الرئيسية / منتخبات / تغطية / واحة فڭيڭ.. أو في بهاء وكبرياء المكان

واحة فڭيڭ.. أو في بهاء وكبرياء المكان


عمر بن أعمارة

بقلم عمر بن أعمارة

هكذا حال المحبّ والمحبوب.

كل الطرق تؤدي إلى روما، ولا طريق واحدة تؤدي إلى واحة فڭيڭ غير طريق القلب. هناك خيط ناظم رفيع يجمع بين البهاء والبساطة والكبرياء،هذا المثلث متساوي الأضلاع لا يستقم في غياب إحدى أضلعه الثلاث، فبهاء المكان في بساطته وبساطته في كبريائه وكبرياؤه هو حين يتمنّع ويصير غير متاح لأي كان حيث يلبس هبته ويصبح عصيا عن البوح والإفصاح. لواحة فڭيڭ عناوين ودروب، لكن أنّى أن يتأتى لأي كان ولوجها ؟ ففي بساطتها يكمن كبرياءها وفي عزلتها ونائيتها يحضر المكان متمنّعا وعصيّا عن أي إمكانات التفاوض، إذ قد تسعى بجميع الطرق المتاحة لك لمطاوعته ومراوضته لكن لن يستجيب لعروضك ما لم تعمل على تفكيك شفرات رموزه لاستجلاء الغموض القابع تحت جلد بساطته، فالمكان مدجج بكل ما يوحي بالغموض والتكتم وكل الأسرار فيه تلبس رداء التمنع.

لقد إلتقطت الواحة من الصحراء سفورها وعُريها وحولت الجبال الشامخة إلى أدرع وأحجبة فأثمرت الحياة، هكذا صارت لا تفصح عن شيء بل تخفي كل ما يبدو متجلّيا. في الواحة بنايات خجولة لا تكشف سوى عن كبريائها: نوافذ مفتوحة على فناءات بيوتها، أزقة ودروب ضيقة مسقوفة تغمرها الظلمة ولو في واضحة النهار حيث الشمس الساطعة تتوسط السماء، وبساتين محيطة بأسوار تحجب الرؤى.

للواحة نبضات روحية وللمكان هناك تجاعيد فإن أجدت محاورتها أفصحت لك عن أسرارها، قد تغوص في ثناياها باحثا عن الخيوط والتلافيف الدقيقة الرابطة بين البساطة والكبرياء فيعترضك هناك جمال تلقائي مفرط وقد تصادفه أينما وليت نظرك. الزمن الواحي منفرد، رتابة مفرطة وسكون مترامي الأطراف، قد يتمدد الزمان هناك حد الضجر ويمنحك يومين أو ثلاثة في يوم واحد، ولا تَناهي المكان هناك في تَناهيه، فالمكان هناك ملاذ آمن بعيدا عن ضجيج وصخب العالم، بل دعوة لمعانقة النفس وقد تختلي بنفسك في خلوات متعددة ومتكررة مما يجعلك تحس بأنك تنفرد بالكون وهو أيضا ينفرد بك، فالواحة تجعلك تتدرب على كل أشكال التضرع والمناجاة والتأمل مما يضفي عليها جاذبية خاصة.

في الواحة، المكان ليس مجرد جغرافيا أو مساحات للعبور أو حتى للسكن، بل هو مقام والمقام دعوة للحضور المكتمل والزمان هناك ليس مجرد وقت بل ذاكرة تنبض بالحياة. الواحة هي تلك التركيبة الطبيعية الخالصة بين السهل الممتنع والبسيط الممتع حيث البهاء يتدفق من كل مفاصلها وعليها تدلّى رداء الصمت والخجل لفّها، والحياء سبغ أماكنها بالهدوء والسكينة، والنسيان المخاتل يتسلل إلى حيث تنبض الحياة قصد وأدها.هناك في الواحة كل شيء يتنازل عن غموضه ويلبس وضوحا مبهرا والبساطة هي نداء إلى الإنتماء للروح و لبواطن الذات. هناك من اعتبر الماء روحا للواحة وأنا أزعم غير ذلك فللواحة روحا لا ينتبه لها أي كان، إنه “الصمت” ففي صمتها الخاص يكمن جوهر ووجودها. هناك الكون وهناك الصمت وللصمت أسرار وبهاء لن يستوعبها ولن يتذوقها إلا من كان خارج كل الصخابات حتى التي تكمن بدواخله.

كلما طال الأمد ازداد تشوقي وحنيني للمكان، فما سرّ هذا الشيء الذي يوقظ في هذا الكم من المشاعر والأحاسيس ويجعل كل ما مضى من زمان الواحة يطفو على ذاكرتي ؟ لقد صرت كما لو أنني كلب بافلوف، فإن كان هو يطلق لعابه عند سماعه الجرس إيذانا بوقت الأكل، فأنا تلبسني كل أحاسيس الحنين ويكتسحني الشوق الجارف إلى واحتي كلما اقترب فصل الصيف، هكذا يتدفق من روحي ويطفو كل ما هو من صُلْبِ الواحة إيذانا بقرب موسم الهجرة. أتوجه إلى واحتي كي أعيد تشكيل نفسي العميقة ورؤية العالم على نحو مغاير، أقصد واحتي كي أبتعد عن كل ما يبعدني عن نفسي التي ما فتئت أبحث عنها في كل مكان دون جدوى، أروح لواحتي لأبحث عن آثار إنسانيتي الأولى فأنا ابن المكان حيث لازالت نُحوتاته بادية على روحي وحتى على شكلي، أزور واحتي لأروي عطشا حلّ بي سكنني ولازمني منذ أن غادرت المكان، هذا المكان الذي يشدني إليه شدّا وتتملكني أسراره المتدفقة، هذه الواحة التي استوطنتني بعد أن سكنتها وهواها سحرني ثم أسرني حيث يأخذني من نفسي إلى نفسي. هل طعم الطفولة والمكان حيث ترعرعت دائما بهذه اللّذّة ؟ للمكان هناك وقع خاص، فهو مستودع ذكريات وساحة “تاشْرَافْتْ” ليست مجرد فضاء للقاءات بالأحبة والأصدقاء أو للعبور بل مقام والمقام سلطة. فما أقسى أن تفارق المكان الذي ولد فيك يوم ولدت فيه !

كلما نزلت بالواحة أتسكع وأهيم في دروب بناياتها وأزقة بساتينها وأقتحم كل الأمكنة، أترصد لحظات وأتصيد فرص لعلني أستعيد ولو القليل من دقائق أحداث الماضي والذكريات ولعل هذه الأمكنة تجود عليّ برحيق مما مضى أو تستفزّ الذاكرة وتحثها على الإشتغال والتذكّر، وجاهدا أسعى لأن أقبض على نتوفات من ماض جميل. هناك في الواحة المكان يُلبسك البساطة ويضفي عليك البهاء، هناك المقام والمقام إنتماء لا ادّعاء، هناك تجلس حيث يليق بالمكان ويليق بك. إن للطبيعة هناك جلال، هناك أنفاسا وروائح فما أزكى نسيم الصباح ورائحة الطين حيث التراب الطاهر الحر المبلل بماء المطر خصوصا أيام الصيف إذ يمنحك جرعات منعشة، وأمكنة تفوح منها رائحة الحطب المحترق مع جمالية يضفيها دخانها على بعض السقوف التي سبغها بالسواد. كلما حللت بالواحة ووطئت قدماي تربتها إلاّ وشعرت بطفل يولد بدواخلي إذ عقارب الزمان تعود بي إلى لحظة الصفر حيث البداية. للمكان جلال وللصمت لذة وللسكينة رعشة.أمشي في دروب وأزقة الواحة وبين الأحياء السكنية وزقاق البساتين، أقلب بصري في كل جزء من سمائها وترابها ومائها وجدرانها وسقوفها ونخيلها. عندما ألج المنزل حيث ولدت وترعرعت أطوف كل غرفه المتعددة كما بهوه متمعنا النظر في كل جزء منها كما لو أنني أراها لأول مرة أو كأنما أودعها مرة للأبد، وبعدها أجلس عند زاوية ما وأتيه وأنا أتأمل أرضية البهو أو أحذق في سمائه. وفي لحظات عديدة أقفل جميع أبوابي ونوافذي وأحكم إغلاقها حتى لا يتسرب ويتسلل إليّ ضجيج العالم، هكذا أغرق في لذة الصمت الممزوج بالمكان، أتأمل الفراغات المحيطة بي والتي تملأ كل الأمكنة، أنصت إلى نبضات قلبي ونبضات قلب الكون.

واحتي تستضيفني لأحتسي كأس صمت مخضّب بطمأنينة وسكينة وبتأمل، هكذا تهمس في جوارحي فأصمت وتلهمني فأصمت فأفتتن بها وأخشع فأهمس في روحها فيتملّكها الشغف للمزيد من همساتي، فأنتشي وبعد ذلك أحتار، هكذا تمتزج الحيرة بالدهشة وتتبلل بمشاعر الاطمئنان والسكينة فيتدفق الحب والشغف بالحياة ويصبح كلامي ممزوجا بالصمت ومبللا بالعشق فيولد الهمس والهمس سرّ بين المحب والمحبوب والسرّ إيحاء غير قابل للإفشاء. هكذا حال المحبّ والمحبوب.

تلك الفراشة علمت بالحقيقة لذلك لم تعد

20 يونيو 2020 جرائدعامةنصوص 0

عمر بن أعمارة عمر بن أعمارة في إحدى الجزر النائية أنشأت مجموعة من الفراشات مملكتها الخاصة بعيدا عن صخب وضجيج الحضارة البشرية. هكذا عاشت حياتها اليومية مستقرة وبشكل طبيعي دون أي تأثيرات خارجية وبعيدة عن أي أحداث تغير من طبائعها وعاداتها. ذات زمان وفي إحدى الليالي المظلمة والكل معتكف في …أكمل القراءة »

اَلْصَّخْرَةُ المثيرة الملعونة

6 ديسمبر 2018 بصغة المؤنثعامةنصوص 0

  بقلم: عمر بن أعمارة *هذا المقال كتب بمناسبة الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها تمثال المرأة العارية الموجود في “عين الفوارة” وسط مدينة سطيف الجزائرية.  «لا يظهر الصنم إلا عندما يقرر نظرا ما أن يوقف نفسه عنده لا يتعداه». جون لوك ماريون، ترجمة المفكر التونسي فتحي المسكيني.     هي صخرة، …أكمل القراءة »

الأنا،الموت والقبر (الجزء الثالث)

6 نوفمبر 2018 عامةمجلاتمساهمات 0

* بقلم: عمر بن اعمارة   طيب، أعود إلى حديثي عن المقبرة والقبر، ذلك العلبة السوداء، ذلك الرحم L’utérus ذو الدور والوظيفة المعكوسة: الموت بدل الحياة، النهاية بدل البداية، الفناء بدل البقاء. كيف لهذا المتناهي المحدود والمجسد في المكان والممتد في الزمان أن يكون وعاء للنهايات ؟ كيف لسِرِّنا ولباطن …أكمل القراءة »

 سلوكياتنا بين الخطاب الأخلاقي والمعايش اليومي

4 نوفمبر 2018 تغطيةنصوص 0

بقلم: عمر بن أعمارة يتعلق الأمر بعلاقة الخطاب الديني الأخلاقي بسلوكياتنا اليومية ومعاملاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين، كذلك عن استحضارنا لهذا الخطاب في كل أقوالنا وأفعالنا وفي كل أحوالنا وفي جميع المناسبات. ربما لن أبالغ إن قلت إن بإمكاننا إذا قمنا بجولة في إحدى المدن الاسلامية وعملنا على جمع الآيات …أكمل القراءة »

انسحبت مُبَكِّرًا من الفلسفة لذلك لم أشرب مما شرب منه سقراط

14 أكتوبر 2018 عامةمساهمات 0

بقلم: عمر بن أعمارة “بتعاطي الفلسفة كما ينبغي، لا يفعل المرء غير طلب الموت” أفلاطون (1) لم أتجرع ولم أرتشف حتى لم أتذوق مما شرب منه سقراط، كي أضع حدا للذات المتفلسفة، لكن هزمتني وأخضعتني حتى   قتلتني العادة والتعود والمحيط بي، واستسلمت للتقاليد، ورضخت للمألوف ولم أعد أتساءل أو للدقة …أكمل القراءة »

“إدير” الناي الأبدي ونداء للحياة

7 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

عمر بن أعمارة عمر بن أعمارة “لو لم تكن هناك موسيقى لكانت الحياة خطأ” فريدريك نيتشه “إدير” اسم على مسمى فهو “يحيا” وسيبقى حيا بل هو الحياة، فإن غيَّب الموت جسده فليس بمقدوره أن يفعل مع غنائه وطربه لأنه سكن ويسكن وسيسكن قلوب ملايين من الناس هكذا سيعيش. “إدير” ذلك …أكمل القراءة »

إيمان العجائز أو الإله في حدود عين القلب

27 أكتوبر 2019 أنشطةمفاهيمنصوص 0

عمر بن أعمارة بقلم :عمر بن أعمارة رأيت ربي بعين قلبي… فقلت من أنت ؟ قال أنت—— فليس للأين منك أين…وليس أين بحيث أنت.(1) “إن أعظم احتقار يمكن توجيهه للدين هو محاولة زرعه في منطقة أخرى لا تنتمي إلى جوهره، وجعله في خدمتها، فالدين ليس بحاجة للاستدلالات المنطقية، ولكنه في …

الكراهية لا تبني فقها ولا تدحض فكرا

25 ديسمبر 2019 تغطيةمتابعات 0

عمر بن أعمارة بقلم :عمر بن أعمارة “إن القذارة الحقيقية تقبع في الداخل، أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يمكن تطهيرها بالماء النقي، وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نطهر أجسامنا بالزهد والصيام، لكن الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا”.شمس التبريزي …أكمل القراءة »

براقع العقل

12 يوليو 2020 فلاسفةكتبمقالات 0

فتحي المسكيني فتحي المسكيني في سنة 1918 نشر جبران كتابا بالانجليزية تحت عنوان “المجنون”. وهو يحتوي على عدد من الحكايات الرمزية والقصائد النثرية وشذرات من السيرة الفكرية، تدور كلّها حول تحرير الذات الشرقية من أمراضها. ومنذ الفصل الأوّل فيه نحن نجد أنفسنا أمام قلب الكتاب، حيث أنّه يحمل هذا العنوان …أكمل القراءة »

ميشيل أونفراي: نيتشه، حياة فلسفية.. كونوا بقـــراً!

6 يوليو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

بقلم: ميشيل أونفراي ترجمة: الحسن علاج لقد تفلسف نيتشه (Nietzsche) بالمطرقة في مستودع الخزف الصيني للفلسفة الغربية. وبالرغم من مجال الانهيارات، فإنه يوجد دائماً متشيعون لتلك الفلسفة المهيمنة، التي تكون الأولوية فيها للفكرة، التصور، التجريد أكثر مما تعطى لشبقية العالم. تفكر الفلسفة المؤسساتية في العالم أقل من تفكيرها في أفكار …

شاهد أيضاً

أندريه كانت سبونفيل: أوجه الشر

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة يُحكى أن أحدهم اشتكى لأبكتيتوس سرقة معطفه. فسأله ابكتيتوس : …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *