الرئيسية / منتخبات / عامة / الفلسفة، وما ادراك ما الفلسفة؟

الفلسفة، وما ادراك ما الفلسفة؟

 هشام غصيب

هشام غصيب

الفلسفة، وما ادراك ما الفلسفة؟ انها تعلمك كيف تحتار وتمارس النقد والشك المنهجي وكيف تجرؤ على التفكير وكيف تفكك الأفكار وتعيد ربطها وتركيبها وكيف تتمرد وتثور. فهي تزودك بادوات ذلك كله. الفلسفة تعلمك كيف تكون حرا في تفكيرك وكيف ترفض ان تقبل الأمور على علاتها. انها تحلل الخبرة الانسانية وتشتق منها اكوانا متنوعة. لذلك كله يرتعب منها رجال السياسة والدين.

بماذا تتميز الفلسفة عن غيرها من الممارسات والنظم الفكرية؟ سؤال ما فتئ يشغل بال الفلسفة منذ نشوئها وحتى اليوم. وقد يتفاجأ القارىء إن قلت إنها تتميز بالقحة الصارخة والجموح الفكري والحرية العقلية المطلقة. فهي لا تعرف الثبات بتاتا، بل وتنكر على غيرها أي استقرار وثبات. وهي تسعى دوما إلى تخطي الكائن، كائناً ما كان، صوب الممكن أو حتى اللاممكن. كما إنها تنبش دوما عن الأسس وتغوص صوب أسس الأسس، لا من أجل تثبيتها، وإنما من أجل تحديها ونسفها والبحث عن غيرها. إنها تسعى دوماً إلى إعادة التأسيس، كما لاحظ إدموند هوسيرل. والفلسفة تعرف تماما كيف تزدري بقحة لا حصر لها. لذلك يبغصها رجال الدين والسياسة، ويخشاها رجال العلم. فهي لا تراعي حرمات ولا خواطر، وإنما تشاغب وتكافح دوماً وبحكم طبيعتها. وهي دائمة الغوص إلى الجذور من دون أن تصل إلى قاع أو مستقر لها. كما إنها دائمة التحليق والجموح في فضاء الممكن. تغوص إلى الجذور اللانهائية العمق، فتعجز عن العودة إلى السطح، كما في أفلاطون وهيغل وهيدغر. وتحلق في فضاء الممكنات وتجمح في أركانه، فتعجز عن العودة إلى نقطة انطلاقها. حاول كانط أن يكبح جماحها ويقيد حركتها ويحولها إلى علم، لكنه أخفق في ذلك، بل وأسس، من حيث لا يدري، لأكبر انطلاقة تأملية في تاريخ الفلسفة؛ لفخته وشلنغ وهيغل. وكرر المحاولة فتغنشتاين وهوسيرل والوضعيون المناطقة وبعض الماركسيين، ولكن من دون جدوى. فلا سبيل إلى لجم الفلسفة أو تقييدها أو تثبيتها ضمن قوالب وافتراضات، مهما كانت منطقية. لذلك سعى هوسيرل إلى فلسفة خالية من الافتراضات. ولئن كان العلم يرتكز إلى افتراضات عامة، تتغير بين حقبة وأخرى، فإنه، في جل أوقاته، لا يفكر فيها ولا يجعلها موضوعاً لفعله. إنه قلما يفكر في ذاته وأسسه. فهو لا يعيد النظر في بعض أسسه إلا في لحظات تأزمه الجذري. عند ذاك يقترب من الفلسفة ويتماهى معها. فالفلسفة دائمة النظر في ذاتها وأسسها، بل إنها مهووسة بذاتها وبغيرها أيضاً.

وتختلف الفلسفة عن العلوم في منهجها في أنها لا تحتكم إلى منطق برهاني اشتقاقي صارم، كما الرياضيات مثلاً. كما إنها لا تتحتكم إلى منطق اختباري صارم، كما الفيزياء مثلاً، وإنما ترتكز إلى فضاء لانهائي من التسلسلات الفكرية اللانهائية الأفق. ويبدو لي أن ما قاله لودفيغ فتغنشتاين في كتابه “استقصاءات فلسفية” من أن اللغة لا يحكمها حسبان معين، وإنما تحركها ألعاب لغوية، ينطبق تماماً على الفلسفة. إن القواعد، التي تتبعها الفلسفات المتنوعة في تفكيرها وحججها، تذكرنا بقواعد الألعاب، لا بقواعد المنطق أو الرياضيات. إن الممارسة الفلسفية أشبه ما تكون بممارسة الألعاب، اللغوية أو غيرها.

لذلك، فإن الأحكام الفلسفية تدهشنا بغرابتها وبعدها عن المألوف والمنطق السائد. بل يمكن القول إن هناك قدراً كبيراً من اللامعقول في الفلسفة تجابه به باستمرار المعقول السائد أو حتى المتخيل. لقد ظن كيركغور أن الدين هو الذي يفعل ذلك. لكن الدين لا يجابه، وإنما يستتر، ثم يسعى إلى إحلال لامعقوله محل المعقول السائد أو المتخيل، بالسيف إن لزم الأمر. أما الفلسفة، فهي لا تسعى إلى إلغاء المعقول، وإنما تعمد إلى الكشف عن حدوده ومحدوديته ونواقصه بتحديه بلامعقولها وإمكانات معقولها اللامحدودة. خلاصة القول، فإنه ليس هناك نهج فلسفي، وإنما هناك فضاء لامحدود من الألعاب الفكرية تحلق فيه وتجوبه الفلسفة.

ماذا يترتب على ذلك كله؟

أمران: إن الفلسفة لا تنتج معرفة، لكنها تؤسس لمعرفة. فالفلسفة، بتحديها المعقول السائد وأسسه وبنقدها ونقضها إياه، تعمل على إزالة معوقات إنتاج معرفة جديدة، وتساهم في وضع أسس هذه المعرفة الجديدة. إنها تكنس القاذورات المتراكمة تمهيداً لفرش المنزل بأثاث جديد.

فلولا النقد الفلسفي الذي وجهه أمثال فرانسيس بيكون وجيوردانو برونو وغاليليو غاليلي ورينيه ديكارت وبيير غاسندي صوب الفكر السكولائي السائد في القرنين السادس عشر والسابع عشر لما أتيح لإسحق نيوتن بناء ماكنته الفيزيائية المريّضة بقدراتها الهائلة على إنتاج المعرفة. ولولا قحة هيوم الفلسفية وجرأة ماخ وبوانكاريه الفكرية لما أتيح لألبرت آينشتاين أن يبدع نظريته الثورية المذهلة في النسبية. لولا جنون الفلسفة، لما كان كوبرنيكوس ونيوتن وآينشتاين وبور وهايزنبيرغ. فالفلسفة إذاً هي شرط جوهري من شروط إنتاج معرفة جديدة. لذلك، فإنها تدخل جوهرياً في تركيب العقل النظري في حضارة ما. إنها ملازمة للعلم أنى وجد، ليس لأنها علم أو آلة فكرية لإنتاج المعرفة، وإنما لأنها تؤسس للعلم وإنتاج المعرفة بقحتها الصارخة وجموحها وحريتها المطلقة. لذلك، يمكن القول إن أخذ المجتمع المعرفة العلمية الدقيقة على محمل الجد هو الذي يخلق المناخ المناسب لازدهار الفلسفة. فالفلسفة هي تعبير دقيق عن مكانة المعرفة الدقيقة في المجتمع وعن جدية العناية بها. إن الفلسفة والمعرفة العلمية صنوان لا يفترقان. كما إن جدية الموقف من الفلسفة تفترض جدية الموقف من المعرفة. فالغوص في المعرفة يقود بالضرورة إلى الفلسفة. كما إن المجتمع المعني بإنتاج المعرفة الدقيقة وعلوم جديدة معني بالضرورة بإنتاج الفلسفة. فليس غريباً إذاً أن تعمد المجتمعات التابعة، التي تقع شروط إعادة إنتاجها خارجها، إلى إهمال الفلسفة، إن لم يكن محاربتها. والذي أعنيه هنا هو أن التفكير بالعقل لا يمكن في النهاية فصله عن التفكير في العقل. إن هذين النمطين من التفكير صنوان لا يفترقان، بمعنى أن العلاقة بينها جدلية، أي ضرورية وتحولية ووجودية. من ذلك ينبع تأكيدنا بأن التفكير الجدي بالعقل يقود بالضرورة إلى التفكير الجدي في العقل، أي ممارسة الفلسفة. من ثم، فإن أي مجتمع معني بإنشاء صناعة فعلية للمعرفة ينبغي أن يولي الفلسفة وممارستها وإنتاجها اهتماماً خاصاً.

لقد ربطنا إذاً الفلسفة بالمعرفة الدقيقة، أي بالعلم. والذي نريد قوله ههنا أنه لا علم بلا فلسفة ولا فلسفة بلا علم. إن لحظة العلم هي لحظة الفلسفة أيضاً. فهما يشكلان عقلاً نظرياً واحداً، ويتمايزان عن بعضهما ضمن هذا الإطار التوحيدي الواحد. وهذا ما نلحظه بجلاء في جميع الحضارات التي وصلت حدا من التطور مكنها من إنتاج عقل نظري.

والنقطة الجوهرية هنا هي أن قوى اجتماعية تبرز في بعض المجتمعات وتشعر بالحاجة إلى إنتاج المعرفة بوصفها عنصراً أساسيا من عناصر الإنتاج، التي تهمين عليه، أو تسعى إلى الهيمنة عليه. وتدفعها روحها الوثابة إلى خوض كل حقل من حقول المعرفة. كما إنها تدرك الطبيعة اللانهائية المتشابكة للمعرفة، الأمر الذي يدفعها إلى صرف المليارات دعما لأكثر البحوث تجريدية. إن العقل النظري هو تعبير دقيق عن قوى الإنتاج في المجتمع. فحاجة المجتمع إلى العقل النظري بوصفه قوة رئيسية من قوى الإنتاج هي في حد ذاتها تعبير عن تطور المجتمع. إن المجتمعات الناهضة تنتج العقل النظري بوصفه قوة إنتاج رئيسية. ولما كانت الفلسفة جزءاً لا يتجزأ من العقل النظري، فإنه يمكن اعتبارها قوة رئيسية من قوى الإنتاج. فالتقانة، التي تجسد العلم عمليا وإنتاجيا، تحمل في باطنها فلسفة، لا بل فلسفات. إنها، بمعنى من المعاني، تجسيد للفلسفة أو الميتافيزيقا، كما لاحظ هيدغر.

أما الأمر الاخر، فهو أن هذا البركان العاصف الذي نسميه الفلسفة لا يسعى إلى خلقه وحمله سوى قوى تاريخية تملك جرأة التغيير الجذري وتسعى إلى نسف السائد والقائم والكائن من أساسه صوب نمط حضاري جديد وفضاء من الممكنات وروحية ثقافية جديدة. فهي تبتكر الفلسفة وتسخرها معول هدم من أجل إقامة صروح جديدة على أنقاض القديم. هذا ما نلحظه بجلاء في اللحظات الحاسمة في تاريخ الفلسفة: لحظة الفلسفة الإغريقية، ولحظة الفلسفة العربية الإسلامية في العصر العباسي، ولحظة الفلسفة الأندلسية، ولحظة الديكارتية، ولحظة الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، ولحظة ماركس، ولحظة راسل وفتغنشتاين، ولحظة نيتشه، ولحظة ما بعد الحداثة. إنها بالفعل تعبير عن قوى تاريخية لا تخاف المجهول، وإنما تسعى إلى تملكه تاريخيا ومعرفيا.

إن الفلسفة تدخل أساسيا في تشكيل الوعي التاريخي للطبقات الرئيسية، تلك التي تحمل في باطنها وتنفذ مشروعات تاريخية كبرى. إنها أساس الوعي التاريخي الحضاري وقاعدته الحية. فالطبقة الاجتماعية تبقى تابعة ومهمشة وغير مدركة لذاتها، إذا أخفقت في إنتاج إطارها الفلسفي الخاص بها، الذي يؤسس لوعيها المستقل، ويجعلها تدرك ذاتها التاريخية ووحدتها. وبتعبير أدق، فإن الطبقة الاجتماعية تحتاج إلى خلق مثقفيها العضويين، حسب تعبير غرامشي، حتى تتحول من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها. فلا يكتمل تشكلها ولا تكتسب وحدتها إلا بخلق نخبها الثقافية العضوية. إنها تتحول إلى ذات فاعلة في التاريخ والمجتمع عبر هذه النخب. وتحتل النخبة الفلسفية مركز الصدارة بينها. من ثم، فإن الفلسفة هي شرط أساسي من شروط تكون الطبقات التاريخية الرئيسية، على الأقل منذ الإغريق، ومن ثم، فهي شرط أساسي من شروط تكون الأمم الحديثة المستقلة. ولعل أعمق من عالج هذه المسألة هو أنطونيو غرامشي في “دفاتر السجن”، التي كتبها في غياهب سجون موسوليني في الثلاثينيات من القرن العشرين. فهو الذي لفت نظرنا إلى ضرورة الفلسفة في تشكيل الطبقة واستقلالها. فالفلسفة إذاً هي عنوان الاستقلال والتكون الاجتماعي. أو قل إن الطبقة الاجتماعية، ومن ثم الأمة، تعي ذاتها ومشروعها بالفلسفة بصورة رئيسية. وتبقى الطبقة والأمة مضعضعة إذا ظلت تابعة فلسفيا لطبقات وأمم أخرى.

ويقودنا ذلك إلى مسألة النهوض والاستقلال في الوطن العربي اليوم. فالوطن العربي الحديث أخفق حتى الآن في تحقيق أي من المهمات الديمقراطية الكبرى، مثل: الوحدة القومية، وحق تقرير المصير، والتنمية المستقلة، واستقلال القرار القومي، والتقدم الاجتماعي، وذلك برغم المحاولات الاستقلالية التنموية هنا وهناك. ولتحقيق هذه المهمات، فلا بدّ من بروز طبقات اجتماعية إنتاجية تسعى إلى التحول إلى طبقات لذاتها، أي طبقات مسلحة بوعي متماسك مستقل، مدركة لوحدتها ودورها التاريخي ومشروعاتها الاجتماعية. ولا شك أن أحد الشروط الأساسية لاكتمال تكون هذه الطبقات التنموية واستقلالها عن القوى الأخرى الداخلية والخارجية هو تمكنها من خلق فلسفة خاصة بها، تعكس هويتها التاريخية، وتجعلها قادرة على حمل مشروع التحرر القومي الاجتماعي. فالطبقات المستقلة الواعية لذاتها وعالمها ودورها التاريخي هي الوحيدة القادرة على تحقيق هذه المهمات التحررية التنموية الكبرى. فالفلسفة، أو بالأحرى الانخراط الإبداعي في حقلها، هي شرط أساسي من شروط بناء الأمم واستقلالها ونهوضها، على الأقل منذ الإغريق. لقد تعرض الوطن العربي منذ العصور الوسطى إلى وابل من الهجمات والغزوات الهمجية الضارية. إذ انقض عليه الهمج من كل حدب وصوب؛ تتاراً وأوروبيين وأتراكاً. لكن هذه الهجمات بلغت أوجها في الاستعمار الغربي في القرن العشرين، ذلك الاستعمار الذي جاء مدججا بمنتجات حضارة متفوقة علميا وتقاتيا وثقافيا من أجل قلب الأمور رأساً على عقب على جميع الصعد. وبالطبع، فإن الجماهير العربية لم تقف متفرجة على هذا الغزو الجديد من نوعه، وإنما أخذت منذ البداية تنظم نفسها في حركة مقاومة ضارية ما زالت مستعرة وقدمت الآلاف المؤلفة من الشهداء. لكن الإخفاق التاريخي الكبير للأمة العربية تمثل في عجز العرب عن تحويل حركة المقاومة القومية الشعبية إلى حركة تحرر قومية شاملة، على غرار ما تم في روسيا والصين والهند الصينية وأميركا اللاتينية. إن المقاومة مستمرة، لكنها ستتبدد وتتكسر على صخور الاستسلام ما لم تتحول إلى حركة تحرر قومي شاملة. وأحد الشروط الجوهرية لهذا التحول هو نجاح الجماهير العربية في بناء عقل نظري مستقل يعبر عن مكنونات حركة التحرر القومي العربية الشاملة وأهدافها ووحدتها العضوية ووحدة إرادتها الثورية. وأساس هذا العقل هو الإبداع الفلسفي المستقل الأصيل الذي يعبر عن الوجود التاريخي للجماهير العربية.

إننا ندعو مفكري الأمة إلى رص صفوفهم من أجل خوض معركة العقل معا وجنبا إلى جنب ومن أجل التأسيس لعقل نظري عربي جديد. فكفانا ضياعا فكريا وتشتتا ثقافيا.

واسخف طريقة لتدريس الفلسفة هي أن يطلب المدرس من طلبته تلخيص كتاب فلسفي كلاسيكي ككتاب “نقد العقل البحت” لكانط أو كتاب “ظاهراتية الروح” لهيغل أو كتاب “الأفكار” لهوسرل أو كتاب “الكينومة والزمن” لهيدغر أو كتاب “بحوث فلسفية” لفتغنشتاين أو كتاب “الكينونة والعدم” لسارتر. فمثل هذه الكتب لا يمكن تلخيصها، أي إنها غير قابلة للتلخيص. كما إنها لا يتم استيعابها بقراءة عابرة في غضون شهر أو شهرين، وإنما تستلزم دهرا من الاشتباك الفكري لاستيعابها.

شاهد أيضاً

فرناندو سافاتار و تصوّره للعالم بعد كوفيد 19

ترجمة: منعم الفيتوري تحدّث الفيلسوف الاسباني فرناندو سافاتار عن كوفيد-١٩، وما سيكون عليه العالم بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *