الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / في جرأة السؤال السقراطي..

في جرأة السؤال السقراطي..

من خلال:  قراءة في كتاب: “سقراط الذي جرؤ على السؤال” لكورا ميسن

بقلم ذ: إسماعيل الموساوي

إسماعيل الموساوي

          صدر عن مؤسسة الهنداوي سي آي سي، “كتاب سقراط الذي جرؤ على السؤالللدكتورة كورا ميسن، ترجمة محمود محمود، سنة 2018، وقد جاءت محتويات هذا الكتاب في حدود 113 صفحة، موزعة على المقدمة وكلمة المترجم ثم تصدير الكاتبة كورا ميسن وتقديمها للكتاب وثلاثة عشرة فصلا..

       تحاول المؤلفة في هذا الكتاب أن تعالج كما بين الباحث حسن جلال العروسي في مقدمة هذا الكتاب أن “تكشف عن الفكرة التي اتخذتها أساسا لرسم شخصية سقراط وهي وصفها له بأنه الرجل الذي جرؤ على السؤال “. فهذه الفكرة حسب المؤلفة  لم يصل الباحثون والعلماء إلى حدود اليوم إلى استجلاء معانيها وفحص اتجاهاتها ومراميها، فهذه الفكرة هي التي دفعت بالكاتبة إلى تأليف هذا الكتاب، برغم من الصعوبات التي تواجهها ولعل أبرزها كون سقراط لم يكتب بل كل ما وصلنا فقط وصلنا عن طريق تلميذاه “أفلاطون و زرينوفون”، وكل منهما رسم صورة مختلفة عن صورة الآخر وقد تتعارض في بعض الأحيان. فسقراط عموماً، عاش حياة عادية حتى بلغ الثلاثين من عمره فزج به في عالم التفلسف التي كانت طريقه مختلفة عما كان سائداً عند اليونانيين؛ فطريق سقراط هي طريق العقل والجدل والمحاورة، التي جعلت آراءه منفتحة على عوالم فلسفية لا متناهية، فسقراط سبق عقله زمانه بكثير؛ وهذا ما “جر عليه عداوة لم ينطفئ لهيبها إلا بالقضاء على حياته كما جرت لأكثر من واحد من دعاة الحق والفضيلة”.

     إن هذا الكتاب، حسب الباحث محمود محمود، هو دراسة قيمة ومتميزة لكونها “رسمت صورة مختلفة لسقراط لا باعتباره معلماً أولا لكن باعتباره بشرا ينمو ويتطور كما بدا لأصحابه الذين عاصروه، فعرضت علينا الرجل وهو عند صانع الأواني التجارية، وعرضته علينا وهو يأخذ عن أبيه حرفة نحت الحجارة، وعرضته علينا إنسانا حيا يتنفس، يتساءل عن الحق، ويبحث عن الحقيقة وصورت لنا أثينا في عصره وكبار الأشخاص في زمانه”. فلرصد معالم قصة سقراط المتميزة اعتمدت كورا ميسن كما بينت في تصديرها للكتاب على ثلاثة مصادر وهما: أفلاطون وزينوفون  وبعض المصادر الحديثة كمصدر “كليز وأثينا” لمؤلفه أ.ر.بيرن.

ففي الفصل الأول: “أقريطون يروي البداية” نجد كورا ميسن تتحدث عن أقريطون وهو يروي بداية حياة سقراط مند الصغر مركزا على مرحلة سقراط في صغره قائلا “عندما رأيت سقراط لأول مرة-وكان ذلك في المدرسة فيما أذكر، أو ربما كان قبل أيام الدراسة؛ لأن بيته لم يكن يبعد عن منزلي، حسبته أقبح صبي في أثينا، ولم تكن هذه الفكرة صادقة كل الصدق؛ إذ لم تكن بوجهه كآبة أو نذوب أو علة، وإنما كانت المادة التي صنع منها كأنها أكثر خشونة وأشد صلابة من المادة التي صنع منها غيره من الأطفال، عيناه تجحظان كعيني الضفدعة، وشفتاه غليظتان، وأنفه أفطس يبدو كأنه دُلك على طريقة خاطئة وهو في المعهد، وكانوا يسمونه في المدرسة وجه الضفدع”. ففي هذا الفصل يحكي أقريطون عن حياة سقراط في الصبا مركزا ومعتبرا بأنه قبحه هذا له تأثير كبير على شخصية سقراط، ودليل أقريطون هو دعوة سقراط في صباه للآلهة بأن تجعله جميلا في داخله.

أما في الفصل الثاني نجد أقريطون يركز كذلك على أن سقراط بدأ يفكر كما يفكر الفيلسوف وهو يبحث عن ماهية الأشياء  وهو لا يزال صبيا في المدرسة، وحاول في أكثر من مرة أن يدخل زملائه في المدرسة في تجربة التفكير ويعينهم على ذلك معتقدا أنهم سيكونوا حينئذ على استعداد لذلك في المستقبل. ونجد أيضا كورا مسين في الفصل الثالث الذي عنونته ب “تلميذ قاطع الحجارة  في أثينا” تحكي لنا بأن أب سقراط أخرجه من الدراسة في حدود السن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، ولم يأسف سقراط عن ذلك، فتعلم مهنة أبيه فاشتغل نحاتا، ففي هذا الفصل أيضا تصور لنا الدكتورة كورا ميسن سقراط وهو يزاول مهنة النحت التي أخذها عن أبيه هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن نزعة سقراط الفلسفية لم تجعل منه نحاتاً ماهراً بقدر ما جعلت منه فيلسوفاً ناقداً ولهذا “فإن سقراط لم يتجاوز العام عاملا في المصنع حتى بدأ أبوه يدرك لا يحتمل قط أن يصبح سقراط  نحاتا فائق المهارة،(…) فقد كان يفيض قوة ونشاطا، بل إن الخطر قد نشأ من ضربة المطرقة في الحجر بحدة زائدة ففتته شظايا متناثرة، إذ لم تكن له بطبيعته أصابع رقيقة حساسة كأمه وأبيه، وكانت مهاراته مع الناس لا مع الحجارة”.

أما في الفصل الثالث الذي عنونته المؤلفة ب “الآلهة” فهي تصور لنا فيه جانبا مهما في حياة سقراط؛ وهو المتعلق بالأسئلة الفلسفية التي كان يطرحها باستمرار سقراط عن الآلهة، لكونه كان أكثر تفكيرا في معنى ما كان يقوم به اتجاه آلهة أثينا، فلقد لاحظ فيه زملاؤه مثلا أنه لم يحب أن يستعمل باستخفاف اسم أي إله من الآلهة،  وإن أراد أن يؤكد قولا فمن المحتمل أن لا يقول “أقسم بزيوس كما كان يفعل أكثر الناس، وإنما يقول ” أقسم بكلب مصر”، لأن إله مصر الذي يحمل رأس الكلب كان عنده وحشا، ولم يكن البتة إلها، وإن هو أقسم بالآلهة لم يكتف بأن يهتم بتفنيد ما وعد،  وإنما حاول كذلك أن يسير لغيره من الناس أن يفوا بما وعدوا”. ونجد كذلك المؤلفة في الفصل الرابع الذي عنونته ب”المسير الطويل” تحكي لنا في جزء مهم من حياة سقراط؛ وهو الجزء المتعلق بوطنيته وحبه لبلاه الذي لم يكن ينكره أحد من أتباعه، فقد قاتل سقراط من أجل الوطن بشجاعة وكانت له مغامرات عسكرية يشهد له  بها زملاؤه ولعل أبرزهم  أقريطون نفسه.

     ففي الفصل الخامس الذي عنونته المؤلفة ب “أنكساغوراس الملحد” تحكي لنا كيف تابع سقراط تفسيرات هذا الأخير العلمية من خلال اعتباره أن الشمس والقمر وغيرهما ليس بالضرورة أن تكون آلهة دورها هو رعاية البشر، فهذا الجديد الذي جاء به أنكساغوراس تابعه كثيرا سقراط، وتابع أيضا كيف تم تلقيه من طرف المتدينين المتزمتين في أثينا.. أما في الفصل السابع الذي عنونته المؤلفة أيضا ب”الاكتشاف” ستصور لنا فيه انفتاح واكتشاف سقراط لنظريات العلمية التي خلفها العلماء السابقون من أمثال فيتاغورس وأنكساغورس وإعجابه بها لكونها تسعى إلى تفسير العالم تفسيرا علميا وليس ميتافيزيقيا، ولهذا سنجد المؤلف في الفصل الثامن الذي عنوته ب “بالآلهة تكلف سقراط بالرسالة” ستصور لنا فيه أن سقراط سيحس بأن هناك رسالة ما ملقاة على عاتقه، وكأن الآلهة هي من كلفته بها، فما هي هذه الرسالة بالضبط؟ فهذه الرسالة هي التي تحدثت عنها المؤلفة في الفصل التاسع الذي عنونته “بالرسالة” والمتمثلة في استشعار سقراط بأنه قد حان الوقت لكي يمارس رسالته المتمثلة في “ممارسة حب الحكمة والتفلسف” الذي سيؤرق الآثنيين فيما بعد بها، لقد كان سقراط يحب الخير لأثينا مما سيجعله يدخل في صراع مباشر مع معلمي عصره السفسطائيين لكونهم كانوا يعلموا الكلام الكثير فزعموا أنهم يبشرون بفن الحياة الخيرة الناجحة، مع علم سقراط  أنه لم تكن لديهم معرفة حقة بما كانوا يبشرون به.

أما في الفصل العاشر والحادي عشر فتتناول المؤلفة في الفصل الأول تلك العلاقة التي جمعت بين سقراط وزميله ألقبيادس اللذان جمعهما حب أثينا وفارقتهما السياسة، فكانت عبارة عن علاقة صداقة من جهة وعلاقة صراع وتنافر من جهة ثانية، أما الفصل الحادي عشر فتصور فيه المؤلفة أيضا تلك الحرب العظيمة التي شهدتها أثينا والتي  عمرت طويلا حيث بدأت حينما كان سقراط تقريبا في التاسعة وثلاثين وهي السن التي بدأ فيها سقراط يحسن بالرسالة الفلسفية الملقاة على عاتقه؛ فلم تنته هذه الحرب حتى بلغ سقراط السن السادسة وستين من عمره كما يحكي لنا أفلاطون. أما في الفصل الثاني عشر والثالث عشر

فنجد في الفصل الأول تحكي لنا المؤلفة فيه جزء مهم من حياة سقراط وهو “سقراط وهو متوجه إلى المحكمة” حيث تم ذلك حوالي ثلاثة مئة وتسع وتسعين قبل ميلاد المسيح، فقد اتهم سقراط من طرف أثينا بزمرة من الاتهامات من قبيل تخريب عقول الشباب و الإلحاد وعدم الإيمان بآلهة أثينا.. كل هذه التهم الملفقة لسقراط ستجعل منه رجلا قويا على المستوى الجدلي والحجاجي الذي سيجعل منه مدافعا قويا أثناء محاكمته كما يصور لنا ذلك أفلاطون في “محاورة الدفاع” التي خصها لهذا الغرض. أما في الفصل الثالث عشر والأخير من كتاب كورا ميسن فقد اختارت أن تختمه كما بدأته من خلال أقريطون وهو يروي النهاية، فقد كانت نهاية سقراط  كما يرويها لنا جريمة ارتكبتها أثينا في حق سقراط رمز الفضيلة في أثينا، حيث تم الحكم عليه من خلال تلك التهم التي لفقت له بتجرع كأس السم كما أكد على ذلك أقريطون.

     إن سقراط أعطى درساً كبيراً في الشجاعة حينما قاتل بقوة لصالح أثينا ودفاعا عنها، وأعطى أيضا درسا في الشجاعة حينما اختار أن يموت دفاعا عن الفضيلة والفكر الحر وترسيخ التفكير النقدي الذي هو تفكير في التفكير كما تؤكد على ذلك الدكتورة ثريا بركان بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش،  فما أحوجنا لهذا النوع من التفكير اليوم داخل مجتمع المعرفة من أجل خلخلة الثوابت واليقينيات السائدة التي تقدم نفسها كحقائق بديهية معطاة سلفاً من دون خلخلة أو نقد أو تساؤل…

في ضرورة الفلسفة عند أرسطو

23 يوليو 2019 فلاسفةمقالات 0

بقلم: إسماعيل الموساوي إسماعيل الموساوي         إذا  ما نظرنا في كتاب أرسطو الموسوم بـ“دعوة إلى الفلسفة” الذي هو كتاب مفقود، فإننا سنجد بأن الرهان الأكبر الذي حمله فيلسوفنا في هذا الكتاب هو تبيين ضرورة الفلسفة وأهميتها، وفي الوقت الذي لازالت فيه صورة الفلسفة وتمثلنا لها في الوطن العربي والإسلامي محتشماً،  …

شاهد أيضاً

موضوعات فلسفية.. تحليل نقدي (1)

علي محمد اليوسف علي محمد اليوسف فينجشتين والوضعية المنطقية في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *