الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / مناهج النقد الأدبي النصية في خدمة العلوم الإنسانية: المنهج البنيوي نموذجا

مناهج النقد الأدبي النصية في خدمة العلوم الإنسانية: المنهج البنيوي نموذجا

الباحث: موسى برلال

موسى برلال

       يسود الاعتقاد لدى المتخصصين في العلوم الإنسانية بكون هذه العلوم منفصلة عن النقد الأدبي، والحال أن النقد الأدبي قدم لها خدمات عديدة على المستوى المنهجي. صحيح أن النقد الأدبي يمتح بدوره من مناهج العلوم الإنسانية في إطار ما يسمى بالمناهج السياقية التي تفسر النص انطلاقا من محددات خارجية (سوسيولوجية، سيكولوجية…)، إلا أن مناهج النقد الأدبي المتعلقة بالتحليل النصي ما فتئت تطبق في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويكفي أن نذكر مثال المنهج البنيوي الذي ظهر بداية في مجال اللسانيات ليصبح المنهج الأهم في الأنثروبولوجيا والفلسفة والتحليل النفسي وعلم الاجتماع والتاريخ.

       لقد أصبح التحليل النصي منهجا لا محيد عنه لدراسة الإنسان. ذلك لأن الإنسان كائن رامز كما يقول إرنست كاسيرر، ولا نتعرف عن هذا الإنسان إلا من خلال ما ينتجه من خطابات ورموز وتعبيرات لغوية. وعليه، تبدو الحاجة ماسة لانفتاح العلوم الإنسانية على السيميائيات وتقنيات تحليل الخطاب، خصوصا مع احتلال وسائل الإعلام والتواصل مكانة مهمة في عالمنا المعاصر، حيث أصبح اقتحامها من طرف الدارس رهين بمدى درايته بتقنيات التحليل النصي للمضمون.

       سنقف في هذه المقالة عند نموذج المنهج البنيوي تحديدا، وسنحاول إبراز خصائصه وأوجه إسهامه في مجال العلوم الإنسانية. وفي هذا الصدد نشير إلى أن جذور هذا المنهج ترجع إلى عالم اللغة السويسري فردناند دو سوسير (1857-1913) منظره الأول خلال أواخر القرن 19 وبداية القرن 20. أما انتقال هذا المنهج إلى مجال الدراسات الإنسانية فقد تأخر بقرابة نصف قرن.

       لقد أبرز جون بياجي في كتابه حول البنيوية خصائص المنهج البنيوي معتبرا أن كل بنية (اجتماعية، لغوية…الخ) تتميز بثلاثة خصائص، وهي: الكلية، التحول، الضبط الذاتي. وبهذا الخصوص، يتجه اهتمام الناقد الأدبي للبحث في النسق الكلي للعمل الأدبي وليس الوقوف عند أجزائه مفككة. هذا مع الإشارة إلى أن كل بنية تخضع للتحول دون أن تفقد انتظامها البنيوي (الضبط الذاتي).

       أما العلوم الإنسانية فقد شكل المنهج البنيوي أبرز مناهجها خلال النصف الثاني من القرن العشرين، سواء تعلق الأمر بالدراسات الأنثروبولوجية (مع كلود ليفي ستروس) أو الفلسفية (مع ميشيل فوكو) أو التحليل النفسي (مع جاك لاكان). كما تبنى رولان بارث بدوره هذا المنهج، حتى وإن كان من الصعب حصره في نزعة أدبية بعينها.

       إن تحقيق الأنثروبولوجيا لنجاحات باهرة مع كلود ليفي ستروس يرجع لاعتماد التحليل البنيوي. فقد اهتم ليفي ستروس في إطار الأنثروبولوجيا البنيوية (ويسميها كذلك الإثنولوجيا، والأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية) بالبحث في البنيات اللاشعورية لأشكال الثقافات البشرية، والمنطق الرمزي المشترك بين تلك الثقافات منظورا إليها كخطابات ولغات.

       ومن جهته، حول لاكان التحليل النفسي إلى الاهتمام باللغة والتواصل معتبرا أن اللاوعي هو لغة، أو لنقل بنية لغوية. لم يعد، إذا، “الحلم هو الطريق الملكي نحو اللاشعور” كما يقول سيغموند فرويد، بل أصبحت اللغة هي مفتاح فهم اللاشعور والبنية النفسية للإنسان عموما.

       أما في الفلسفة فقد كان ميشيل فوكو رائد المنهج البنيوي، حيث طبقه على أنظمة المعرفة (الإبستيميات) التي سادت عبر تاريخ الفكر الغربي منذ عصر النهضة (حيث لم تكن العلوم الإنسانية قد نشأت بعد). وقد بين أن كل مرحلة من التاريخ ساد فيها إبستيمي épistémè  محدد كاشفا القطائع والتصدعات في الفكر الغربي لا التطور الذي ينتقده فوكو كما ينتقد كل نزعة تاريخية.

       وبخصوص النقد الأدبي، فقد كان قبل بارث يهتم بالتاريخ النفسي للكاتب للحكم على أدبه أكثر من اهتمامه بالعمل الأدبي من حيث بنيته الداخلية. لذلك لفت بارث الانتباه إلى أن الكاتب يقيم داخل العمل الأدبي في حد ذاته، كما أدخل مفهوم الكتابة لكشف المميزات الخاصة بالأدب، والتي تتجاوز الأفراد. في هذا السياق نشير إلى مناداة بارث بموت المؤلف، والتي جاءت كردة فعل إزاء المناهج النقدية القائمة على الاهتمام بالمبدع في حد ذاته وليس ببنية العمل الأدبي.

       خلاصة القول، إن المنهج البنيوي باعتباره منهجا وصفيا يدرس الظواهر من الداخل ولا يحاكمها من علٍ؛ يعد أحد المناهج الأساسية في مجال الدراسات الإنسانية. وقد ساهم هذا المنهج في وصول العلوم الإنسانية إلى نتائج نظرية أغنت هذه العلوم ونقلتها من ماضيها الإيديولوجي إلى حاضرها العلمي.

شاهد أيضاً

أندريه كونت سبونفيل: الغيرة

ترجمة: بنتابت طارق – لابد أن نميز بداية الغيرة عن الحسد، وهو أمر ليس هينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *