الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الفلسفة والشعر، أيهما ظفر بالخيال؟

الفلسفة والشعر، أيهما ظفر بالخيال؟

سمية منيف العتيبي

الخيال يلازم خطواتنا في حياتنا المعتادة كأفراد ،نتخيل مسار أيامنا القادمة، ونفرض الحلول لما يواجهنا من مشكلات في المخيلة ، ونتصور كذلك نتائجها. أما عندما ننظر للعلماء التجربيين في معاملهم  فيلعب الخيال دوراً حاسماً لديهم  ليس لأنه أهم من المعرفة كونها هي محدودة كما يقول إنشتاين بل لأنه من دون الخيال  لا يمكن  للعالِم فتح آفاق أرحب للإنسانية و إيجاد حلول عملية للمشكلات الإنسانية ،أليست تتمثل الفكرة أولا في ذهن العالم  كصورة -أو يتخيلها- ثم يقوم بتجاربه،  لكن ماذا عن الفلسفة كتخصص قائم على العقل و المنطق و به يعرف ؟

 يعرف المعجم الوسيط الخيال  كإحدى قوى العقل التي يتخيل بها الأشياء و يقال تخيل الشيء أي تمثل  الشيء وتصوره[i] . لكن على الرغم من ذلك غالباً ما وقف الخيال كضد للواقع الحقيقي و بالتالي ضد للحقيقة و ضد للعقل الباحث عنها ،فمن يسرح بخياله إنسان حالم لا صله له بالواقع، لذلك ارتبط الخيال عادة مع الأعمال الفنية التي غالباً لا صله لها بالحقيقية فهي صور للشيء و ليست الشيء ذاته، هكذا ضرب حد فاصل بين العقل و الخيال في الوعي الإنساني، لكن هل الأمر كذلك؟

يتلازم العقل و الفلسفة في الوعي الإنساني ،فالفيلسوف صاحب حرفة أداته فيها العقل به يتأمل و يتفكر ،هذه حقيقة يبدو من الصعب أن تجد من يخالفك فيها ، أما الخيال فهو أداة الفنان سواء كان روائيا أم شاعراً أو رساماً أو غير ذلك، فلا ذكر للخيال  في الفلسفة سوى كظاهرة محل الدراسة .في الحقيقة بالنسبة لي الأمر كما يبدو ليس كذلك، فكقارئة للشعر و الفلسفة معاً لا أذكر أني قرأت الفلسفة دون إعمال خيالي  ، فبه أدركت مُثل أفلاطون و مقولات كانط و دزاين هايدغر و إبستيم فوكو تماماً كما أفعل عند قراءة المعلقات و قصائد سحيم و المتنبي وأحمد شوقي وغيرهم لكن بمجهود أعلى قليلاً عند قراءة الفلسفة بلا شك.

و بالنظر لعلاقة علاقة الفلاسفة بالشعر استحضر مثالين هما لأفلاطون من الغرب و زهانغ زي الذي يوازيه في  الشرق  .ففي الفلسفة  الغربية لا يغيب عن أحد موقف أفلاطون الشهير بإقصاء الشعراء من مدينتة الفاضلة ، أما إذا نظرنا إلى زهانغ زي في الصين فنرى الفيلسوف الصيني ينظر للشعر كخلاص للإنسان من مشاعره الضحلة ليصل بالمشاعر الإنسانية إلى مستوى من العمق في الروحانية[ii]. يظهر هذان المثالان العلاقة المضطربة بين الفلاسفة نحو الشعر ، فهي تختلف من فيلسوف لآخر لكن في الحقيقة هذا الجانب الذي شغل البعض  ليس ما يشغلني  الآن في علاقة الشعر كممثل للخيال بالفلسفة كممثله للعقل، فرغم هذا البعد الظاهر الذي قد يبدو بينهما ،إلا أنه يبدو لي أن بينهما شبة كبير كظاهرتين قائمة على النص بل أبعد من ذلك، فكيف ذلك؟

فلو نظرنا للنص الشعري لوجدنا أنه  يتكئ  في معظمه على المجاز ،فبه يصطبغ و عليه يقتات ، فما الأبيات الشعرية إلآ مجازاً ولّده خيال الشاعر. ففي عملية مقصودة من الخيال يقوم الشاعر بخط قصائده و ذلك  بتوليد معانيه المجازية ، هذا عن الشعر فماذا عن الفلسفة؟ يقول علي حرب”  النص الفلسفي ليس مجرد خطاب برهاني بل هو خطاب منسوج من الاستعارات”[iii] و هذا حقيقي حيث المفاهيم الفلسفية تمثيل لأشياء مجردة لا وجود لتمثل  لها في الواقع ، فمن منا من رأى دزاين هايدغر على سبيل المثال؟ في الحقيقة هي استعارات لأشياء يدركها العقل بقوة  الخيال، لذلك تجمع حنه أرنت اللغة الفلسفية و الشعرية  معاً و تنعتهما أنهما يغلب عليهما المجاز[iv]. وهذا ليس غريباً اذ  يتوافق قولها مع قول  الشاعر الإنجليزي  وردسورث “أن الشعر أكثر الكتابات قرب للفلسفة”[v].فالاستعارة  قربت الفلسفة للشعر فكلهما يقتات عليها و بها يزدهران،و قد أدرك جاك دريدا أهمية الاستعارة في النص الفلسفي لذلك تناولها في مقالة الشهير “المثيولوجيا البيضاء”.

لكن المجاز الفلسفي يختلف عن الشعري بإدراك و تصديق العقل له و إدراك وجوده ،بينما المجاز الشعري يدرك العقل حقيقة عدم وقوعه في الواقع ، لذلك ندرك مثلاً الإبستيم الذي يتحدث عنه فوكو  بقوة الخيال ، لكن لا نصدق قول امرؤ القيس في قوله:

 كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا :: لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ[vi]

أنه كان ينقف الحنظل عندما غادرت حبيبته له حقيقةً، و هذا غير مستغرب حيث كل خطاب له خصائص تفرض سلطتها على المتلقي  فيتلقاه في سياقه المختص به و التي فرضها المجتمع المعرفي على أفراده. ففي المقابل الذي  نتلقى فيه مجاز الفلسفة بالإدراك و من ثم التصديق فحتى و إن يتسلل إليها العقل بقوة الخيال تبقى أشياء مدركة ، تمر علينا مجازات الشعر دون أن نقلبها بالتصديق.

و أذ تقول أرنت أن المجاز أفضل هدية تقدمها اللغة للفلسفة، ففي ظني أن الخيال أفضل هدية يقدمها العقل للفلسفة، فكيف ينفذ الفيلسوف إلى العوالم الخفية من الظواهر الإنسانية دون قوة خيال متعمده ، فمن تقسيمات الخيال التي قسمها كيندل و التن أن يكون متعمد أو عفوي كما تذكره موسوعة ستانفورد للفلسفة. و الخيال المتعمد هو الذي يتم في التأمل الفلسفي، حيث يتعمد الفيلسوف بإعمال خياله ليتفحص المسطحات الخفية للظواهر الإنسانية ، ليخلق مفهومه المجازي أصلاً، تماماً كما يفعل الشاعر، و قد وعى هايدغر هذا الشبة فقال في معرض حديثه عن الشاعر الألماني هولدرلين ” نحن نمارس التفكير تماما كما يكتب الشاعر قصيدتة”[vii]، فالفلسفة لا  تتعامل مع ما يظهر من الظاهرة بل ما تخفي ورائها من عوالم ، لذلك شبه جان فرانسوا ليوتار في كتاب”لماذا نتفلسف؟”  الفيلسوف  بالشاعر والإنسان الحالم ، فهو حالم يسرح بخياله في عوالم خفيه يتخيلها بقوة الخيال.


المعجم الوسيط،مجمع اللغة العربية ،مصر، ٢٠٠٤ ،ص ٢٦٦ [i]

[ii] Lenehan,Katia,”Theory of Non-emotion in The Zhuangzi and Its Connection to Wei-Jin Poetry”.Journal of Chinese Philosophy 40:2(June 2013)340-354

[iii] علي حرب(٢٠٠٥)،نقد النص، المركز الثقافي العربي، ص١١

[iv] حنه آرنت(٢٠١٨)،حياة العقل ،الجزء الأول: التفكير،ترجمة نادرة السنوسي،ابن النديم للنشر و التوزيع و دار الروافد الثقافية ناشرون،ص ١٤٤

[v] Gaynesford,Maximilian de,How to Do Things With Words :J. L.Austin on Poetry.British Journal of Aesthetics VOL.51(January 2011)31-49

[vi] أبي بكر محمد بن قاسم الأنباري(٢٠١١)، شرح القصائد السبع الطوال، تعليق بركات يوسف هبود،المكتبة العصرية ،بيروت،ص ٥٤

[vii] Heidegger,Martin(2001),Poetry, Language ,Thought,Harper pernnial

شاهد أيضاً

بيتر سلوتردايك: جيوردانو برونو

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي ترجمة حصرية لكوة    من بين المجموعة اللامعة لفلاسفة النهضة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *