الرئيسية / منشورات / جرائد / إدريس كثير: يبدو أن الدولة قد تمرّنت على تطويع أكثر للشعب برمته

إدريس كثير: يبدو أن الدولة قد تمرّنت على تطويع أكثر للشعب برمته

حاوره صلاح بوسريف

صلاح بوسريف

في الحوار والنقاش والتناظُر، ثمة ما يتكشَّف ويظهر، بعد أن كان في حالة الصمت مُخْتَفِياً، أو لا يمكن إخراجه من كُمونِه وتواريه. وفي وضع جائحة كهذه التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ وجود الإنسان على الأرض، يكون للمفكرين والعلماء والنقاد والفلاسفة، دور في استنطاق الصمت، في تحويله إلى لسان يقول ويكشف ويُعَرِّي. هكذا كان رأى أفلاطون أن يُذِيع محاوات سقراط، لأنه رأى فيها كشف لكثير من الأمور التي لا بد من معرفتها. إدريس كثير، هو واحد من الفلاسفة والمفكرين المغاربة الذين، وهم في حجرهم، تأملوا ما يجري حولهم، وكان لهم ما يقولونه في الموضوع. فالحجر، لا يكفي أن نرى الجائحة، وما ترتب عنها من حجر، من زاوية الأطباء والمعنيين بصحة وسلامة الأبدان، بل لا بد من رأي هؤلاء، وهو فيه كثير من الضوء الذي يخترق الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، وما يجري من سعي الدولة لاكتساب مزيد من مساحات الهيمنة والإخضاع، وما سعت لتمريره من قراراتٍ، كما حدث إبان انتشار الإرهاب، قرارات وقوانين تم تكريسها، أصبحت قدراً، ولن تتعراجع عنه الدولة، بل هي تعتبره ضرورة قصوى لحماية الأمن وسلامة الناس. نفس الشيء في هذا الوباء، الدولة كانت هي الرابح الأكبر، رغم أن ما سعت إلى تمريره من قرارات مثل القانون العقابي الذي اقترحه وزير العدل الاتحادي، وجد الرأي العام في مواجهته، لتترك الدولة والحزب، الوزير عاريا، وحده يواجه الريح التي هبت عليه من الجهات الأربع.

الفلاسفة عادة ينفرون من النظر إلى السماء وفق الرواية الشائعة عن سقوط طاليس في حفرة و هو يريد أن يعرف ما يجري هناك . مع انتشار وباء كورونا ، أنت ، أين كنت تنظر و بماذا حاولت تفسير الأمر ؟

أصبحت الآن الرواية المشهورة المرتبطة بطاليس وتعثّره ثم سقوطه في الحفرة و هو منغمس في انهمامه و تأمله لِقُبَّة السماء كناية عن ممارسة الفيلسوف لفعل الفلسفة حيث يسقط و يتعثر في تساؤلاته العديد من المرات و يثير جرّاء ذلك الضحك مثل عثرة شارلي شابلن، ومثل ضحكات الخادمات من سقوط طاليس. تأويل هايدجر هذا للسقوط الفلسفي ما زال قائما، ويجب أخذ الحيطة و الحذر. بيننا و بين السماوات مسافات ضوئية ولا نعلم ما تخفيه لنا هذه المسافات من مفاجئات و تحدّيات و لا أريد أن أخسر السماء، كما الأرض، لأن هذه الأخيرة نقطة صغيرة في هذه الأضواء والأنواء الأثيرية. لما اجتاحت جائحة كورونا عالمنا هذا تساءلت و شككت. تساءلت هل هذا الفيروس، الذي لا يحيا بذاته إنما بغيره، عكس الميكروبات التي تحيا بذاتها، طبيعي أم صناعي –أي صنعه الإنسان-؟ في الحالة الأولى التساؤلية الطبيعة هي التي تفرز الفيروسات كحالة بيولوجية و يجب البحث عن ترياق لها. أما في الحالة الثانية التشكيكية تبدو نظرية المؤامرة قاب قوسين أو أدنى من الحقيقة. والحالة هذه وجدتُ نفسي أنظر إلى سماء الإبستمولوجيا، وهي الدراسة الفلسفية و النقدية للعلم (علم الفيروسات هنا على الخصوص) وإلى التيولوجيا، وأقصد بها التأويلات اللاهوتية للأوبة والغوائل (كعقاب الله للبشر ليتّعضوا)، وإلى فضاء السباق السياسي و الاستراتيجي لقيادة العالم ، سباق الحرب البيولوجية و تبعاتها المدمّرة للبشرية (الجيل الخامس من الهواتف و الشريحة الترياق ..).. طبعا أنتصر للعلم و بحوثه و أدين، تجار الفارماكون، كما أدين تجار الدين، واللاهوت في استغلال أو تأويل هذه الجائحة .

في حشرك هذا ، الذي ينطلي علينا جميعا ، كيف كنت تعيش ، كيف حاولت التعايش مع هذا العزل ،و ما الذي كني تحاول به أن تخرج من هذا القفص الكبير؟

فُرِض علينا العزل و الحجر الصّحي، كما فرضت علينا الكمامة و التباعد الجسدي .. و هذه كلها احتياطات استباقية و ضرورية للحدّ من انتشار الوباء .. و لا يمكن، من جهة المواطن، إلا الانخراط فيها، والبحث عن أساليب وابتكارها لتجاوز الملل والرتابة و القنوط .. سبق لي في مناسبة أخرى أن وزّعت يومي في زمان كورونا إلى أربع لحظات، والآن يمكنني أن أضيف لحظتين. اللحظة الأولى تبدأ حوالي السابعة صباحا، بعد أن ادَّخَرت قوت العصافير من خب السحور، أنثره صباحا على الشرفة الصغيرة و أمرح طيلة ساعة و نيف بمراقبة حذر العصافير ونزقها، وكونها، نادراً، ما تقتات على الشرفة، وتأخذ منها نصيبها إلى مكان آمن فيما يبدو لي. اللحظة الثانية، هي لحظة الترفيه والأخبار. لا أملك اختيارات كثيرة في القنوات، ولكن القليل منها يوفر لي أحيانا أشرطة سينمائية ذكية و تثقيفية، وقد أُصادِف بعض الأفلام الوثائقية التي تفتح أمامي باب السفر على مصراعيه، وحين أملّ من كل هذا أطل على الأخبار، لكن سرعان ما أعزف عنها لأنها كلها عنف و دمار و قتل و اغتيال و عقاب و موت، تُرْجِعُنا إلى الإلحاح على البقاء في المنزل، و تذكرنا دوما بشبح جائحة كورونا المخيف. اللحظة الثالثة هي لحظة القراءة و الكتابة .. لا يمكنني القراءة إلا بتوفر شرطين هما، الهدوء والطمأنينة، وهما نفس شرطي الكتابة. القراءة هي الاطلاع على كتابات الآخرين، والكتابة هي إبداع قراءتك الخاصة. فلا يمكن الاطلاع والإبداع في زمان متوتر، زمان رتيب رهيب روتيني. وما دامت الكتابة مستعصية حَرُونة، فاختيارها لتجاوز ضغط العزل الصحّي، يبدو اختيارا غير صائب. و مع ذلك للقراءة و الكتابة سحر خاص، قادر على تحويل العزل إلى اندماج في عوالم الكتب المرشحة للقراءة، وتجسير الملل والرتابة بالكتابة في جسور من حرية الإبداع و مذاق الخلق.
اللحظة الرابعة هي لحظة السقيفة. فيها أملك حديقة صغيرة عبارة عن أحجام مختلفة من طين وبلاستيك، فيها الطماطم والفراولة، والصبّار ونباتات أخرى، أمنحها حقَّها من الرّي والشمس، وأهتم بتلقيم أغصانها وعزل الشوائب عنها، وأُحَدِّثُها ككائن حي ..لمّا أكون منغمسا في هذا النوع من البستنة، أنسى كل قرف كورونا و تهديداتها، وألمس الحياة كيف تنمو وتسري في عروق هذه النّباتات الجميلة، و سعدي وكل سعادتي، هي حينما يزهر الصبار و هو نادرا ما يحدث هذا، يمنحني أزهارا وردية اللون الخافت تنبثق كالأحلام رغم أنها لا تعمر طويلا ..
اللحظة الأخرى التي تنسيني في كورونا و ما علق بتلابيبها ، هي لحظة تهييء الطعام و الالتحاق بالمطبخ. التبضع يتم لديَّ يوميا، و هي مناسبة للخروج وقطع مسافة لا بأس بها مشيا .. و أفضّل اقتناء الخضروات والفاكهة من نساء البوادي المحيطة بأصيلا . كل معروضاتهن من طماطم وبصل وثوم وجزر، طبيعية، هي نتاج جني من حدائقهن الصغيرة. و وصل بي الأمر إلى حد ربط علاقة “صداقة” ببعضهن فازدادت ثقة الزبون بمعروضات البائعة. فن الطبخ أسلوب مرتبط بالذائقة، وحين تدعمه حمية مدروسة، و اختيارا دقيقا لاستعمال بعض البهارات دون غيرها، وحين يتم الابتعاد عن اللحوم الحمراء و البيضاء، ونسنبدل بالأسماك، آنذاك يقال “الرجل هو الأسلوب”.. أما اللحظة الأخيرة في يوم من أيام العزل، هي اللقاءات الثقافية عن بعد. فهي أولا نتيجة كتابة و قراءة في ذات الظروف و هي ثانيا رغبة في مشاركة الغير و التواصل معه. أشكر حلقة مينيرفا للفلسفة على مبادرتها وعلى مداومتها بث هذه اللقاءات تحت عنوان “قصارى القول، تأملات جمالية و فلسفية “.

في أصيلا ، حيث تقيم ، كيف كان التزام الناس بالحجر ، و كيف كنت تنظر إلى التداعيات الاجتماعية في المدن التي كانت بؤرا للوباء ، مثل طنجة القريبة منك مثلا .هل المشكل مرتبط بالإنسان ، أم بتدبير الدولة للعمران ، الذي بدا أن في اختلالات كبيرة و خطيرة؟

لم نعرف في مدينة أصيلا أكثر من إصابتين، تسرَّب إليها الوباء من طنجة حيث الزوج عامل هناك. و مع ذلك وضعوا المدينة في المنطقة الثانية تبعا للمدينة الكبيرة . هذا حيف نشعر به. و قد يكون خيرا لنا ، لم نعد محرومين سوى من البحر . أصيلا التزمت الحجر و العزل بتلقائية، ولم نلحظ الأطفال و الشيوخ في الأزقة طيلة الشهرين الماضيين. الآن يمكن الحديث عن تساهل كبير في الخروج، ويمكن سماع أصوات الأطفال هنا و هناك .. بل و يمكننا احتساء قهوتنا في المقهى الجديد، و في بعض المطاعم و المحلبات..لقد تم تعقيم المدينة العتيقة أكثر من مرة، والمدينة ككل بما فيها الأحياء الشعبية. فتحية صادقة للساهرين على هذه العناية. أتيحت لي فرص استثنائية لزيارة مدينة طنجة في ظروف الحجر أكثر من مرة، وغالبا مع الناقد الأديب يحي بن الوليد. كنا نرى، مداخل و مخارج طنجة محروسة مؤمنة مراقبة، و كان الكورنيش ممنوعا كلية على السيارات، وعلى الراجلين، وأغلب الشوارع لا يسمح فيها بالسير إلا على جانب واحد. لم نلحظ الأطفال والشيوخ طيلة هذه الزيارات. كنت اقصد حي بني مكادة، و أزور مستشفى الرازي، ولم تسجل أية حالة بالإصابة هناك ، لا يجب أن ننسى أن مدينة طنجة هي البوغاز أي ملتقى كل الزائرين للمغرب، والمنفذ الأساس الذي يسمح بالعبور إلى كل التراب الوطني .. منه يمكن للجائحة أن تتسرب وتستديم تعميما أو خلسة المختلس. إجمالا حصل في تقديري تناغم و توافق سياسي و صحي و إنساني بين الدولة و المجتمع. تخللته بعض الثغرات من طرف جهّال أو من غلّفوا جهلهم بلمسة دينية لكن أثرهم كان ضعيفا. والحال أن هذا التناغم لا يمكنه أن يستمر لأنه مرهون بحالة الطوارئ و الاستثناء. التداعيات الاجتماعية كانت كارثية بين عشية و ضحاها، توقفت الحياة على جميع المستويات، فمن أين للعمال والمياومين والمطالبين بمعاشهم وعامة الناس بتلبية حاجياتهم؟ وضعية لا يمكنها أن تستمر والآن ها هي الدولة تخصص مدينتي بن جرير و بن سليمان لجمع الحالات الوبائية على الصعيد الترابي، لتعود الحياة تدريجيا إلى عهدها السابق. لكن البعد عن هذين المركزين قد يشكل عائقا في حسن تدبير الجائحة؟ ألم يكن الأصح الإبقاء على كل المراكز الجهوية و خلق فضاءات طبية عسكرية في الهواء الطلق في كل جهة ؟

هل تعتقد أن الدولة تصالحت مع المجتمع ، بأي ثمن ، أم أن هذه المصالحة هي مجرد غطاء لما قد يبدو من مشكلات لاحقا ، خصوصا في ما يخص القضايا الاجتماعية الحاسمة ؟

التصالح الحاصل بين الدولة المغربية و مواطنيها مؤقت و محكوم بحالة الطوارئ .التصالح الحقيقي يقضي بالبدء بتصفية جميع بؤر التوتر .. و هذا ما لم يحصل بل تمّ التضييق على الحريات الفردية و العامة (حالة سليمان الريسوني). و قد يتبادر إلى الذهن أن الدولة قد استغلت ظروف الجائحة لطي العديد من الملفات و تأجيلها على رأسها ملف تكميم الأفواه و الأوراش الإصلاحية الأخرى. يبدو أن الدولة قد تمرّنت على تطويع أكثر للشعب برمته. هل كان من الضروري تمديد حالة الطوارئ إلى 10 غشت و هل سيمددونها مرة أخرى ؟
منطق الدولة السياسي منذ مفهوم”السلطة الجديدة” هو قوة الدولة و بطشها .. لا أحد يعلو على كعب الدولة . طبعا هناك فرق بين الدولة القوية و الدولة المستبدة .. القوية هي الدولة الوطنية و المستبدة هي دولة المصالح الضيّقة . و لنا في فرنسا المثال و النموذج. ما أن تراخت ضغوطات الحجر و الجائحة و خرج الممرضون و الممرضات المتفانيات و المتفانون للمطالبة بمستحقاتهم و تحسين ظروفهم، حتى استقبلتهم السلطة المارقة بالهراوات و السّحل و التنكيل..

التعليم كيف تراه بعد الجائحة ، علما أن مواطن الخلل فيه باتت واضحة . هل ترى أن الدولة ستميل إلى إصلاح جذري للتعليم و الصحة ، أم ستؤجل التغيير إلى حدوث طامة أخرى جديدة لا قدر الله؟

أثبتت جائحة كورونا بما لا يدع مجالا للشك أهمية قطاعين استراتجيين هما التعليم و الصحة. لذا يجب إعادة النظرفي سياسة هذين القطاعين. سيكون من الغباء والجشع تفويتهما للقطاع الخاص، أو تركه يعيث فسادا فيهما، أي في مصير الأمة دون رقيب و لا محاسب. وزارات السيادة ليست هي الداخلية ولا الشؤون الإسلامية، إنما هما التعليم الوطني و الصحة العمومية. إذا كنا سنستخلص الدروس والمواعظ من فاجعة كورونا، فيجب أن تكون مرتبطة بهذين القطاعين الحيويين. حينما تتوفر الإرادة السياسية والنظرة الاستراتيجية نحو المستقبل، آنذاك تتحدد وتعرف الأمة بعدد متعلميها ومثقفيها وباحثيها وعلمائها وأطبائها و يرهن لمستقبل هذه الأمة بصحة أفرادها و سعادتهم.. الفلاسفة في هذه الحالة سيكونون هم أطباء الحضارة حسب قول نيتشه.

هل يمكن للفلسفة ، في تأملها للجائحة، أن تعيد تخيل و تصور الوجود ، و هل من معنى انطولوجي يمكن تصوره في هذا السياق و وفق أية رؤية، و أي نوع من الأسئلة و المفاهيم؟

الجوائح والغوائل تضعنا وجها لوجه أمام الفجيع. بسبب القلق والخوف والحزن والأسى، وسبب غياب الترياق واللقاح. الكورونا الآن هي الوجه الجديد والغريب للموت. عموما الإنسان أمام احتمال الحياة والموت، حين يكون الموت لا يكون الإنسان. وحين يكون هذا الأخير لا يكون الموت. كما يقول شيشرون.
عادة كل الجوائح تفرض العزل الصحي والحجر، وهذا الأخير تدبير سياسي لمشكل صحي، وككل التدابير السياسية تحكمها المصلحة، إذا لم تقدّر هذه التدابير بمثقال بيض النّمل، قد تحدث الفجيعة و تلقي بنا رأسا امام التكرار والرتابة و اللايقين و المآلات الكارثية. الحياة في حد ذاتها مملة عبثية : صخرة سيزيف استعارة عن التكرار الوجودي الممل و الرتيب.. لكن الإنسان استطاع أن يستبدل هذا الضجر بالاختلاف، اختلاف أوجه حياته: يرتاد المقاهي، الحانات، دور الثقافة المعارض … فينسى تراجيديا وجوده. والآن و قد حرم من كل هذا الاختلاف، عاد لواجهة السؤال الجذري: ما معنى الحياة ؟ أليس الموت أفضل من حياة بهذا المعنى؟ بعبارة مارتن هايدجر ” لماذا هناك الوجود (الحياة) حياة، وللموت من خلال الوقوف على لا اليومي و رتابته فقط، ليس هناك بالأحرى لا شيء (الموت)؟ هذا التساؤل الأنطولوجي يميل بنا إلى التصور الجذري والقصي للفلسفة بما هو مساءلة للحياة و للموت من خلال الوقوف، لا على اليومي و رتابته، فقط، وإنما على ما وراء اليومي وما وراء الرتابة . “الماوراء “ليس وجودا غفلا ولا عدما، إنما هو أسئلة وبحث عن الأسباب البعيدة والعميقة الأولى. لذا يسمى هذا النوع من الاستشكال “الفلسفة الأولى”. هناك إلى ما سبق موضوعات فلسفية أخرى تثيرها الجوائح، عادة، هي موضوعات المعنى و اللامعنى و اليقين و اللايقين و المآلات …
طيلة زمان الحجر تركونا في حيص بيص من أمرنا نتساءل ما معنى فيروس كورونا؟ و لماذا هناك صعوبة، بله استحالة العثور على العلاج الملائم له؟ ما مغزى كل هذا الكم الهائل من المعلومات و الاحتياطات و التدابير ؟ في هذه الحالات تضخم المعنى يؤدي إلى اللامعنى. ثم أمام اللامعنى تنهار اليقينيات وتنهدّ الأصنام والأوثان، وتغدو الوثوقية علامة على الانهيار في الجهل و الظلام. لم يعد المآلان هما الجنة والنار. إنما هما الموت و الحياة. و مآل النهاية فيه نهايات : هل هي الموت الفردي أو الجماعي نهاية العالم ؟ أم انطفاء الشمس ؟ هل هناك حيوات أخرى في أماكن و عوالم ممكنة أو موازية ؟

هل الجوائح بالنسبة للفيلسوف ، صدفا ، أم هي ظواهر يتوقع حدوثها ، أم أنها ما يتجاوز حدس الفلاسفة و توقعاتهم ؟

الجوائح و الغوائل و الكوارث ظواهر تتم في الطبيعة بمستويات مختلفة. منذ أن استقلت العلوم عن الفلسفة بموضوعها ومنهاجها، باتت الجوائح، بمختلف أوجهها ظاهرة علمية. فالبيولوجيا والجيولوجيا والفيزياء النظرية وعلوم الفضاء إلخ هي التي تدرس و تحلل وتتنبأ بهذه الظواهر .. علاقة الفلاسفة بها علاقة برانية للإطلاع والمعرفة والنقد والتوجيه، كما هو الشأن في الإبستمولوجيا، أو لبناء نظرية فلسفية على أسس علمية، كما يحصل ذلك في فلسفة العلوم أو تاريخ العلوم. و مع ذلك يجوز للفيلسوف أن يتناول الجوائح كموضوع فلسفي لمّا يعنّ له ذلك، وفي هذه الحالة، لا تكون منهجيته تجريبية و لا فرضية استنباطية، إنما ستكون من طبيعة فلسفية كالفينومنولوجيا، أو البنيوية أو التفكيكية، أو غيرها من الطرق الفلسفية ..

مشروع التنمية الذي يجري إعداد تقرير حوله ، ما الذي يمكن أن تراه نقط القوة و الضعف فيه ، و ما دور الثقافة و الفكر و الجمال فيه، هل تتصور أن من يعملون عليه سيكون بامكانهم تفكير كل هذا ؟

كنت أفضل من الناحية المنهجية والعلمية أن يوكل هذا المشروع للجان أكاديمية و علمية مستقلة. و يشترط في عملها النزاهة و العلمية. ذوي الاختصاص هم من يقدر على تشخيص المرض وحيثياته، واقتراح الحلول والمبادرات . أما الطريقة المتبعة الآن فلا يمكنها سوى تجميع الاقتراحات (حزبية و نقابية و جمعوية ) و لا تملك القوة الاقتراحية العلمية، ولا السياسية اللازمة لبلورة النموذج الذي نريده أو نراه كفيلا لتنمية بلادنا. معلوم ان كل مشاريع الدولة المغربية هي مشاريع السيادة و الاستقلالية، ولا دخل لأي طرف أجنبي فيها، حتى ولو كان من باب المشورة. والجانب الذي يهمنا في هذا المشروع، هو الجانب الثقافي والفكري. كما تفضلت و أشرتَ. لديّ حدس أن التعامل معه سيكون دون المطلوب، لا لشيء، سوى أن ما هو ثقافي وفكري سينظر إليه نظرة تبخيسية، بله تحقيرية، وهذا عائق يحجم الأهمية التي تكتسيها الثقافة والفكر كرأسمال لامادي في البلاد. للثقافة و الفكر رجال و نساء هم أدرى بشعابها، يملكون الكفايات والمهارات التي تجعل من الثقافة عامة رافعة أساسية للتنمية .

هل تعتبر أن البرامج و اللقاءات الثقافية التي كانت تجري عن بعد ، عبر وساءل التواصل الاجتماعي ، و انت كنت ضمنها ، ساهمت في كشف معطيات و أفكار و تصورات جديدة ، في العمل الثقافي ، ما هي ، و بأي معنى ، ام أنها هي مقدمة لطرائق أخرى في دعم الثقافة و نشرها ؟

تجربة التواصل الثقافي والتعليمي عن بعد، كانت تجربة حميدة ومنقذة، حتى لا تستوعبنا شراهة كورونا السلبية وتطوينا في ظلامها. لقد انخرطت الفلسفة من خلال جمعياتها العديدة في مقاربة الموضوعات الثقافية المختلفة، وكانت حصة معالجتها للفيروس ومطارحته متميزة، بالمقارنة مع موضوعات أخرى. و الهم في هذه التجربة حضور الفعل الثقافي والتعليمي، وحتى الإعلامي، و القيام بدوره التوعوي والتربويو الإخباري. لا يمكن الاستغناء عن الحضور الفعلي، واللقاء البشري المباشر، لكن في ظروف الحجر والعزل الصحي، كان هذا البديل فعالا. و يمكن الاستمرار فيه لتنويع أشكال الملتقيات و المنتديات.

هل من دور للجماليات في خلق وعي ما عند الناس ،في مثل هذ ا الظرف الطارئ الصعب و القاسي ؟

الجماليات تثقيف للذائقة، وليست نظريات استطيقية مجردة فقط. فلما ترى المصلي راكعا و وراءه أكوام من القمامة أو ترى الواحد لا يكترث وهو يخلف وراءه كل بقايا أكله، وحفاظات ابنه على الشاطئ فاعلم أن الذائقة المغربية غير مؤدّبة و تنقصها التربية. إن أثر الجماليات في هذا السياق العام ضئيل جدا. لا ا نحتاج إلى حملات تحسيسية فقط، و إنما إلى فعل جمالي تربوي مستديم. استطاع منتدى أصيلة الموسمي أن يرسم جداريات دائمة في كل جدران المدينة القديمة، ولا يمكن لأزقتها أن تبقى نظيفة دوما لولا استماتة رجال ونساء النظافة اليومية طيلة النهار. كما استطاع سكان بعض الأزقة جوار ساحة محمد الخامس، تلوين وتزويق أرضية أزقتهم وترصيعها بالنباتات الجميلة. و مازالت سوانح الفنانة إلهام القباج في ذات الساحة شامخة، و منحوتات أخرى حذاء باب البحر قائمة دون قاذورات و لا أوساخ. مثل هذه الحالات هي التي نريد لها أن تعمم في كل مدينة و في كل المغرب ..هذا الحجر أرجع العديد من الناس إلى ذواتهم و هواياتهم، هناك من رجع إلى الرسم، و من عاد إلى الكتابة وإلى الشعر و الزخرفة. و هل نحتاج إلى العزل لكي نبدع ؟
هناك تجربة فريدة من نوعها في حي صفيحي يدعى لبويبلو في أصيلا للأخوين العمراني شيّدا حديقة جميلة بأزهارها و ورودها أمام منزلهما و داخل بهوه منحت للحي متنفسا رائقا يشكران عليه. الجماليات فعل بسيط، هو تحويل ما بحوزتنا، رغم بساطته و تفاهته، إلى ذوق جميل، و بسلوك أجمل.

حواري مع إدريس كثير، في عدد جريدة “المساء” ليوم الجمعة 26 يونيو 2020.

موليم لعروسي: يجب على المغرب أن يعترف بفشل نموذجه في التنشئة الاجتماعية

18 مايو 2020 جرائدحواراتفلاسفة 0

حاوره: صلاح بوسريف سياق اللحظة الراهنة، هو سياق الإنصات إلى العلم والعلماء، وتدبير الجائحة في إطار ما يُعْرَف بالأمن الصحي. لكن، دور المثقفين والمفكرين والفنانين، والمشتغلين في مجالات الرأسمال الرمزي، كانوا، دائماً، هم من ينظرون إلى الجوائح والأوبئة، بغير عين الطبيب والعالم، هذان اللذان يقومان، في أغلب الأحيان، بدور الإطفائي …أكمل القراءة »

كمال عبداللطيف: لم نصبح بعد سادة على الطبيعة

18 مايو 2020 جرائدحواراتفلاسفة 0

كمال عبد اللطيف حاوره صلاح بوسريف زمن الحروب والأوبئة زمن المراجعات الكبرى كما قارب مثقفون ومفكرون ونقاد مغاربة، راهن اللحظة التي نعيشها، بكل ما تحتمله من تزاعيات، وما ترتب، أو قد يترتب عنها من نتائج، على المستوى الوطني أو الكوني، يسعى كمال عبد اللطيف، في هذا الحوار، أن يقترب أكثر …أكمل القراءة »

محمد نورالدين أفاية: برهنت الجائحة أن العقل العلمي هو الملاذ وسبيل الخلاص بالنسبة للإنسانية

14 مايو 2020 جرائدحواراتشاشةمتابعات 0

حاوره: صلاح بوسريف ما يعترينا من رغبة في الفهم والمعرفة، ونحن في قلب عاصفة كبيرة تجرف الأبدان وتسعى للعبث بها، هو ما يجعلنا نذهب إلى ذوي العلم والمعرفة والاختصاص، من أطباء وعلماء، ومفكرين، ممن لا يطلقون الكلام على عواهنه، أو يسقطون في الابتذال، والدجل، والسعي وراء الشهرة الزائفة من خلال …أكمل القراءة »

محمد المصباحي: درجة الحياة قاربت الصفر وأصبح كل شيء جحيماً مع هذا الوباء

29 أبريل 2020 أنشطة ومواعيدجرائدحوارات 0

نص الحوار الذي أجراه صلاح بوسرف مع المفكر المغربي محمد المصباحي، بعدد يوم الخميس 08 اأبريل 2020، بجريدة “المساء”. فرصة أمام المغاربة وأمام الإنسانية لإعادة النظر في الذات، في المصير المشترك وفي سلم القيم يحدونا أمل كبير أن تسفر هذه المحنة عن انبثاق “مواطنة صحية” تعزز المواطنة السياسية ما أقسى …

شاهد أيضاً

جين رولاند مارتن: لماذا يجب أن تتغير المدرسة؟

ترجمة: نورة آل طالب أجرى محرر نيو فيلوسوفر زان بواغ مقابلة مع جين رولاند مارتن، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *