الرئيسية / صدر حديثا / فوكو والثورة الايرانية لمحمد الشيكر

فوكو والثورة الايرانية لمحمد الشيكر

انطولوجيا الراهن او سمها ما شئت … هو ما راح يصوغه ميشيل فوكو في تعبيره عن خروج الدين من كوجيتو الجمود الى “الاسلام السياسي” وروحنة السياسة بتدشين براديغم جديد يخرج ايران من الضيق الانطولوجي وعنق الزجاجة السياسي الى مرحلة كونية نوعية جديدة في الشرق. بهذا الشكل انطلق فوكو داعماً الثورة الايرانية المتماسكة المتوحدة ضد عساكر ودبابات الشاه وطغاة الحكم ولكن كانت دراسة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قد اخذته نحو منزلقات لم يكن مستعداً لها. كتابته تعبر عن حالة حماس قل نظيره وربما كان سبب ذلك هو نظرة فوكو ذاتها الى النظام والحكم والثورة والسجن والمؤسسات الاخرى وذلك ليس بالامر الواضح. فوكو ليس رجلاً يبحث عن الحقوق والمواطنة وغيرها فقط بل هو فيلسوف الفكرة وتهمه دراسة ودعم الثورة بشكل عملي ضمن الابعاد الانسانية، ولهذا كان يرى الاشياء كما تبدو له من الخارج واخذ يحلل الافكار كما يراها من الخارج. هذا يعني انه لم ينتبه للمباني العميقة لسيكولوجية الشعب الايراني وتاريخه الطويل واستعداده للمستقبل. اما يكون او لايكون.

فهذا الشعب لايريد ثورة فرنسية او روسية وانما هو شعب له عاداته و اسسه ومثال على ذلك هم شعب استقبل الفكر الخميني والتف حول راياته. لم لم يتحول لفرنسا الشرق الاوسط؟ لماذا اختار الاسلام تحديداً؟ كان على فوكو ان يفهم انهم شعب راسخ الفكر ورغم انتظارهم للرجل الموعود لكنهم شعب يقاوم ويناضل من اجل استرداد الحقوق وبناء دولة مؤسساتية ضخمة قد تصبح دولة نيوكولونيالية تنافس اميركا وروسيا والصين. لكن كان الفيلسوف فوكو من جهته يفهم ميكروفيزياء السلطة وكيميائية الجماهير المندفعة نحو الاخذ بزمام الامور وعدم التفريط بهذا المكسب الثوري مهما كلف الامر. كما قام ميشيل فوكو بتحليل الفكر الاسلامي في اوج ديناميكية الحركة الثورية لانها اسلامية خارجة عن مفهوم الاسلام العربي الخانع للحكام ولهذا بهجة تبشر بربيع ثوري قد يحرك البلدان من جمودها نحو الانفجار بوجه الطغاة. الثورة اندفاعة نبضية تحرك الجماهير ولكنها كانت منضبطة ومدروسة و بوصلتهم كانت باتجاه اخراج الدين من الجمود الى الواقع، حيث راح فوكو حد التطرف في اسقاط المفاهيم الغربية على الاسلام واسقاط المفاهيم الاسلامية على الغرب الذي لم يعد فيه مكاناً للقيم الروحية التي يتمتع بها الشرق واهله. هي الثورة الايرانية كما ندرسها … لاجديد …

لكن المآخذ على هذا الكتاب كثيرة جداً

سأذكر بعضها …

ان الاخ المؤلف لم يعط نتيجة نهائية لبحثه في كل المسائل وانما انشغل في الفلسفة والاقتباسات اكثر من الحفر في الثورة الايرانية وما وصلت اليه النتائج وماذا حصل لفوكو بعد ان فقد ايمانه بما اقدم عليه من عمل.

وعليه كانت الفلسفة بعيدة نوعاً ما عن القضية الايرانية وميكروفيزياء الجماهير وجينيالوجية السلطة الايرانية ، وكان على المؤلف ان يقرب الفلسفة من القضية الايرانية والنشوء الانقلابي ولا يباعد بينهم كما فعل. بالكاد نجده يتحدث عن ايران او الحركة الخمينية اثناء العرض وكأنما هنالك تحفظ او محاولة للابتعاد عن مس جوهر القضايا لحساسيتها.

من جانب آخر راح المؤلف يكدس المعلومات عن الثورة الايرانية بالجزء الاخير بشكل عام دون الولوج الى صلب الموضوع مع ابعاد فوكو عن الموضوع والاستشهاد بهابرماس وكانط وغيره من الذين لا يعنينا موضوعهم لان الكتاب يخص فوكو والثورة الايرانية … ناهيك عن تاثر المؤلف بفوكو وكأنه يكتب بلغة فوكوية… ثم لماذا اقرأ عن فوكو هنا اكثر مما اقرأ عن فوكو والثورة الايرانية؟ فما احوجنا في هذا الموضع لاقتباسات كثيرة و مهمة عن فوكو كهذا الاقتباس في صفحة ١٤٩:

“لعل ما اذهلني في ايران هو انه لم يكن هنالك صراع بين عناصر مختلفة، فما كان يسبغ جمالاً وجاذبية على الثورة الايرانية هو انها اتخذت هيأة صراع واحدة بين الشعب قاطبة وبين النظام الذي يهدده باسلحته وقواه البوليسية”

كما كتب كثيراً عن الانوار وعصر الانوار ولا نعلم هل يوميء الى ان الثورة ترمز الى تفتق الانوار في ايران ام ان ذلك مجرد محاولة لربط المفاهيم لكي تكون الدراسة متصلة.

وعلى كل حال ليس هنالك ترابط نسقي واضح وليس هنالك نسق تحليلي للثورة الايرانية وكأنما اقرأ مقالة تم توسيعها وحشوها بالمعلومات لكي تكون كتاب وها قد تباعدت الاجزاء المترابطة منطقياً . كل ما تم ذكره عن ايران معروف من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والتلفاز ولكن هنالك حسنات كثيرة لهذا الكتاب، فهو كتاب تثقيفي فيه الكثير من المعلومات المهمة والاشارات الذكية والتنبيهات الابداعية.

لكن من ناحية النسق فهو بحاجة لاعادة ترتيب وتركيب وصياغة ويفتقر للمقدمة والوسط والخاتمة ، والاهم هو: ما نهاية قصة فوكو مع الثورة الايرانية ولماذا توقف عن دعمها وماذا حدث بالفعل؟ اليست انطولوجيا الراهن وبراديغم حديث قلب موازين الفكر؟ اليست هناك دوكسا سياسية وروح مقاومة انقلابوية؟! اين انا وانت من قصة ايران في الكتاب؟ كقاريء يهمني ان افهم خبايا هذه السرديات التي لم يقدمها المؤلف بعد تحليليه وحفره للمادة التي درسها وقدمها للقراء، اذا لا يمكننا فهم قصة مبتورة او تحليل غير مكتمل. فالفلسفة ليست لاجل الفلسفة وانما لاجل فهم ما هو راهن من باب اولى . واخيراً، استخدم الكاتب لغة فلسفية جميلة واخاذة وحاول تفسير الثورة من خلال المقابلات مع ما كثير ما استشهد به من اثار ولكن ذلك يحتاج الى فتح فلسفي جديد قادر على تجاوز عقبات اللغة الى تحليل الوثائق بما ينسجم وروح الفلسفة الراهنة.

سامر العراقي

شاهد أيضاً

نافذة جديدة لفهم الفيلسوف

عقيل يوسف عيدان عقيل يوسف عيدان[ الذي ادعى أن لا أحد يعرفه!  “رسائل فتغنشتاين” هو أحدث الكتب التي صدرت في ٢٠٢٠حول الفيلسوف الإنكليزي النمساويالمولد (لودفيغ فتغنشتاين)، الذي كان حذّر مرارًا وتكرارًا من أن أحداً لن يفهمه ولن يفهم ما هيفلسفته! لكن مؤلف الكتاب (عقيل يوسف عيدان)، الباحث الكويتي وصاحب المؤلفات العديدة فيالفلسفة وتاريخ الأفكار، يقدّمه من منظور لافت، مما يساعد على فهمه أكثر. إن عيدان في كتابه وعبر ترجمته وتحقيقه وتعليقه على نخبة من رسائل فتغنشتاين التي تُقدّم في العربية لأول مرة، عبر منشورات دار الرافدين في بيروت، يضع عمل فتغنشتاين في سياق واسع، بما يتماشى مع المسار الفكري الذي يشمل أعمال كيركجورد الفيلسوف، أو الأديبين غوته وتولستوي وغيرهم أيضا.  في حوالي مائة وخمسين صفحة، تحتوي “رسائل فتغنشتاين“، بطريقة ما على “فتغنشتاين كله“؛ أي ذكائه، حِدّته، فكاهته الجيدة، أسلوبه الغريب، ما يعجبه وما يحزنه، رغباته، منظوره المتفوق، غضبه وشفقته، اهتماماته وقراءه من هنا، يرى عقيل عيدان أنه بمجرد معرفة جوانب جديدة لفتغنشتاين، سنكتسب فهمًا أفضل لصعوبة عمله وتفكيره وسلوكه أيضًا. ولا يغيب أن فيتجنشتاين هو الشخصية الأكثر إثارة للجدل في فلسفة القرن العشرين. فهوالفيلسوف الذي يكره الفلسفة؛ والمثقف الذي يحتقر المثقفين ويشجّع الطلاب على ترك الجامعة والقيام بعمل يدوي؛ وهو المنطقي الذي ينجذب نحو التصوف والتأمل. كما أنه المؤمن الذي رفض الدين الرسمي؛ وابن المليونير الذي رفض الميراث الضخم واستقر في كوخه المقام في نهاية العالم.. وقائمة التناقضات التي تطغى على مؤلف أحد الأعمال الفلسفية الرئيسة في عصرنا – “رسالة منطقية فلسفية” – كبيرة جدًا، بحيث يمكنك بالفعل سرد العديد من السير الذاتية التيتتعارض مع بعضها البعض. ومن أجواء الكتاب، يقول فتغنشتاين في إحدى الرسائل: ((العزلة شْيطانَّية إلى حدّ كبير و“مهّمة للغاية“، أكثر بكثير مما كنُت أفِّكر. إنها تتعّلق مباشرة بالأسئلة الجوهرية ـ مثل كلّ شيءآخر ـ وخصوصًا تلك المتعلّقة بحدوث النقاش نفسه في شتى أماكن العمل)). ويذكر في رسالة أخرى ما نصّه: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *