصلي مع ما ممتلكاتهم الأولى، أما ما حصلته العائلة في المدينة فسيتم مصادرته من طرف المحكمة وتوزيعه على المواطنين بالقرعة[26]. ويضيف الغريب الأثيني أن هناك طبقة ثالثة يجب أن تحاكم بنفس الطريقة وأمام نفس المحكمة، مع اختلاف الأحكام، ألا وهي طبقة أولئك الذين يمكن أن يقدموا للمحكمة بتهمة الاتجار مع العدو[27].

هكذا يقترح الأثيني أن تُألف المحاكم من قضاة يتعهدون بتطبيق القانون واحترامه، وأن تُعرض الحالات الثلاث من الوضعيات المذكورة آنفا، على المحكمة ذاتها، سواء كان المجرم متاجرا مع العدو أو منهك لحرمة المعابد، أو مخرب بالقوة لقوانين الدولة. أما بالنسبة للص فيجب أن يعاقب وفق قانون موحد، سواء كانت السرقة كبيرة أو صغيرة، إذ “يجب عليه أن يدفع ضعف قيمة الشيء المسروق، إذا أدين بهذه التهمة، وكان يملك أشياء كافية[…] كي يدفع. وإذا كان لا يملك، فسيودع في السجن إلى أن يدفع المبلغ إلى الشاكي الناجح أو يتسامح فيه.  أما من يُدان بسرقة الجمهور، فسوف يطلق من السجن إما بالحصول على الصفح من الدولة، أو يدفع ضعف المبلغ”[28].

خاتمة:

حاصل القول، إن مفهوم “الحقLe droit” في محاورة القوانين، لا يرتبط بالدرجة الأولى ببرادايم العدالة، كما هو الأمر في محاورة الجمهورية. بل يرتبط بشكل مباشر بـ “القوانين” المنظمة للحياة الجماعية داخل المدينة. ففي “محاورة الجمهورية” نرى أفلاطون وكأنه –إذا جاز لنا القول- يفترض خيرية الإنسان، في مقابل شريته أو قصوره المفترض في القوانين، والذي لا يُقوَّم إلا بواسطة القانون. إن الإنسان الخير في مدينة الجمهورية لا يحتاج إلى قانون بل يحتاج فقط إلى معرفة بنياته النفسية الثلاث المنعكسة في صورة مجتمع في طبقاته الثلاث، مع وجوب أن تحترم كل طبقة عملها دون التدخل في عمل الغير لتتحقق الفضيلة الضامنة لاسمرار الإنسان الخير في المدينة. لكن كيف يمكن ضمان التزام كل طبقة وكل فرد بالعمل المنوط به دون التدخل في عمل الغير؟ هذا ما لم تجيب عنه “الجمهورية”، فكان ذلك هو موضوع “محاورة القوانين”، التي لم تقف عند القول بـ “يجب أن تفعل كذا“، بل تعدته إلى صياغة أكثر وضوحا، وهي الصيغة الشرطية: إذا فعلت كذا فإنك ستعاقب أو تجازا بكذا*.

  الحواشي:


[1] مصطفى النشار، تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، الجزء الثاني: السوفسطائيون- سقراط- أفلاطون، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط-، القاهرة، 2000، ص:170.

[2]  المرجع نفسه، ص: 172.

[3]  المرجع نفسه، ص:173.

[4]  المرجع نفسه، ص: 174.

[5]  المرجع نفسه، ص: 172.

[6]  أفلاطون، محاورة القوانين، الكتاب الثالث، ترجمة عن الإنجليزية محمد حسن ظاظا، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1986، ص:161.

[7] يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012، ص:131.

[8] أفلاطون، محاورة القوانين، الكتاب الرابع، سبق ذكره، ص:207.

 أفلاطون، محاورة القوانين، الكتاب السادس، سبق ذكره، ص:267.[9]

[10] يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، سبق ذكره، ص:132.

[11] أفلاطون، محاورة القوانين، الكتاب العاشر، سبق ذكره، ص:447.

[12] أفلاطون، محاورة القوانين، الكتاب الثاني عشر، سبق ذكره، ص:527.

[13] أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، دار المعارف، الطبعة 5، القاهرة، 1995، ص:23.

[14] المرجع نفسه، ص: 23

[15] المرجع نفسه، ص: 23.

[16] المرجع نفسه، ص: 24.

[17] أفلاطون، محاورة القوانين، سبق ذكره، ص:84.

[18] المصدر نفسه، ص:84.

[19] المصدر نفسه، ص:84.

[20] أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، دار المعارف، الطبعة 5، القاهرة، 1995، ص:24.

[21] محمد حسن ظاظا، مقدمة المترجم لمحاورة القوانين، سبق ذكره، ص:30.

[22] أميرة حلمي مطر، سبق ذكره، ص:24.

[23] أفلاطون، محاورة القوانين، سبق ذكره، ص:113-114.

[24] Richard F.Stalley, «La justice dans les lois de Platon», Revue Française d’histoire des idées politiques, 2002/2 (N° 16), P.230-231.

[25]  أفلاطون، محاورة القوانين، الكتاب التاسع، سبق ذكره، ص:405.

[26]  المصدر نفسه، ص:409.

 [27]  المصدر نفسه، ص:410.

 [28]  المصدر نفسه، ص:410.

*  إن ما يميز الصيغة الأولى (يجب أن..) عن الصيغة الثانية (إذا.. فإن..)، هو أن الأولى تشير إلى ما ينبغي أن يكون، أي مالم يتحقق بعد في الواقع الحالي بل هو مرتبط بالمستقبل أو لنقل إنه مثالي؛ أما الصيغة الثانية فهي متعلقة بحكم ما حول شيء قد وقع في الماضي أو الحاضر. لذلك إدا كانت “الجمهورية” تتعلق بالصيغة الأولى، و”القوانين” بالثانية، يمكننا أن نستنتج أن انتقال أفلاطون من مدينة الجمهورية إلى مدينة القوانين، هو انتقال في الحقيقة من عالم المثل إلى عالم الوقائع. خاصة وأن العالم الأول كامل وبالتالي لا يحتاج إلى توجيهات أو إصلاح، بينما العالم الثاني ولقصوره وعدم كماله، فهو في حاجة إلى توجيهات وتقويمات مستمرة، وهو نفسه الدور الذي تقوم به القوانين.

المصادر والمراجع:

  • أفلاطون، محاورة القوانين، ترجة عن الانجليزية محمد حسن ظاظا، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، .1986
  •  النشار مصطفى، تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، الجزء الثاني: السوفسطائيون- سقراط- أفلاطون، دار قباء للطباعة و النشر و التوزيع، ط- ، القاهرة، 2000.
  • كرم يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة هنداوي للتعليم و الثقافة، القاهرة، 2012.
  •  حلمي مطر أميرة، الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، دار المعارف، الطبعة 5، القاهرة، 1995.
  • Richard F. Stalley, « La justice dans les Lois de Platon », Revue Française d’Histoire       
    des Idées Politiques 2002/2 (N° 16), p. 230-231.

شاهد أيضاً

فوكو وميلاد المستشفى: الفيروس التاجي هو مصيبة الرأسمالية في العصر الحديث

إنجاز : محمد ازويتة مدخل حظي موقع كوة الثقافي بالعديد من المقالات و الحوارت ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *