الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / حدائقُ الجُنونِ .. هكذا يزرع الشعراء

حدائقُ الجُنونِ .. هكذا يزرع الشعراء

سامي عبد العال

سامي عبد العال

         يهجس الشعرُ- فيما يقول – برؤى العالم والحياة، لا ينفصل عن أكوانِّه القصوى، بل يلبي نداء لغةٍ ذات أطياف وتجليات كلية. حيث يفيضُ ثراؤُها الدلالي بوجُوه الإنسان وأسراره وأغوار أخيلته. فالشعر ذو طابع إنساني جمالي بالمقام الأول، ولا يقر له قرارٌ دون أنْ يلامس حنايا الوجود. الشاعر الحق هو من يسقِي أربابه جنونَ العشق والمغامرة تاركاً الموجودات تقتاتُ من لحم قصائده. يفعل ذلك دون مقابل، ليمنح الهبات gifts التي تُهْدى رحْباً وسعةً للآخرين، إنَّه يعيش حيوات اللغة الثرَّة حيث تُقارِب الأشياء وتعيد خلقها من جديدٍ.

       الشاعر– من قديم الخيالِ- تراوده أطياف المقدس والميتافيزيقي، ولولا أنَّه يمتطي خيول اللغةِ في معارك التصنيفات، لعُلِّق في ساحة الأفكار كمصلوبٍ تنهشه الجوارح. ورغم ذلك، لم ينسَ الشعراءُ مزاحمة الديانات والأساطير، هذه المساحة من قول “الأصلي” (الأساسي- الجذري- الماورائي). أي كيف يقولون ما هو أصلى في الحياة؟! هنا غزا الشعر مساحةَ الأصلي بجماليات الإبداع داساً أشباحها في الجُمل والمقاطع. ومع ذلك، فقد تطل برأسها أحياناً خلال احد المواقف تجاه العالم وقد تبدو متواريةً ضمن تناص تاريخي أو ديني أحياناً أخرى. كلُّ شاعرٍ هو ميتافيزيقي عملاق، يعتصرُ أعشاب المقدس عبر الأخيلة والاستعارات. فتحيله صائغاً فريداً لبناء الصور والمعاني إذ يغوص في بحار العشق، ويؤلف من أصداء الكون حُروفاً تتهجى نقوش الذاكرة والحياة.

دوائر مهشمة

       بهذا المعنى، ثمة دوائر كُليةٌ لأشعار المبدع العراقي ” يحيى السماوي” لا تكف عن التشكُّل، تأخذ أطياف الصور الفراغية وشبه الممتلئة وغير القابلة للامتلاء، ثم تختمر بمادتها الأولى التي تبذر التاريخ والحيوات طُراً. دوائر ذات حركةٍ انسيابيةٍ ولا معقولة قد تبدأ من أدنى إلى أقصى وقد تأتي من المجهول والغرائبي لتحل قريباً. عبر هذا الكل، يصطنع الشاعرُ عالم الدلالات المترعة بتجاربه الإنسانية. حتى أنَّ قارئاً ليحار: كيف يَلحِم( يضم ويمسك) السماوي بكلماته أطراف الكون، كيف يغرس الحياة ويطرز جسداً من الماء والنار والتراب والهواء وكيف يرسم الوطن والصديق والحيوان والجماد والعُشاق وكيف يخاطب الإله والسماوات والأرض بأنامل الألفاظ؟!

       أهي براعم غضَّة داخل كل “ما يكون” أم أنها عطايا اللغة؟!، ولا سيما أنَّ اللغة العربية في تجربتها المقدسة( القرآن) تهجس بفعل الكينونة:” إنما أمره إذا أراد أنْ يقول للشيء كن فيكون”. الكينونة أمر جُود كما يقول محيي الدين بن عربي لا أمر زجر وإكراه. الشعر فعل الجود، الهبة، العطاء على الأصالةِ، ولذلك فهذا الـ” كن ” يغري الشعراء بمد يد القدر اللغوي إلى منتهاه. ويسلك الدروب ذاتها في أعماق عباراته. حيث لا يتوانى السماوي عن تجريب ” الواعر الجمالي ” منها لرسم صورة المعاني المجردة بكيانات لفظية حسية  كالجنون في هيئة( حدائق) أو كالعشق في شكل أنثى (معشوقة)، ثم يدع المعاني تنطلق مرات ومرات لتحلق بعيداً حاملةً لخمائر التجربة وبقاياها. والأنثى محض رداء دلالي يخلعه على الأوطان والحقائق والأشياء، إنها أحد أقانيم العشق الذي يتناسل إلى عديد الكائنات والأصداء. الروح تصبح جسداً والجسد يصبح روحاً في إحالةٍ لا تنتهي بين العاشق والمعشوق.

          في احد براعمه وعُشيباته الأخيرة، يقول يحيى السماوي:

“.. وزفـيـرٌ دافـئٌ مِـنـكِ

إذا اسْــتـنـشَـقـتُـهُ

تـصـبحُ روحـي جَـسَـداً..”

( يحيى السماوي، براعم شعر وعشيبات نثر، قصيدة منشورة بموقع المثقف، 29-7-2020)

     يأتي الزفير عادةً بعد الإحساس الذي ينتاب الإنسان أو هو نفسه، بحيث يكون تعبيراً عن حال ما.. وكذا الشهيق صنو( رد) الزفير الخارج لتوه، إذن في رياض المحبين (حدائق الجنون)، يغدو المعشوق( زفيراً) والعاشق (شهيقاً) في رئة واحدةٍ هي العشق، كل زفير هو شهيق بلحظاتنا الحميمة. والمقصود ليس تجدُد الهواء، لأنَّ العشق خالق، مبدع، مُكِّون، هذا الـ” كن” المقدس في تفاصيل اللغة الشاعرة حتى الثمالة. فعل الكينونة بمثابة اللحم الرمزي الذي يصوغ منه الشعراء جميع ما يملكون، يشعرون خلاله بنبض الوجود. وبالتالي ليس غريباً ألاَّ يكون الزفيرُ ضجراً وسأماً، إنما لخلق حياةٍ أخرى. وفوق هذا وذلك، تأتي الروح كموطن للعرفان جسداً للتنسُك والرياضة الروحية والرغبات. أي لا يقود العشقُ إلى الروح فقط كما التسامي النفسي والصوفي، بل يقلب( يخلق – يجسد) الماوراء إلى مادةٍ، أي يجعل الخيال كائناً حيّاً.

     ولاسيما أنَّ اللفظ الشعري فسيلة لحياة ضافيةٍ، لها لُبابها وأوراقها الغضة والتفافها المكتنز بالطيات. وليس سهلاً فكُ الطيات في براح الدلالة أو ضيقها دون أنْ تنمو في خيال المتلقي، أي تتبرعم وتتعوشب بلا حدود، لكونها مطويةً جوانياً، كلمات وراء كلمات، دوال وراء دوال، وعلامات داخل علامات. وهذه خاصية جُمل السماوي: أنَّ الجُمل الشعرية “شتلات غرائبية” حاوية لعصارة الحياة وملتفة بنسغ التجارب والأخيلة والأبعاد الدلالية معاً. إنها حياة متنوعة في ثرائها اللامحدود، وبالداخل سنجد كل الصور عبر شريحة واحدةٍ لو أمكن. كأننا مطالبون بتنقيب حفري وراء أية جملة ناهيك عن الحركة الأفقية التي تمتد كنباتات متسلقةٍ في جميع الآفاق، تمسكاً بدبيب الحياة والظلال والنور والمنافذ والانحناءات. ليس هناك في قصائد السماوي عبارات نهارية فقط أو ليلية فقط، عبارات شمسية أو أخرى فجرية( الفجر)، عبارات غسقية أو غيرها اشراقية( شروق)، فكل عبارة مضفورة كجدائل نزقة بجميع الألوان الحرة في الأبيات المتهدلة على ردهات القول الشعري.

      فقد تكون العبارات نهاريةً وفجأة تنطوي على أطياف ليلية أكثر جمالاً وتشي بالغنى والتنوع، وقد تكون عبارات مشرقة كإشراق الشموس، لكنها تستحضر غسقاً بعيداً، فيشتم القارئ زحف الزمن الآتي وراء الغمام، وتبلل الكلمات رائحةُ الماء العالقة بالصور. هذا القواسم تنبت في جوف خصوصيتها، ليس يبعدها عن الأخرى شيء، هي حالة مخاض تتخلق في آفاق القراءة.

فسائل العناوين

     تنبض أشعار يحيى السماوي بهذه التيمات القصوى لما تقوله اللغة وتطويه وتخلقه وترسم مداه (جمعاً لا فرداً). ثم تعود لتجني من حقوله الغنَّاء أشهى الثمار وأغرب الأفكار وتغزل من نباتاته أثواباً مذهلةً. وهي كمعانٍ ليست إلاَّ نوعاً من التوحُد الأصلي بنزوع خالق قارٍ في أعماقنا. لنتذكر دوماً “كن فيكون”، ومن سيكون غير ميتافيزيقا البصمات اللغوية التي ورثها الشعراء؟! وتظهر البصمات في دواوين يحيى السماوي من عناوينها:” تيممي برمادي”،” ثوبٌ من الماء لجسدٍ مـن الجمر”، ” حديقة من زهور الكلمات”، “مناديل من حرير الكلمات”، “شاهدة قبر من رخام الكلمات”، ” اطفئيني بنارك”،” بعيداً عني قريباً منك”،” لماذا تأخرت دهراً؟”،” عيناك دنيا”.

        غير خافٍ أنَّ تأمل العناوين ليس أقل من الوقوف على سنامِ القول ووهاده باللحظة ذاتها. العنوان يُفصح، يرسم كوناً من الكلمات التي توزع أحاسيس الشاعر إلى أبعد نقطةٍ وبرهةٍ ممكنتين. مثل النجوم التي تتناثر في كبد السماء راسمةً بقعاً من أضواءٍ. دوماً تجوب الأحاسيس عند السماوي الأقاليم والبلاد والفضاءات المكانية والروحية. الأحاسيس جغرافيا العشق والجمال الذي يتجلى كتجلي الرؤى لدى العارفين، أي عملية من المكاشفة نفسها لكون اللغة هي العالم والعكس صحيح. لا يفصله عن الـ” هنالك” سوى مجرد كلامه الذي هو فعل وجودي. وفي عتبات السماوي النصية، تبدو الكلمات كونية الطابع، هي معجم العالم التي يعيد صناعة أحوال العشق منها، في وضع يشف عما يقول. فالتيمُم عمل مقدس ترابي للقيام بالصلاة ونلجأ إليه في حالة عدم وجود الماء، وبدلاً من التراب- على الطريق ذاته- سيكون الرماد وهو الخلاصة الحافظة لبقايا العاشق.

     هذا العاشق الذي اكتوى، تلظى بنيران الحب حتى الاحتراق، كأنه يقول: لقد احترقت وفنيت ولن يجد المعشوق سوى بقاياي لصلوات العشق. والحب مقدس، ومادة كونية ولا يستحق غير كيان الشاعر بوجوده الدلالي. والطقوس الجنائزية هي نفسها طقوس الحياة لإقامة الشعائر. ففي العشق الموت هو الحياة والعكس كذلك حيث الميلاد الجديد. والشاعر يومئ إلى أن رماده فيه كل الحياه، يقبل الموت عشقاً ليحل في طقوسه التي تحمل الأمل، الاتصال. ليست القضية فناء بمعناه العرفاني الحسي، لكنها علاقه من نوع فريد.

 ربما تتبدى تلك السمة من أول قصائد الديوان( ميلاد):

“.. في عيد ميلاد الحديقة

ترتدي الأزهارُ أجمل عطرها

وتصيرُ أحداقي فراشات

وقلبي خيمةً

أوتادُها من جلنار..”

 (يحيى السماوي، تيممي برمادي، إصدار مؤسسة المثقف، سيدني استراليا، الطبعة الأولى، 3018، ص 7).

دوماً عمليات الميلاد فعل كوني، لأن كل الكائنات تشترك في سمتين مكررتين عند السماوي (الميلاد والموت) مشدودتين على وتر العشق. والاشتراك اشتراكُ تجاذب وتنافر لا أقدار محتومة. كل حب هو ميلاد وموت، نهاية وبداية داخل بعضهما البعض. ونظراً لأنه عشق حقيقي، فهو يشكل الوجود في كل مرة يقول نفسه، ومن أول وهلة يطرح الشاعر لغته على هذا الصعيد. إن ميلاد الحديقة لهو ميلادٌ للطبيعة ككل، وهو (هو) عيد ميلاد اللغة التي تصنع كوناً محايثاً لسواه.

  ليس غريباً أن ترتدي الأزهار أجمل عطورها، لأنها غدت مثل الحروف التي تكتسى دلالتها، ومع أن الأزهار لا توجد بلا عطر إلاَّ أن الشاعر ترك لها اختياراً يليق باللغة، فلتتخير ما تشاء إنْ أرادت مغادرة روائحها المعتادة. بالتوالي تخرج الأحداق كفراشات  ساحرة وهو فعل تعبيري يواكب العشق الكامن في العيون. والأحداق ككلمةٍ أكثر عمقاً من العيون. فقد يرى الإنسان شيئاً، لكن ربما لا يعْلق بالذاكرة ولا يصل لدرجة الارتباط به. أمَّا الأحداق، فهي دال ينقل غائر التعلق الجواني، الباطني، أي التحديق والرؤية والتذكر والإعادة لحد الامتلاء. ولذلك ليس الأمر لغة فقط، إنما رؤية كاملة حول الحب. وفي تراث الحب تمثل العيون روضة العاشقين، هذا الامتلاء من الداخل بما يحب الإنسان ويهوي.

       والفكرة مقصودة في قريحة الشاعر، لأنَّ صور الأحداق لا تتخلق كفرشات إلاَّ إذا كانت صوراً حية ومترعة بالأعماق. هي صور تثير الرغبة الدفية في الخلق، أخذ دلالة التأله القديم فيما يحب الشاعر ويعشق. وليس خلقاً لأية كائنات، لكنه دفقات لأنفاس الحياة، فالفراشات رقيقة، بريئة، وادعة، رائعة الجمال تطوف على الأزهار هنا وهناك، شفافة لدرجة التلاشي، عديمة الوزن لكونها ضد فيزياء الكراهية والسأم.

     والسماح بأنْ تصير الأحداق فراشات أمر يضمر تناصاً قرآنياً:” فأصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا..”، وإنْ كان القائل لا يصبر لحكم العشق، فيحول احداقَّه إلى فراشات معشوقة. ولكن المعنى أقرب إلى تناص آخر: ” ولتُصنع على عيني”… حيث يحيل الشاعر ملءَ أحداقه إلى معشوقات. والاشارة لا تعوزها الإثارة لأن العاشق يصنع معشوقه بكل ما يملك من هوى، يزخرف ويؤصل وينحت ويضع كامل الأوصاف ونادر السمات.  ذلك كله كصورة للحب لا للمحبوب فقط، أي تكون ريشته كلية كونية بما لا يحتمل لمألوف من الصور. وهل هناك أكثر جمالاً وإدهاشاً من الفراشات الهائمة؟!

      ولم يكتف الشاعر بهذا، بل جعل قلبه خيمة أصيلة أوتادها من زهر الرمان (جلنار)، والجلنار زهور دافئة حميمية ترتبط بذكريات الإنسان طفلاً وصبياً وشاباً يافعاً ولا تخلو من نزق الحياة وحسيتها. ولهذا لم تغب جلنار عن عذابات وذكريات أشخاص كانوا قد عاشوا طفولتهم وربما كهولتهم تحت أزهارها وسمعت حكاياهم واسرارهم لتختزلها في عمق الجذور علهم يعودون يوماً وقد ملوا الحياةَ باحثين عن ذكرى وسر جميل مخبّأ في جذورها الراسخة التي احتضنتهم فيما مضى. 

إحساس كوني

        الجلنار أشجار العشق والألفة والجذور الضاربة بعمق الحياة الإنسانية. يقال إنَّ أبانا آدم عندما أخذ يبحث عن حواء ذات مرةٍ حمل بين يديه كثيراً من زهر الرمان كي تتعرف عليه. وإيذاناً بقدوم الصيف تأتي جلنار بألوانها الحمراء الدافئة المتدرجة كتدرج ألوان الشمس وتوقظنا من غفوات الشتاء وتقلب الربيع كي ننطلق ولكن في الأعماق هناك شعور بضرورة العودة الى الطبيعة. وحين ننظر إلى جلنار، لا نمر مرور العابرين دون روح حميمٍ يشدنا إليها، فهي كائن حي كما الإنسان تعيش وتموت ولها دورة حياة، تتنفس وتلتف حول نفسها لتبقى قريبة من الشمس، تختفي وتغيب في سبات عميقٍ أثناء الشتاء القارس وتعود الى الحياة مع حلول الصيف النابض وضجة الناس بحثاً عن التفتح.

         يتوحد السماوي بهذا المعنى الطبيعي. والتناص النباتي هو بقايا إحساس كوني من ثقافات الشرق القديم. أنْ يكون الإنسان شجرةً هو الحياة أو زهرةً  تلامس خدودها نسائمُ المساء وتبللها قطراتُ الندى في باكر الصباح. كل ذلك يلخصه الشاعر في صياغة قلبه كخيمة، والقلب هو اللغة العتيقة التي تسكنه، لغة الحب والعرفان والتقلب مع أحوال العشق والامتزاج مع النباتات والطبيعة والموجودات .. فجميعها هبات كونية لا تُرد.

        يحبذ المثل الصيني:” إذا كان لديك رغيفان، فبِعْ أحدهما واشتر بثمنه زهرةً، فلو كان الخبز غذاءً للجسد، فالزهر غذاءٌ للروح”… باع السماوي الرغيفين معاً، لكونِّهما قد تحولا  لديه إلى روائح عشق، فكانا بمثابة الغذاء والرواء والدواء، لأن العشق يضمن الوجود والروح معاً. وهو ما يعنى أن لحم الشعراء( القصائد) لغة ثرية ثراء الزهور ويمثل طبائع الأشياء وعبق الثقافات. هذه المعاني ترقد في هوامش ومقاطع السماوي رقود الروح من الجسد، وكما أشرت سلفاً، فإنَّ العشق يعيد الحياة في اللغة والوجود لروح الشاعر.

        وليس ذلك فقط، بل أراد نصب خيمة من الدفيء الشاخص في زهر الرمان، أوتاد الحب وروح الحميمية والتنسك بموفور الحياة. ولعل الخيمة في الذاكرة العربية  كانت رمزاً للأصالة والكرم والضيافة والاحتماء بالذات واقتسام الأمل والوجود كما يقتسم العشاق الخبز. كأنَّ القلب يصطنع من نفسه وطناً للعشق، تظلله الحياة وتسهر عليه مشاعل الدفيء. وهكذا تمكنت لغة الشاعر من بناء محراب العشق بأنامل من دلالات مغموسة في مفردات الأشياء، يصبو الشاعر خلاله نحو عالمه الحميم ذاته الذي لا ندري أهي الطبيعة على اتساعهما أم قلبه الذي هو خيمة؟! بستان تصبح فيه الزهور أُناسا، عشاقاً وتغدو القلوب جلناراً، والإحالة بين المفردات والمشاعر تحقق أصداء المعنى وتثير الخيال.

      يلتقى الأمر مع أساطير العشاق، والفكرة لها صدى ميتافيزيقي عميق. تقول إحدى الاساطير: إن راعياً اسمه “كروكوس” أحب حوريةً تُدعى “سميكلاكس”… وهامَ بها عشقاً لدرجة الجنون. وكان الراعي يتتبع خطاها كما يتتبع ظلال قطيعه الذي يرعاه. وأنَّ الآلهة تأثرت كثيراً لهذا الحب الخالص وخشيت على الراعي من الموت، فحولته إلى زهرة زعفران تجوب الزمان والمكان. والمعروف أن أزهار الزعفران هي أزهار أبدية تنمو في كل الفصول ولا تموت. وبالتالي ظل تبادل أزهار الزعفران اليوم رامزاً إلى أبدية العلاقة بين من يتهادونها. وتحويل الراعي إلى زهرة فواحة، أي تم اعتبار وجوده خُلوداً يتناثر بين العشاق، ومع كل زهرة مهداة تتعلق رائحته برائحة الهدية لدرجة الدفيء. يتناقلها العشاق وتطلقها أنفاسهم عبقاً قيد الهواء. والراعي لا يقوم بدور الرعاية بل الحب والنظر البعيد والتبصر ودرء المخاطر. وتلك المعطيات توجد مباشرة في العشق، لأن العاشق راع وحادٍ للأرواح بالدرجة الأولى. وقد أشار هيدجر فلسفياً أن علاقة الإنسان بالوجود ليست علاقة ميتافيزيقية ولا علاقة نسقية تقف به في نقطة لا عودة إنسانية ، إنما هي علاقة رعاية، الإنسان يرعى الوجود والكائنات ويسهر علي كيانها الطلق.

       وفي عَجُز القصيدة(ميلاد):

“غلمانيَ الأزهارُ..

والأشجارُ حاشيتي الأنيسة..

والجواري النايُ والغزلانُ ترعى

في مراعي الأبجدية، والهزارْ!”

(يحيى السماوي، تيممي برمادي، ص 10)

 يواصل الشاعر إحساسه النابض بالرؤية السابقة باعتبار الأزهار غلماناً تقف بجواره وتحوطه كبراعم للحياة، والاشجار حاشيته الأنيسة. والفكرة هنا قائمة على إبدال ضمني لمعاني الكلمات. وأساسها تحويل معاني السياسة الراقدة في الخلفية بوصفها سلطاناً وصولجاناً إلى ندماء يؤنسون وحده أو بالأحرى توحُده بالطبيعة. يشطب الشاعر المعنى المعروف عن الحاشية حين تمثل غلبةً وشكيمة للحاكم، حيت تكون أثمه الباقي، لتصبح في القصيدة حاشية من الأشجار، من الأعشاب والبراعم، فما أغرب أن يأخذ السماوي الأشجارَ ملجأ وحياة إلاَّ إذا كانت معانيه ذات وجوه أخرى، وهي لن تكون كذلك في وقعها اللغوي المباشر بقدر ما هي لغة الوجود.

       لكن الشطر الأخير يصف اللغة منقوشة وموشومة في جسد العالم، حين ترى الغزلان في مراعي الأبجدية، والتناص الصوفي لا يفلت من السياق.  يقول ابن عربي: لقد أصبح قلبي قابلاً كل صورة.. فمرعى لغزلان ودير لرهبان”. فلا تكون القلوب مرعى لكائنات تأكل ما تشاء سوى بالحب. والشاعر يضيف معنى لطيفا: أنَّ اللغة هي الحب. تعريف يضاف إلى تعريفاتها المختلفة، بل أكثر تعريفاتها طرافة على الإطلاق. فالأبجدية هي حشائش الوجود والكلمات جنباً إلى جنب من حيث كونها حشائش القلوب. على غرار قول الكتاب المقدس” في البدء كان الكلمة”. وليس يكفي أخذ المعنى بانطباعه المبدئي، لكنه معنى عميق جداً. يترك الكائنات بما تأكل في مرعاها ليشير إلى كون الحب أساس الوجود، ولولا الحب ما كانت لتسير الأشياء في مداراتها ودلالتها.

أشجار الجنون

      الشيء نفسه يتجدد مع ديوان: ” ثوب من الماء لجسد من الجمر”. فالتناقضات أضداد حية لا تحتوي على الأخيلة وحسب، لكنها تأتي من لغة طبيعية بالأساس. وربما المتناقضات أقدم ما يوجد في الكون حيث تشكل المادة السرية المدفونة في كافة تفاصيله. وليس الأمر أسبقيةً زمانية، لكنه وجود ضروري في صلب الأشياء. والثوب يشي بالإلباس، الارتداء، التغطية، لعله عملية خلق بحكم أن الماء مادة الحياة الأولى، وجسد من الجمر هو النقيض الملائم للماء. فالجمر ليس ناراً، إنه خلاصة النار لدرجة الكمون. سر النيران التي تتلظى وقد مرت عليها الأوقات فأنضجتها. فربما لو كان الجسد من نيران لخمدت أو أُطفئت، لكن الجمر خاصية كامنة لا تنتهي، يسرى تحت الرماد. الجمر يشع حرارة هادئة ونافذة، عاملةً على سريانها.

           التقاء الماء والجمر ليس حالة سلبية، انهاء للعنصرين( الماء والنار)، لكنه تكامل، عشق لدرجة التوحد العجيب. بدليل وجود الجسد واضحاً لكونه يتميز بالعنصرين معاً، بينما الجمال هو حرقة اللوعة ولهيب العواطف والمشاعر. التناقض في الوحدة والوحدة في التناقض هما أقرب توصيف لحال العشق. وعنوان ديوان” اطفئيني بنارك” هو المفسر لحال كهذا، لكون النار لا تطفئ النيران، وأن النار لا تطلب مثيلتها كمن يقول النيران تأتي على النيران. وحده العشق لا يستدعي تعجباً من هذا القبيل. وبالتالي ليس هناك تعارض في العنوان يبطل ما يتوقعه القارئ، إنما يراكم العشق فوق العشق، أي يجعل الدال تراكماً ثرياً يستحضر جملة معانٍ. ولن تكون النيران قادرة على إطفاء ذواتها الأخرى، لأن الوضع واحد ومتنوع بأشكال مختلفة.

 حتى يفضل الشاعر حد الجنون في قصيدة” حديقة الجنون”:

“.. وهـا أنـا

خـلـعـتُ عـقـلـي

وارتـديـتُ بُـردَةَ الـجـنـونْ

مُـبّـشِّـراً

بـجـنـةِ الـضـحـكـةِ والـقُـبـلـةِ

والـمـائـدةِ الـتـي يـكـونُ خُـبـزُهـا

أكـبـرَ مـمـا  يَـسَـعُ الـمـاعـونْ

وبـالـنـدى

والـتـيـنِ والـزَّيـتـونْ

فـي جـنَّـةٍ أرضـيَّـةٍ

أعَـدَّهـا الـلـهُ لِـمَـنْ بـالـعـشـقِ

يـؤمـنـونْ

وفـي سـبـيـلِ الـلـهِ

وردَ الـفـرحِ الـضـوئـيِّ

يـغـرسـونْ

لا يـبـتـغـونَ

غـيـرَ مـرضـاةِ الـفـراشـاتِ

ومـا تـحـلـمُ فـي رؤيـتِـهِ الـعـيـونْ

فـلـتُـعْـلِـنـي الـعِـصـيـانَ مِـثـلـي

وادْخـلـي آمـنـةً حـديـقـةَ

الـجـنـونْ “

( يحيى السماوي، ثوب من الماء لجسد من الجمر، دار تموز للنشر والتوزيع، دمشق- سوريا، الطبعة الأولى 2016، ص ص 52-54)

 والقصيدة مهمة برأيي لعدة أسباب:

  1.  هي تكملة لقصيدة الميلاد التي عرضت مقطعيها بالفقرة السابقة. والتكملة بصيغة التناص داخل معجم الشاعر نفسه ورؤيته.
  2. 2-  تمثل علامة غرس وتهيئة وتوسعه لمعان إضافية تحملها قصيدة الميلاد.
  3. 3-  هناك تواتر يمثل انزياحاً للكلمات المفاتيح في قصيدة الميلاد: الحديقة، الاشجار، الفراشات، الجنة” في سياق آخر.
  4. 4-  يبلغ العشق ذروة الجنون الذي  يعطي المعاني فائضاً غريباً ومختلفاً.
  5. 5-  تكبر الحديقة وتعبر عن اللغة في تصويرها وتعبيرها بالمثل.
  6. 6-  أظهرت الحديقة كونها غاصة بالعشق، المادة المطلوبة للحياة بقوانين خارج المألوف.

        يعلن الشاعر سردياً( القصيدة سردية واضحة) بعد أن أظهر شرائع الآمر بالقتل والذبح والتابوت ومجافاة الحياة( وهي خلفية القصيدة)، أي شيوخ الكراهية، أقول يعلن بعد إجهاد أنه “خلع عقله وارتدى بردة الجنون”… والمعنى خطير فلسفياً. لأن خلع العقل ليس إبطاله، بل البحث عن طريق آخر للمعرفة التي أجهدت الإنسانية. فالمعرفة تتعدد بتعدد أنفاس البشر. رُوي أن صوفياً دعا الله أن يحرره، فسلب عقله!! فالعقل هو تحرير من العقل الذي هو قيد التكليف وقيد التعقل الذي ينوء به الإنسان. والسماوي يضَّمن كلماته هذا الخيط الرفيع بحثاً عن تحريرٍ ما. ولكنه يعالج القضية من جهة العشق، الحب. هذا الذي جعله متماهياً مع الزهور والجبال والكائنات بموضع سابق.

      إذن التعامل مع كراهية الحياة ليس بتعقلها، لأن الحياة لا عقل لها( هي مجنونه ببساطة)، هي لا تخضع لعقلانية أرهبها اصحاب العنف المقدس وضيَّق مجالها فقهاء التحريم، إنما أن تعاش بكافة تناقضاتها، بروحها المغامر. والسماوي يرسم الحياة كعرفان برغباتها المقدسة قدسية الإنسانية، قدسية العشق. وقول السماوي بمجرد خلع العقل دال على خلع الحجاب، لأنه العقل في موضع الأسرار والملذات والتجليات يعد حجاباً كثيفا. والأثر في القرآن واضحاً أن الشعراء في كل واد يهيمون، يقولون مالا يفعلون ولهم نطاق نمن الاغواء والمخاتلة. وإجمالاً فإن مجرد قول الشعر، مجرد التكلم باللغة، فذلك هو الجنون نفسه، إذا أردنا توضيحاً فاللغة بيت الجنون. لأنها تفتح عمل اللاعقل، تفتح ثراء المعاني والتأويلات اللا متناهية والعوبة دون حدود.

 والرداء الذي ربطه الشاعر بالعقل هو بناء الثقافة التي زادته تكلساً، فالثقافة هي الرداء التاريخي الذي يراكم الحقائق والأفكار حاجباً الدهشة النافذة إلى جوهرها. ولذلك كان مناسباً فعل الخلع، الذي يعري، ويظهر ويحرر الموضوع من الأغلال بالوقت نفسه. وارتداء بُردة الجنون دلالة على العيون والأسرار الأخرى، البردة ذات إهاب مقدس  كمنا هو في التراث الديني والشعري( بردة كعب بن زهير- بردة الإمام البوصيري). وإزاحة المعاني حركة فائقة الدلالة من الشاعر حين جعل للجنون بردة، وهو استحضار الطرف الآخر للمعادلة. فليس العقل دائما يعني الشيء الصحيح، فقد يكون أول من يسلم القضايا برمتها إلى الدين والتسليم. وبالتالي لا يقل (وحي) الجنون عن الوحي في قوة فهمه للعالم والأشياء.

 لكن ما الجنون المقصود؟! إنه ليس اختراعاً ولا انحرافاً، لكنه قدرتنا على الاستمتاع بحياة حرة طليقة، لا تقف بنا على هوس المغالاة ولا فوق حدود الهاوية. الجنون تبشير بجنة الضحكات الصافية والبسيطة التي تسع السماوات والأرض. وتكللها قبلات سارحة بين أفواه العشاق. الضحك يصرف الهموم ويغذي الروح ولو كان ضحكاً للضحك حتى الامتلاء. لم ينس الشاعر المائدة بعد هذه المائدة الأيروسية العامرة: العشاق، الحب، الضحك، القبلات (غذاء الروح)، والطعام مما لا يتسع له الماعون( غذاء الجسد). فالخبز هو إدام الحياة  وعطائها الشهي. الخبز يلخص جوعاً للعيش كما يسمى في بعض ثقافات العرب، وهو الاشتراك فيما بين الأحباب في لقمة خبز( عيش)( بيننا عيش وملح). العيش أرض المائدة والملح هو ملح الأرض، إذن ليس يبقى إلاَّ الود والحب. وحفلت المسيحية بالتبادل الدلالي بين العيش( المادي) وبين العيش الأبدي، فاعتبرت المسيح خبز الحياة لكل البشرية. والماعون دال يقف بين حدود المعنى والاستعمال، ليدل شعرياً على التنوع والكثرة والفيض حتى يغدق على الآخرين.

 ثم يعمِّد الشاعر حدائق العشق في الكون عبر النباتات ( التين والزيتون) والصباح( الندى) في جنة أرضية، هكذا بصريح العبارة: أن الجنان ليست موجودة فقط في السماء ونهاية الحياة والعالم، بل بإمكان البشر خلقها في الأرض، وتكون جنة مما نرى ونسمع ومما   يخطر على جنون قلوبنا. وكأن الشاعر يقول ليس العشق انتظاراً لجنة ماورائية بل هو إدخال الجنة إلى قلوبهم. والاثنان سيلتقيان لأنهما وعدٌ إلهي معاً. أساسهما العشق الذي هو ما يؤجل وما يقرب، وسيتحقق في العشق الخالص كاملُ الإيمان. كل عشق هو ضرب من الإيمان الذي يعدنا بجنان، إنه الطريق إليها ، بل هو( العشق) هي( الجنة) بالأصالة.

       يتردد في الخلفية قول القرآن( سارعوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين…”، والإعداد إلهي في الحالين : التقوى والعشق، لكن من علاقة؟ هي الخلوص الذي يحيل الكائن إلى نور يكلل الرؤوس ويترك ضياءه في كل مكان. التقوي عشق المحبوب( المقدس) رغم كونها تقول الخوف، وهذا تفسير بالترهيب وروح الكراهية التي كفر بها الشاعر في مطلع القصيدة. ولأنه يدين بدين الحب، فالعشق تقوى وإيمان وهيام وخلاص بالوقت نفسه. لأن الخوف يذهب إلى رهبة العقاب، بينما العشق فله إقبال الحياة وإدبار الكراهية.

 ويواصل الشاعر تصفيه العشق من الحس المبتذل، فالعشاق في الجنة الأرضية يغرسون ورود الفرح الضوئي. والضوء هو الحكمة والشروق والطهرانية والنقاء والصفاء. وتكاد كلمة(الفرح الضوئي) تجوب كل أقاليم الثقافات الدينية والعرفانية لتستقطر الكوامن مركزة على لذائذ الأرواح والنفوس. ويعود ثانية إلى الفراشات التي تركها هائمة وصافية النقاء الكوني. فهي المبتغى وهي التي يأمل العاشق في ملازمتها، لأنها أثير الحياة وجديرة بالبقاء الخالد في الجنة.

 ويكرر الشاعر أحلام العيون، فالعيون هي وطن الرؤى والأمل والرجاء، هي ملء الإنسان حتى الإشباع، وهي الجوع المغلق على أسرار النفس كذلك. ولهذا ربط السماوي العيون بالرؤية والحلم. فالحلم هو الغور البعيد  والرؤية هي النافذة إليها والعيون عالم فسيح. وكأنه- وهو يقصد بالطبع- رؤية الجنان واقعاً حقيقياً. ما الداعي إلى الانتظار طالكما نمتلك وجودها؟! فقط علينا أن العصيان على كل قاهر رجيم، على كل شيخ أثيم، على كل تاجر بالأحلام لئيم. هذه صلوات بعد خلع رداء العقل الذي أظلم من فحيح الأفاعي. فالأفاعي( أفاعي الارهاب – الكراهية) لا تعشق، لا تعرف الحب.

 وبالتالي  مع المعاني تصبح الفسائل شجيرات وأكمات ملتفة، الشاعر يكتب شريعة الجنون. فكل جمله في “حديقة الجنون” تغتذي على جذور دلالية بعيدة ومتشابكة في نصوص أخري قرآنية وتوراتية وإنجيلية وعرفانية وأسطورية. هذه الشجيرات وارفة الظلال وكاسية الحدود القصوى للتعبيرات. وعندما يبشر السماوي بهذه الشريعة هو يقصد إعادة تقليم الأشجار القديمة وتحطيب اليابس منها وإعادة غرس الجديد وتهجين بذورها لتنبت الغريب.

 وقد ظفر بما يريد، لأن أساس الصور التي يطرحها ترتبط بألية التطعيم الخيالي للأشجار في حديقته، لا يأتي بألفاظ شاذه ولا نابية، لكنه يهندسها وراثياً من جسم الشجيرات المقدسة في الكتب الإبراهيمية، ويستولد( يستخلص) منها الغريب والمدهش. وليس ذلك تخليطاً، بل نوع من الابتكار الكرنفالي، فالتطعيم في النباتات يجعل الأشجار منتجة لأكثر من صنف في وقت واحدٍ، وهو أيضاً حركة إثراء تعرف عند بعض الفلاسفة المعاصرين( ليفي شتراوس، جيل دولوز، جاك دريداً) بالتوليف( أي الكولاج الشعري)،( البستنة الشعرية) التي تتطلب الاستحداث والتشعيب والرتق وإعادة التركيب والتخليط والبذر مرةً أخرى.

 وللدقة يفعل السماوي كل ذلك دون أنْ يشعر القارئ، لأنَّه يُخفِي أدواته وعملياته الاشتقاقية تحت تربة الحديقة وبين أكمات الأشجار والتفاف الورود، ويواصل – طويلاً- أفعال الفلاحة الشعرية والتهيئة والتخصيب والتجريب والتهجين. وفوق ذلك يطوي كلَّ ذلك في أخيلة ثرّة، لا تكاد تنفلق كالبذور حتى تخرج الشجرة تلو الشجرة. والطي والتثنية والتراكم أدوات تسميد لأنسجة الجمل الشعرية وإشباعها بجميع الأطياف والصور. والمدهش أنَّها عملية إبداعية تأخذ من صاحبها أحداق عيونه وحبات خياله، لكنها بالنسبة للمتلقي تتفتح في وجهه كروائح الأزهار وأوراقها المطوية.

وَجْهُ العالمِ خلْف كمامات

3 أبريل 2020 دراسات وأبحاثمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال الكمامة هي العنوان الطارئ للتعبير عن الوقاية، أي صد العدوى والخطر، وإشارة إلى الخوف منهما. لكنها أيضاً قد تكون عنواناً لما يحدد العلاقة بكلِّ ما هو قادم. اعلانٌ عن حالةٍ ليس مقصوداً بها أيَّ شخصٍ بذاته ولو كان مريضاً. لأنَّها تُمثل موقفاً مفرَّغَاً من …أكمل القراءة »

طَّواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم

19 ديسمبر 2018 مفاهيممقالات 0

سامي عبد العال – مصر في غياب النقدِ الجذري، يتلاعب الوهمُ بالفكر كما تتلاعب الرياح بأشرعة السُفن. ويتسلل إلى فضاء العقل من باب خلفي نتيجة الإيمان الساذج بلا رويةٍ. لذلك يتطلب الوعيُ قدرةً يقظةً على التساؤل وغربلة المعتقدات. أقرب الأمثلة إلى ذلك: أوهام الأيديولوجيات الدينية ( كما لدى الإخوان والسفليين …أكمل القراءة »

 اليوم العالمي للفلسفة: أين نحن؟!

18 نوفمبر 2018 تغطيةمساهمات 0

سامي عبد العال – مصر لا يجسد العنوان احتفاءَ العالم بإبداع مهم فقط، لكنه يترك تساؤلاً إزاء الموقف الضمني منه: أين نحن العرب تجاه ما يجري على صعيد التفلسف؟ هل من مواقف جديدة نخترعها لحياتنا البشرية النوعية؟ كيف نستطيع استشكال فكرنا بإيقاع فلسفي يصلح لمعايشة آخرية قصوى ومفتوحة؟ وسؤال الصلاحية …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏17 ساعة مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

اللغة … كيف نفكر؟!

سامي عبد العال سامي عبد العال  في أفعال الكلام والخطاب، تبدو اللغةُ دوماً كفرشاةٍ ترسمُ لوحةَ الفكرِ وتعيد تأسيسه بعدما كان دون معالم، هي تقف عند الجذور منه لا مجرد وعاء فارغ له. المُباعدة أو المُبارحة بين اللغة والفكر أمران غير واردين بالمرة، لدرجة أنَّه إذ نعبرُ تعبيراً ما في سياقٍ معين، نستغرق بالفكر فيما … تابع قراءة

قصة الـ “ما بعد” The post

‏6 أيام مضت دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

سامي عبد العال  سامي عبد العال  ليس هناك أبرز من تَعلُّق الإنسان بالجديدِ، دفعاً لوطأة المألوف أحياناً وكنوعٍ من احراز التّميُز في أحايين سواها. لكنَ لأنَّ الجديد قد يُمثلّ المفاهيم المنقُولة إلينا( عبر النصوص الكبرى لفلاسفة الغرب)، فإنّه يضعنا تحت طائلةِ الاستفهام. حيث أمسينا نفكر داخل لغةٍ لم تُنحت مصطلحاتُّها …أكمل القراءة »

روابط 76 مقالة نشرتها كوة حول كورونا

‏7 أيام مضت أخرىعامةعلم الإجتماععلم النفسمتابعاتمفاهيممقالات 0

فريق كوة نقدم لكم هنا مجموع ما نشره موقعنا حول أزمة كورونا من مختلف المقاربات الفلسفية والسيوسيولوجية والنفسية والادبية والفنية… نجمعها في صفحة واحدة لتجنب عناء البحث في الموقع هل سنشهد”عالما جديدا” بعد فيروس كورونا؟ ‏5 دقائق مضت عامة, مساهمات, مفاهيم 0 أ.كرام ياسين أستاذ فلسفة بجامعة سطيف 2 – الجزائر-          وضع العالم …أكمل القراءة »

كوجيتو الكورونا

‏أسبوع واحد مضت مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال فجأة تحول الأنا أفكر( على خلفية كورونا) إلى الأنا فيرُوس يُحْذَر منه. البدايةُ ليست الفكر بحد ذاته كما يؤكد ديكارت، بل الجسم بقدرته على ممارسة الحياة والتأثير في المحيطين. هو الآن كوجيتو العدوى بامتياز، أي أنَّه يطرح وجود الإنسان الحي بقدر ما يمثل عدوى …أكمل القراءة »

عُنف الخيالِ الديني

‏أسبوعين مضت أخرىمساهماتمفاهيم 0

سامي عبد العال سامي عبد العال ليس العنف باسم الدين مجردَ فعل طارئ، لكنه عمل مُركَّب يحتاج خيالاً يَفوقُه تهوراً وجُموحاً. إنَّه عمليات من الشحن الأيديولوجي والتهيئة والتفنُن بتوقُّع الأثر وفوضى المَشاهِد ورسم المجال وانجاز الأفعال وانتظار النتائج وافراغ الكراهية إلى أقصى مدى. الخيال الديني imagination religiousهو الآتون الواسع الذي …أكمل القراءة »

صناعةُ الرَّعاع: جسد الثقافة العاري(3)

‏أسبوعين مضت مفاهيممقالاتنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال بطريقةٍ جذريةٍ تماماً، كان حالُ” الرَّعَاع” نتاجاً ثقافياً خلْف سلطةِ الجماعة الغالبة في المجتمعات العربية(جماعة الدين والطائفة وأهل الحل والعقد ثم النُخب والأحزاب ورجال الدولة والمثقفون)، فهذا التكوين العام المشوَّه لم يكن لصالح المجتمع وتنوع عناصره في تاريخنا الحديث والمعاصر، من حيث كونَّه غير …أكمل القراءة »

صناعةُ الرَّعَاع: اللغةُ وجسدِ الثقافة(2)

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

سامي عبد العال سامي عبد العال هناك سؤالٌ مهم: كيف نفسر شيوعَ دلالة الرَّعَاع في الخطابات السائدة؟! فقد نقرأ بدائلها بكلمات تخاطب الجماهير والحشود، كلمات تُلصِق بهم فوضى الرغبات والغرائز واللاعقل، أي تزدريهم باعتبارهم أُناساً حمقى كما في الاعلام والسياسة والثقافة الدينية والحياة العامة. الحالة الأقرب إلى

صناعةُ الرَّعَاع: اللغةُ وجسد الثقافة(1)

‏3 أسابيع مضت مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال ” عندما يَشْرع الرَّعاعُ في التفكير يتلفُ كلُّ شيءٍ” …. فولتير الساسةُ مثل القُرود إنْ اختلفوا أفسدوا الزرع وإنْ اتفقوا أكلوا المحصول”” الرَّعاع صناعة لمجتمعات تنهش إنسانية الإنسان وتحتسي نَخْبَ الإقصاء” ” تأسيس يبدو أنَّ حدود عالمنا هي حدودُ الكلمات التي نتعامل معها، ولا …أكمل القراءة »

ماذا لو تساءلَّت الفلسفةُ حول المرضِ؟

‏4 أسابيع مضت عامةمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال بقلم سامي عبد العال لو افتراضاً أنَّ فيلسوفاً يتساءل عن الأمراض(الأوبئة، العلَّل الجسمية)، فالاستفهام بصدد أوضاعنا الصحيةِ سؤالٌّ جديدٌ في دائرة الفلسفة:( كيف أنتَ صحيَّاً؟ هل تعاني من علةٍ ما؟ ولماذا أنت مريضٌ؟ هل أصابتك الأوبئةُ؟). ورغم أنَّ الاسئلة خاصة إلاَّ أنها تمس ما هو عمومي في …أكمل القراءة »

الفيرُوسات وإدارة الحياة

22 مارس 2020 أخرىمقالاتمقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال يعدُّ تاريخ الفيروسات جديراً بالبحث والتقصي، ولا سيما أنَّه قد أحدَثَ تحولاً في مسارات الحياة سلباً وإيجاباً نحو الأزمنة الراهنة. ويَجْدُر أنْ يُطْرح تاريخُها الكونِي مرتبطاً بقضايا فلسفية وثقافية تخص الحقيقة وتنوع الرؤى البيولوجية للعالم والكائنات. إذ هناك علاقة ضرورية بين انتشار الفيروسات ومفاهيم …أكمل القراءة »

موت سقراط: هكذا يتكلَّم الفنُّ

4 مارس 2020 فلاسفةمجلاتمقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال        تعدُّ لوحة “موت سقراط” للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد Jacques David [1]  توثيقاً لهذه الحادثة بصيغة فلسفية فنيَّة متأخرة. تترك الألوان والشخوص تقول تشكيلياً ماذا جرى. ليس يجدي التذكر ولا اعادة القراءة حول تناول فيلسوف اليونان لجرعات السم، لأن الكلام الصامت، جدل العلامات، …أكمل القراءة »

كليمون روسي: نيتشه أو الفرح قبل كل شيء

24 يناير 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة يوسف اسحيردة مؤلف كتاب “الضحك”، هنري برجسون، والذي يكن له الفريد والساخر كليمون روسي احتراما شديدا، يُعرف الفيلسوف الأصيل بالشخص الذي يمتلك حدسا وحيدا. ما هو يا ترى هذا الحدس في حالة نيتشه؟ ترابط الفرح والمأساة في الوضع البشري، يجيب كليمون روسي دون تردد.  حتى أن هذه القناعة شكلت …أكمل القراءة »

لِمَنْ تُقْرَع أجْرَاسُ الفلسفةِ؟!

9 ديسمبر 2019 أخرىمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال         في يومِها العالمي مع كلِّ عامٍ، ربما يبزغُ السؤالُ التالي: هل تحتفل الفلسفة بنفسها؟! ومن ذا الذي بإمكانه حضور الاحتفال؟ وكيف سيتم الاحتفال؟!… الفلسفة بخلاف أي نشاط عقلي لا تحتفل بذاتها( أو هكذا يتم). لا تحتفل كعجُوزٍ بلهاء( أمُ العلوم قديماً ) تُطلق …أكمل القراءة »

” ببجي الخِلافة ” في عصر ما بعد الحداثة

7 نوفمبر 2019 عامةمفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال           يبدو أنَّ عصر الوسائط الديجيتال هو الواقع الطاغي بلا منازعٍ. إذ تتضاعف دلالة الأحداث بصورةٍ مذهلةٍ، وتتعلق إفرازاتُّها بالذاكرة وبالعيون التي تشاهد. وسيكون القولُّ الفلسفي لما بعد الحداثة ليس تنظيراً ميتافيزيقياً بقدر ما يلتقِّط أفكاره المحتملة من عالمنا الراهن. وقد نوَّه جان بودريار …أكمل القراءة »

غير القابل للاحتمال: في عداء الشعوب!!

27 أكتوبر 2019 مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال سامي عبد العال بأيِّ معنى تصنعُ الشعوبُ اعداءها، وهل استجابتها للعداء واحدةٌ أم أنَّ هناك اختلافاً؟! هل ثمة عداء عام بالصدفة دون قصدٍ، وما خطورة أنْ تعادي قوةٌ ما ( كالدولة التركية مؤخراً ) شعباً ضارباً في التاريخ( مثل الكُّرد )؟! وداخل تلك الدائرة: هل الصُور المتبادَّلة …أكمل القراءة »

كليمون روسي : لا وجود لوصفة سحرية من أجل التصالح مع الذات”

12 أكتوبر 2019 ترجمةمجلات 0

ترجمة : يوسف اسحيردة مقدمة المترجم : كليمون روسي، فيلسوف فرنسي توفي سنة 2018 عن سن يناهز 78 عاما. عُرف بشنه لحرب ضروس ضد الأوهام التي نحب عادة أن نختبئ وراءها، ومناداته، على خطى معلمه نيتشه، بقبول الواقع كما هو دون سعي إلى تغييره. في هذا الحوار الذي أجراه في …أكمل القراءة »

المَرْحُوم: ماذا لو اصبحت الثقافة قبْراً؟!

6 سبتمبر 2019 مفاهيمنصوص 0

      سامي عبد العال سامي عبد العال       ” عندما لا ندري ما هي الحياة، كيف يمكننا معرفة ما هو الموت”…( كونفوشيوس)      ” الشجاعة تقودُ إلى النجوم… والخوف يقودُ إلى الموتِ”… ( لوكيوس سينيكا)        ” المرْحُوم” كلمة تُطلق على منْ ماتَ، أي انتهى أَجلُّه وأَفِلَّتْ حياتُه. وهي ” 

ظاهرةُ الأسئلةِ الزائفة

19 أغسطس 2019 مفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال        لا تسقط الأسئلةُ من السماءِ ولا تنبتُ من الأرضِ، لأنَّها نشاط إنساني يثير قضايا فكرية خطيرة. الخطورة من زاوية كشف أبنية الثقافة ولماذا تتفاعل مع حركة التاريخ. لأنَّ كل ثقافة تلقي برواسبها على ضفاف المجتمعات كالنهر الذي تكتنفه تيارات شتى. والثقافة الإنسانية دوماً …أكمل القراءة »

السُلْطة وأُنطولوجيا الجسد

1 أغسطس 2019 أخرىبصغة المؤنثمفاهيم 0

سامي عبد العال سامي عبد العال        على مستوى الوجودِ،لم يختفِ الصراعُ بين الجسد والسلطة رغم اتفاقهما في كثيرٍ من الوجُوه. كلاهما يتعلق بأفكارٍ مثل:( الوسيط، التحول، السر، العلامة، الذاكرة، الفعل، الوشم، الرمز، الصورة، الشعار، السريان، الشبح، الظل )، وكلاهما يزاحِم الآخر داخل ثقافةٍ تحدد إلى أي مدى سيمارس أدواره. …أكمل القراءة »

الدين والعلمانية: القطة … سوداء أم بيضاء؟!

14 يوليو 2019 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال           مُجدَّداً في سياق السياسة، تبدو ثنائيةُ الدين والعلمانية ثنائيةً مُراوغةً.. زلِّقةً. حتى أنك إذا امسكت أحد طرفيها، التف الطرف الآخر مُخلِّفاً وراءه ثُقباً أسود، يبتلع الدلالات الثريةَ لأي تفكيرٍ مختلفٍ. ثم يقذفك عبر فضاءات مجهولة عائداً إلى ذاته مرةً أخرى. كأننا إذْ نناقش …أكمل القراءة »

قداسةٌ دون مقدسٍ

29 يونيو 2019 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيم 0

سامي عبد العال – مصر سامي عبد العال – مصر       ماذا يعني الدينُ في المجال العام؟! هل يعني توظيفه على نطاق أعم أم تأسيساً لقيم أخرى؟ سؤال لن يجد اجابةً واضحةً إلاَّ بفض الاشتباك الغامض بين طرفيه. لأنَّ المعنى لا يتعين فيما هو معروف ولا يعطينا وضعاً جاهزاً لأية …أكمل القراءة »

المجدُ للأرانب: إشارات الإغراء بين الثقافة العربية والإرهاب!!

19 يونيو 2019 أخرىعامةنصوص 0

وسط كرنفال القتل باسم الدّين تحت رايات الجهاد، وفي حمأة الدَّمار بمقولاته الفاضحة، يصعُب أحياناً كشف الواقع دون إيهام فنيٍّ. لقد غدا الجهادُ نوعاً من الاستربتيز(التعرِّي)الدَّمويّ(1)bloodily striptease إزاء مجتمعات أرهقتها الحياة برواسبها التَّاريخيَّة. وربَّما لو تمثلنا دلالة أيقونة الأرانب لتجنبنا مصيرًا يُحْدق بنا من بعيدٍ مثلما تُساق الحيوانات الوديعة إلى المذابح.أكمل القراءة »

لِماذا الصِراعُ على الجَسدِ؟!

4 يونيو 2019 دراسات وأبحاثمفاهيمنصوص 0

الجسد هو ” التجلِّي الحي ” بما يشحن طاقاتَّه صوبَ ما هو مرغوب أو ممنوع. واستعماله في الممارسات العامة يوضح إلى أي مدى تصبح علاماته خطاباً له أبعاد تأويلية. بهذا الإطار يعدُّ الصيام إدارةً ميتافيزيقيةً للجسد تحقيقاً لاعتقاد في أصل الحياة. صحيح هي إدارةُ ترتبط بالمقدس، لكنها تبلغ درجة الفعل الوجودي في الأديان بدوافع وغايات متفرقة. لأنَّ منها ما هو ماضٍ وما هو مستقبل، خلال لحظةٍ لا تحتملُ التقاءهما (الآن) إلاَّ بضرورة تأويل مقولات الإله والإنسان والحقيقة (من قبل). أي لن يلتقي الماضي بالمستقبل دون كشف معاني المقولات المذكورة وتحولاتها.أكمل القراءة »

لعنةُ الإرهابِ: الفلسفة والأرواح الشريرة!!

23 مايو 2019 دراسات وأبحاثعامةمفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال سامي عبد العال في تاريخ الرُعب– إذا أَمْكَّنَ التأرِيخ له- لا يُخلصنا ذهابُ الأرواح الشريرة من آثارها الباقية، فلديها القدرة على العودة إلى أقرب الأشياء. وربما تتلبس اللعنة ضحايا جُدداً من أبعد نقطة غير متوقعةٍ. كالأشباح التي تختفي كياناً لكنها تحل في الأجساد بأساليب ورُسُوم أخرى. وليس …أكمل القراءة »

دواعِش الفلسفة

28 أبريل 2019 ديداكتيك الفلسفةعامةمقالات 0

سامي عبد العال من الجذر اللغوي” دَعِشَ ” تأتيمفردات: الدَاعِشيَّة، الاسْتدْعَاش، التَّدَعُش، المُتدَعِش، المُسْتَّدعِش، الدَاعِش، الداعُوش، الدَعْدُوش، الدَعْيِدش، التَّدْعِيْش، الدَّعْشنَّة، التَّداعُش، التدعُش، أي دَعِش دعْشاً فهو داعش… وجميعها ليست حُروفاً تتناوب الترتيب، بل تقف على أرضيةٍ واسعةٍ من الثقافة التي تشكل الأفكار ورؤى الحياة. ناهيك عن الإشارةِ إلى تنظيم داعش …أكمل القراءة »

في مفهوم ” المُفكِّر العَابِر للثَّقَافات “

21 مارس 2019 جرائدمفاهيمنصوص 0

العبور والحدود… كلمتان متلازمتان من زاوية التضمِين الدلالي لإحديهما إزاء الأخرى. فالحد يفترض عبوراً لوضعةٍ ما متقاطعاً معها، بينما يطرح العبورُ شكلاً من أشكال الحدود. ودوماً لن يكون ثمة عبورٌ ما لم يكن ثمة حدٌ قابلٌّ للتخطي. الأمر نفسه أكثر دلالةً بصدد الثقافة، إذ تمثلُ كلمتا الحدود والعبور قدرتين على التجاوز وقطع المسافات والترحال نحو ما ليس معروفاً.أكمل القراءة »

حفريات المواطنة: استعارات الهويَّة في الخطاب السياسي (2)

9 فبراير 2019 أخرىدراسات وأبحاث 0

 الهوية، مواطنة الاستعارة سامي عبد العال رابط الجزء الأول من الدراسة         في وجود التزاوج بين البعدين: المفهومي والاستعاري، اللذين يتداخلان عبر المواطنة، يبزغ ما هو” سياسي ” political باعتباره ردماً للهوة بينهما. ألم يمارس السياسيون الأفعال والمواقف بصيغة ” كان ” المستقبلية، مثلما أظهرت؟! أي أنَّ العبارات

حفريات المواطنـة: استعارات الهوية في الخطاب السياسي (1)

24 يناير 2019 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيم 0

تطرح الدراسة العلاقة الإشكالية بين اللغة والسياسة عبر دلالتي المواطنة والأسطورة. وصحيح هما قضيتان تنتميان إلى حقلين مختلفين، لكنهما يُظهِران طبيعة المجتمع وآفاق السلطة وكيف يتم التعامل إزاء الإنسان كمواطن من عدمه. والطرح يعني التساؤل المختلف بما تحمله الكلمة من معنى: كيف تتشكل المواطنة عبر تاريخية اللغة وأية بلاغة تغلف حركتها ؟ فالمواطنة ليست فقط حالة سياسية تحدد حقوق المواطن في دولة ديمقراطية، ولا الأسطورة عبارة عن تيمة إنسانية كونية محورها سرد حول أحداث ودلالات لها مركزيتها في ثقافة سائدة وحسب. لكن كل ذلك يستحضر خلفية الهوية التي تحدد درجة المواطنة وحقوقها وظلالها في المجتمعات الأقل ديمقراطية وأكثرها أيضاً بحسب أوضاع النظام السياسي.أكمل القراءة »

سياساتُ الجمالِ: هل يمكن الثأرُ بالفنِّ؟

8 ديسمبر 2018 مجلاتمفاهيممقالات 0

سامي عبد العال      ذات لوحةٍ قال سلفادور دالي: ” كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ عن معايشةِ مأساةٍ يُعانيها “. كأنَّه يُذيب تجلط الآلام بالتقاط المستحيل باعثاً فينا روحاً جميلاً. ينطبق القولُّ على الفن المغموس في ظلام المآسي التي تكابدها الشعوب مع انكسار الأحلام الكبرى، كحال إحباط الشعوب العربية بعد …أكمل القراءة »

شيطَّانُ الديمقراطيةِ: هذه هي السياسة !!

5 نوفمبر 2018 مساهماتنصوص 0

سامي عبد العال –  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر يبدو أنَّ للديمقراطية وجهاً آخر كوجه الشبح، وهو” الأثر المقلُوب ” الذي يجعلها مصدراً لرعب البعض من الحرية. فالحرية ضمن المجال العام تشكل مصدراً لقلق دائم، لدرجة أنَّ تجنُبها( إنْ لم يكن للأنا فللآخر) هو القاسم المشترك بين التيارات السياسية في …أكمل القراءة »

حول استعادة  ” الله ” من الجماعات الإرهابية

16 أكتوبر 2018 مساهماتنصوص 0

سامي عبد العال ربما لم تُوجد كلمةٌ أُرْيقت بدلالتها الدماءُ مثلما أُريقت تحت كلمة الله. ففي كلِّ مرةٍ يقتل إرهابيٌ شخصاً آخرَ، لا يكون مقصودُها واحداً بين الاثنين. على الأقل يزعم الإرهابيُ كون القتيل قد تخطى رقعة الإيمان( المرتّد ) أو لم يؤمن ابتداءً( الكافر). كما أنَّ دلالة الكلمة بمُراد …أكمل القراءة »

أين تكْمُن قوةُ المجالِ العامِ ؟

3 أكتوبر 2018 مساهماتمفاهيم 0

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر هناك فارق حَذِر بين القوة والسلطة رغم إحلال الكلمتين أحياناً في اللفظ نفسه: power . إذ تنطوي القوة على أبعاد ماديةٍ وأخرى رمزية تمنحُ وجودَّها معنى بعيداً. وهي أيضاً القدرةُ على بث فاعليتها الخفية عبر نفوذها المقبول داخل المجتمعات مثل القوة …أكمل القراءة »

الأصُوليَّة… والوصُوليَّة: حين يُغْيَّب المجال العام  

25 سبتمبر 2018 مجلاتنصوص 1

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر في المجتمعات الأقل ديمقراطيةً وإزاء فشل” الاستعمال العمومي للعقل ” لو أوردنا كلمات كانط، ثمة أسئلةٌ مزعجةٌ: هل يُغيَّب المجال العام على غرار وصفنا الاعتيادي لأي شيء آخر؟! أليس المجالُ العام  Public sphereعمليةً تاريخيةً تستوعب طاقات المجتمع وبالتالي يبقى فضاءً مفتوحاً …أكمل القراءة »

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

16 سبتمبر 2018 مفاهيمنصوص 0

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية للأحداث الإرهابية( تفجيرات 11 سبتمبر2001 )، لا تذهب آثارُها طيَّ النسيان. لكنها تظل باقية كأصداء ورواسب تسهم – فكرياً وثقافياً – في تأويل الأفعال والتداعيات السياسية على نطاق عام[1]. وربما تحددُ المواقف ودرجات الفعل ورد …أكمل القراءة »

 صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء

30 أغسطس 2018 عامةنصوص 1

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر هناك سمةٌ مشتركةٌ في خطابات الإسلاميين المتطرفين: كونَّها كلاماً ينحدر بأهدافها من أعلى إلى أسفل حيث ضجيج التفاصيل، وحيث إيراد المبررات الواهية فيما ينحدر إليه تداول الخطاب من

شاهد أيضاً

اللغة من الكلام إلى المعنى

إيمان بلعسري      إيمان بلعسري  لكم يكلفنا الكلام ؟  ماذا يعني أن نتكلم ونكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *