الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / سوسيولوجيا النوع: الأجساد المغربية نموذجا

سوسيولوجيا النوع: الأجساد المغربية نموذجا

رقية لكبير و أسامة البحري

رقية لكبير

1 :   الجندر/النوع الاجتماعي :

برز مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي بصورة واضحة في بداية السبعينات من القرن الماضي و من أوائل من حدد مفهوم النوع من وجهة نظر سوسيولوجية نسائية هي آن اوكلي التي ميزت بين الجنس و النوع ، فكلمة الجنس تحيل على الفوارق البيولوجية بين الذكور والإناث ، و إلى الفوارق الظاهرة بين الاعضاء الجنسية، و كذا إلى الفوارق في ارتباطها بالوظيفة الفيزيولوجية و الانجاب . أما النوع فهو معطى ثقافي يحيل على التصنيف الاجتماعي مذكر/مؤنث ، و تخلص اوكلي إلى القول بأن النوع الاجتماعي هو بمثابة الجنس الاجتماعي ¹ ، في هذا السياق نجد Antoinette Fouque التي اعتبرت أن مفهوم النوع الاجتماعي يعني مميزات الرجل و المرأة و هي مميزات تتصل بعلاقتهما الاجتماعية تحت تأثير عوامل اقتصادية و ثقافية و أيديولوجية تحدد ادورهما ، و ناقشت أيضا مسألة المساواة بين الجنسين في السياسات العامة الحكومية و غير الحكومية ، إذن إن الفروقات في الجنوسة أو بين الأنواع الاجتماعية ليس من الضروري نابع من الفروقات البيولوجية بين الذكر و الانثى إنما هي فروقات مترجمة عن نظرة المجتمع و الحضاره للنوع الاجتماعي بشكل أساسي و على التوقعات التي يبنيها المجتمع نفسه من النوع الاجتماعي الآنف ذكره . اي ان نظرة المجتمع و التوقعات الجندرية فيه هي التي تبني و تصمم مراحل تطور الذكر كرجل و الانثى كامرأة و هي نفسها التي تصمم الطبقية والمجتمعية القائمة على تفوق لصالح الرجل عن المرأة ، نظرا لإرتباط الفوارق الجنوسية ارتباطا وثيقا بالمسائل المتعلقة بالتفاوت و عدم المساواة و القوة في المجتمع فإن هذه القضية تستحوذ على اهتمام كثير من علماء الاجتماع . يضاف إلى ذلك أن التغيرات التي أحدثتها الحركات النسائية خلال العقود القليلة الماضية قد أدت إلى الاعتقاد لدى الكثيرين بأن أنماط التفاوت و اللامساواة الجنوسية إنما يجري إنتاجها و تعزيز وجودها بل و تحويلها من جانب المجتمع . و قد غادت الدراسات المتخصصة بشؤون الجنوسة و السلوك الجنسي من الموضوعات التي يكثر الإقبال عليها في العلوم الاجتماعية الحديثة ².

2 : التنشئة الاجتماعية و الجنوسة:

ماذا يعني أن يكون الإنسان رجلا ؟ و ماذا يعني أن يكون امرأة ؟ قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن يكون الإنسان رجلا أو امرأة أمر مرتبط بجنس الخصائص البيولوجية الجسدية التي ولدنا بها بمعنى أنه يتعلق بالتميز الجنسي بين الجنسين اي من خلال الوصف التشريحي . غير أنه في منظور علم الجنس السوسيولوجي أمر مختلف فالمرء يولد كائنا بيولوجيا و النظم و الأنساق الاجتماعية و الثقافية هي من تحوله إلى ماهي او هو عليه ، اي انه يولد ذكر أو أنثى ، و التنشئة الاجتماعية و التربية هي التي تحوله إلى إمرأة أو رجل ،  إن تصورنا عن الهوية الجنوسية، بل و عن الاتجاهات و التمثلات  و التصورات و التفاعلات و العلاقات و الميولات الجنسية تشكل جانبا أساسيا من شخصيتنا تبلور في مرحلة مبكرة جدا من حياتنا و أصبح راسخا في أعماق نفوسنا طيلة العمر ، فالجنوسة أو النوع الاجتماعي ليس أمرا مقدرا مند اللحظة التي نتكون فيها قبل تسعة أشهر من ولادتنا بل إنها أمر نسهم نحن في صنعه و تنميته خلال حياتنا اليومية عبر تفاعلنا الاجتماعي مع الآخرين فمن الوجهة الاجتماعية ننتج و نعيد إنتاج الجنوسة من خلال آلاف من الأفعال و الممارسات في الحياة اليومية³ ، إن طرحنا لهذه المسألة و بهذه الكيفية يحيلنا مباشرةً إلى إشكال جوهري لابد لنا أن نستحضره و هو نفس الإشكال الذي طرحته سيمون دي بوفوار في كتابها الشهير “الجنس الآخر”  حيث قالت « ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا : لمذا تكون المرأة الجنس الاخر؟ ينبغي لنا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية»⁴ ، في نفس السياق عند دي بوفوار ترى أنه لا يمكن لأي حدث بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي أن ينفرد بتحديد الشكل الذي ستتخده الانثى البشرية في قلب المجتمع، لكن مجموعة الظروف الحضارية هي التي تكون هذا المنتوج المتوسط بين الذكر و الخصي ، الذي نسبغ عليه صفة الأنوثة عند المرأة⁵.

3 : الجنوسة و البيولوجيا:

لكن رغم هذا التوجه فإن هذه المسألة تطرح نقاشات مغايرة فهناك اختلاف العلماء فيما بينهم حول الدرجة التي تتحكم فيها الخصائص البيولوجية التي نولد بها على شخصيتنا الجنوسية و أنشطتنا الجنسية بصورة قاطعة مطلقة و دائمة⁶ ، و في هذا الصدد تتحدث ميليسا هاينز في كتابها جنوسة الدماغ عن «فروق جنوسية gender differences» و «فرق جنسي» ،بحيث تعد فروق الجنوسة محددة اجتماعيا، في حين تقوم الفروق الجنسية على أسس بيولوجية، و تقول «أنه نظرا إلى محدودية معرفتنا بماهو محدد إجتماعيا أو بيولوجيا ؛ فإني اعتقد استحالة مثل هذا التمييز »⁷ . و تعتبر أن  الفروق السلوكية و الجنسية هي نتاج تفاعلات معقدة بين عدد من المؤثرات المتباينة ، يعتبر بعضها بيولوجيا و البعض الاخر اجتماعيا ، لكنها تستنج أخيرا أن التمييز بين المؤثرات البيولوجية و الاجتماعية هو أمر زائف نوعا ما، و تقول في هذا السياق « كل سلوكنا محكوم من قبل أدمغتنا ، و بهذا المعنى هو ذو أساس بيولوجي »⁸ ، يتضح اذن أن أصحاب هذا التوجه يعتبرون أن التكوين الجسمي البيولوجي للإنسان مثل ( الهرمونات و الكروموزومات و حجم الدماغ و المؤثرات الجينية هي المسؤولة عن فروق فطرية في سلوك الرجال والنساء⁹. حيث يعتبرون أصحاب هذا الرأي أنه يمكن ملاحظة هذه الاختلافات في مختلف الثقافات مما يعني أنه ثمة عوامل طبيعية تؤدي إلى اللامساواة بين الجنسين في جميع المجتمعات تقريبا  ، هكذا يتضح أن الدارسين في هذا السياق يعتبرون أن الفروق بين الرجال والنساء محدد جينيا ، لكن هذا التوجه يواجه الكثير من النقد ، ذلك أن النظريات القائمة على الاختلافات الطبيعية كثيرا ما تعتمد على البيانات التي تتوافر عن السلوك الحيواني -مثل التفوق في النزعة العدوانية- ؛ لا على البيانات الانثروبولوجية أو التاريخية عن السلوك الإنساني ، يضيف النقاد لهذه النظريات أن شيوع صفة ما في جميع المجتمعات لا يعني أنها بيولوجيا في أصولها، حيث أنها قد تنتج عن عوامل ثقافية متماثلة في تلك المجتمعات أو انشاءات اجتماعية متشابهة ، *على سبيل الختم* يمكن القول بأن وضعيات الرجال والنساء في المجتمع ليست نتاج بيولوجي أو لها علاقة بالفروق الطبيعية و إنما هي عبارة عن انشاءات اجتماعية لها علاقة بالأساس بالتنشئة الاجتماعية و العوامل الثقافية ، فيمكن أن نشير في هذا السياق إلى الحديث عن التقسيم الجنسي للعمل أو التقسيم الاجتماعي للعمل بين الجنسين هذا التقسيم الذي يتضح انه لا يترجم التكامل بين المهام بقدر ما يترجم السلطة التي تمارس على النساء و كل انواع القهر و الإقصاء و التهميش الذي تعانيه المرأة داخل المجتمع ، حيث أنه يتضمن نوع من الأولوية بين الرجال و دائرة الإنتاج ، بينما يحصر النساء في دائرة إعادة الإنتاج . هذا يتضح من خلال مبدأي هذا التقسيم ؛ مبدأ الفصل  حيث هناك أعمال خاصة بالرجال و أخرى خاصة بالنساء ، و مبدأ التراتبية فنجد أن أعمال الرجال لها قيمة أكثر من أعمال النساء ، هذه المفارقة التي تبدو في أغلبية المجتمعات إلى درجة يبدو فيها هذين المبدأين أمر طبيعي وا صالح لكل المجتمعات هذه الأيديولوجيا التي تحيل إلى أن الأمر بديهي ، نجد أن الواقع التاريخي و الأبحاث الانثروبولوجية تثبت العكس و توضح أن التقسيم الجنسي للعمل ليس ثابتاً أو جامداً أو طبيعياً ، هذا لأن تقسيم العمل بين الجنسين يتغير تبعا للتغير الزمان و المكان ، الوقائع التاريخية و الدراسات الانثروبولوجية تظهر ذلك و تعر لنا الواقع فمثلا المهام التي تعتبر أنثوية في مجتمع ما يمكن أن تعتبر ذكورية في مجتمع آخر و يمكن الإشارة بالأعمال الرائدة ل *مارغريت ميد* و من أهم ابحاث ميد في هذا المجال هو ذلك الذي قادها إلى أوقيانوسيا حيث تعرفت على ثلاث مجتمعات في غينيا الجديدة هي مجتمع الأرابش و مجتمع الموندوغومور و مجتمع الشامبويلي { ميد 1935 } و من خلال هذه الحالات الثلاث بينت أن الشخصيتين المذكرة و المؤنثة اللتين نظن أنهما موجودتان في العالم كله و أنهما ميزتان بيولوجيتان ، لا وجود لهما كما نتصورهما في المجتمعات كلها ، فبعض المجتمعات تتمتع بمنظومة تربوية واجتماعية وثقافية لا تهتم بمقابلة الصبيان بالبنات على مستوى الشخصية ، فعند الارابش يبدو كل شيء منظما مند الطفولة الاولى حيث يربى كل من الرجل و المرأة على أن يكونا لطيفين و حساسين و محبين لخدمة الآخرين ، فهذا المجتمع يدلل الطفل دون تمييز بين الجنسين . بينما عند الموندوغومور فإن نتيجة المنظومة التربوية و التنشئة الاجتماعية تؤدي إلى التنافس و الصراع و العدوانية سواء بين الرجال أو بين النساء أو بين الجنسين ، فهذا المجتمع يربي أطفاله بطريقة قاسية ، يتضح أن هذين المجتمعان ينتجان من خلال منهجهما الثقافي نموذجين متناقضين من الشخصية في الجنوسة ، لكنهما يشتركان في نقطة واحدة ، و هي أنهما لا بميزان بين علم النفس الأنثوي و علم النفس الذكري ، فالبنسبة للأرابش يبدون ذكرا ام انثى يتمتعون بشخصية أنثوية ، أما الموندوغوموريون فيتمتعون بشخصية ذكورية .أما المجتمع الثالث الشامبوليين فيفكرون مثلنا أي أن الرجال والنساء يختلفون ، لكن هذا المجتمع يختلف عنا في قناعتهم حول أن المرأة بطبيعتها هي صاحبة المبادرة و الديناميكية بمعنى أنها تتميز بالقوة و السلطة ، بينما الرجل فهو حساس و أقل ثقة في نفسه يهتم كثيرا بالمظهره الخارجي. و السبب هو أن الشعب الشامبولي يرى أن النساء هن من يمسك بالسلطة الاقتصادية و تأمين الأساسيات لحياة الجماعة ، بينما يتوجه الرجال أساسا إلى النشاطات الاحتفالية و الجمالية التي غالبا ما تضعهم في وضعية منافسة .و بالتالي ترى ميد أن سمات الشخصية التي نصفها بالذكورة و الأنوثة تحدد بالجنس و الطريقة السطحية كالملابس و اشكال التصرف و قصة الشعر التي تفرض على هذا الجنس او ذاك ، هكذا يتضح أنه لا يمكن تفسير الشخصية الفردية بخواصها البيولوجية بل بالنموذج الثقافي الخاص بالمجتمع الذي يحدد تربية الطفل مند اللحظات الأولى ،حيث أن سؤال هل يختلف الرجال والنساء فعلا ؟ يطرح  مستويات عديدة يسهل الخلط بينها لكن البحوث الانثروبولوجية و السوسيولوجية التي أجرتها مارغريت ميد تشير إلى أن الجنوسة بنية ثقافية ،

أسامة البحري

4 : لأجساد المغربية

 فمن خلال ما تم عرضه أعلاه ، يمكننا القول بأن الجسد هو منتوج ثقافي صرف ، يخضع لبناء لغوي و معنوي هو في الاصل نتاج انساني لكنه عبر قوة تكراره يحسب أنه طبيعي ، و من بين أساسيات التحكم في الجسد ، نجد الملفوظات الثقافية و الخطاب المنظم ، فهي : كلمات تاريخية ، و تمثلات ، تمخضت عن إحتكاك أفراد جماعة معينة بطبيعتهم  ، و قد  أدى إلى ظهور تأويلات ثقافية – اجتماعية  حول الكون و حول الجنسين بالخصوص ” انثى / ذكر”  ، و بهذا فحينما نستشف نظام الملفوظات بدول العالم الثالث ، سنجد أن نظام التقسيم الجنسي المغربي، يميل الى الذكرورة  بقوة ، ولذلك نجد في نظام الأشياء مثلا ان ” الأعضاء الجنسية الذكورية ، مناظرة تماما لمعدات و آلات 9″ ، فحينما نتفقد تقسيم الأشياء بالمنازل المغربية ، نجد “(التلفازة : أنثى => جهاز التحكم عن بعد : ذكوري / بيت الجلوس ، بيت النعاس : ذكورية =>الناموسية : أنثوية / الكوزينة ، الثلاجة : أنثوية )” هذا بالنسبة الى تقسيم الأشياء أو الموضوعات و أثرها في تقسيم الأدوار بالمنزل ، و من زاوية : تقسيم الأدوار الإجتماعية نجد “مول الدار : الذكر / عمارة الدار : أنثى )” ، بمعنى أن الأنثى في المخيال المغربي ، من خلال تقسيم الأشياء و الأدوار الماثلة أمامنا ، هي شيء ثانوي يملأ إطار “مول الدار” أي الذكر ، أماالانثى فهي ممتلك  من ملكياته الرمزية/الخاصة  ، المخصصة للذكر ، و بهذا التدخل للتاريخ الثقافي استنادا بمشروعية السلطة ، يصبح للذهن استعداد (لأنه و بكل بساطة تشتغل السلطة في استمرار ، بكواليس الإجتماعي : ماوراء المجتمع ، على جعل سيناريو استراتيجيتهم يبدوا للأذهان المستلبة و المدجنة واقعا طبيعيا ) و بذلك يصبح “اللاشعور – السوسيو – ذهني : الشعور اللامرئي الذي اكتسبه الذهن في مجتمعه ” يخلق في استمرار استعدادا يجعل من الأنثى تحسب أنها محتوى يدخل في اطار الذكر ، و ان الذكر إطار يؤطر الانثى و بناته و ابناءه و أفراد المجتمع ، و بما أن الأتثى اذن : محتوى للإطار الذكوري ، فإن المحتوى في شروط المعرفة الكوسمولوجية / الكونية يتغير ، بتغير حجم الإطار ، و هذا ما يفسر لنا فكرة الخضوع الذي تقوم به الأنثى اتجاه الذكر المغربي ، فخطابات ” خليه هو يبدا و يوريك فليلة الدخلة ”  “ديري ليه ليبغاه هو ما تقولي نتي والو ” ” حزريه راه الخيمة ديالك هداك ” .. ، يبين لنا ببداهة ، أن الإمتدادات التي تقوم بها الأنثى (محتوى )  كلما اتسع إطار الذكر في السلوكات التي يحاول دائما الهيمنة عليها ، أو تقلصاتها داخل الإطار حينما يحتم عليها التعدد أو يفرض عليها بالقهر الثقافي الطبخ و القيام بأعمال ثانوية كما يسلم بورديو أشد ثقلا من أعمال الرجل ” كنساءالباديات مثلا” و بهذا فيتبين لنا من خلال هذا التفكيك أن سلوكات الاجساد هو صوت ثقافي و اجتماعي يعكس لنا  استراتيجيات السلطة التي تفتح أفقها أمام الذكر ، من أجل تلذذه بسلطة مكانه ، بدل تلذذ الجنسين بالمعرفة و الحقوق الطبيعية

5 : الجسد الأنثوي و الذكوري ، بين المجتمع و السلطة :

يرى بورديو في هذا الصدد ، أن النظام الطبيعي ، يشرع للجسد الذكوري عبر قضيبه الذي يتدلى و ينتفخ ، هيمنة تميزه عن الجسد الأنثوي ، بكون الجسد الأنثوي  يفتقر إلى أجساد متحكم فيها ، و قد ساهمت هذه المفارقة paradoxe حسب بورديو في خلق تمثلات تمخضت عنها ملفوظات و خطابات منظمة ، تعرف داخل الإطار الإجتماعي بالمعتقد doxa ، فهذه التمثلات المجردة  أو بتعبير فوكو “شرطة الملفوظات *” ، هي من قسمت الأدوار و الأشياء ، فجعلت بذلك في الإجتماعي نظاما و استعدادا ثقافيا ، تلعب به السلطة لعبة الهيمنة الذهنية و الجسدية خلف الواقع الإجتماعي (بكواليس المجتمع) ،  و لهذا ف”انتظامات النظام الفيزيائي : البيولوجي ، و النظام الإجتماعي : الثقافي ، تفرض و ترسخ الإستعدادات ، و تستبعد النساء عن المهمات الأكثر نبلا ، و تخصص لهن أماكن سفلية ، و تعلم كيفية التعاطي مع أجسادهن منحنيات ، و الذراعان مطويتان الى الصدر أمام الرجال المحترمين ، و تخصصن لمهمات حقيرة كنقل سماد النعام 8″ و بهذا ، فإن الغاية الأسمى من الجسد بكونه ثلة من السلوكات ، هو أن يتحد مع ذهنه المحشو بالصور – ذهنية – إجتماعية او بالتمثلات السوسيو ثقافية ، و لهذا فمادامت السلطة تحيط بالذهن من كل المواضع في طفولته ، فإنها تصبح كما يسلم ميشال فوكو داخل ذهنه ، من أجل قيامه بدور مراقبة الأفراد و الدفاع عن الثقافة التي تخدم السلطة ، فإذا كان الذهن في طفولته يستمتع بالطقوس المخطط لها ك”الأعياد / الصلاة / الأشكال الثقافية / الروائح الثقافية / الأغذية الثقافية ” ، فإن هذه المبادئ لفيفا متجزئ الأبعاد بالجسد  ، محققة بذلك إعادة لطاقة ماض مزمن، و لهذا فحينما يدرك الجسد عبر حواسه امثيرا إجتماعيا، كصوت الآذان بالشارع ، أو رائحة أكلة ثقافية ك”الحريرة مثلا” ، أو ذوفق طعم “كالشاي” أو لون كألوان الشرطة (احمر / اخضر) ، أو يرى شكل المنزل الرباعي او المستطيل ، أو الآيات القرآنية صوتا و كتابة ، فإن كل هذه المثيرات تنعش الماضي ، مما يؤدي الى تجديد أو اعادة طاقة الانسان الآلي أو المدجن ، فدور هذه الأجزاء هو إنعاش  الصور الذهنية الإجتماعية داخل الدماغ في اسمرار حيوي  ، و هذا ما يؤدي الى التحكم في السلوكات و جعلها انضباطات إجتماعية  ، فالصور السوسيو ذهنية اذن، هي مبادئ نكتسبها من الخارج و بفعلها نخلق صورا ذهنية نتوهم أنها من إبداعنا و لكنها في الأصل هي انقسام عن المبادئ الأولى ، و بهذا فانني افترض أن السلطة هي من تنقسم و تتفرع داخل دماغ و جسد الانسان،ة ، و لذلك فحينما تدخل الأنثى إلى منزلها ، فإن السلطة هي من تستدير بها عبر عباراتها  الموجودة بكل جزء من المنزل ،  و التي تعيد احياء الصور السوسيو ذهنية في استمرار (الكوزينة / الثلاجة / الناموسية / التفازة / الأفلام الأجنبية المدبلجة بألفاظ الثقافة العربية ، و التي تخلق أجسادا منفصمة ، بسبب دفاعها عن الحرية و اللاحرية: الممثلات = متحررات ، الممثلين : متحررين _ اللغة : ثقافية -ذكورية ) ، و بالنسبة للذكر المستعد ثقافيا للخروج الى الطبيعة ، فإن السلطة تستدير به أيضا باشكالها “(انتصاب اعلى البناية التي تدافع على ذكورته المنمطة ، الاصوات الثقافية و المعاني الثقافية التي تغذي التسلسل المتبقي من الثقافة ، فمثلا حينما يسمع الذهن سأزوج ابنتي فإنه يعيد في الوقت ذاته طاقة جل الالفاظ الذكورية و الانثوية السلبية ، و عبر هذا اللاوعي الإجتماعي يحفز الذكر على دوره في الإستمرارية (إستمرارية قهر الأنثى من أجل الإمتثال لصوت الذكر / حشو الذكر الناشئ من أجل تجسيد دور المراقب الرمزي للثقافة خارج المنزل و داخله ) و بهذا فإن الأفراد يشتغلون في استمرار مع السلطة ، فحينما تسمع الأجساد صوت الآذان ، فإن كل مكونات الماضي تتفاعل ، فتحرك بذلك سلوكات الطقوس اليومية للأجساد ( الحفظ بدون فهم / سلطوية التدريس و التلقين بالضرب : الإمام = المدرس = العصى : لا تتكلم كثيرا ) (الأشكال المحيطة بالأجساد: صور الأنترنت الموجه للشابات ، الشباب من أجل تفادي خاصية الاستعداد للنقد ، الموجودة قبليا مع شروط المعرفة * ، و لهذا فمادامت الأم لها عبر التنشئة الاجتماعية استعداد لتدجين ابنتها على الخضوع ، و الاب له استعداد لتدجين ابنه على الهيمنة ، فإن السلطة المدجنة من طرف كواليس أنظمة أخرى ، لها وجود مسبق على تدجين الجنسين معا ، فالسلطة كما ينعتها فوكو موجودة في كل مكان (بالحائط و بالذوق و بكل سلوك معقد و بسيط ) ، ففي هذا الصدد نجد أن بسنة 1964 ،  ظهر علم “الحفاظ على التراث الثقافي ” بأوروبا ، و أصبح الآن من بين القوانين الأساسية بكل مجتمع ، ترعاه في استمرارية اليونيسكو و البنك الدولي و غيرها من المؤسسات العالمية ، فالغاية الأسمى منه هو ترميم البنايات القديمة داخل المجتمعات ، و الحفاظ أيضا على جل الألفاظ الثقافية التي تخص الجماعة ، و لكن كما يتضح لنا في سياق تحليلنا ، الغاية الأسمى من هذا العلم هو تطويق الإنسان المدجن و الآلي داخل درجة تفكيره لأننا حينما نتكلم عن بناية قديمة ، فإننا نتكلم عن خطاب عاصرها ، يعبر عن درجة تفكير معينة ، و إذا ما أردنا أن نقارن بين درجة الفكر العربي الذي حصرت خطاباته الثقافية ، خلف الأسوار و المعمارات المؤدلجة  لعلم الحفاظ على التراث العالمي  ، مع تماثيل الفلاسفة داخل المجتمعات الغربية ، فإنه سيتبين لنا الفرق الشاسع بين النظامين الإجتماعيين .

6 : البناء الإجتماعي للأجساد

تختلف كما نعلم ، الطريقة التي بها يجنس الذهن و يبنى بها الجسد ، فإذا كان الذكر كما يسلم بورديو ، يتم إخراجه من العالم الأنثوي “المنزل ” منذ طفولته ، و يتم ادماجه في العالم الذكوري (السوق) (المقهى ) (الحرية في التجوال بين كل أحياء المدينة ) ، فإن الأنثى  يفرض عليها منذ طفولتها عدم الإبتعاد عن عتبة المنزل ، ثم “تعلم اللبس و اختيار مختلف الألبسة المناسبة لمختلف حالاتها المتعاقبة : طفلة صغيرة ، عذراء ، بالغة ، زوجة ثم ربة بيت ، فتكتسب شيئا فشيئا بالمحاكاة اللاواعية بقدر الطاعة العلنية ، الطريقة الأفضل لربط حزامها (اللباس الطويل ) ، تغطية شعرها ، تحريك او تثبيت هذا الجزء او ذاك من جسدها في السير أو عرض الوجه أو تصويب النظر 10 ”  ، فلكل منطقة من الجسد ، صورة سوسيو ذهنية أو معنى إبستيميه- سوسيو ثقافي  مهيأ ليتحكم في سلوكاتها ” الرحم هو شرفك افترض بذلك  ان هذه العبارة تتحول الى لباس يغطي الرحم باحكام و ان تم انتزاع الغطاء فان الجملة الثقافية التي تحولت الى معنى متأصل بذهن الجسد يلتبس أعضاء الجسد باكنله ليصبح جسدا يقاوم من أجل الجملة المترسخة بذهن الجسد”    و لذلك فبفعل اتحاد كل هذه الصور – الذهنية – اجتماعية يتكون منتوج الانسان الثقافي ، الذي يتميز بنمط من اللباس و طريقة في العيش ، فحينما نتكلم على اللباس الطويل المخصص للأنثى ، فإننا نتكلم عن رموز ثقافية و غايات تشرعها السلطة ، كالأنثى كائن سلبي و كسول – يحمل كنزا ثقافيا : الرحم و يصاب بالدورة الشهرية ، مما يعطينا معنى ثافي مصاحب بلباس طويل ، و هذا الاتحاد بين معنى ثقافي و لباس و طريقة سلوك مادية هي التي نعتناها بااصورة السوسيو ذهنية التي تلتبس جسد الإنسان،ة ، و لذلك فإن هذه الصور السوسيو ذهنية هي عبارة عن نسق عامي و شمولي ، و هي ذاتها التي نعتها دوركهايم بالوعي الجمعي ، فهي قوة قهرية مترسخة هابيتوسا في بالأذهان و متطبعة خارجيا بجل الجسد الإجتماعي ، و بذلك يمكننا القول أن هذه الصور السوسيو ذهنية أو أفكار المجتمع الثقافية تصطبغ إجتماعيا بكل ما هو جديد به ، فمثلا نجد أن السراويل المعاصرة المخصصة للاناث بأشكالها التي تظهر الخاصرة قد اصطبغت بثقافة المجتمع ، فعبر تفكيك لي لما جمعته من تفسيرات للحزام الذي تحمله الانثى المغربية في استمرار فوق البطن . تبين لي أنها تعني رمزيا ” إن رحمي ليس لي ” لأنه كما برهنت تصريحات المبحوثات حمل السروال يميل الى الوراء و ليس الى الامام بكون الخاصرة غير مقدسة كما يقدس الرحم  ، و بذلك فإن الهوية الجنسية و النوعية للجسد هي مرآة لبنية الأنساق المعنوية التي تكررت امام الذهن و بذلك فإن تكرار التوجيهات الجسدية ، يعاد إنتاجها في استمرار ،و باستدارتها المستمرة هذه ، يقع كما سلم بورديو “إشباع ” ، فيصبح بذلك الذهن غير مستعد لفقدان الصور الذهنية الإجتماعية ، لأنه بفعلها يرى الذهن الوجود ، و بفعلها يجيب على كل مثير يثار في الواقع الاجتماعي ، و بفعل التوافق بين السلطة و الماضي و الحاضر داخل ذهن الجسد ، تفتح عوالم البناء الداخلي ،  بذلك يقوم الذهن مباشرة بدمج كل محتويات الصور الذهنية اجتماعية مع كل اطار حاضراتي ” طعم اكل جديد / لباس معاصر / ايقاع موسيقي / كتاب ..” و بذلك تكون الدلالات الجسدية الرمزية ، قد هيمنة على صوت العولمة ، فمادامت السلطة بماوراء كواليس الاجتماعي ، تشتغل على خلق الجسد  الماضوي المدجن ، فان الذهن يسقط ماضيه بكل ما هو جديد ، و في هذا الصدد سلم بورديو استنادا بميشال بوزون ، انه بعد تطبع الأذهان ثقافيا (الاشباع) ، يبتعد بذلك الذهن عن كل سلوك معقد ، فحينما سنعطي للمجتمع الذكوري ” الإنطباع بأن المرأة هي التي ستهيمن ، فهذا سيحط منها إجتماعيا ، و بذلك ستشعر أنها منقوصة أمام رجل منقوص 12 ” ، و لهذا يمكننا القول أن الحدود المفروضة سوسيو – ثقافيا ، بفعل تفاعلها مع الصور ذهنية اجتماعية ، تبعد الجسد الذي يجب ان يكون عن اطاره الاجتماعي الذي يجب ان يتموضع فيه ، و لذلك فإن التفاعل الإجتماعي الذي يدور بين الجسد المهيمن ، و الجسد المهيمن عليه ، هو في الاصل تسلسل من السلوكات المنظمة ، المنعكسة عن الصور السوسيو ذهنية ، فهذه الأخيرة تتحكم في نسق الصور الذهنية التي تتحكم في كل عضو من الجسد ( عدم تقبيل الذكر زميلته أو جارته ، هذه صورة ذهنية متمخضة عن صورة ذهنية اجتماعية ، كالتقاء الذكر بالانثى حرام ، عدم إطالة الإمساك باليدين : صورة ذهنية تتحكم فيها صورة سوسيوذهنية : كالاقتراب بين الاجساد عيب و “حشومة” ، و لهذا فكل صورة سوسيو- ذهنية تضم تسلسلا من الصور الذهنية ، فالأولى هي نتاج بناء ثقافي / اجتماعي تشرعه السلطة ، أما الثامنية “الصور الذهنية ” فهي فردية بامتياز ، تتمخض على شكل الصورة الذهنية الاجتماعية ، و بذلك فالأولى هي من تتحكم في ديناميكية الباقي ، فحينما تثار رغبة جسدية ، فإن الذهن يطابق الصورة – الذهنية الاجتماعية مع دائرة المحيط ، و حينما تتطابق أجزاء الصورة السوسيو ذهنية ، مع اجزاء دائرة المحيط ، فان الصور الذهنية تتتابع فتتمخض بذلك سلوكات إجتماعية بامتياز ، فقبل ان تمارس شابة و شاب الجنس الفمي بالشوارع المغربية ، فإنهم يبحثون عن مكان يتطابق مع صورتهم الإجتماعية “ابتعد عنا و مارس ما تريد” ، و بمجرد توافق الصورة الاولى مع محيط معين ، تتسلسل الصور الذهنية ” الاقتراب اكثر ” / ” عدم وضع اليد على الرحم ” … ، و بهذا فإن الصورة الذهنية الإجتماعية ، هي : ثقافية و ليست طبيعية ، فبفعلها يخلق الانسان الآلي و المدجن ، و بتكرارها الرمزي ، يمارس على الجسد عنفا رمزيا ، كما سلم بورديو ، ف”العنف الرمزي لا يتحقق إلا من خلال فعل معرفة و جهل عملي يمارس من جانب الوعي و الإرادة و يمنح سلطته المنومة إلى كل تظاهراته و إيعازاته و إغراءاته و تهديداته و مآخذه و أوامر دعوته إلى الإنضباط 13″

*المراجع:*

1 : آن اوكلي “الجنس ،النوع ،المجتمع”1978

2 : انتوني غدنز “علم الاجتماع” ترجمة و تقديم:الدكتور فايز الصياغ، الطبعة الرابعة ،2005 ، ص 186

3 : أنتوني غدنز نفس المرجع، ص 185

4 : سيمون دي بوفوار “الجنس الاخر” ص 21

5 : سيمون دي بوفوار ،نفس المرجع،  ص 20

6 : أنتوني غدنز ،نفس المرجع، ص 186

7 : ميليسا هاينز “جنوسة الدماغ” 2008 ،ص23

8 : ميليسا هاينز ،نفس المرجع، ص 23

9 : أنتوني غدنز ،نفس المرجع، ص 187

  1. : ليندا جين شيفرد “أنثوية العلم” ،ترجمة يمنى طريف الخولي ,2004 ص 27
  2. : بيار بورديو – الهيمنة الذكورية – ص 47

12: بيار بورديو – الهيمنة الذكورية – ص : 63

13: المرجع ذاته – ص : 73

  • ·        : ميشال فوكو – تاريخ الجنسانية – الجزء الأول – ص : 5
  • ·        : المرجع ذاته – ص : 7

شاهد أيضاً

أن تكون وجودياً في المزاج

كه يلان مُحمد كه يلان محمد لازم مفهوم الوجودية مشروع جان بول سارتر الفكري وحيثيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *