الرئيسية / منتخبات / تغطية / الكُونْتِيسَة.. أو عَيْشَة قَنْدِيشَة

الكُونْتِيسَة.. أو عَيْشَة قَنْدِيشَة

محمد بدازي

محمد بدازي – المغرب

يُلاحظُ المُتتبّع للشّأنِ الأدبيِّ في المغرب، ظهورَ أقلام أدبية صاعدة، سواءٌ في القصة أو الرواية أو الشعر، وتميّزها في الساحة الأدبية العربية. ومُسايرة لهذا التميُّز والإشعاع الأدبي المغربي، لا بد لنا، نحن المُهتمون، من إيلاء تلك الأقلام الاهتمام الذي تستحق: بقراءتها أولا، والتعليق عليها ومناقشتها ثانيا. في هذا الإطار، نقدم للقراء الكرام حوارات مع بعض الكتاب المغاربة وقراءات لأعمالهم الإبداعية، لعل ذلك يساهم، ولو بقليلٍ، في التعريف بتجربتهم والتشجيع على قراءة نصوصهم.

وفي ما يلي قراءتنا لرواية “الكُونْتِيسَة” لصاحبها الكاتب المغربي الشّاب مصطفى الحمداوي[1].

آمن المغاربة قديما، كما يُؤمنون اليوم، بعديد المعتقدات ذات الطابع الأسطوري-الخُرافي، كإيمانهم -مثلا- بوجود “عَيْشَة قَنْدِيشَة”. فمن هي “عَيْشَة قَنْدِيشَة” هاته؟ وما مدى صحة وجودها؟ هل هي حقيقة أم مجرد خرافة صَدّقها الناس؟ وماهي أسباب انتشارها؟

يُقال إن “عَيْشَة قَنْدِيشَة” هي، كما يُخبرنا بذلك مصطفى الحمداوي في مقدمة الرواية، “امرأة مغربية قُتل زوجها على يد الاستعمار البرتغالي، في الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر؛ فقررت الانتقام، وصارت مُقاوِمة شرسة له”. أو إنها –يضيف الحمداوي- “جِنيّة بجسد أنثى فاتنة، وبحافرَيْ بقرة أو فرس، تغوي الرجال بجمالها، وتتخذ من الغابات والجبال […] مسكنا لها”. هذا وتُعْرف “عَيْشَة قَنْدِيشَة” في الثقافة المغربية بِتَسميات أخرى منها: “عَيْشة مُولات المَرْجَة” و”لالة عَيشة” و”عيشة الكْنَاوية” و”سيدة المُستنقعات”…

بصرف النظر عن حقيقة وجود هذه المرأة-الجِنية من عدمِه، فإن جُل المغاربة –بِلا شك- يؤمنون بوجودها، سواء بِصفتِها الإِنْسية أو الجِنّية. ولعل أحداث رواية “الكُونْتيِسَة” ما يؤكد هذا الأمر. فالأخيرة تحكي قصة مجموعة من الشخصيات، تُعَدُّ “عَيْشَة قَنْدِيشَة” الرابط الذي يجمعهم، سواء من بعيد، أيْ كون “عَيْشَة قَنْدِيشَة” مجرد فكرة يؤمنون بها دون أن يُصادفونها، أو من قريب، وذلك بِ”رؤيتِهِم” لها. فسارد القصة وبطلها مثلا، تلتقيه ليلاً في إحدى الطّرق بعد عودته من العمل فيُغرم بها، لكن دون أن يعرف هل هي من الجن أم الإنس؟ أما شخصية الموسيقي، فتخرج له من إطارِ لوحةٍ رسمها صديقٌ له، فيهجر بلده هروبا منها لأنه رفض أن يتزوجها، في حين أن الشيخ، صاحب الحانة التي يرتادها أغلب شخصيات الرواية، يقضي جل عمره في انتظار ظهورها بعد أن اختفت وهي شابة!

تَتَضاربُ الأفكار حول صحة وجود “عَيْشَة قَنْدِيشَة” داخل الرواية، وذلك عبر تسلسلٍ مُشوقٍ للأحداث، لكن مصطفى الحمداوي يحاول أن ينتصر لمنطق العقل (إنْ كان له منطق)، أي أن يعتبرها مجرد أوهام صَدّقناها نتيجة تداولنا المُفرط لها. يقول الحمداوي في حوارٍ لنا معه حول الموضوع: “صحيح، هذا ما حاولت أن أصل إليه، ولكن المتتبع لمسار الأحداث في الرواية سيجد أن الوصول إلى مثل تلك النتيجة هو أمر صعب وسط مجتمع تغلغلت فيه هذه القناعات. ولعل صعوبة الأمر تتجلى في كون الأسطورة تملك أدوات أكثر للاستمرار والبقاء وترسيخ ذاتها في المِخيال الجَمعي المغربي. غير أن التحدي الأكبر الذي نواجهه هو في كيفية إزاحة أو نزع القدسية عن مثل هكذا أساطير لا تتوافق مع العقل.. طالما وُظفت الأسطورة في ثقافات غربية توظيفاً إيجابيا يخدم العقل والفن والإبداع، عكس الحال عندنا، إذ أن الثابت هو أَسْطَرة الواقع، وجعل الأحداث الغامضة التي لا يستطيع العقل تفسيرها تفسيراً واقعيا، تصبح أساطيرا تحكم عقلنا الظاهر والباطن، وقد تتجلى  إحدى إشكاليات عدم تطور أفكارنا، ومواجهة المعضلات الكثيرة التي تواجهنا في الحياة بعقلانية وبمنطق، هي ارتباطنا بكل ما هو مقدس شكلياً، لأن الأسطورة تطال المقدس في الغالب، ومنهُ تستمد شرعيتها، ومن هنا جاءت الرواية في آخر فصولها لتحاول إبعاد الفكر الأسطوري من واقعنا، وجعله مرجعاً للفن والابتكار والإبداع”.

سواء اعتُبرت “عَيْشَة قَنْدِيشَة” حقيقة أم مجرد خرافة، فإننا لا ننكر انتشارها في وعي الناس، ولعل هذا الانتشار لهذه المرأة-الجنية يعود –في نظرنا- إلى مستوى وعي أفراد المجتمع، وإلى كون ثقافتنا المغربية قائمة على الحكي الشفهي الخرافي أكثر من قيامها على الفكر العقلاني. فقد دأب أجدادنا، خاصة في ظل غياب الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، على سرد قصص ذات طابع خرافي من أجل تمضية أوقاتهم، ولم تكن هذه القصص سوى عن الجن أو بركة بعض الأولياء الصالحين أو قُدْسية هذا المكان أو ذاك أو بطولاتهم في هزم المُستعمِر أو الكافر… يقول في هذا السياق صاحب “الكُونْتِيسَة”، إن “أسباب انتشار المعتقدات ذات الصلة الوثيقة بالأسطورة عادي وطبيعي، ولكن ما هو غير عادي وطبيعي أن تستمر هذه الأساطير فارضة وجودها علينا، ومعششة في عقول مجتمعاتنا، وكما قلتُ، من هنا جاءت -في الرواية- ضرورة محاولة إزاحة القدسية على كل ما هو “مؤسطر”، سواء في المعتقد أو في التقاليد أو في الحياة الاجتماعية”.

إذن، فرغم وعي الناس، فوجود الأسطورة باقٍ، بل إن الأخيرة قد تنتصر أحيانا على العقل والمنطق. فشخصيات الرواية مثلا، رغم وعيها (مهندس، موسيقي، رسام…) إلا أنها آمنت بفكرة “عيشة قنديشة”! هنا يُطرح السؤال: هل يمكن للأسطورة أن تتغلب على العقل والمنطق؟ يجيبنا مصطفى الحمداوي قائلا: “نعم، يمكنني أن أجازف بهذا الرأي بسهولة، لأننا نعيش ونلمس هذا الوضع في الواقع، إن طغيان الأسطورة على العقل في مجتمعنا موجود على نحو مثير للدهشة. إنني أعتبر بغير مجازفة أن سبب تخلفنا يرجع بالأساس إلى كون الأسطورة، بمختلف تمظهراتها، هي الغالبة على العقل والمنطق، وللأسف نحن مجتمع الإجابة الجاهزة، وبالتالي عندما نصطدم بأي شيء غير مألوف، نفسره بالعفاريت أو الغيبيات التي تسيطر على الوعي العام لأسباب مختلفة لعل أهمها الفهم الخاطئ للدين”.

في الأخير، نقول إن قارئ رواية “الكونتيسة”، يمكن أن يخرج بعديد الأفكار، منها أنه للخرافة قدرة على الانتشار والتأثير في وعي الناس داخل مجتمعنا المغربي مقارنة بالفكر العقلاني المنطقي. ففكرة “عَيْشَة قَنْدِيشَة” رغم أنها ظهرت في زمن قديم، لا زال الناس يؤمنون بها وسيؤمنون بها كما تؤكد أحداث الرواية، ذلك أننا مجتمع يقوم –كما أسلفنا الذكر- على الحكي والسمع أكثر من قيامه على البحث والتدقيق في كتب التاريخ.


[1]  صادرة عن الفاصلة للنشر سنة 2019.

محمد شكري من طفلٍ يقتاتُ على النّفايات إلى كاتبٍ عالمي

31 يناير 2020 أخرىمجلاتنصوص 0

محمد بدازي محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com “قل كلمتكَ قبل أن تموت فإنها، حتما، ستعرف طريقها. لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تُشعل عاطفةً أو حزنا أو نزوة غافية.” (الخبز الحافي ص 4) يدعونا هنا محمد شكري، من خلال هذا المُقتطف القصير من الخبز الحافي، إلى القَول، …أكمل القراءة »

العرضَ ما قَبل الأوّل[1].. حتى لا ننسى

21 مايو 2020 تغطيةكتبمتابعات 0

محمد بدازي محمد بدازي تبدأ قصة الرواية بعودة “البطل” كمال من باريس إلى طنجة سنة 2018 بعد خبر احتضار والده. يتوفى الوالد ويعود كمال إلى البيت الذي كان يسكنه الوالد لوحده بعدما توفيت أم كمال. من داخل البيت، نعرف من كمال أن والده كان قاسيا معه ومع أمه، صعب المزاج… …أكمل القراءة »

حول تجربة الكتابة: حوار مع الكاتب عبد المجيد سباطة

30 أبريل 2020 حواراتكتبمتابعات 0

حاوره محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب محمد بدازي – المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com يُلاحظُ المُتتبّع للشّأنِ الأدبيِّ في المغرب، ظهورَ أقلام أدبية صاعدة، سواءٌ في القصة أو الرواية أو الشعر، وتميّزها في الساحة الأدبية العربية. ومُسايرة لهذا التميُّز والإشعاع الأدبي المغربي، لا بد لنا، نحن المُهتمون، من إيلاء تلك الأقلام الاهتمام الذي …أكمل القراءة »

الخُلوة والحَنين والحُلم في رِواية “ثورة المُريدين”

24 أبريل 2020 أخرىكتبمساهمات 0

محمد بدازي – المغرب محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com في البَدءِ كانت الخُلوة تُقرّر الذّات في لحظةٍ ما من لحظاتِ عُمرِها (حياتها)، وذلك لأسبابٍ متعددة، الاختلاء بنفسها. وقد يكون السّببُ –كما هو حال السّارد في رواية ثورة المريدين- هو الرغبة في عودةِ الذات إلى ذاتها ومراجعة قراراتِها واختياراتها. إنها …أكمل القراءة »

المغاربة.. من له الحق في الكلام باسمنا؟

16 أبريل 2020 أخرىكتبمقالات 0

محمد بدازي – المغرب محمد بدازي أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com المغاربة، هي رواية للكاتب المغربي عبد الكريم جويطي، صادرة عن المركز الثقافي العربي سنة 2016، ويصل عدد صفحاتها حوالي 400 صفحة. فازت بجائزة المغرب للكتاب صنف السرديات سنةً بعد صدروها، كما وصلت إلى اللائحة الطويلة لجائزة البوكر في نفس السنة. …أكمل القراءة »

العبث في رواية “الغريب”

20 يناير 2020 أخرىعامةنصوص 0

محمد بدازي – المغرب محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com يُعتبر القرن ال20 أحد القرون التي شهِد فيها العالم -خاصةً أوروبا- أحداثاً عنيفة، الشّيء الذي دفع عديد المُفكرين والفلاسفة والأدباء إلى التّأمل في هذا الوضع البشري المَأْزُوم. وقد عبّر كلّ واحدٍ من هؤلاء، كلّ حسب مجاله، عن واقع إنسان القرن …أكمل القراءة »

هل الإنسانُ كذلك بالولادةِ أم بالتَّربية؟

11 مارس 2019 أخرىعامة 0

هل الإنسانُ كذلكَ بالولادةِ أم بالتَّربية؟ سؤالٌ طرحهُ الفيلسوفُ الفرنسيُّ “أولفيي ربول olivier reboul” في معرضِ حديثِهِ عن التَّربيةِ وأهميتها داخل المجتمعِ البشريِّ، إذْ تَسائلَ الرَّجلُ عن ما إذا كان الإنسانُ إنساناً، أي بما هو كائنٌ يُفكر، يَشعر، يَتكلم، له أخلاق، وتقنيات، وعلوم، وفنون… هو كذاك بالطَّبيعةِ، أي بالأصل، أم أنَّ الإنسانَ، هو في الأصلِ، حيوانٌ أصبحَ عن طريقِ التَّربيةِ إنساناً.أكمل القراءة »

امرأةٌ على أجنحة الرغبة[1] عندما تصرخ المرأة

22 يناير 2019 نصوصنصوص 0

بقلم محمد بدازي – المغرب محمد بدازي – المغرب يُقرأُ النصّ الأدبيُّ، في نظرِنا، لثلاثٍ: لأسلوبه، أو لحكايته/قصته، أو –وهذا هو الأهم عندنا- لقضيته أو فكرته. ونحنُ بعد قراءتِنا لنص الكاتبة المغربية الشابة سلمى بوصوف، وجدنا أنه نصٌّ يحكي عن معاناة امرأةٍ (الحكاية) بأسلوب سلسٍ ورائقٍ (الأسلوب)، والأهم، أنه يناقش …أكمل القراءة »

الطّهرانية في الأدب

13 يناير 2019 تغطيةمتابعات 4

سيدي الكاتب، كيف لنجاة (البطلة) التي “درست في الغَرب وتشبعت بثقافته[2]” أن تجعل منها محافظةً كما قلتَ عنها؟ ومن أعطاكَ الحق لتذكرنا “أن التّدخين مضرٌّ بالصحة[3]”؟ أليس التدخين عادةُ كبار الكُتَّاب؟ هل تُحَلِّلهُ على أنفسكِم، أنتم مَعْشر الكُتّاب، وتُحَرمهُ علينا نحن القراء؟ لمَ هذه الأبوية سيدي الكاتب؟ ثم، يا صاحب “برج الميزان”، ما أهميةُ الصحة والعيش في هذا البلد المُهْضَمَةُ فيه حقوقنا؟أكمل القراءة »

جدليات الأنا والآخر في الوعيِّ العربيِّ المُعاصر

10 ديسمبر 2018 عامةنصوص 0

محمد بدازي بينَ مأثورٍ شعريٍّ يقول إنَّهُ: بِضدّها تَتحددُ الأشياءُ، وبين مَوضوعةٍ هيجيليةٍ تُقرّرُ أن الآخرَ هو الذي يُحدِّدُ الأنا، نقول “إن من الطبائع في حركة الواقع والوعي أن الذات لا تنتبه إلى نفسها، أو لا تكاد تعي نفسها كتغايُر أو مغايرة، إلا متى اصطدمت بغيريتها، أي بآخر يدفعها إلى …

عندما تَصرخُ الأجساد.. تقديم لرواية “صهيلُ جسدٍ”

19 نوفمبر 2018 عامةنصوص 0

محمد بدازي باحث في الفلسفة ومهتم بالأدب منذ البداية، يتعرف قارئ رواية “صهيلُ جسدٍ” على شخصيةٍ مُتَفَرّدة. وهي كذلك (متفردة)، لشُؤمها وتمردِّها و”قبحِها” وفرادتها… وأيضا لولُوجها إلى عوالم محظورة أبرزها عالمُ الجنس وما يدور في فلكه من ممنوعات (الجنس بمعناه الواسع). لذلك، يمكن القول إن نص الرواية هو مسحٌ سوسيولوجيٌّ …

شاهد أيضاً

الاسلام والسياسة والقبيلة وكيمياء السلطة

محمد بصري محمد بصري باحث جزائري القنادسة بشار “لن نصبح متحضرين تماما إلا حين لن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *