الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الكاريكاتير من السخرية للقلق

الكاريكاتير من السخرية للقلق

إيمان بلعسري 

إيمان بلعسري

ريشة الفنان تصوير حي لما ترك أثرا حادا في ذهنه، على طول شريط الحياة الذي يمر عليه منذ لحظة الولادة، مسألة تبعت على الذهن أبجديات الإنسان في أن يكون إنسانا طبقا لما تمليه عليه تجربته الخاصة واشتباكاته الفردية مع الوجود من خلال الحركة الأكثر والأقل تكلفة “الفن” كأول لقاء مدبر بين الذات والغير بل والعقل الكوني، الذي يجعل المسلمات موطئا للغرابة وباعثة للتأويل بعدما كانت مجرد صور ظاهرية لا تختلف عن غيرها.

يستأثر الفنان لاسيما الرسام أعماله من خلال الصورة وآنعكاسها، بالإظافة إلى الإنطباع الذي تخلفه، مما يولد آندفاعا مباشرا نحو إعادة تشكيل نفس اللحظة والمشهد لكن عن مسرح  الحادثة  داخل المرسم مدفوعا بإرادة لامتناهية تقف على: الغموض، الكبت، الشر، الخير؛ يقول جيل دولوز في أحد محاضراته الموجهة لطلبة السينما: أن الإبداع مقاومة للألم، تصريح يثبت فعاليته خاصة في فن الكاريكاتير الذي صار عملية هضم سارية المفعول على صفحات الجرائد التي تطعم من خلاله  آستهلاك سريالية  الموت والفجع و الفساد بطريقة تجعل القارئ يقبل على جحيمه المفتعل  بين سطور الجريدة بطواعية يطبعها الكاركاتير بكل هذوء.

توجه الرسوم الكاركاتيرية نقدا لاذعا ربما أكثر من المقالات الإخبارية والنقدية حتى، فالصورة أكثر تعبيرا من الكلمة في عصر الصورة والحركة  لا لشيء سوى أنها تبدع في عملية رسم واقع مألوف  يفسح مساحة لتمظهر عقل تواصلي يبتدع تأثيره الإتصالي وفق شكل  يدركه الجميع المثقف وغير المثقف، لتتحقق ديمقراطية الفن من خلال عمليات  التجسيد، التذويت والسخرية على سبيل ابتلاع المرارة، وتجنيس العدمية في كثير من الأحيان بجغرافية صورية متداولة أو طرح ظاهرتي يبدو بسيطا للوهلة الأولى دون أن يكون ممنوعا من تخزين المعاني والحقائق التي يصدرها للمتلقي الفطن المتمرس على بديهة السوسيولوجيا المحلية التي تنشأه قبل أن يتوجه لها بالنقد أو يدعمها بالتأييد.

عقب الأحذاث المريعة التي عرفتها بيروت، نسخت معظم الجرائد كاريكاتير الدخان الأبيض والنار وكأنها قيامة أعلنت على إسدال رداء اصطدام حضاري إبستيمولجي طال، لكن ليس بشكل كوميدي كما آقتضت العادة، بل بطريقة تبدي على الإنسان العربي سؤالا جادا: “كيف حدث ذلك، أين كنا ثم أين صرنا؟” قلق بأعلى صوت و بأوضح صورة للعالم، قدمت وسائل الإعلام أكثر من جواب تقني وإخباري كالعادة مع الإختلافات الجاري بها العمل حول أعداد الموتى والجرحى بحكم هاجس السبق الصحفي لدى كل جهة، في عمق المتاهة التي تناقلتها القنوات والمواقع الإخبارية كان الفكر مذوتا في “بوذا” مشخصا بذلك وجوده في السياق الذي لاينفك عن التفكير مقدما بشكل مسبق لهذه الفاجعة أو غيرها  رده قبل حدوث الكارثة، من خلال تسليط الضوء في كل مناسبة على “وهم الواقع ” و”واقع الواقع” تلك الصورة الغير المفلترة التي تعاش ولا تحكى على لسان المعلق الصوتي أو خبير الإقتصاديات تقابلها إستشكالات عدة: هل كل مانراه وما نلمسه، ومانستشعره حقيقيا؟! 

إستشكال يعيد جدلية الحقيقة إلى ساحة الثقافة على ضوء ما حدث، فجميعنا دخل بيروت من دون تأشيرة، كلنا بنينا وجودنا هناك من هنا على هاوية الورق  المولج  للأدب العالمي وتجمعات أقلام صودرت من مهدها إلى لحدها الأبدي “بيروت”،  فمن منا حاول ولو لمرة واحدة إيجاد بيروت بطريقة شخصية بعيدا عن الطباعة وعن الدراما وعن جميلاتها اللواتي يلوحن بالموضة في أقبية شانيل وغوتشي؟

في عز الحرب الأهلية غنت فيروز: “بحبك يالبنان بجنوبك بشمالك”، ربما هي من بين القلائل من أقبلو على الحب من ذون سببية أو روابط أريكيولوجية تسحب معها الهوية كدافع للمحبة؛ فالحب لا موضوع له كذلك وطن مثل لبنان لا يحتاج لمبرر واضح لنحبه، موطن الأرز يحتضر منذ نشأته الأولى في عشرينيات القرن المنصرم  بفعل تعدد قومياته وصراع مماليكه التي مزجت الدين بالسياسة “الثيولوجيا”، مع ذلك  لازال العديد منا يبحث عن أسباب تجعله يحب هذا الوطن ذون ذاك أو العكس.

أصاب فنانو الكاريكاتير خاصة في  هذه الظرفية التي ضغطو فيها  بالحبر على الوتر الحساس: “الإنسانية” بعيدا عن الفرق والمذاهب التي حولت الفرد منا من إنسان عادي يخضع لمحاولة عيش إلى ساعة حائطية تلتف عقاربها حول سؤال الهوية المتعقدية، وجدال امتلاك الحقيقة، في وقت قرر فيه العديد من المواطنين للهجرة ومواجهة الموت للهروب من إنسانية لم تعد محتملة نحو إنسانية غيرها… الأمر مريب للغاية.

إن الرسوم التي توفرها الجرائد بالكاركتير نقلة مفصلية من المثال إلى الواقع ، ومن الذاتية نحو الجماعة عملية تبادلية عكسية تبرز إلى أي حد صحة نظرية فرويد حول التذويت الذي تمرره التنشئة للطفل ليكون في رشده نسخة عن المجتمع الذي نمذجه ووجد فيه ، ما من شأنه إما أن يخلق موظفا تابعا لايرفض ولا يقبل بل ينفذ ، أو يثمر ثائرا يريد أن يظهر إنسانيته للعالم دون أن يقبعها في أباجورة الكبت فيكون بذلك فنانا ، يمرر الليبدو في طاقة  تجسده شعورا مفعما  بالخوف والحب والكراهية دفعة واحدة من خلال لوحة أو رسم كاريكاتير  على أيامنا هذه الأمر مطابق تماما ولو أن السياق الثاني أكثر سخرية في  عملية إعادة تدوير  الألم لنكتة ، و الأيديولوجيا لدعابة خفيفة الظل .

بين مؤيد ومعارض هناك من يرى في الكاريكاتير إبداع، بينما العديد يصنفه كقضية معلنة عن ذاتها لصالح موضوع أو ذاك، لكلا الموقفين   تناصه لكن الغائب على الكثيرين أن العديد من الرسوم الكاريكاتيرية تمهد لمشروع فيلسوف ناقد من خلال ريشته في زمن لم تعد فيه الفلسفة تؤيد أو تعارض بيد أنها  تتماشى وحسب  هي الأخرى مع التيار بتقديم خبرتها للتقنية الرقمية ذلك الفكر البعد ميتافيزيقي  الذي يعترف بالأزرار وسرعة اللاسلكي، أكثر بكثير  من آعترافه  بديمقريطس أو فيوجيل الكلبي، أو هيغل بل العكس من ذلك تعالت تنقيحات فلسفية  قدمت العديد من المشاريع الفكرية اللينة لاسيما من طرف باتريك سلوتردايك فوكو، دريدا وغيرهم.

لعل تلك الرسوم الساخرة المدجنة في كثير منها بمشاهد السمنة و البطون المنتفخة و الورقات النقدية، حقيقة تعكس جدلية المجتمعات الحديثة التي تدور حول: “المال، السلطة، الجسد” ثلاثية صاغتها الإنسانية لعقود خاصة في المراحل الكولونيالية التي مر بها العالم (الحرب العالمية ١و٢)، لكن الأمر يختلف اليوم فالكل يلعب في ملعبه نفس الجوكر: “اللذة”، أي وحدات إنسانية تلذذية تقف على الرغبة التي يجب أن تحقق وتظهر للعلن متجاهلة إتيقيا  الكينونة بين الداخل والخارج  في مفصلية الكون والكائن، بالتالي تكتستح المظاهر والعلامات التجارية عقلية وذهنية الفرد الحداثي وليس فقط جسده كأداة مخبرية لعرض آخر صيحات السوق،  الركوض خلف تفريغ خزان الرغبات يشكل مادة خام لرسام الكاركاتير الساخر الذي هو بحاجة لمجسمات مهيمنة أكثر من حاجته لظواهر متفردة  في  المسلمات المستغلة من لدن المفكر أو الأديب  مستهلك الفجوة  عبر  الكتابة. الكاركاتير هو رفيق لأدب الديستوبيا وعالم الشر الثقافي لأن الإثنين معا يزاوجان مفهوم الإنسان  بالسريالية، ففي جميع الحالات، الشر جزء منا مهما أخفيناه ورفضنا الرضوخ له صانع الكاركاتيرهو  لص حقيقي يتفوق بمراحل طويلة من الخبرة على سارق المحفظات البسيطة  لأنه لا يكتفي بالورقات النقدية بل  يلتقط حفيظة المجتمعات من أعتى  أبواب خصوصياتها  الملموسة، كالسياسة وأخواتها: البطالة، العمل، العجز، نسبة النمو ومعدل الوفيات …إلخ بيد أن تلك  التمظهرات في تقدير هذا المبدع تكون مرئية وقابلة لختراقها في غنى عن الأوراق الشخصية والصفة والجنس، وثبوتيات الهوية، فالكل سواسية أمام رسام الكاريكاتير مدام  أن كل هؤلاء الناس: العامل، الفلاح، المجرم، العاطل المجنون… يبحثون عن الخلاص في لحظة يتخلص الكاريكاتير من عبئ التبليغ عنهم  في كل رسمة من رسوماته الساخرة، من بين المفكرين الأقرب لمبدأ الكاركاتير هو:  سلافوي جيجيك  فيلسوف لم يترجم له عربيا عدد مهم من أعماله ولو أنه منتج خصب للفلسفة في عصرنا، فضلا على ذلك في صياغته للنكتة كفكرة حية وليست مجرد مدعاة للضحك والترفيه بل عنصر داعم  للأفكار التي يقدمها  كنقد الأنظمة النيوليبيرالية، موظفا الجنس  أو ما نسميه نحن بدائة أو لغة شارع كأقرب مدخل لإخراج كبريات الجدليات الإنسانوية، فالأفكار التي تدمجها الطابوهات تكون أقوى من تلك التي تلتف على حبل النقاشات المشرعنة، عنصر الممنوع دوما يكفل بآستحضار الإسثتناء، لأن المقاومة تنطلق من رغبة غير محققة لحدود أنها قد تبدو مستحيلة، ففي نهاية الأمر لن نقاوم الشرطة مثلا إلا في ساعات الإحتجاج، ولن نحن للكسل إلا عندما ننهك من حدة العمل، ولن نمل من الروتين إلا بعد آنقطاع طويل عن السفر، حتى الملل ذلك الفراغ القاتل المفعم بالراحة واللاشيء واللاواجب نحن نقاومه من خلال الثرثرة أو أ فلام السينما مثلا، الشيء ذاته يعتمده الكاركتير في الشخوص المتعددة، والعبارات الشعبية المسحوبة مع موجة التكتوك  والأنستغرام “يوتوبيا  الإيبيرية تحت توقيع الفاشنستات، والنجوم” بهذا الشكل تكون المقاومة عنصرا فعالا في الذات لتقويم طاقة الإبداع من منامها  بعد التعرف على الجانب الحالك للوضعيات الإجتماعية المفرغة  للخطابة المكررة من فاعليتها.

شاهد أيضاً

الموريتانيّة، المعلومة بنت الميداح، لؤلؤة الصّحراء المالحة

في بيت الثّقافة، بيت ياسين… رجاء بكريّة “.. وسرّها أنّها كمصباح علاء الدّين السّحري، ففي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *