الرئيسية / ترجمة / هنري أليسُن: مسيرة شخصية واحترافية*

هنري أليسُن: مسيرة شخصية واحترافية*

ترجمة جميلة حنيفي

أستاذة بقسم الفلسفة جامعة أبو القاسم سعد الله الجزائر2


جميلة حنيفي

أعتقد يمكننا بدء هذا الحوار من الناحية التاريخية – أي من سيرتك الذاتية لأسأل ما الذي دفعك إلى أن تصبح مؤرخًا للفلسفة وإلى أن تركز على شخصيات محددة ؟

بادئ ذي بدء علي أن أبدأ بما قادني إلى دراسة الفلسفة. في البداية التحقت بجامعة ييل Yale وذهني تراوده فكرة أن أصبح شاعراً أو كاتباً من طراز ما. لكن شيئان – أحدهما إيجابي والآخر سلبي – غيّرا رأيي وقاداني نحو الفلسفة. يتمثل الشيء الإيجابي في كوني قد أخذت دروس السنة الأولى على يد براند بلانشار  Blanshard  Brand، الذي كان محاضرًا رائعًا، وآية في الوضوح والدقة. كان ذلك لقائي الأول والفعلي بالفلسفة، وبالتأكيد أصبحت متعلقًا بها. أما الشيء السلبي فقد حدث خلال عامي الثاني بالجامعة، عندما التحقت بدرس مشهور يسمى “موضوعات يومية”  Themes  Daily. من مقتضيات هذا الدرس أن يكتب المرء عرضًا موجزًا ​​أو قصة ما مدة خمسة أيام في الأسبوع. ولكن بعد أن تلقيت بعض النقد الصارم من قبل أعضاء هيئة التدريس المتميزين للغاية، وكذلك حصولي على علامة متواضعة إلى حد ما، أدركت أنني لن أوفق في أن أصبح شاعراً أو روائياً، فتحولت إلى الفلسفة. وأصبحت مهتماً بها.

الآن، إذا انتقلنا إلى تاريخ الفلسفة، فهذا أمر معقد جدا. أعتقد، إلى حد كبير، أنه كان عبارة عن سلسلة من الأحداث –منها طبيعة توجه بعض الذين درستهم والمكان حيث درست-. على الرغم من أنني بدأت مع بلانشار، الذي أعتبره آخر العقلانيين الكبار، فقد كان رائعًا، ويتمتع بقدرة على تقديم أربعة عشر حجة ضد هذا وذاك من المواضيع. وكان منهجيًا جدًا، إلا أنني سرعان ما أصبحت مهتمًا بأشياء مربكة مثل الوجودية. لذا كان كيركجارد وسارتر أول الفلاسفة الذين درستهم بتمعن معين. وكان هناك أستاذ آخر في جامعة ييل – هذه المرة أستاذ مساعد؛ شاب لامع، اسمه لويس ماك كي Louis Mackey – الذي بدأت معه العمل، والذي كتب كتابا مهما للغاية عن سورين كيركغارد[i] وقدم أيضًا ندوة عن تاريخ الفلسفة. ومن خلاله شدت بعض هذه الأشياء اهتمامي إلى حد كبير. وهكذا تولد لدي بعض الاهتمام بتاريخ الفلسفة، وأعتقد حتى بإيمانويل كانط  Immanuel Kant. بالطبع، فكرت في كانط باعتباره شخصية ممتنعَة وموضع تحدّي. ولكن ربما كانت المسألة الفلسفية الأولى التي شغلتني حقًا – ولعب كانط دورًا كبيرًا في ذلك – هي مشكلة الحرية، وكيف يمكن التوفيق بين الحرية والحتمية السببية. بطريقة ما كطالب في السنة الثانية، اعتقدت أنها مشكلة عميقة وأن لدى كانط شيءا مهمًا للغاية ليقوله بشأنها. وبعد حوالي ما يقارب الثلاثين سنة، حاولت تحديد مغزى تلك المسألة في كتاب صدر لي مؤخرا سنة (1990)[ii]. ولكن في الأساس، كانت اهتماماتي الأولية منحصرة أكثر أو أقل فيما نسميه الآن “القاري Continental” وكانت جامعة ييل نوعا من قسمٍ مختلطٍ في تلك المرحلة. أعتقد أنه كان لدي في البداية نوعا من الموقف السلبي تجاه الفلسفة التحليلية – أساسا لأنني كنت جاهلاً بما يحدث. لكن بالتأكيد لم يكن لدي أي إحساس بالتخصص في تاريخ الفلسفة. في الواقع، كنت مهتمًا بفلسفة الدين، وأعتقد إلى حد كبير بالفلسفة الألمانية – كانط وهيجل على وجه خاص- لأنهما بدا لي مرتبطين بالوجودية.

بعد التخرج من جامعة ييل عام 1959، التحقت بكلية الدراسات العليا وذهني تراوده فكرة التركيز على فلسفة الدين. اخترت جامعة كولومبيا لأن لديها برنامجًا مشتركًا عن الدين مع اتحاد المعهد اللاهوتي  Union Seminary. ورأيت أنه مثلما يجب أن يعرف فيلسوف الفيزياء بعضا من الفيزياء، يجب أن يعرف فيلسوف الدين أيضا قليلا من الدين. لذلك تعلمت بعضاً من الكتاب المقدس، ودرست بعض الدين المقارن وما شابه، وحصلت على ماجستير، وبعد ذلك انتقلت إلى برنامج الفلسفة في جامعة كولومبيا. في غضون ذلك كانت بعض الاهتمامات التاريخية هي ما نمى لدي أكثر. أصبحت مهتمًا بشكل خاص بالفلسفة اليونانية، على الرغم من أنه كان لدي بعض الاهتمام بهذا المجال منذ أيام التحصيل الجامعي، لأنني درست أفلاطون وأرسطو على يد روبرت برومبرو  Robert Brumbraug. لكنني حضرت ندوة حول أرسطو مع جون راندال J.H. Randall   وبول كريسلر  Paul O. Kristeller وتشارلز خان  Charles Kahn، وكان ذلك رائعا حقًا. لذلك في تلك المرحلة كنت ممزقا بين الفلسفة اليونانية والألمانية. لكني أعتقد أن ما جعلني أفصل في الأمر؛ هو أنني أثناء وجودي في جامعة كولومبيا سجلت في ندوة لفتت انتباهي، كان موضوعها يدور حول النقد الأول(أي نقد العقل الخالص) والتي قدمها آرون جورفيتش Aron Gurwitschفي المدرسة الجديدة  the New School. كنت قد سمعت عن جورفيتش (أساسا بوصفه فيلسوفا ظواهريا). لكنني ذهبت إلى المدرسة الجديدة بينما كنت لا أزال في جامعة كولومبيا، لأنه لم يكن هناك اهتمام كبير بكانط، فقمت بالتسجيل في الندوة -كانت ندوة سنوية انتهت بالتطرق إلى الحكم التحليلي the Analytic– وهذا أمر جيد ومهم أثار اندهاشي. على الرغم من أنني لم أتخل عن جميع اهتماماتي الأخرى المتعلقة بكانط، لا سيما فلسفة الدين، فقد قررت التحويل إلى المدرسة الجديدة والعمل مع جورفيتش. وبعد دراسة ليبنيز معه، انتهى بي الأمر إلى كتابة أطروحة، ليس عن كانط ولكن عن ليسينغ  G.I. Lessing وفلسفته في الدين وعلاقتها بفلسفة لايبنيتز. وهكذا على الرغم من أنني بقيت مهتما بـكانط، إلا أنني طورت أيضًا اهتمامًا أوسع بتاريخ الفلسفة الحديثة. في الواقع، لم أشتغل فقط على لايبنتز ولكن أيضًا على سبينوزا والتجريبيين والمثالية الألمانية. لقد كنت بالفعل محظوظًا كفاية بحصولي على نوع من التعليم الفلسفي الكلاسيكي الأوروبي. وهذا ما دفعني بقوة أخيرًا لسلك اتجاه تاريخي. فأنا لم استيقظ ذات صباح وقلت “يا إلهي، سأكون مؤرخًا في الفلسفة”؛ بالأحرى إن تكويني هو الذي قادني بشكل طبيعي صوب هذا الاتجاه.

بالنظر إلى هذا النوع من التعليم، هل حدث وأن طرحت – هل طرحت- السؤال الآتي على نفسك، “هل أريد أن أكون مؤرخًا للفلسفة، أو باحثًا في هذا المجال، أو يجب مقاربة الأسئلة ذات الأهمية الفلسفية بالنسبة إلي بطريقة أخرى؟ ” أم أن هذه الطريقة في طرح السؤال لم تُثار لديك، بالنظر إلى النوع التعليم الذي تلقيته؟

حسنًا، أعتقد أن الاحتمال الأخير هو الأصح. لا أعتقد أنني أحسست يومًا بهذا النوع من الانقسام الحاد، والذي أعتقد أن المرء سيحس به إذا بدأ بنوع من التربية الموجهة نحو المشكلات والتقليدية أكثر، حيث يقرأ أحدث المنشورات في مجلة الفلسفة[iii] ثم قد يقرر ويقول: “حسنًا، ربما هناك شيء مثير للاهتمام من الناحية التاريخية حول خلفية هذا الموضوع.” وهكذا، مرة أخرى، بسبب التكوين الذي تلقيته والخبرة التي اكتسبتها، لم ينشأ لدي هذا النوع من الانقسام أو المعضلة.

إذن قد يُيسر لنا هذا انتقالا ظريفا، للحديث عن حالة تاريخ الفلسفة في عالم الفلسفة المعاصر الناطق باللغة الإنجليزية بشكل عام، حيث لم يتلق العديد من مؤرخي الفلسفة هذا النوع من التعليم الفلسفي، ربما لأنهم تخرجوا من أقسام حيث كان يوجد إحساس زائد بالانقسام. وما يزال الأمر على حاله في العديد من الأقسام الرئيسية، ولكن ربما بدرجة أقل. لقد تغير تاريخ الفلسفة بشكل كبير على مدار مسيرتك الاحترافية، سواء كمجال معرفي في حد ذاته أو في علاقته أو علاقاته ببقية الفلسفة. لذا، إذا بقينا في هذا النمط التاريخي، فسأكون مهتمًا لسماع رأيك في بعض التغييرات الأكثر أهمية وإلى ما تردها؟

حسنًا، أعتقد أنك محق في ذلك -أعني أنت محق بالتأكيد بشأن التكوين-. في كلتا الحالتين أنت محق: أنت محق بشأن التكوين الذي تلقاه معظم المؤرخين الأنجلو أمريكيين، والذي كان مختلفًا عن تكويني- على الرغم من أن الكثيرين في السنوات الأخيرة قضوا وقتًا في الدراسة في ألمانيا –أقصد الهمبولديين Humboldts أضف إلى ذلك أشياء أخرى مثل تلك التي مكنت تبادلا مثمرا جدا بالنسبة إلى الباحثين الشباب على وجه الخصوص مثل فريدريك نويهاوزر  Frederick Neuhouser، الذي اعتاد قضاء سنة أو أكثر في الدراسة في ألمانيا، وهو ما لم تتح لي فرصة القيام به قط. تمنيت لو سنحت لي الفرصة.

 أعتقد الآن أن الجزء الآخر من سؤالك يتعلق بالتغييرات التي حدثت بشأن مقاربة تاريخ الفلسفة. حسنًا، من المؤكد أن هذا المجال أصبح مدعاة للاحترام بكثير. وأعتقد أن الموقف الإقصائي المطلق تجاه تاريخ الفلسفة في معظم الحالات وفي معظم الأقسام، يكاد يكون –ولو ليس يقينا- شيئا من الماضي. وأعتقد أن هذا مرده إلى أن هناك إدراك تدريجي أعمق للرابطة المتبادلة الموجودة بين المشاكل الفلسفية وانشغالات الحاضر والفلسفة الماضية، وفي الواقع، إلى عدم الانفصال  بين القيام بعمل فلسفي جيد وفهم معين لتاريخه. الآن في خضم تاريخ الفلسفة نفسه، أعتقد أنه حدث تطور إيجابي للغاية، بمعنى أن هناك المزيد من الاهتمام والاحترام الأكبر للأبعاد البحثية للاشتغال على تاريخ الفلسفة. الآن في معظم الحالات، إذا كان المرء يخطط للاشتغال على كانط على سبيل المثال، فمن المتوقع أن يعرف بعضا من اللغة الألمانية -والذي أعتقد أنه شيء جيد- وأن يعرف أيضا شيئًا عن شخصيات مثل وولف C. Wolff وبومغارتن A. G. Baumgarten. لقد أصبح هذا يشكل جزءًا كبيرا من التيار السائد. إن الاشتغال الراهن على تاريخ الفلسفة يستمد معينه من الناحية التاريخية، لنتذكر ما صدر في الستينيات؛ سلسلة من الإضاءات، بعضها رائع للغاية ونافذ، مثل كتابي جوناثان بينيت  Jonathan Bennett عن كانط (واحد في الستينيات، والأخر في السبعينيات)، بينما أخفق البعض الآخر تماما في تحقيق الهدف[iv]. أعتقد أننا لم نعد نشاهد الكثير من تلك الإصدارات الآن.

أود أن أسلط الضوء على جوانب متعددة من إجابتك. ربما يمكنني لعب دور محامي الشيطان  devil’s advocate وأطلب منك أولاً الرد على الأستاذ المستهين بتاريخ الفلسفة؛ فما يزال هناك أولئك الذين يرون الانغماس في تاريخ الفلسفة أو حتى الاعتياد المقبول عليه على أنه في أحسن الأحوال غير ضروري، أما في أسوأها فهو عائق أمام الاشتغال بالفلسفة على وجهها الصحيح بمعنى ما. من الواضح أنك لا تشاطر هذا الرأي. ماذا ستقول، على سبيل المثال، إذا صادفت مثل هذا الشخص في اجتماع هيئة التدريس. ولهذا بطبيعة الحال عواقب عملية على من يتم تعيينه، وعلى متطلبات طلاب الدراسات العليا وما شابه.

حسنًا، لست متأكدًا من أن صياغة الأمر في تلك التعابير العملية هو الطريقة الأفضل، أو الطريقة التي أريد معالجته بها. من الواضح، أنه يوجد ضمنيًا في مثل هذا الموقف مفهوم معين لما تقوم به الفلسفة، والذي أفترض أنه يستند إلى اعتماد نموذج مأخوذ من العلوم. الآن، إذا كنت ستصبح عالمًا بيولوجيًا، فقد تكون معرفة شيء ما عن تاريخ علم الأحياء أمرًا رائعًا للغاية، ولكن ليس من الضروري حقًا أن يقوم المرء بعمله كعالم ممارس. هذان مجالان معرفيان متمايزان تمامًا. أعتقد أن هناك نوعًا من الحكم المسبق “العلموي  scientistic” ” إذا رمنا تعبيرا أفضل، على الأقل لدى العديد ممن يتخذون هذا النوع من المواقف. لذا أعتقد أنه سيتعين علي مقارعة تصورهم لمقصود الفلسفة فعلا. إذا تم النظر إلى الفلسفة على أنها توفر حلولا لمجموعة من المشاكل المتميزة، والمحددة بصفة جيدة، والقابلة للمعالجة وفقًا لشروطها الخاصة -إذا كان هذا هو المقصود بالفلسفة في نظرك- فعندئذ أعتقد أنه لا يوجد سبب جوهري يستدعي دراسة تاريخ الفلسفة، على الرغم من أنه ما يزال يوجد السبب الفكري العام، الذي ما يزال معترفًا به بين الأقسام على أنه مهم بل وضروري لتدريس شيء حول تاريخ الفلسفة على الأقل للطلاب الجامعيين. أعتقد أن ذلك المفهوم عن الفلسفة انحدر تاريخيا – كله أو جزء منه، وبالتأكيد الجزء الرئيسي – من الوضعية المنطقية وما انجر عنها. ما جعل هذا الموقف تجاه الفلسفة نفسها قد تطور تاريخيا.

من المؤكد أن هذا الموقف قد نجا من حتف الوضعية المنطقية، وبالتالي–مواصلة لدوري كمدافع عن الشيطان- أعتقد أنه من المحتمل أن يرد المرء قائلا: “إن الموقف حتى إذا كان من الناحية التاريخية يخضع ذاته لشروط فإنه ربما يعبر عن حقيقة”. الأن أنت تقول إنه ادعاء ستقوم بمقارعته لأنه يعبر فقط عن حكم مسبق، كيف ستفعل ذلك؟

لا أعتقد أنني أود بالضرورة تناول المسألة في حدود الصواب أو الخطأ فأنا لا أشاطر هذا المفهوم عن الفلسفة. وسأقول إذا كان ذلك هو ما تهتم به فإنني لست مهتما بها إطلاقا، وسوف لن أكرس حياتي الاحترافية لها، وهذا لا يعني البته عدم وجود عمل فكري جيد وقيِّم ينجزه أشخاص أذكياء بهدف حل مشاكل معينة. تتمثل دعواي في أن الرأي القائل إن كل ما تتضمنه الفلسفة عبارة عن حكم مسبق، ربما وجد منطلقه، كما كنت أحاول أن أقترح لدى الوضعية المنطقية القديمة الصالحة- على الرغم من أنك محق تمامًا في أنه رأي امتد إلى ما أبعد -. لكن الكثير من الفلسفة التحليلية المعاصرة تولد مباشرة من الوضعية المنطقية. في الواقع، إذا سمحت لي باستخدام بعض من اللغة الهيغلية، يمكن اعتبار الكثير منها بمثابة النفي المجرد للوضعية المنطقية  logical positivism، التي ما تزال تسكنها ظلال ما يُفترض أنها تخلصت منه.

لكنك استخدمت فكرة الحقيقة. أية حقيقة تقصد؟

إن معظم المشاكل المركزية في الفلسفة – أو ربما كلها – لا تحتاج إلى مقاربة تاريخية. قد تكون هناك فوائد عملية لمقاربتها تاريخياً. أفترض أن هذه النظرة سيحصل عليها المرء – عندما يكشف ذاته للماضي، حيث يلقى العديد من الآراء والحجج المختلفة – ولكن ليس من الضروري أن تتم مقاربتها تاريخياً. لذا، فإن الطريقة السلبية للتعبير عن ذلك هي أنه لا يوجد إطلاقا أو يوجد القليل جدًا من المشاكل المركزية في الفلسفة التي من الضروري أن تتم مقاربتها جوهريًا من الناحية التاريخية. مرة أخرى، أنا أعمل كمدافع عن الشيطان في طرح السؤال بهذه الطريقة. لذا، قد تكون هناك إجابة واحدة لمثل هذا الشخص؛ وهي القول إن ما في الفلسفة أكبر من مجرد هذه المشاكل المركزية، ولكن قد يكون هناك موقف أقوى يرى أن حتى هذه المشاكل أو بعضها لا يمكن إلا أن يتم تناولها تاريخياً. إذن، هل ستشاطر هذا الادعاء الأقوى، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ستدافع عنه ؟

بادئ ذي بدء، أود بالتأكيد الانضمام إلى الادعاء الأضعف. لكن أعتقد أن هناك نسختين على الأقل من فكرة أن ما في الفلسفة أكبر من هذه المشاكل الرئيسية. (من الواضح أن هناك مشاكل أقل كبرا. لكن ليست هذه القضية). لكن ما ينقص أيضًا في هذه المقاربة للفلسفة، من وجهة النظر الأضعف كما أسلفت، هو على ما أعتقد، الإحساس بالترابط المتبادل بين هذه المشاكل. وهذا ما يقود المرء حتمًا إلى نوع من النظرة الشاملة أو المنهجية، وهذا مرفوض بشكل عام. أعتقد بمجرد أن ينظر المرء إلى مهمة الفلسفة على أنها تتضمن بالضرورة نوعًا معينا من النظرة السينوبتية  synoptic، وهو بطبيعة الحال، ما ألِفت الفلسفة إيلاءه عنايتها الدائمة، فإنه يكاد يُقاد على الفور إلى تاريخ الفلسفة. إن واحدة من الأشياء المثيرة للاهتمام حول الفلسفة الأنجلو أمريكية في القرن العشرين أنه لا يوجد الكثير من الفلاسفة النسقيين. (على الرغم من أننا في هذا التاريخ المتأخر من القرن العشرين، فمن المهم للغاية أن يبدي عدد من الفلاسفة التحليليين الرئيسيين الآن اهتمامهم بتناول “الأسئلة الكبرى ” “big questions. ولكنهم غالبًا ما يفعلون ذلك بأسلوب كتابي عَرَضِي، كما لو أنهم محرجين قليلا من ذلك.) هذا الموقف تجاه الفلسفة برمتها أو  تجاه جزء منها على أي حال، يتجاهل ما اعتبرته دائمًا جزءا حقيقيا من الفلسفة – ربما الجزء الضروري منها – أي هذه الرؤية السينوبتية التي تنطوي على العلاقة المتبادلة بين المشاكل الرئيسية. فأنا أرى أن تجزئة الفلسفة كلية، سيوقعها في النهاية في خطر أن تتحول إلى ممارسة عقيمة تمامًا. وأعتقد أن عددًا من الناس أشاروا إلى التشابه بين بعض تطورات الفلسفة التحليلية في منتصف هذا القرن، وبعض الأشياء التي كانت تحدث في القرن الرابع عشر، عندما أغفلت الفلسفة المدرسية  scholasticism الضيقة ما كان حقا على المحك.

الآن، من وجهة النظر الأخرى، التي أعتقد قدمتها على أنها وجهة النظر القوية – وهي أن المرء لا يستطيع فهم هذه المشاكل بعيدا عن التاريخ – نعم، أعتقد أنني سألتزم بهذا الرأي أيضًا. لكن أعتقد أنه من الواضح هنا أنه يجب التمييز بين معاني مختلفة للفهم. من الواضح أن هناك معنى يمكن للمرء أن يستخلصه من تاريخ المشكلة ويتعامل معه (أحاول تقديم مثال) -حسنًا، على سبيل المثال فقط، هناك المعرفة ومسألة غتيير Gettier التي أثارت ردود مثيرة للاهتمام ومتطورة. ولكن مع ذلك ما الذي توصلنا إليه؟ تحليل لما قد نعنيه بـ “المعرفة” أو ما هي الشروط الضرورية والكافية لقول أن س يعرف بأن ع أو شيء من هذا القبيل. ولكن هل هذا هو كل ما نود معرفته عن المعرفة؟ لماذا يجب أن تكون هذه المشكلة مشكلة؟ من أجل فهم ما الذي يجعل من مشكلة ما مشكلة، يبدو لي أن المرء مدفوع إلى نوع من المنظور التاريخي.

ثم إن هناك أيضا مسألة الاجترار المستمر للأفكار؛ فأحد الأشياء التي اكتشفتها وأثارت انتباهي عندما كنت أشتغل على نقد ايبرهاردJ. A. Eberhard  لكانط، وايبرهارد كان ناقدا وولفيا معاصرا لكانط، هو أن كل تلك المسائل المهمة المتعلقة بالتمييز بين التحليلي/التركيبيthe analytic/synthetic distinction تم إحياؤها وأنه تم بناء انتقادات لصياغة كانط بحيث تعادل في جوهرها عددًا كبيرًا من الانتقادات المعاصرة الكلاسيكية أو المعروفة. لذا أعتقد أن مجرد معرفة ما يجري – ما قاله كانط بالفعل والردود الفعلية على هذه الانتقادات – هو في حد ذاته ينير النقاش المعاصر حول التمييز بين التحليلي/التركيبي. ولهذا أرى أن الكثير من الفلسفة التحليلية المعاصرة يتكون من نوع من الاجترار؛ بمعنى تقديم حلول أو انتقادات سبق وتم تقديمها في الماضي. بهذا المعنى، ومرة أخرى، أرى أنه من الخطر عدم معرفة تاريخ مجال معرفي ما.

ربما يؤدي هذا إلى لغز عملي يرتبط بشيء كنت تقوله في وقت سابق عن التغييرات في تاريخ الفلسفة كمجال معرفي. يمكن القول إن هذه الزيادة الهائلة في النشاط البحثي أدت إلى اتجاهين متعارضين. من ناحية، كما كنت تجادل، هناك وعي أكبر بأهمية تاريخ الفلسفة بالنسبة إلى الفلسفة بشكل عام. من ناحية أخرى، هناك زيادة هائلة في التوقعات البحثية. ما هو مطلوب، من أجل متابعة تاريخ الفلسفة بجدية، يمكن القول إنه لا يترك أي وقت، نظرًا إلى أننا كائنات فانية، لاكتساب المعرفة والانخراط في الأنشطة التي يمكن أن تجلب رؤى من تاريخ الفلسفة بجدية وتطبقها على قضايا معاصرة ما تزال قائمة. من لديه الوقت على حد سواء ليكون باحثًا في لايبنتز وأيضًا للإسهام في ميتافيزيقيا الجهة the metaphysics of modality، على سبيل المثال[v]؟

حسنًا، هذا على وجه الخصوص لا علاقة له بتاريخ الفلسفة. أعتقد أن هذا ليس سوى جزء من محنة الأكاديمي المعاصر. إذا تركنا جانباً تاريخ الفلسفة، فمن يمكنه مواكبة أحدث التطورات في النظرية الأخلاقية ومسألة الجهات  modalities أو فلسفة اللغة والاستيتيقا ؟ من الواضح أن بعض الناس يقومون بعمل أفضل من البعض الآخر. بعضهم بمجرد أن يجلسوا ويقرأون مقالًا مرة واحدة، يحفظونه عن ظهر قلب إلى الأبد، ويمكنهم تذكره بعد عشرين سنة. لا أستطيع فعل ذلك. لكن القول إن تاريخ الفلسفة أساسي أو وثيق الصلة بالفلسفة لا يعني أن كل فيلسوف جيد يجب أن يكون باحثا في التاريخ. هذا يعني أن كل فيلسوف جيد يجب أن يكون لديه معرفة عامة جيدة بتاريخ الفلسفة – بالتأكيد، يجب أن يكون هذا جزءًا من التحصيل العلمي العالي – أعتقد بعض المعرفة الشاملة إلى حد ما، لنقل، عن واحد أو اثنين من العظماء الذين هم على صلة مباشرة بعمله. في الواقع لدى البعض معرفة شاملة إلى حد ما؛ في هذا القسم[vi] يمكن أن نذكر ياكو هينتيكا Jaakko Hintikka، الذي لديه تمكّنٌ رائع من أرسطو، كانط، ديكارت، أو ولفريد سيلارز  Wilfrid Sellars الذي هو بالفعل باحثٌ رائعٌ، أو رود تشيزُم Roderick Chisholm الذي أعتقد أن(على الرغم من أن عمله الفلسفي تركز بالتأكيد على الجانب التحليلي للأشياء) لديه استيعاب فلسفي كبير جدًا لتاريخ الفلسفة. لذلك أعتقد أن هذا النوع من الأشياء أمر مرغوب فيه حقًا، لأن هذا ما يثري الفلسفة ويجعلها أفضل.

ربما يكون هذا هو الوقت المناسب للعودة بشكل أكثر تحديدًا إلى كانط وأهمية كانط في الفلسفة بشكل عام. ربما هناك طريقة واحدة لطرح سؤال في هذا المضمار: ما هو في نظرك الصائب في كانط – ليس فقط الصائب، ولكن الصائب وذو صلة بالاهتمامات الفلسفية المعاصرة؟ سأقبل، بالطبع، شيئًا من الكانتية الجديدة.

حسنًا، من الصعوبة بما كان التعامل مع كلمة “صائب” أو “الصائب لدى فيلسوف” ربما عبارة أضعف مثل “مهم” أو “ما يزال حيا” أو “حيويًا ومهمًا” أو شيء من هذا القبيل تكون أكثر ملاءمة. لأنه بمجرد أن يخرج المرء من المنطق وبعض الادعاءات المحددة للغاية ، يجد صعوبة في القول إن الموقف الفلسفي سديد، قوي، ملزم أو شيء مثل هذا. أول شيء سأقوله عن كانط، هو أنني أعتقد أنه، وأكثر من أي شخصية أخرى، قد حدد أجندة الفلسفة اللاحقة. أقصد أن المشاكل المطروحة في العديد من المجالات المختلفة – كيف تكون الأحكام التركيبية ممكنة؟ – أو مجرد طرح سؤال من هذا النوع: “كيف يكون س ممكنًا؟” أصبح واحدة من الطرق الأساسية التي نفكر بها في التعامل مع المشكلات الفلسفية. بالطبع إن العديد من الفلاسفة مناهضون أقوياء لكانط، ولكن هذا جزء مما يتضمنه وضع أجندة. وأن يطبق الفيلسوف ذلك في العديد من مجالات الفلسفة المختلفة هو بالتأكيد علامة على العظمة؛ ربما تكون علامة على العظمة.

إذن يوجد إرث كانط – بالتأكيد ليس الغرض الانتقاص منه، ولكن هب الآن أن شخصًا يسأل (سأستخدم كلمة أضعف من كلمة “صحيح”): ما هو القابل للاستمرار فيما يقوله كانط بشأن هذه الأمور؟ إذا رغبت ذلك، سأطرح سؤالا محددا أكثر. دعنا نأخذ المثالية المتعالية؛ أنت تقدم قراءة مقنعة للغاية لـكانط حول المثالية المتعالية، ولكن هل ما يزال هذا الموقف قابلاً للاستمرار سواء في صيغة كانط المحددة أو في صيغة كانطية جديدة معترف بها؟

دعنا نصيغ الأمر على هذا النحو: أعتقد أن طالما كانت هناك فلسفة مثالية في شكل ما ستكون دائمًا حركة فلسفية قابلة للاستمرار. أعتقد في نهاية المطاف أن كل ما لدينا في الفلسفة هو عدد صغير إلى حد ما من الحركات الفلسفية التوليدية  generic، والمثالية هي بالتأكيد واحدة منها. أعتقد أيضًا أن مثالية كانط المتعالية هي الأكثر تعقيدًا، على الأقل في عصره، وهي الشكل المقنع من المثالية. بهذا المعنى أعتقد أنها ما تزال منافسًا في الساحة الفلسفية. أنا لا أرفع دعوى أقوى بذلك، ولم أدع قط أنني أثبتت أن مثالية كانط المتعالية صحيحة. كل ما أحاول أن أحاجه هو أن العديد من الاعتراضات عليها قائمة على سوء تفاهم تام. تعتبر المثالية موقفا فلسفيا مثير للاهتمام بكثير وقوي أكثر مما يعتقد بشكل عام. لقد تركز عملي في الغالب في هذا الاتجاه. ومن الواضح أنه أثار انجذابي، لذلك أعتقد أنه يجب أن أسمي نفسي مثاليًا من نوع ما.

من المفترض أن كانط يعتقد أن المثالية المتعالية لم تكن جذابة وقابلة للاستمرار فحسب، بل كانت صحيحة. وليس مجرد حركة متواصلة متاحة للفلاسفة بشكل دائم، بل خطوة أسسها على أنها الخطوة المناسبة للتعامل مع تشكيلة متنوعة من الأسئلة. إذن، قد يختلف رأيك في وضع الأسئلة الفلسفية، فيما يتعلق بقابلية الإجابة عنها، سواء كانت أسئلة دائمة بطبيعتها أم لا، عن رأي كانط.

أعتقد أن هذا صحيح بما فيه الكفاية. كتب كانط مقدمة لكل ميتافيزيقا مستقبلية Metaphysics Future to any  Prolegomena، التي ستعتبر كعلم، ولكن أعتقد أنه ههنا لم يكن فريدا فحسب بل كان نموذجيا أكثر. يجب على الفيلسوف أن يضع نوعًا من الإيمان في غائية موقفه(ها)، كنوع من القوة الدافعة للإبداع الفلسفي وفقط. ولكن بهذا المعنى، فإن كل فيلسوف ستدحضه التطورات المستقبلية، وهذا ما سيحدث للفلاسفة الذين هم معنا الآن. لذلك أعتقد أن المؤرخ الذي ينظر إلى بضع مئات السنين إلى الوراء، يمكن أن يكون له بالتأكيد موقف عميق ومعتبر تجاه أهمية كانط وأهميته المستمرة دون الحاجة إلى الالتزام بفكرة أن كلمته هي الكلمة الفيصل في أي موضوع.

ربما يكون الإيمان Glaube ضرورة نفسية، على الرغم من أنني أرى أن كانط كان يعتقد أنه أكثر من ذلك. وإذا لم يفعل، فمن المفترض أن يوجه نقدا للحجج التي قدمها على مزاعمه. فأنا أعتبر أن الادعاءات الفلسفية التي قدمها هي نفسها ذات وضع تركيبي قبلي.

حسنًا، هذه قضية مختلفة، لأنه من المؤكد أن العديد من الانتقادات –ليس كلها- الموجهة لكانط في المجال النظري قد جاءت كنتيجة للدعوة إلى التطورات العلمية والرياضية والمنطقية التي حدثت بعد عصره. لذا فإن السؤال هو إلى أي مدى نلقي اللوم على الفيلسوف لكونه لم يكن كليٌّ العلم. يمكن للمرء أن يقول، حسنًا، يجب مراجعة الحجة الراهنة للاستيتيقا المتعالية إلى حد ما في ضوء التطورات الأخيرة، على الرغم من أنني لست متأكدًا من أن هذا يُعد حقًا نقدًا.

لم أقصد أن أنتقد كانط، لكنني أعتقد أن سؤالي الأولي كان: في نهاية المطاف، ما الذي ينبغي على المرء أن يفكر الآن بشأن هذه الحركات الكانطية، دون إلقاء اللوم على كانط على ما حدث بعد ذلك؟ وإذا كانت هناك انتقادات مشروعة ستقدم- على سبيل المثال، في ضوء التطورات الحاصلة في العلم والرياضيات والمنطق – بأية طريقة يمكن لكانطي  Kantian أن يستوعب هذه الانتقادات، ويظل معترفًا بأنه كانطي بغية الحفاظ على قابلية الموقف الكانطي للاستمرار؟

نعم حسنا. من الواضح أن هذا سؤال صعب للغاية. بمعنى أن تكون كانطيا هو أن تكون كانطيا محدثًا neo-Kantian، إلا إذا كنت متابعًا رقيقًا لحرفية النص. لذا عليك أن تسأل نفسك “ما هو الجوهري في تحليل كانط؟”، وهذا بالطبع سؤال يثير في حد ذاته الجدل. ورداً على ذلك، أعتقد أن فلاسفة القرن العشرين مثل إرنست كاسيرر E. Cassirer قاموا بأشياء مثيرة للاهتمام للغاية في محاولة تقديم صورة كانطية متوافقة تمامًا مع نظرية النسبية وغيرها. وأعتقد أن هذا النوع من الأشياء ممكن وهو جزء من العمل. وهو ما لم أتحمل مشقة القيام به، لأنني لا أملك ما يكفي من التكوين العلمي. تمنيت لو كان لدي تكوينا علميا؛ أعتقد أن هذا شيء من المهم جدًا إنجازه.

لكن، دعنا نترك تفاصيل العلم جانبا، ما أراه بالفعل أساسيا في الفلسفة النظرية لكانط- صحيحًا إذا شئت- هو شيء مثل التمييز بين حساسية/فهم sensibility/ understanding. وبالتالي إن المعرفة تتطلب شيئا معطى للذهن، وبالمقابل نشاط ما من قبل الذهن للتعامل معه. إن تحليل وضع المعطى سيؤدي إلى شيء مثل أشكال الحساسية الكانطية  Kantian forms of sensibility التي هي في نهاية المطاف ذاتية في طبيعتها، وبالتالي إلى شيء مثل عقيدة المثالية المتعالية. ولكن من اعتبارات عامة مثل هذه يمكن للمرء أن يتحرك في اتجاهين على الأقل، وهذا يمثل الخط الفاصل بين مقاربتين معاصرتين لكانط. من ناحية، هناك أولئك (مثلي) الذين يميلون إلى محاولة تطوير فكر كانط على أساس تفكير عام للغاية في الشروط القبلية للمعرفة، التي لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأية مجموعة معينة من المعرفة العلمية. من ناحية أخرى، هناك أولئك، وهنا يتبادر إلى ذهني مايكل فريدمان  Friedman Michael في المقام الأول[vii]، الذين ينظرون إلى فكر كانط في سياق أجندة القرن الثامن عشر؛ العلمية والرياضية والمنطقية. وأنا بالتأكيد لا أختلف مع تلك المقاربة. هذا جزء فقط من كونك مؤرخًا جيدًا. ولكن إذا اقتصرت على تلك المقاربة، ثم طرحت أسئلة من قبيل “ما هو” الصحيح” لدى كانط؟” فمن ثم يصبح من الصعب إنقاذ كانط. ثم تصبح عظمة كانط أو ستتمثل في كونه كان الفيلسوف الذي عبّر بشكل أفضل أو استوعب بشكل نهائي الافتراضات القاعدية الأساسية لميكانيكا نيوتن، وقدم بالنظر إلى الأدوات المنطقية التي كان جارٍ العمل بها، أفضل تفسير ممكن للطبيعة وإمكانية المعرفة الهندسية. وعلى الرغم من أنني أقدر كل ذلك، إلا أنني أريد أيضًا أن أسأل ما إذا كان يمكن أن يتم بناء بعض المعنى الفلسفي من أفكار كانط على مستوى عام أكثر ومتعال غير مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم عصره.

ربما أذكر ميزة أخرى لتفلسف كانط تتكرر في كتاباتك وأعتقد أنها بالتأكيد ذات موقع عظيم في الفلسفة المعاصرة – أقصد، إذا شئت، عدم طبيعانية المعياري non-naturalizability. على سبيل المثال ظهر هذا الموضوع مؤخرًا في حديث قدمتَه في جامعة هارفارد حول كتاب باتريشيا كيتشر[viii]  Patricia Kitcher حيث توجد محاولة لطبعنة كانط في الذهن. بالطبع، أن يكون كانط مفكرا شاملا، فلذلك علاقة بمثاليته، ولكن ربما ترغب في قول شيء حول هذه القضايا. أطرح هذا السؤال لأنني وجدت في كتاباتك تلميحات واضحة للغاية (إذا لم يكن هذا تناقضًا لفظيًا oxymoron) عن صلة كانط المباشرة بنقاشات معاصرة مثيرة . لذا ربما يمكنني جرّك قليلاً للحديث عن كيفية تطبيق أفكار كانط ههنا.

أعتقد أولاً وقبل كل شيء، بالعودة قليلاً إلى الوراء، أن هذا مثال جيد لأنه يوضح وجهة نظري العامة عن أهمية تاريخ الفلسفة. بمعنى ما، إن الجدل بين الطبيعانية  naturalism ومعاداة الطبيعانية  anti-naturalismقديم قدم التلال، وأعتقد أن أحد الأجزاء الأكثر إثارة للاهتمام والمثمرة فلسفيًا هو على وجه التحديد النقاش بين كانط وهيوم. لذلك أعتقد أنه ليس فقط كانط، بل إن نقاش كانط-هيوم هو نفسه يمثل نوعا من النموذج أو البراديغم  paradigm، وكذلك توقعًا لفكر القرن العشرين، لأنه من الواضح أن هذه قضية تشكل صلب الفلسفة المعاصرة. في الواقع، لقد كانت صُلب الفلسفة منذ ديكارت وأصل العلم الحديث. طوال هذه الفترة كانت القضية وما تزال متعلقة بالتوفيق بين تصورنا لأنفسنا كفاعلين مستقلين ينجزون ادعاءات معيارية  normative claimsمع الصورة العلمية للعالم. هذه مسألة ميتافيزيقية عميقة، ولكن لها تاريخ ولم تكن دائمًا مشكلة، على الأقل ليس في هذا الشكل تحديدا. بالطبع، يعتمد وضعها الإشكالي على شيء مثل وجهة النظر الآلية أو شبه الآلية للطبيعة. وفي رأيي إن عظمة كانط أو جزء كبير مما يهمني في فكره يكمن في محاولته الحفاظ على حقيقة الصورة العلمية للعالم والطابع المميز للعامل البشري، والمعايير العقلانية غير المنفصلة عنه، وفي الوقت نفسه رفضه المشروع الهيومي  Humean project(الذي ما يزال عصريًا) الهادف إلى استيعاب كل من الفاعلية  agency والمعيارية  normativity في الصورة الطبيعانية. على النقيض من ذلك، فإن الرد الطبيعاني الذي تمثله بالتأكيد باتريشيا كيتشر  Patricia Kitcher بشكل قوي جدا، يتمثل في إثراء مفهوم الطبيعة أو الطبيعانية بحيث يشمل المعياري. أعتقد أن السمة المميزة للموقف الكانطي أو على الأقل لموقفي الفلسفي الخاص الذي أتخذه من كانط؛ هو أنه يجب رسم خط صارم وسريع بين الطبيعاني والمعياري. وبالطبع فإن هذا الأمر نفسه يرتبط بمجموعة كاملة من المشكلات الأخرى – وبشكل أبسط أقول إن الأمر يتعلق بقضية “ما هو كائن-وما يجب أن يكون”  “is-ought”.

لقد تحدثنا عن الماضي وعن حمولة الماضي بالنسبة إلى الحاضر. ربما يمكننا قول شيء عن المستقبل. أولا دعني أسأل ما هي الاتجاهات التي تود أن تأخذها الدراسات عن كانط في المستقبل، أو إذا شئت، ماهي، ضمن الدراسات عن كانط، المجالات التي تراها ملائمة للبحث؟

ذلكما سؤالين صعبين جدا. لأنني أعتقد حقا بأن الدراسات عن كانط أو تأويل كانط -لاستعمال مقولة أوسع من دراسة- غالبا ما استجاب للتطورات في مجال الفلسفة بشكل واسع. بمعنى ما فإن كل جيل يعيد قراءة كانط بمشاكل حاضره، ولا يمكننا معرفة ما ستكون هذه المشاكل مادام لا نستطيع توقع المستقبل.

مع ذلك أعتقد أن الدراسات عن كانط تتيح فرصة اكتشاف عدد من الأشياء المثمرة يجدر القيام بها. يمكننا أن نتوقع أنه سيكون هناك الكثير من العمل فيما يتعلق بإنتاجه الأخير Opus Postumum*، وعلاقته بالفلسفة النقدية الكلاسيكية. بالطبع، توجد ثلاثة خيارات في هذا المجال؛ الخيار الأول غير جذاب تماما، ولكنه يمثل وجهة النظر التقليدية، وهي أن هذا عملٌ أنجزه كانط في كهولته، وبالتالي فإن مآله الرفض قطعا. وبالتأكيد إن ما تم إنجازه مؤخرًا عن Opus Postumum يضاد ذلك كليةً. يعتقد أن معظم Opus Postumum–وهو ببساطة عبارة عن مجموعة من الملاحظات والمخطوطات الجزئية تماما والملاحظات الأخرى المرتبطة بها، والتي تم تدوينها على مدى خمس أو ست سنوات تقريبًا – ليس بالتأكيد نتاج الكهولة، بل نتاج ذو أهمية فلسفية حقيقية. ومن بين أولئك الذين يتمسكون بأهميتها، ما يزال هناك مقاربتان مختلفتان تمامًا؛ إحداهما تعتبره كنوع من الانطلاقة الجديدة الجذرية التي قام بها كانط الكهل على الأقل جزئيًا بفضل معرفته بالتطورات الأخيرة في الفلسفة الألمانية. فقد عمد في سنواته الأخيرة إلى قراءة شيلينج وفيخته. وهكذا أصبح نوعًا ما بعد كانطيا! أو على الأقل هذا ما يعتقده البعض. يتمثل الخيار الثاني، على ما أظن، في رؤية Opus Postumum على أنه استمرار أساسي للموقف النقدي الكلاسيكي. وتجد الباحثين المعاصرين يعملون في كلا الاتجاهين، ولكن أعتقد أنه سيكون هناك على الأرجح الكثير من أطروحات الدكتوراه حول  Opus Postumum في العشر أو الخمس عشرة سنة القادمة، لأنه ما يزال إلى حد كبير مساحة عذراء.

هناك خيار آخر مهم يقع في الاتجاه المعاكس تماما. إنه يعود إلى الوراء، إلى كانط ما قبل النقدي ليستكشف كيف ترتبط أفكار نقد العقل الخالص بمجموع العمل الهام جدا الذي كتبه كانط قبل النقد. لا يزال هناك الكثير من الأشياء المذهلة التي يتعين القيام بها في هذا المجال. وبالطبع، فإن كل من Opus Postumum والنصوص ما قبل النقدية والمحاضرات والملاحظات تتطلب قدرًا كبيرًا من البحث والدراسة. وبما أن الكثير قد كُتب عن الاستنتاج deduction المتعالي وعن القياس analogy الثاني وعن الأمر المطلق imperative categorical ، أعتقد هذه هي أنواع المجالات التي سيتم الاشتغال عليها بشكل هام جدا على الأقل لبعض الوقت.

الخيار الثالث هو مجال اهتمامي الرئيسي الحالي، ويتعلق بنقد ملكة الحكم Critique of Judgement، الذي بدأ يحظى بالكثير من الاهتمام المستحق. إذاً، هذه هي المجالات الرئيسية الثلاثة الكبرى التي، دعنا نقول، -لا أستطيع القول أكثر- من المحتمل أن يركز عليها البحث في كانط في العقد القادم.

قبل أن أختم بالسؤال عن مشروعك الحالي ربما بإمكاني طرح سؤال يرتبط ببعض ما كنا نتحدث عنه قبل برهة. كما قيل حدثت تغيرات عدة في تاريخ الفلسفة كمجال معرفي على مدار مسيرتك المهنية، والبحث في كانط على وجه الخصوص. الآن لقد ذكرت ما تعتقد أننا سنراه في المستقبل لكن ربما بمقدورك أن تخبرنا بما تحبذ رؤيته في المستقبل؟ وعلى الأخص هل كانت كل التغيرات التي شاهدتها تسير نحو الجيد أم أن بعضها يسير على عكس ذلك؟ هل يوجد في الدراسات عن كانط أو في تأويله، وفي تاريخ الفلسفة بشكل عام شيئا تغافلت عنه من الأيام الماضية وتود إحياؤه، سواء كانت بحوثا محددة أو لِنَقُلْ مقاربات محددة أو مواقف محددة؟

حسنا، أعتقد أن معظم التغيرات التي حبّذتها يمكن بسهولة أيضا وصفها بأنها عودة إلى الأساليب المبكرة لكتابة تاريخ الفلسفة. نستذكر ضمن العالم الكانطي شخصيات كلاسيكية مثل باتون H. J. Paton وكامب سميث Kemp Smith. على الرغم من اختلافهما التام إلا أن لدى كلاهما توليفة من المساءلة الفلسفية والوفاء التاريخي والاهتمام. هذا ما يجعلني أرى أنه لا يوجد شيء جديد بالكلية في معظم التطورات الراهنة في تاريخ الفلسفة، ماعدا مناقضتها لروادها المباشرين واللاتاريخيين  anti-historical للغاية.

إذن كل ما يتعلق بالبحث في كانط وتأويله، كما هو الآن، على ما يرام ؟ ألا توجد مجالات متبقية أو جديدة فيها عطب؟ أنا لا أسألك أن تقدح في أي واحد بعينه؟

حسنا، يوجد عدد هائل من المؤولين المعاندين

جيد جدا. حسنا، ربما علينا الانتقال إذن إلى ما أنت بصدد الاشتغال عليه حاليا. ربما بإمكانك أن تخبرنا عن مشاريعك الحالية؛ فقد ذكرت أنك تشتغل على النقد الثالث *. هل يمكنك أن تقول لنا شيئا عن ذلك، وعما إذا كانت هناك مشاريع أخرى أيضا؟

لدي ما يشبه مشروعا مكتملا؛ هو عبارة عن مجموعة من المقالات ستصدر في نهاية هذا العام، تتضمن في معظمها اشتغالي على الفلسفتين النظرية والعملية منذ صدور الكتابين الأخيرين[ix]. وللعلم فإن المقال الذي تناول باتريسيا كيتشر متضمن فيها. قمت في جزء من هذه المجموعة بالرد على نقادي، أما في الجزء الآخر فقد طورت بعض الأفكار التي سبق وعبرت عنها في كتبي بشكل مفصل أكثر وفي اتجاهات مختلفة. هذا إذن ما قمت به مؤخرا. لكن ما أنا ملتزم به حاليا وبشكل فعال فهو المشروع المتعلق بالنقد الثالث. إنني أرى أنه أعظم ثالث مشروع خلال مسيرتي، وآمل أن يكلّل بكتاب. لقد أحسست منذ البداية أن هناك ثلاث أفكار، أو إذا شئت، ثلاث عقائد عظيمة لدى كانط. تتمثل الأولى في مثالية المكان والزمان التي تحدثت عنها في كتابي الموسوم المثالية المتعالية لكانط Idealism Kant’s Transcendental. أما الثانية–فقد سبق وتحدثنا عنها- وهي مفهوم الحرية ومصالحة الحرية والفاعلية مع الحتمية السببية للطبيعة. وكتبت كتاب نظرية الحرية لكانط Kant’s Theory of Freedom بهذا الخصوص. في الواقع، لقد استنفدت مشاريع كبيرة. بقيت العقيدة الثالثة العظمى لكانط، وأعتقد أنها الأكثر تعقيدا، وتتمثل في فكرة غائية الطبيعة، التي تتجلى في الجميل  beautifulوفي المجال التليولوجي  teleological. إذن مشروعي الحالي يتمثل في محاولة إنجاز تأويل دامغ لتلك الفكرة التي تعتبر التيمة  theme المركزية للنقد الثالث.

هل قادك فهمك المعمق للنقد الثالث إلى تغيير أيا من أرائك حول النقدين الأولين؟

علي التفكير في ذلك. لا شيء يتبادر إلى الذهن من لا شيء. لكنني وجدت أن فهمي للنقد الثالث قد تعمق أكثر بالتأكيد بالعودة إلى النقدين الأولين. لقد أنجزت أعمالا كثيرة عن الجدل المتعالي  transcendental dialecticعلى وجه التحديد، وذلك بعد أن كتبت كتابي عن المثالية. إنني أجد الأمر قد أصبح مثمرا جدا بالنسبة إلى الأبعاد التأويلية للنقد الثالث. بالطبع توجد أجزاء اشتغلت عليها طيلة سنوات، وأقل ما يقال أن الأمر قد تبدى لي مبهما بشكل كبير، كوني قد شرعت بإلقاء نظرة على النقد الثالث من خلال فهمي للنقد الأول. وطالما أن الأمر يستمر في التنامي على هذا المنوال فإنني أعتقد أنني ما أزال حيا فلسفيًا.

هل توجد لديك مشاريع للاشتغال على كتُّاب أخرين ماعدا كانط؟ فقد نشرت مثلاً في بداية مشوارك كتابين؛ واحد يتناول ليسنغ والثاني سبينوزا ؟

نعم، على الرغم من أن للزمن حدوده إلا أنني أرغب في كتابة المزيد عن هيوم، كما آمل العودة إلى سبينوزا بالتأكيد. كذلك يسترعي انتباهي للغاية بعض المتابعين المباشرين لكانط –لا أقصد هيجل تحديدا- على الرغم من اهتمامي به لكن أنا بصدد التفكير في المرحلة المباشرة لسنة 1790، التي كانت مرحلة رائعة في ألمانيا وحاسمة بالنسبة إلى البحث نظرا إلى أنواع النقد التي وجّهت لكانط أثناءها. لقد كتب فريدريك بايزَر Frederick Beiser مؤخرا كتابا مهما جدا يتناول تلك الفترة[x]، وأتمنى أن أكون قادرا على استثماره بشكل أكبر بقليل.

حاليا أشرفُ على طالب جيد جدا، هو بصدد كتابة أطروحة عن سليمان بن ميمون Solomon Maimon ونقده لكانط، ما سبق بطرق عدة الكثير من النقاش المعاصر حول الطبيعة وموضع الحجج المتعالية. إنه مثال آخر على وظيفية الماضي. تلك هي إذن اهتماماتي المستقبلية.


* Henry Allison: Personal and Professional, The Harvard Review of Philosophy, Volume 6, Issue 1, Spring 1996, Henry Allison, Steven A. Gross, Pages 31-45, n: https://doi.org/10.5840/harvardreview1996613

[i] – Louis Mackey, Kierkegaard: A Kind of Poet, (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1971).

[ii] – Henry Allison, Kant’s Theory of Freedom(Cambridge: Cambridge University Press, 1990).

[iii] – Journal of Philosophy

[iv] – Jonathan Bennett, Kant’s Analytic (Cambridge: Cambridge University Press, 1966) and Kant’s Dialectic (Cambridge: Cambridge University Press, 1974).

[v] – Margaret Wilson, “History of Philosophy in Philosophy Today; and the Case of the Sensible Qualities,” in the Philosophical Review, Vol. 101, No. 1, January 1992, pp. 204-206.

[vi] – The Boston University, Department of Philosophy.

[vii] – Michael Friedman, Kant and the Exact Sciences, (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992).

[viii] – Patricia Kitcher, Kant’s Transcendental Psychology,(Oxford: Oxford University Press, 1990).

*  يقصد ب: Opus Postumum المخطوطات الأخيرة التي دونها كانط وصدرت بعد وفاته. ونشرت الترجمة الإنجليزية لها سنة 1995. (المترجمة)

 (المترجمة)Critique of Judgment النقد الثالث هو نقد ملكة الحكم (1790)  *

[ix] – Henry Allison, Idealism and Freedom: Essays in Kant’s Theoretical and Practical Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).

[x] – Frederick C. Beiser, the Fate of Reason: German Philosophy from Kant to Fichte (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1987)

للمترجمة أيضا:

هارفي ك. مانسفيلد: مسألة النزعة المحافظة

جدلية الأزمة والتقدم عند “إدغار موران”

‏يوم واحد مضت

تنفُس سبينوزا ..

‏3 أيام مضت

كيف نقرأ نيتشه اليوم؟

‏3 أيام مضت

Harvey C. Mansfield, Jr. The Question of Conservatism


جميلة حنيفي

ترجمة جميلة حنيفي*

   هارفي كلافلن مانسفيلد (المولود 1932)، من الفلاسفة السياسيين  الأمريكيين، ينتمي إلى المحافظين الجدد، تأثر بالفيلسوف لِيُو شتراوس، وهو مشدود من جهة إلى فضائل المؤسسين الأمريكيين الأوائل، ومن جهة أخرى إلى أصول الفكر الفلسفي، وعلى وجه التحديد أرسطو ومكيافيللي وتوكفيل. من مؤلفاته؛ روح الليبرالية (1978)Spirit of Liberalism، ترويض الأمير (1993)Taming the Prince ، دليل الطالب للفلسفة السياسية (2001)  A Student’s Guide to Political Philosophy. في هذا الحوار الشيق والرائع تناول مانسفيلد جملة من المواضيع منها نقد الليبراليين، نقد التحليليين، الدعوة إلى المصالحة مع نيتشه وهيدجر، التمييز الإيجابي، النسوية وقضية الإجهاض، وغير ذلك.

كيف أصبحت فيلسوفًا سياسيًا؟

لقد نشأت على الفلسفة السياسية، ولم يكن ذلك

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي بقلم د جميلة حنيفي – الجزائر

21 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  د جميلة حنيفي – الجزائر أستاذة محاضرة – قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله إن تهميش المرأة فعل مترسخ في ذهنية مجتمعاتنا فهي لم تكن شيئا يذكر على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “والله ما كنا نعد النساء شيئا حتى أنزل الله فيهن …

حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية

‏3 أسابيع مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

جميلة حنيفي ترجمة: جميلة حنيفي* حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of …

جورجيو أغامبين: توضيحات

5 مايو 2020 ترجمةتغطيةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي آل صحفي إيطالي على نفسه، وفقًا لأفضل ممارسة ممكنة لمهنة الصحافة، القيام بمهمة تشويه وتزييف أفكاري بشأن الارتباك الأخلاقي الذي ألقي فيه الوباء البلاد، حيث لم يعد هناك أي احترام، حتى للقتلى ذاتهم. ومثلما لا يستحق الأمر عناء ذكر اسم الصحفي، فهو كذلك لا يستحق …

حوار مع كورنيل وست: إعمال الإيمان الفلسفي

4 مايو 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Philosophical Faith in Action حوار مع كورنيل وست Cornel West ترجمة جميلة حنيفي جميلة حنيفي كنا نأمل أن نبدأ هذا الحوار بالحديث عن كيفية ولوجك إلى عالم الفلسفة، وتحديدا الفلسفة البراغماتية وفلسفة الدين. فهل يمكن أن تقدم لنا وصفا لمسارك الدراسي؟ أعتقد أن الأمر برمته يعود إلى العائلة والكنيسة معا. …

روبرتو إسبوسيتو: علاج إلى غاية النهاية

4 مايو 2020 متابعاتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي Roberto Esposito Cured to the Bitter End أجد في ثنايا هذا النص الذي كتبه جون-لوك نانسي، جميع السمات التي ميزت دوما شخصيته – على وجه الخصوص جوده الفكري الذي حظيت به شخصيًا في الماضي، وتأثري الكبير بتفكيره، لا سيما في بحوثي المتعلقة بالجماعات. إن معارضته الشديدة والدائمة …

تقرير عن ندوة محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني

3 مايو 2020 تغطيةمجلاتمساهمات 0

بقلم الأستاذة جميلة حنيفي أقام مخبر إشكالية البحث العلمي في بناء المجتمع العربي الحديث والمعاصر، بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله- ندوة فكرية بعنوان: “محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني”. وذلك يوم 11 مارس2020 المنصرم. شارك في أشغال هذه الندوة كل من الأساتذة الأتية 

جان-لوك نانسي: استثناء فيروسي

5 أبريل 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة جميلة حنيفي يزعم جورجيو أغامبين، وهو صديق قديم لي، أن فيروس كورونا لا يكاد يختلف عن الأنفلونزا العادية. يبدو أنه قد نسي أن مرض الإنفلونزا “العادية” يمكن علاجه بواسطة لقاح قد ثبتت فعاليته. ومع ذلك فهو يحتاج إلى إعادة التكيف مع الطفرات الفيروسية عامًا بعد عام. ثم إن الإنفلونزا …

جورجيو أغامبين: حالة استثناء أثارتها حالة طوارئ بلا دافع

29 مارس 2020 ترجمةعامةمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي من أجل فهم التدابير الطارئة، الجامحة وغير المعقولة وغير المبررة على الإطلاق المعتمدة لمواجهة وباء فيروس كورونا المزعوم، يتوجب علينا أن نبدأ من إعلان مجلس البحث الوطني الإيطالي (NRC)، والذي يقول: “لا يوجد وباء SARS-CoV2 في إيطاليا. “ ويواصل: على أي حال “تسبب العدوى وفقًا للبيانات

إلى الحجر الصحي من الحجر الصحي: روسو وروبنسون كروزو و”أنا” كاثرين مالابو

27 مارس 2020 بصغة المؤنثمجلاتمفاهيم 0

To Quarantine from Quarantine: Rousseau, Robinson Crusoe, and “I” Catherine Malabou ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في شهر ماي من عام 1743، رست سفينة قادمة من مدينة كورفو Corfu باليونان تحمل جثث أفراد طاقمها الذين ماتوا بسبب مرض غامض إلى مدينة ميسينا Messina بإيطاليا. لقد تم إحراق السفينة والحمولة، …

آلان باديو: حول جائحة الكورونا فيروس

25 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة: جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 منذ البداية، كان لدي اقتناع بأن الوضع الراهن، الذي اتصف بجائحة فيروسية، لم يكن على وجه الخصوص استثنائياً. من جائحة فيروس الإيدز AIDS، إلى أنفلونزا الطيور، إلى فيروس إيبولا Ebola، إلى فيروس السارس1SARS – ناهيك عن ظهور العديد من أنواع الأنفلونزا، وأنواع من مرض …

سلافوي جيجك: الشيوعية العالمية أو قانون الغاب _ كورونا فيروس يرغمنا على اتخاذ القرار

22 مارس 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في الوقت الذي ينتشر فيه الرعب من فيروس كورونا، يتوجب علينا الحسم بين اختيارين- إما أن نفرض منطق البقاء للأصلح، وهو المنطق الأكثر وحشية، أو نوعًا من الشيوعية المبتكرة التي تتم بالتنسيق والتكاتف العالمي. ما يفتأ إعلامنا، وبلا هوادة، يكرر عبارة “لا داعي للرعب!”

جوديث بتلر: للرأسمالية حدود

21 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 Capitalism Has its Limits تناقش الفيلسوفة جوديث بوتلر Judith Butler وباء كورونا فيروس-19 وآثاره السياسية والاجتماعية المتصاعدة في أمريكا يتزامن الأمر بالحجر الصحي مع اعتراف جديد بترابطنا الكوني المتبادل خلال زمان ومكان جديد للوباء. من جهة نحن مطالبون بحجز أنفسنا في وحدات عائلية أو …

في فلسفة القانون حوار مع ألَن مورتن درشويتس* Alan Morton Dershowitz

24 فبراير 2020 بصغة المؤنثترجمةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي** في الآونة الأخيرة، أثير بعض الجدل في كلية الحقوق بجامعة هارفارد حول الحظر المقترح على خطاب الكراهية. ما هي وجهة نظرك حول قوانين الخطاب؟ ما أؤيده هو حكم محدد يوضح أنه لا يمكن حظر أي شيء ما لم يتم تحديده بموجب قاعدة معينة. والشيء الوحيد الذي أنا …

في الجمهورياتية والليبرالية – حوار مع مايكل ساندل

20 فبراير 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Machael Sandel ترجمة جميلة حنيفي* الجزائر  عُرفت بوصفك ناقدا لليبرالية، فما المقصود بالضبط بالليبرالية وما المشكلة المطروحة بشأنها؟ أعتبر نفسي ناقدا لصيغة معينة من الليبرالية، تلك الصيغة التي تجد تعبيرها أو حكمها الأكثر تأثيرا لدى إيمانويل كانط، لكن أيضا لدى فلاسفة آخرين معاصرين مثل جون رولز. إنها الصيغة التي ترى …تحرير

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي بقلم د جميلة حنيفي – الجزائر

21 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  د جميلة حنيفي – الجزائر أستاذة محاضرة – قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله إن تهميش المرأة فعل مترسخ في ذهنية مجتمعاتنا فهي لم تكن شيئا يذكر على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “والله ما كنا نعد النساء شيئا حتى أنزل الله فيهن …أكمل القراءة »

درس محمد عابد الجابري: في العلاقة بالآخر

‏6 أيام مضت دراسات وأبحاثمفاهيممقالات 0

محمد ازويتة في إحدى المساهمات الثقافية التي قدمها الباحث المغربي عز العرب بناني ، على موقع كووة الثقافي ،  بخصوص التلقي الغربي لأطروحات الجابري أو بالعبارة التي قدمها الباحث ( الجابري بعيون ألمانية ) ، أثارتني ثلاثة ملاحظات : ــ مسألة الترجمة : ذكر الأستاذ عز العرب عن حضور الجابري …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: احذر هناك خطر

‏أسبوعين مضت ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد ازويتة تقديم الخطر ، الخوف ، الأمن …   قيم لازمت الإنسان ، منذ القديم ، في علاقته بذاته ، بالآخر و العالم . حاولت  الفلسفة الأخلاقية مع الرواقيين و الأبيقوريين و الكلبيين تقديم أجوبة تهدف الى تحقيق أمن روحاني نابع من الذات  ، كما حاولت التجربة المسيحية …أكمل القراءة »

العلاقة بين الفعل الجنسي والرجولة الجنسية

‏أسبوعين مضت علم الإجتماعمجلاتمفاهيم 0

رشيد العيادي. مقال من إنجاز الباحث رشيد العيادي. (المغرب) سنحاول التوقف هنا على النص السردي وعلاقته بالجسد كمعطى ثقافي واجتماعي ورمزي. فالنص السردي دائما ما يتوسل الاستعارات والكنايات اللغوية للتعبير عن مكنون كاتبه، فالجسد هنا ليس له منفذ يظهر منه إلا إذا توسّل ألعاب اللغة، أما الظهور في شكله الصريح …أكمل القراءة »

هارفي ك. مانسفيلد: مسألة النزعة المحافظة

‏3 أسابيع مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

Harvey C. Mansfield, Jr. The Question of Conservatism جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي*    هارفي كلافلن مانسفيلد (المولود 1932)، من الفلاسفة السياسيين  الأمريكيين، ينتمي إلى المحافظين الجدد، تأثر بالفيلسوف لِيُو شتراوس، وهو مشدود من جهة إلى فضائل المؤسسين الأمريكيين الأوائل، ومن جهة أخرى إلى أصول الفكر الفلسفي، وعلى وجه التحديد …أكمل القراءة »

المدرسة المغربية بين الأسوار واللا أسوار في زمن الكورونا

‏4 أسابيع مضت تغطيةمتابعاتمجلاتمفاهيم 0

أزمة في التعليم عن بعد وفشل ذريع في التعليم عن قرب أسامة حمدوش    لا مندوحة أن رهانات التعليم عن بعد بالمغرب في زمن الكورونا في ظل التطورات التقنية والتكنولوجية التي يشهدها العالم قاطبة لن تكون سهلة المنال بالقياس إلى دولة في طور النمو والتقدم كالمغرب، وخاصة في منظومة التربية …أكمل القراءة »

في الحاجة إلى الفلسفة: جيل دولوز وإبداع المفاهيم

‏4 أسابيع مضت دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

بقلم: ادريس شرود                       “كلما تم إبداع المفاهيم في مكان وزمان ما، فإن العملية المؤدية إليه ستُسمّى دائما فلسفة” دولوز- غتاري مقدمة – سؤال: ما رأيك في “الفلاسفة الجدد”؟ – جواب جيل دولوز: “لا شيء. أظن أن تفكيرهم بدون قيمة”. سيثير هذا الجواب ردود فعل متنوعة من طرف جيل جديد من الفلاسفة خاصة في فرنسا، توحّدت جلها حول …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: الجنسانية والسلطة

4 يونيو 2020 دراسات وأبحاثعامةفلاسفةمفاهيم 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل : تندرج المقالات التي ننقلها عن ميشيل فوكو ، و غيره من الباحثين الغربيين المميزين ، ضمن استراتيجية مغربية صريحة ، عبر عنها  أستاذي محمد عابد الجابري بصيغة ” الاجتهاد و استئناف النظر ” ، حيث قال  ( و لا يعنينا هنا الانتصار لهذا الجانب …أكمل القراءة »

حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية

25 مايو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

جميلة حنيفي ترجمة: جميلة حنيفي* حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

12 مايو 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل

شاهد أيضاً

رَفْعُ «حُجُب إِيزِيسْ» عن اليومي

«مارتن ستيفان»، «بيير ديلو»، «تيري فورمي»* ترجمة: الحسين أخدوش لا يصبح امتلاك أيّ منّا ليومه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *