الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / العدل في علم الكلام: العدل الإلهي

العدل في علم الكلام: العدل الإلهي

عبد الكريم العفاني

البريد الإلكتروني : elaffani@gmail.com

ملخص البحث

اختلفت تصورات المتكلمين وتعددت أنظارهم حول العدل الإلهي،  واجتهدت الفرق الكلامية في تعليل اختلافها هذا، انطلاقا من رؤيتها الخاصة  لحرية الإنسان والمشيئة الإلهية.

هل الإنسان حر في أفعاله ؟ ماذا يترتب عن هذه الحرية ؟ وهل الله قادر على إتيان الظلم باعتبار قدرته الواسعة التي لا تحدها حدود ؟ .

حاول المتكلمون بمختلف مشاربهم إيجاد أجوبة لهذه الأسئلة، وطوروا متونا كلامية، تعتبر العدل الإلهي أمرا ثابتا، لكن مساحات القدرة الإنسانية والقدرة الإلهية لديهم تباينت، وأفرزت بالتالي نتائج متعارضة.

فالمعتزلة اعتبرت أن الإنسان يملك قدرة مستقلة، وأن الله مجازيه عدلا بما منحه من حرية.

والأشاعرة نظرت إلى الأمر من زاوية المشيئة الإلهية، واعتبرت أن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها، أي أن الإنسان مسؤول عن أفعاله من ناحية الكسب، وأن الله هو الفاعل الحقيقي.

لمواقف المعتزلة والأشاعرة جذور تاريخية، تعود إلى الإرهاصات الأولى للجدل الكلامي، عند القدرية والجبرية الأوائل، والذين ناقشوا هذه المواضيع وغيرها من الأمور الكلامية بدافع التموقع السياسي على خارطة الصراع الذي نشأ حول الخلافة.

لم تكن العوامل الداخلية/ السياسية وحدها وراء  ظهور هذه النقاشات، فلا يكمن بأي حال من الأحول إنكار تأثير العوامل الخارجية، التي ساهمت بنقل جدالات كلامية وفلسفية، مسيحية ويونانية وفارسية، أتاحها انفتاح العرب على الأمم الأخرى، إلى نقاشات المتكلمين المسلمين وشكلت بالنسبة إلى مختلف الفرق الكلامية – المعتزلة والأشاعرة بخاصة –  فرصة للدفاع عن العقيدة الإسلامية في وجه حملات التشكيك المختلفة وذلك باستعمال الأساليب العقلية للفلسفة والفلاسفة.

تمهيد

لم ينفصل السجال الكلامي منذ نشأته عن أجواء الصراع والتدافع التي كانت تعيشها النواة الأولى للمجتمع الإسلامي، وإذا كان جوهر الاختلاف منذ البداية سياسيا صرفا، تركز حول  نظام الحكم القائم وأهلية القيادة، إلا أنه سرعان ما اتخذ لبوسا عقديا وشرعيا، كان له الأثر الكبير في توسيع فجوة الخلاف بين أطراف الصراع،  وساهم في ظهور مدارس كلامية قائمة الذات،  ناقشت مختلف المواضيع الجدلية المطروحة آنذاك، والتي أتاحتها ظروف التطور والتوسع، من قبيل الصفات والأسماء والقضاء والقدر، والجبر والاختيار وغيرها، غير أن مواقف مختلف الفرق من هذه المواضيع الكلامية الخالصة  ظاهريا، لم يخل من إشارات سياسية بدوره، ومن آراء منتصرة أو منتقدة  لهذا الطرف أو ذاك، بل إن فرقا أو مدارس التصق اسمها بمراحل تاريخية معينة، كما هو الشأن بالنسبة للمعتزلة خلال حكم المأمون والمعتصم و الواثق.

 جدالات المتكلمين الطويلة والتي كانت تعبر في نهاية المطاف عن نظرة كلية للكون بفعل معالجتها لمواضيع لا تحصى، أفرزت تصورات مختلفة وشاسعة عن الذات الإلهية وعن تطبيقات  العدالة، ومصادر الأفعال الإنسانية، والإرادة والحرية، ومكانة العقل ودور النقل، لكن في حدود دائرة الدفاع عن العقيدة الإسلامية و دفع الشبه والأباطيل كما قال ابن عساكر[1].

الحرية و الإرادة محركان لنقاشات الكلام الأولى

ذهب القدرية الأوائل إلى نفي القدر واعتبروا أن الإنسان “يخلق” أفعاله، قائلين بحرية الإرادة الإنسانية، وهناك افتراق في تحديد أول متكلم  في القدر، بين من يقول بأنه معبد الجهني البصري[2] ، في نهاية الصدر الأول من عهد الصحابة، الذين أنكروا خوضه في هذه المسألة وعارضوا رأيه فيها [3]، وهذا ما ذكره الذهبي وابن كثير، وهناك من ذهب بأن الجهني  أخذ القول بالقدر من نصراني اسمه سوس ( سنهويه أو سوسن ) أسلم ثم تنصر فيما بعد.

بعض المؤرخين يقولون إن البوادر الأولى للقدريين تعود إلى عهد الرسول، حيث وردت عدة أحاديث  تحذر من إنكار القدر أو الخوض فيه وبُغض أهله ومعاداتهم، إلا أنّ ظهور هذه الأحاديث المتأخر يثير شكوكا كثيرة حول مدى صحتها، في وقت كانت فيه الصراعات السياسيّة على أشدّها، وكانت الأحاديث والتأويلات المختلفة للنصّ القرآني  تستعمل للانتصار لوجهة نظر معينة أو دحض الآراء المخالفة . [4]

يعتبر غيلان الدمشقي أشهر من مثّل موقف القدريّة  بالرغم  من أنه لم يصلنا عن آرائه الشيء الكثير، لكن المصادر التاريخية تذكر بالخصوص موقفه من الأمويين والكيفيّة التي تمّ فيها قتله من طرف هشام عبد الملك [5] بعد مناظرة شكليّة مع الإمام الأوزاعي ممثلا عن أهل الحديث [6].

جلّ المصادر التي بين أيدينا عن القدرية الأوائل تنتمي تقريبا إلى تيار فكري واحد، ودُونت  في مجملها في فترة لاحقة عن حياة هؤلاء، والغالب فيها التشنيع على آرائهم وذمّ مواقفهم، فالمتكلمون  الأوائل والقدريون بالخصوص لم يتركوا  آثارا مكتوبة أو مراجع يمكن الاستناد إليها لمعرفة تفاصيل أوفى عن مواقفهم وآرائهم [7] ، كما أن خوضهم في مسألة حسّاسة كالقدر وتبنيهم لمقولات غير مألوفة  حينها، ساهم بشكل كبير في انحسار تأثيرهم، الذي لم يتجاوز جماعات صغيرة ولفترة زمنية قصيرة، ولابد من الإشارة هنا أن موقفهم من أفعال الإنسان لم يكن  ليروق للسلطة القائمة آنذاك، التي أسّست شرعيتها  على الجبر ممثلة في الأمويين.

الجبر كتبرير للسيطرة

الجبرية وهي المذهب الذي يتم غالبا  وضعه في موقف المناقض للقدرية،  يقول مؤيدوه إن الإنسان  صانع أفعاله وخالقها خيرها وشرها، [8] وأن نسبتها إلى العبد إنما هي على سبيل المجاز كالقول: جرى النهر وإنما الذي أجراه حقيقة هو الله، فالإنسان في حسب قول الجبر  كالريشة في مهب الريح [9].

أول من تكلم بالجبر هو الجهم بن صفوان، وهو تلميذ  الجعد بن درهم، أعلن الثورة ضد الأمويين، فكان مصيره أن قتل في أصفهان على يد سلْم بن أحوز المازني والي الأمويين على مرو  والي شرطة خراسان.

نفى الجهم الصفات الأزلية عن الله فقال إنه  لا يجوز أن يوصف الله بصفة يوصف بها خلقه، لأن ذلك يقضي تشبيها، فنفى كونه حيا عالما، وأثبت كونه: قادرا، فاعلا، خالقا ؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق [10].

بخلاف القدرية، ففكرة الجبر استطاعت أن تجد لها مكانا في الميدان السياسي  ولقيت ترحيبا من لدن السلطة القائمة، بل أقامت على الجبر شرعيتها وبررت بواسطته أفعالها، وجعلت من الانفراد بالسلطة أمرا مقدرا لا دخل للحاكم فيه. 

جدير بالذكر أنه لا توجد قرائن تاريخية مباشرة تربط بين فكرة الجبرية كما صاغها المتكلمون الأوائل وعلى رأسهم الجهم بن صفوان , والجبرية الأموية كما تمت ترجمتها سياسيّاً على أرض الواقع.

إلا أHHأنه بالمقابل، يمكن الجزم بأن الأمويين حاربوا القدرية بكل الوسائل، لما تشكله مسألة الاختيار من تهديد لسلطانهم، وتشكيك في شرعية حكمهم  القائمة على الجبر، ونلمس ذلك بجلاء في مجادلة أيوب السخيتاني للحسن البصري في موضوع القدر، والتي لجأ فيها لسلاح التهديد ببني أمية في حال عدم تراجع البصري عن أفكاره القدرية.

فقد روي عن قتادة عن الحسن أنه قال : الخير بقدر والشر بقدر، قال أيوب السخيتاني: فناظرته في هذه الكلمة فقال: لا أعود [11] .

 والرواية الثانية تقول: إن الحسن البصري كان يقول بالقدر فخوفه أيوب السخيتاني وحميد الطويل خوفاه بالسلطان، فرجع عن قوله [12] .

لكن لماذا قتل الأمويون الجهم بن صفوان بالرغم من تبينه للجبر ؟

أثار مقتل الجهم على يد هشام بن عبد الملك اختلاقا كبيرا بين المؤرخين، ويبدو أن التوافق في المذهب لم يمح الاختلاف في السياسة بالنسبة للجهم، الذي قرر الاستجابة لدعوة الحارث بن سريج في خراسان والخروج ضد الدولة الأموية  مطالبا إياها بالعمل بالقرآن وتحقيق العدل بين الناس فكان مصرعه عام 128هجرية، السلطة  الأموية لم تذخر جهدا في  التحريض ضد الجهم بسبب بعض آرائه الكلامية التي كانت تنتقد عقيدة الجبر الأموية مما ساهم  في تكوين صورة سلبية عنه لدى عموم الناس، فقد ورد في الأخبار أن هشاما بن عبد الملك كتب إلى ممثله في خراسان نصر بن سيار يقول له ” فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية، فإذا ظفرت به فاقتله ” [13].

كان معاوية بن أبي سفيان أول من استعمل أفكار الجبر كتبرير لسلطته؛ فقد خرج يوما على منبره يتلو من القرآن: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نَنَزِّلُهُ إِلَّا بـِقَدَر ٍ مَعْلُومٍ )، ثم أردف قائلا : فعلامَ تلومونني إذا قصّرتُ في إعطائكم [14].

وخطب زيد عندما ولاه معاوية البصرة خطبة فقال: أيها الناس أنا أصبحنا لكم  ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا [15].

وقد مكن المزج بين الجبرية والإرجاء من تشكيل الوعاء الأيديولوجي الجديد  لسلطة الأمويين و  العباسيين بعد ذلك، فالحاكم بموجب هذا الوضع  أصبح فوق كل محاسبة  وبعيدا عن كل مراقبة، وكرّس هذا التصور الجبري للسلطة، فكرة أساسية وتأسيسية، وهي  أن الحكم  هو قدر الله ولا يجوز بالتالي سوى الإذعان إليه، لأنه في عدم الإذعان معارضة لمشيئة الله، والخروج عن الحاكم  هو خروج عن أمر الله  مهما بدر منه من جور، وأن المحاسبة هو أمر مؤجل إلى يوم القيامة.

العدل في نقاشات المتكلمين الأوائل

ليس الغرض هنا التفصيل في موضوع آيات القدر والجبر في النص القرآني والتي تبدو بالنسبة لعدد من الباحثين حاملة لتناقضات، ويظهر أن تأويل كل من الفرق الكلامية الأولى لهذه الآيات أو أخذها للبعض وإغفال أخرى ساهم في تركيز هذا الفكرة في الأذهان، خصوصا وأن كل فريق من الفرق احتج بالقرآن لتبرير موقفه.

في جميع الحالات، كان نص القرآن والحديث النبوي في وقت لاحق،محركين لنقاش كبير حول الأفعال الإنسانية والإرادة الإلهية وبالتالي حول العدالة الإلهية.  

بالنسبة للقدرية فالعدل يقتضي أن يكون الإنسان حرا في أفعاله، حقيقة لا مجازا، لكي يصح منه التكليف ويكون بالتالي مسؤولا مسؤولية كاملة على كل تصرفاته، بهذا  فالإنسان يجازى على الأفعال التي يأتيها بإرادته الحرة، وهذا ما رافع لصالحه غيلان الدمشقي  في رسالته إلى عمر بن عبد العزيز حيث يقول:

…ولن تجد داعياً يقول : تعالوا إلى النار ـ إذاً لا يتبعه أحد ـ ولكنّ الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله، فهل وجدت يا عمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذّب على ما قضى،

أو يقضي ما يعذّب عليه، أم هل وجدت رشيداً يدعو إلى الهدى ثمّ يضل عنه، أم هل وجدت رحيماً يكلّف العباد فوق الطاقة، أو يعذّبهم على الطاعة، أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم و التظالم، و هل وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب أو التكاذب بينهم؟ كفى ببيان هذا بياناً، و بالعمى عنه عمى»[16].

الله عند القدرية لم يخلق شيئا من أفعال العباد  لا خيرها ولا شرها، ولا يمكنه بالتالي أن يعذب الناس بما لم يصدر عن أفعالهم، وإلا وصف بالظلم وهذا محال، فالأصل أنهم أحدثوا أعمالهم بأنفسهم ويستحقون بالتالي عنها الجزاء ثوابا أو عقابا.

نقل ابن القيم الجوزية  في الصواعق المرسلة عن  القدرية قولهم :

” الظلم إضرار غير مستحق، أو عقوبته العبد على ما ليس من فعله، أو عقوبته على ما هو مفعول منه ونحو ذلك. قالوا فلو كان الله سبحانه خالق لأفعال العبيد مريدا لها قد شاءها وقدرها عليهم، ثم عاقبهم عليها كان ظالما، ولا يمكن إثبات كونه سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول، فإنه لم يرد وجود الكفر والفسوق والعصيان، ولا شاءها بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته وإرادته كما فعلوه بغير إذنه وأمره، وهو سبحانه لم يخلق شيئا من أفعال العباد لأخيرها ولأشرها، بل هم أحدثوا أعمالهم بأنفسهم  ولذلك استحقوا العقوبة عليها، فإذا عاقبهم لم يكن ظالما لهم “.  

أما الجبرية  فترى أن الله خلق الأفعال كلها وأن أفعال الإنسان تنسب إليه بالمجاز فقط وليس بالحقيقة، كما في قول أبو الحسن الأشعري  ” قول الجهمية الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة ودارت السفينة وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والسفينة والشمس الله سبحانه وتعالى، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

كل ما نملكه بخصوص نظرة الجبرية للعدل الإلهي، لا يتعدى إشارات أو استنباطات من ردود الخصوم المذهبيين الكثيرة على مواقف الجبر، والتي ازدهرت في الفترة الأموية والعباسية وكان مصدرها أهل السنة بالتحديد، ومن بينهم ابن الجوزية في كتابه الفوائد حيث يقول  ” الجبرية الذين يقولون: كل مقدور عدل، فلا يبقى لقوله: «عدل فيَّ قَضاؤُكَ» فائدة، فإن العدل عندهم كل ما يمكن فعله، والظلم هو المحال لذاته، فكأنه قال: «ماض ونافذ فيَّ قضاؤك»، وهذا هو الأول بعينه “.

وبحكم ارتباط العدل الإلهي لدى الجبرية بمسألة الإرادة، فإن آرائهم تركزت كما القدرية على نفي الظلم عن الله، فالظلم هو المحال الممتنع لذاته، والجبرية بحكم تقريرها أن  الله مالك لكل شيء، فلا يمكن بتاتا وصف أفعاله بالظلم، لأن الظلم بالنسبة إليهم  هو القيام بالتعدي على ملك الغير أو مخالفة  أمر من الأوامر، و بما أنه لا يوجد فوق الله أمر تجب طاعته بخلاف الإنسان، فأفعال الله كل عدل وحكمة، وسنعود لاحقا إلى هده النقطة عند تعرضنا لموقف الأشاعرة.

***************

 هذا النقاش الواسع حول العدل الإلهي من خلال تناول موضوع الإرادة والحرية  يجد جذوره في مجموع النقاشات اللاهوتية التي طبعت الديانات والاعتقادات الموجودة داخل الجزيرة العربية أو في أطرافها، اليهودية والمسيحية بالخصوص، إضافة إلى المذاهب والآراء الفلسفية التي تسربت إلى نقاشات المسلمين بفعل الاحتكاك والترجمات التي ستبلغ أوجها في الحقبة العباسية.

أقدم نص تناول الإرادة كلاميا يعود ليوحنا الدمشقي الذي عاصر خلفاء أمويين، وكان شخصية ذات علم واسع واطلاع كبير على الإسلام والفلسفة  اليونانية، وانبرى طيلة حياته إلى محاجة المسيحيين المخالفين والمسلمين، في مواضيع تتعلق بعلم الكلام، من بينها  هذا النص الذي هو عبارة عن حوار متخيل بين مسيحي ومسلم، يعرض فيه وجهة نظر المسيحية في مواجهة نظرية الجبر الذي تبناها الأمويون .

“سأل المسلم المسيحي: من هو الخير والشر برأيك ؟

المسيحي: نحن نقول بأن الله وحده خالق كل الخيرات، لكنه ليس خالق الشر.

أجابه المسلم: من هو إذا خالق الشر برأيك ؟

المسيحي: أكيد هو ذاك الذي صار شيطانا بملء رضاه، وكذلك نحن البشر.

المسلم: لأجل أي سبب؟

المسيحي: بمقتضى حرية الاختيار.

المسلم: ماذا إذن؟ أو تملك حرية الاختيار، ويمكنك من ثمّ أن تفعل ما تريده وتفعله؟

المسيحي: لقد خلقني الله حرا في مجالين اثنين وحسب.

المسلم: لأيهما؟

المسيحي : فعل الشر وفعل الخير، ما هو صالح وما هو سيء.

 وإذا ما فعلت الشر بالتالي فشريعة الله تعاقبني، أما إذا كنت أفعل الخير فلا أخشى الشريعة، بل أكافأ من الله وأنال رحمته على العكس من ذلك. وبالطريقة عينها خلق الله الشيطان حراً قبل الإنسان، لكنه خطئ فطرده الله من حالته الخاصة. وقد تعترض علي قائلا : “ما الذي تدعوه أشياء حسنة؛ وأشياء سيّئة؟ ها هي ذي الشمس والقمر والنجوم التي هي أشياء حسنة؛ فاصنع لك واحدة منها” ما كلمتك به آنفا لم يكن بهذا المعنى، فإني أفعل الخير والشر اللذين بمقدور الإنسان أن يفعلهما. مثلا، الخير هو تمجيد الله والصلاة والإحسان وما يشابهها. أما الشر فهو الزنا والسرقة وكلّ عمل مماثل لهما” [17].

هل اختار المسلمون آيات الجبر بدل آيات الاختيار؟

لماذا اختار المسلمون الأوائل آيات الجبر بدلا من آيات الحرية ؟  الظاهر في الأصل أن السؤال لم يتم طرحه أو لم يطرح بهذا الشكل داخل النواة الأولى للمسلمين، فقد كانت مسألة الجبر والاختيار من المسائل المحظور الخوض فيها، لأن التسليم يقتضي الإيمان بالآيات القرآنية كما جاءت دون تأويل أو مناقشة.

فقد روى أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال: وكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب. قال : فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم، قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده.

وحديث ” إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا ” [18].

كان هذا وضع المسلمين قبل وفاة الرسول لكن الوضع سيتبدل مع مرور الزمن، بفعل التأثيرات الداخلية والخارجية الطارئة على حياة المسلمين، وهكذا سيتم ترجيح آيات الجبر التي تنفي الحرية عن أفعال البشر وتمنح القدرة الإلهية مساحة واسعة، فلماذا هذا الترجيح ؟

يتحدث بعض الباحثين المستشرقين وبينهم غولدتسيهر عن وجود اعتقاد بالجبرية بين العرب قبل الإسلام  لم يتغير، لأنه كان يتوافق والتمثل الحاصل لدى المؤمنين بخصوص قدرة الله المطلقة، وهناك من المعلقين كابن ميمون، من رأى في النظر العقلي البسيط والحماس الزائد لتصور القدرة الإلهية المطلقة سببا في نشأة  مذهب الجبر في الإسلام [19]، تماما كما حدث في تفضيل آيات التنزيه على آيات التشبيه.

بعض الشواهد تقول أيضا بأن العرب قبل مجيء الإسلام كان لديهم تصور جبري للقدر،  يتجلى في إرجاع كل القدرة إلى قوة خارجية، ليس للإنسان تأثير فيها، فتولد عن ذلك نوع من الاستسلام أمام مشيئة هذه القوة الجبارة، تدل على ذلك بعض الأشعار: 

قال لبيد بن ربيعة :

من هداه سبل الخير اهتدي          ناعم البال ومن شاء أضل

وقال النابغة الذبياني :

وليس امرؤ نائل من هواه            شيئا إذا هو لم يكتب

وقال كعب ابن زهير :

لو كنت أعجب من شئ لأعجبني      شعى الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها       فالنفس واحدة والهم منتشر

والمرء ما عاش ممدودا له أمل         لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر [20]

هذا التصور استمر بعد مجيء الإسلام، حيث لم تخضع مسألة القضاء والقدر، الحرية والاختيار للسؤال و للنقاش إلا مع ظهور البوادر الأولى لعلم الكلام مع القدريين و الجبريين، ثم مع المعتزلة والأشاعرة، حيث سيأخذ النقاش مع هذين التيارين أبعادا عقدية وسياسية، داخل إطار مذهبي أوسع يضم مجموعة من المواقف تجاه العديد من النقط الجدالية.

العدل الإلهي : المعتزلة والأشاعرة

ظهر الكلام كما رأينا قبل الاعتزال لدى القدرية والجبرية، وناقش المتكلمون على وجه الخصوص مسألة حرية الإرادة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بفكرة العدل، سواء عند دفاعهم عن عقيدتي الجبر أو الاختيار، أو من خلال مواقفهم المعلنة تجاه  التدافعات السياسية التي عاصروها  خلال القرن الأول للهجرة، والتي كانوا من أبرز ضحاياها كما حدث مع غيلان الدمشقي أو الجهم بن صفوان، يقول الشهرستاني في الملل والنحل “أما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري، في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر ” [21]  .

 أما ابن خلدون في المقدمة فيقدم لنا  طرحا مفصلا في أسباب ظهور الكلام حيث يقول : إن أوائل المسلمين لجؤوا إلى القرآن ومرويات السنة و عندما حدثت فيما بعد اختلافات حول تفاصيل العقائد بدأ استخدام الاستدلال بالعقل “. 

و يمكن تقسيم مراحل تطور علم الكلام إلى مرحلتين رئيسيتين، تضمنتها إشارة ابن خلدون نفسه في المقدمة ، حيث يميز بين المتكلمين من جهة والمتفلسفين في علم الكلام من جهة ثانية، ونسوق رأي صاحب المقدمة لوجاهته، رغم تحيزه الظاهر و انتصاره لمذاهب أهل السنة في علم الكلام.  

فالفئة الأولى التي أشار إليها ابن خلدون وهو يتحدث هنا عن الكلام السني ممثلا في الأشعري والباقلاتي والجويني انتقدها انتقادا شديدا، مبرزا ضعف حجتها أمام الفرق الأخرى ” لسذاجة القوم ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر الأقيسة لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة ولو ظهر منها بعض الشيء لم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفيّة المباينة لعقائد الشرع بالجملة، فكانت عندهم مهجورة ” [22]  واستمرت هذه الفترة  زهاء قرن، اكتفى فيها المتكلمون باستعمال أدوات مستعارة من المنظومة الفقهيّة كالقياس التقليدي، حتى أن بعض المؤرخين كانوا يطلقون عليه اسم الفقه الأكبر، ولم يخرج نطاق نقاشه عن إثبات أطروحات محدودة في مجال العقيدة.

الفئة الثانية ظهرت مع بدايات ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية، وأطلق عليها ابن خلدون طريقة المتأخرين، وفيها اطلع المتكلمون على هذه الترجمات وعلى علوم المنطق واستعملوا مناهجها المتعلقة بالاستدلال المنطقي، كالقياس المنطقي والقياس التمثيلي الجديدين على التداول العربي آنذاك، وأول من كتب على هذه الطريقة الغزالي، فامتزج الكلام بالفلسفة كما امتزجت مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لم يتمايز احدهما على الآخر [23].

سيعرف علم الكلام إذن طفرة نوعية وكيفية مع المعتزلة، حيث عملوا على تكييف طرائق الفلاسفة اليونان لتتوافق والبيئة العربية، كما ساهموا في تزويد النقاشات الدائرة بمواضيع  تنتمي إلى ميدان التفلسف من قبيل الجسم الطبيعي ولواحقه، والنفس الإنسانية والذات الإلهية والوجود والماهية، إضافة إلى أدلة وجود الله والصفات الإلهية، كما استعاروا مصطلحات الفلاسفة وأدواتهم بهدف  إثبات صحة العقيدة الإسلامية والرد على المشككين من الأديان والطوائف الأخرى. 

العدل عند المعتزلة: ثاني الأصول

أطلق المعتزلة على أنفسهم اسم أهل التوحيد والعدل، وعُرفوا أيضا باسم العدلية، وذكر ابن المرتضى أنهم يُسمّون أنفسهم العدلية والموحدة، كما أطلق عليهم المسعودي وابن القيم الجوزية اسم أهل العدل والعدلية.      

الشهرستاني في الملل والنحل قال بأنهم يسمون أصحاب العدل والتوحيد والعدلية.

والمشهور لدى المعتزلة أن لهم أصولا خمسة، هي التوحيد والعدل والمنزلة بين منزلتين والوعد والوعيد، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يعتبر التوحيد عند المعتزلة الأصل الأول ويعنون به إثبات “وحدانية الله ونفي المثل عنه” ، فالمعتزلة يقررون التنزيه المطلق، وينفون بالتالي التشبيه والتجسيم، و جميع الآيات التي تفيد التشبيه لا تُقبل بظاهرها بل يُعملون فيها معول التأويل.

 حيث كان يقول واصل بن عطاء ” إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين ” [24] ، ويتخذ نفي التجسيم  عن الله مكانة رئيسة لدى المعتزلة  منه قول القاضي عبد الجبار  “أنه تعالى لو كان جسماً، لكان محدثاً، وقد ثبت قدمه، لأن الأجسام كلها يستحيل انفكاكها من الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون؛ وما لا ينفك عن المحدث يجب حدوثه لا محالة” [25] .

تحت العدل تندرج كل الأصول الأخرى المتبقية  [26] , وتتفرع عنه – أي العدل- الكثير من المباحث التي تشكل المنظومة المعتزلية فيما يخص علاقة الله والإنسان وأفعاله.

ولأن الأمر يتعلق ببناء محكم ومتشابك، ترتبط أجزاءه فيما بينها برباط موحد من خلال تأويل يستعمل العقل في مسائل الحرية الإنسانية، والقضاء والقدر والعقاب والثواب، فالمعتزلة يرفضون فكرة الجبر بالمطلق، ويَرَوْن أن الإنسان حر في أفعاله ( حرية الإرادة ) ، ومادامت هناك حرية فهناك بالضّرورة تكليف، يتبعه  ثواب أو عقاب حسب الأفعال، و في بنائهم النظري، اعتمد المعتزلة لتعزيز موقفهم القائم على التسويغ العقلي على مجموعة من الآليات سوف نتعرف عليها لاحقا.

 حرية الإرادة مدخل الوصول إلى العدل

ينظر المعتزلة إلى فكرة العدل في إطار منظومة شاملة، ويرون أن تحقيق العدل الإلهي يقوم أساسا على تنزيه الله تعالى على ارتكاب الظلم، واستندوا في ذلك  على  أدلة نقلية من القرآن، أو عقلية تقوم على فهم معين في تفسير مصدر أفعال الإنسان .

 يعتمد المعتزلة بمُختلف طبقاتهم على آيات من القرآن الكريم، تقرر أن الإنسان مختار في أفعاله ومسؤول عنها، يقول القاضي عبد الجبار: وَمِمَّا يستدل به من جهة السمع قوله تعالى ” ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ” أي أن الله نفى التفاوت عن خلقه ، فلا يخلو : إما أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخلقة أو من جهة الحكمة، ولا يجوز أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخلقة، لأن في خلقه المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى، فليس إلا أن المراد به التفاوت من جهة الحكمة على ما قلناه، وإذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة الله تعالى  لاشتمالها على التفاوت وغيره ” [27].

ومن الآيات أيضا من سورة ص “وما خلقنا السماء والأرض بينهما باطلا “.

يقول عبد الجبار بخصوص الآية، أن الله نفى أن يكون في خلقه باطل،  فلولا أن هذه القبائح وغيرها من التصرفات من جهتنا ومتعلقة بنَا، وإلا كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله، فيكون مبطلا كاذبا.

ويورد القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة أمثلة كثيرة على نفس المنوال، يستدل بها من جهة السمع على تنزيه الله من خلق أفعال العباد، لما قد ينتج عنها من نقص أو فساد غير لائق بالذات الإلهية.  

دفاع القاضي عبد الجبار و المعتزلة على حرية الإرادة، هو دفاع كما أشرنا  على عدل الله في عباده – مع بعض الاختلافات سنعود إليها في سياقه –  , فلا يصح بالنسبة إليهم أن  يصدر عن الله  ظلم،  ولا يمكنه معاقبة عباده على أشياء لم يقترفوها، لأنه لو كان خالقا للشر و الخير، ثم عاقب غير الممتثلين لكان ظالما وذاك أمر غير مقبول،  يقول عبد الجبار  ” إن ما يدل على أنه تعالى  لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد، هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور فَلَو كان الله تعالى خالقا لها لوجب أن يكون ظالما جائرا، تعالى الله على ذلك علوا كبيرا “.

 منطلق المعتزلة في الدفاع عن الحرية لم يكن بغرض الترافع  لصالح الحرية الإنسانية كجوهر، كما نجد لدى عدد من الفلاسفة، وإنما انبروا للدفاع عن فكرة كلامية صرفة – مبطنة بموقف سياسي- ، تقوم على إثبات إحدى صفات الله الكمالية، من خلال التوكيد على عدل الله  و تنزيهه عن الظلم، لكن باستعمال  طرق الاستدلال العقلي والبراهين المنطقية  التي تنتمي إلى حقل  الفلسفة، كما نرى مع القاضي عبد الجبار  الذي يدافع على عدم حتمية الأفعال الإنسانية، مستغربا نسبها إلى الله في الوقت الذي يملك فيه البشر القدرة على إتيانها أو تركها،  يقول في شرح الأصول الخمس مجادلا في أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنهم المحدثون لها  ” أن القضاء والقدر إذا أريد به الخلق فمعان الله من ذلك ،حيث أنه كيف تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي موقوفة على قصورهم ودواعيهم ،إن شاؤوا فعلوها وإن كرهوا تركوها، فَلَو جاز والحال هذه أن لا تكون أفعال العباد من جهتهم، لجاز في أفعاله تعالى ذلك فإنه بهذه الطّريقة يعرف أن الفعل فعل لفاعله ” .

تبقى الإشارة أخيرا إلى أن المعتزلة رغم دفاعهم عن حرية الأفعال الإنسانية لم ينكروا العلم الأزلي، فالله تعالى عندهم لم يزل عالما بكل ما يكون من أفعال لا تخفى عليه خافية )   (….ولم يزل عالما من يُؤْمِن ومن يكفر أو يعصي  [28] .

 الحسن والقبيح:  تقديم العقل على الشرع

من ضمن التطبيقات النظرية التي فصل فيها المعتزلة واستعملوها في نسب الأفعال للإنسان، مسألة الحسن والقبيح والقدرة على التمييز بينهما.

 واعتبروا العقل فيها حكما ومرجعا حسب القاعدة الشهيرة ” إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع ” خلافا لما ذهبت إليه فرق أخرى كما سنرى لاحقا، إلا أنهم استثنوا العبادات، فسبيل إدراكها بحسبهم السمع لا العقل.

هذه القاعدة تشكل جوهر المعمار الفكري المعتزلي، الذي يعلي من شأن العقل ويجعله معيارا وحيدا للفرز.

إلا أنه لا يجب أن يفهم من هذا الموقف المعتزلي أي انتقاص من الشرع أو تسفيل له، بل على  العكس من ذلك، فمجهودهم انصب على إقرار ما جاء في الشرع  عن طريق العقل، والشرع حسبهم هو  الكاشف والمبين لصفات القبح قي القبيح والحسن في الحسن، فالمراد بالتالي هو البرهان على عدم وجود تعارض بين الدليل العقلي والدليل الشرعي،  وأن الشرع مؤيد لنتائج التفكير العقلي في نهاية المطاف.

من أوجه الاختلاف مع الفرق الكلامية الأخرى أن المعتزلة تعتبر أن الحسن حسن لذاته والقبيح قبيح لذاته، و الحسن والقبح صفتان ذاتيان في الأشياء،أي أن هناك تلازما بينهما, وقد تحملان صفة من الصفات التي تشي بماهيتهما،  والحكم إنما يكون باعتبار علم العقل وإن لم يأت به رسول.

قال الشهرستاني ” وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة  بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن و القبيح ” [29] .

وترى المعتزلة أنه لا ضرورة تقتضي الاستعانة بالشرع من أجل التمييز بين الحسن والقبيح في المطلق. فالشرع بهذا المعنى يعد خلاصة منطقية لإعمال العقل، ولو تطلب الأمر التشكيك أو رفض بعض المتون والنصوص التي لا تتوافق مع العقل و المنطق،[30] قال عبد الجبار” ولو كان التقليد حقّاً لوجب تقليده تعالى، ولاستغنى عن طريق البيان في ذلك ولوجب أن يقتصر صلى الله عليه وسلم أيضا على الدعاوى دون إقامة البراهين “. [31]

وحكي أبو الهزيل أورده الشهرستاني في الملل والنحل أنه ” يحب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة . كما يجب عليه أن يعلم حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الالتزام بالحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور” [32].

من خلال ثنائية الحسن والقبيح  والتطبيقات  المرتبطة بهما  ناقش المعتزلة العدالة الإلهية في خلقه، ورغم نفيهم الظلم عن الله، فقد اختلفوا في قدرة الله على إتيان الظلم، بين ما يقول بأن الله فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والكذب ( النظام ) وبين من يقول أن القادر على العدل يجب أن يكون قادرًا على الظلم، وقادرا على الصدق, وإن لم يفعل الظلم والكذب لقبحهما أو غناه عنهما وعلم بغناه عنهما ( وهذا موقف البصرية من المعتزلة كما أورده الشهرستاني )، لأن القادر على الشيء يجب أن يكون قادرًا على ضده، كما قال أبو الحسين الخياط ” لا يقدر أن يفعل العدل من لا يقدر على الظلم “.

إلا أنهم في المحصلة اتفقوا على عدل الله وأنه لا يفعل  الظلم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجور على عباده، ونفوا تبعا لذلك المحاباة عن الله، كما أنكروا الشفاعة في الذنوب يوم القيامة كما سنرى. 

قسم المعتزلة الأفعال إلى أفعال اضطرارية وأخرى اختيارية، مباشرة وغير مباشرة، الأولى تحدث دون قصد أو إرادة من العبد، والثانية تحدث بقصد وعلم وإرادة من العبد، المباشرة تترتب عن العمل، وغير المباشرة هي آثار ثانوية وسموها بالأفعال المتولدة وهي ما يهمنا في هذا السياق .

يقول الإسكافي: “أفعال التولد هي كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه أو الإرادة له، فهو متولد، وكل فعل لا يتهيأ وقوعه إلا بقصد، ويحتاج كل جزء منه إلى تجدد عزم وإرادة له، فهو خارج من حد التولد داخل في حد المباشر” [33] .

وقد اختلف المعتزلة بخصوص أفعال التولد على أقوال، بين من يقول إن المتولدات أفعال لا محدث لها كثمامة بن الأشرس، وبين من نسبها إلى الطباع الإنسانية كالجاحظ ، أو فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة كالنظام ومعمر.

يقول النظام: “إن كل ما جاوز حد القدرة، فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة، بمعنى أن الله طبع الحجر إذا دفعته اندفع” [34] .

نأتي إلى عنصر آخر مهم في هذا البناء المعتزلي والمتعلق بالتكليف، على اعتبار أن أفعال الإنسان الحسنة والقبيحة تعد كذلك لأنه يتبعها ثواب أو عقاب، وكما أشرنا سابقا فإن الوعد والوعيد  أحد الأصول الخمسة للمعتزلة تدخل ضمن الأصل الثاني الذي هو العدل، والوعد والوعيد هو التطبيق الإجرائي للعدل الإلهي .

يقول الزمخشري عن الوعد والوعيد بأنه ” مقرون بالتكليف والجزاء مقدور على الفعل والترك فَلَو لم يحصل من العبد فعل ولم يتصور ذلك بطل الوعد والوعيد وبطل الثواب والعقاب، فيكون التقدير افعل وأنت لا تفعل ثم إن فعلت ولن تفعل فيكون الثواب والعقاب علو ما لم يفعل، وهذا خروج عن قضايا الحس فضلا عن قضايا المعقول حتى لا يبقى فرق بين خطاب الإنسان العاقل وبين الجماد، ولا فصل بين أمر التسخير والتعجيز  وبين أمر التكليف والطلب  ” .

وفِي شرح الأصول الخمسة يقول القاضي عبد الجبار ” الوعد معناه الثواب والوعيد معناه العقاب، ولا يستحق العبد المكلف الثواب أو العقاب إلا على أفعاله “.

ويضيف أن الشرط في استحقاق العقاب هو فعل القبيح وفاعله يعلم قبحه أو يتمكن من العلم بذلك.

والعقل في هذه العملية مناط به تحديد العلم المشار إليه في الشرط،  بعلة أن العقل سابق على ورود الشرائع ومجيء الرسل، وأن الإنسان يستطيع من خلال العقل فقط التعرف على القبيح والحسن من الأعمال والتمييز بينهما.

في نفس السِّياق برر المعتزلة إرسال الرسل للبشرية، قال  هشام بن عمرو أبو محمد  الفوطي يحتج على من يثبت مجرد العلم الأزلي،  أنه  إذا كان الله لم يزل عالما بمن سيؤمن من عباده ومن سيفكر فما معنى إرسال الرسل ؟وما معنى دعوة من يعلم أن لا يستجيب له  ومن لا يرجو إجابته ؟ اعتبرت المعتزلة أن الأنبياء هو واسطة التكليف، وهم الذين ينقلون إلى العباد أوامره ونواهيه وما يسخطه وما يرضيه .

ومن العناصر الرئيسية في  تصور المعتزلة لمبدأ العدل الإلهي، وأنه لا يظلم عنده أحد: نفيهم المحاباة عن الله، ويعرف الشريف المرتضى المحاباة بأنه تخصيص أحد المستحقين بأن ينتفع دون الآخر مع تساويهما في الاستحقاق [35] ، ويرفض البلخي المحاباة، لأن الله لا يحابي، ولا هوادة ولا قرابة بينه وبين أحد من خلقه [36] ، ولا يصح  الظن  أن الله يقدر على تعذيب شخص والصفح عن  آخر والاثنان  أتيا نفس الفعل .

ولكي تكتمل أضلاع هذا المنظومة، فقد أنكر المعتزلة  أيضا الشفاعة في الذنوب يوم القيامة لأن بها محاباة، لكنهم رغم ذلك , يقصرونها على التائبين من المؤمنين دون الفاسقين، يقول القاضي عبد الجبار :  “لا خلاف بين الأمة في أن الشفاعة ثابتة للمؤمنين دون الفاسق من أهل الصَّلاة ” [37] .    

كما للمعتزلة موقف من الأرزاق يتماشى ومنظورهم للعدالة الإلهية، حيث رفضوا أن تكون الأرزاق مقدرة سلفا، قائلين إن الله لا يقسم الأرزاق إلا على الوجه الذي حكم به الشرع،  وإنه لا يرزق الناس الحرام، والأرزاق على رأيهم يجوز أن تزيد وتنقص بالطلب والتواني [38] .

وعند القاضي عبد الجبار أن غنى الطغاة والمستكبرين ليس رزقا لهم مكتوبا من الله وإنما سطو منهم على رزق الآخرين.

الأشاعرة :  الكسب أداة إثبات العدل الإلهي

كان من الطبيعي أن تثير مواقف المعتزلة حول الإرادة والحرية والمسؤولية الإنسانية، نقاشا كبيرا حتى داخل المعتزلة أنفسهم، ما يفسر الاختلافات بين مدارس هذه الفرقة الكلامية فيما يخص نقاطا بعينها.

ويعد  أبو الحسن الأشعري من أبرز الوجوه التي خالفت ثم غادرت صفوف هذه الفرقة، وأسست لنفسها خطا معارضا بل ومنافسا كما سنرى فيما بعد، وتذكر الروايات المتداولة أن الأشعري  كان  تلميذا للجبائي، وأنه اتبع المذهب المعتزلي أربعين عاما، [39]  كما تذكر رواية مماثلة أن  الأشعري كان في البداية  معتزليا، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن، جاهرا بموقفه  في المسجد الجامع بالبصرة حيث  “رقي كرسيا ونادي بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي : أنا فلان بن فلان . كنت قلت بخلق القرآن،  وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع ” [40] .

وهناك روايات أخرى عديدة تحكي بنوع من التخييل المبالغ فيه، قصة تطليق  الأشعري للمذهب المعتزلي وانخراطه في تأسيس قواعد مذهب معارض جديد، منها رؤيته للرسول في المنام ودعوته إياه إلى ترك الكلام بل ودحض أسسه و الانتصار للسنة والشريعة.

والمعروف أن هذا الشكل من المرويات، غالبا ما يتم اللجوء  بنية إضفاء  نوع من الشرعية ودمغ أقوال المؤسسين بالصحة والجدية، وفي نفس الوقت نزع الصدقية على المذاهب الأخرى ووصمها بالكفر والخروج عن الملة.

أعاد الأشعري في مناقشته لموضوع الإرادة والحرية، صياغة مفهوم الإرادة والحرية وعلاقتها بالعدل الإلهي، من خلال نظرية الكسب،  التي ستشكل فيما بعد  الموقف السني الكلامي الرسمي من إشكالية القدر ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وستعرف هذه النظرية مجموعة من التحسينات والتعديلات التي سعت إلى إيضاح المبهم من معانيها، وتقويم الملتبس من عناصرها،  خصوصا وأن الصيغة الأولية تعرضت لانتقادات كثيرة في هذا الجانب.

يرى الأشعري أن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها، أي أن الإنسان مسؤول عن أفعاله من ناحية الكسب وأن الله هو الفاعل الحقيقي. 

يقول الأشعري في مقالات الإسلاميين  ” معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة،  فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق،  ومن وقع منه بقدرة محدثة،  فهو مكتسب،  وهذا قول أهل الحق ” [41] .

فجميع الأفعال مصدرها الله تعالى لكنها منسوبة إليه من جهة أنها مخلوقة، أما الكسب ( الأفعال )  الذي يترتب عنه الثواب والعقاب فهي منسوبة للعبد،  ويضيف الأشعري في شرح معنى الخلق: “واختلف الناس في معنى القول أن الله خالق , فقال قائلون، معنى أن الخالق خالق أن الفعل وقع منه بقدرة قديمة فإنه لا يفعل بقدرة قديمة إلا خالق ” [42] .

وجه  الأشعري سهام انتقاداته صوب المعتزلة حول مشيئة الله قائلا  “إنكم زعمتم أنه قد كان في سلطان الله عز وجل الكفر وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعين فلم يؤمنوا، فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان، لأن الكفر الذي كان – وهو لا يشاء الله عندكم – أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاء، وأكثر ما شاء الله يكون لم يكن… لقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين، لأن الكفر أكثر من الإيمان، وكثيرا مما شاءه إبليس أن يكون كان”  [43] .

فلا يجوز بالنسبة للأشاعرة أن يغيب عن الله  شئ يحدث في الكون و إلا وصف بالنقص والجهل، كما لا يجوز أن يقع شئ بدون إرادته وإلا وصف بالعجز وعدم الكمال، فالله في نهاية المطاف مريد لما سيقع في الكون خيرا كان أم شرا .

يفرق الأشعري  بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، حيث يقول : ” والعبد قادر على أفعال العباد إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة وحركات الاختيار والإرادة،  والتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة بحيث أن القدرة تكون متوقفة على اختيار القادر فعن هذا قال المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة والحاصل تحت القدرة الحادثة ” [44] .

فالحركتان  الاضطرارية والاختيارية هما من خلق الله ، لكنهما ينفصلان من حيث الضرورة والاكتساب الذي لا يؤاخذ عليه في الحالة الأولى ، لكن تخضع لميزان الثواب والعقاب في الحالة الثانية .

والواجبات بالنسبة للأشعري سمعية لا عقلية، فمعرفة الله تحصل بالعقل وتجب بالسمع، وأصل التكليف عنده أن الله غني على العباد لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية   “لم يكن واجبا على الله تعالى،  إذ لم يرجع إليه نفع ولا اندفع عنه ضرر. وهو قادر على مجازاة العباد ثوابا وعقابا، وقادر على الأفضال عليهم ابتداء تكرما وتفضلا. والثواب والتفضل والنعيم واللطف كل منه فضل، والعقاب والعذاب كله عدل ” [45] .

والأشاعرة اتفقوا  بذلك عل نفي الحسن والقبح العقليين، فالحسن هو  ما أمر به الشرع  والقبيح  هو ما نهى عنه الشرع، والعقل لا يملك في هذه الحالة أهلية لتحسين الشيء أو تقبيحه .

والاستطاعة عند الأشعري ملازمة للفعل , لأنه عرض لا يبقى زمانين, أي أن الاستطاعة  توجد عند حضور الفعل وتنتفي عند زواله، ولا يمكن أن يجتمع ضدان في  القدرة الحادثة الواحدة،  لأنه من شروط الاستطاعة، أن تلزم المقدور وقت الفعل ” لأن ذلك لو لم يكن من شرطها وجاز وجودها وقتاً ولا مقدور لجاز وجودها وقتين وأكثر من ذلك؛ إذ لا فرق بين وقت ووقتين وأكثر. ولو كان هذا هكذا لجاز وجودها الأبد، وهو فاعل غير فاعل على وجه من الوجوه ” [46] .

 فلا يمكن الجمع مثلا بين المعصية والطاعة في آن واحد، فالقدرة لا تكون كذلك إلا على ما يوجد معها في محلها، ولكي يكون الفعل مكتسبا يستوجب أن تكون هناك استطاعة مع الفعل للفعل.

أما فيما يخص مسألة التكليف،  فالأشاعرة  يمنحون العقل جدارة التمييز بين الصحيح والخطأ، فهو مناط التكليف ومن خلاله تدرك الأوامر و النواهي ” هو العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات، لأن العقل لو لم يكن من قبيل العلوم يصح انفكاك أحدهما عن الآخر، لكان محال، لاستحالة أن يوجد عاقل لا يعلم شيئا البتة، أو عالم بجميع الأشياء ولا يكون عاقلا، وليس هو علما بالمحسوسات، لحصوله في البهائم والمجانين، فهو إذا علم بالأمور الكلية، وليس من العلوم النظرية، لأنها مشروطة بالعقل، فلو أن العقل عبارة عنها لزم اشتراط الشيء بنفسه، وهو محال، فهو إذا عبارة عن “علوم كلية بديهية وهو المطلوب” [47].

ولا يؤاخذ بذلك فاقدو العقل من الصبيان والمجانين والبهائم بأعمالهم، حيث العقل عند بعض الأشاعرة هو العلم بالضروريات من الحواس الظاهرة والباطنة التي تدرك المحسوسات وتكتشف ماهيتها، والأشعري يجيز التكليف بما لا يطاق إذ يقول ” تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك إمارة على تعذيب المكلف وقطعا به،  وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة ” [48] .

وارتكز رأيهم هذا على أصل من أصولهم يقوم على رفض التعليل لله عز وجل، ومعارضتهم للتحسين والقبيح العقليين، الذي اتبعته المعتزلة بحجة أن قدرة الله مطلقة يفعل ما يشاء في عباده ويملك كامل الحرية في مجازاة من يراه هو أهلا لذلك .

في المحصلة، الإنسان حسب الأشعري  ليس حرا بإطلاق وليس مجبرا خالصا، وإنما هو وسط بينهما  كما يقتضي ذلك العدل الإلهي حسب منظورهم ، وقد زاوج  الأشعري في نظرية  الكسب بين موقفين يوجدان في حالة نقيضين، بين الجبر والاختيار  والحرية والحرية المقيدة، الأمر جر عليه الكثير من القدح من طرف خصومه من المذاهب الأخرى، فتم وصف موقفه بالمبهم والغامض، و عد كسبه إحدى المبهمات الثلاثة المشهورة يقول الشاعر :

       مما يقال ولا حقيقة عنده        معقولة تدنو إلى الأفهام

       الكسب عند الأشعري والحال     عند البهشمي وطفرة النظام [49]

لقد  سعى الأشعري من خلال تطويره  لنظرية الكسب إلى طرح بديل ثالث يوجد بين الجبر والاختيار، دون الوقوع في أحد الموقفين اللذين يمثلهما كل من القدرية والمعتزلة من جهة  والجبرية من جهة ثانية، لكنه لم يفلح تماما في هذا المسعى , وظل تلاحقه أوصاف الجبرية المتوسطة أو الجبرية المغلفة بالاختيار، مما سيستدعي إجراء بعض التنقيحات والتصحيحات خصوصا مع الباقلاني و الجويني .

الباقلاني  والجويني  : تطوير مفهوم  الكسب 

حاول الباقلاني وهو منظر المذهب، إعادة صياغة نظرية الأشعري في الكسب، لكي تبدو خالية من كل غموض، خصوصا وأنها تعرضت  للنقد و للتسفيه، و حافظ الباقلاني على جوهر فكرة الكسب معتبرا أن إرادة الله شاملة لسائر الحوادث خيرها وشرها قائلا ” لو كان في سلطانه منها ما ليس بمريد لكونه، للحقه العجز و التقصير عن بلوغ المراد . وكذلك لو أراد منها ما لم يكن، لدل ذلك على عجزه وتقصيره وتعذر الأشياء عليه ” [50] .

وتدور نظرة الباقلاني حول عنصر الإيجاد، فالوجود من حيث هو وجود في المطلق لا يستحق الثواب والعقاب، وإنما يكون كذلك لارتباطه بالفعل  الذي يحصل نتيجة علاقة  القدرة الحادثة بوجه من أوجه الفعل .

فالله تعالى يوجد الفعل، لكن اصطباغه بصبغة معينة يعود للعبد، كالصوم والصلاة أو الأكل والشرب. 

يقول الباقلاني في توضيح وجهة نظره، في باب الاستطاعة في كتابه التمهيد   ” إن الإنسان يعرف في نفسه فرقا بين قيامه وقعوده وكلامه إذا كان واقعا بحسب اختياره وقصده، وبين ما يضطر إليه مما لا قدرة له عليه، من الزمانة والمرض والحركة من الفالج وغير ذلك، وليس يفترق الشيئان في ذلك لجنسهما، ولا للعلم يهما، ولا لاختلاف محلهما، ولا لإرادة لأحدهما . فوجب أن يحصل مع كسبه لهذه الصفة لكونه قادرا عليه” [51]  .

ويرد الباقلاني على الخصوم من المعتزلة بخصوص خلق الأفعال، معتبرا أن لا خالق  إلا  الله تعالى وأنه أدخل في خلقه كل شيء مخلوق، ومن شروط الخلق العلم به في الماضي والحاضر، والقدرة على إتيان الشيء وضده كالحياة والموت، وهذا ما لا يقدر عليه البشر، وأن الإنسان لا يقدر على الفعل إلا في حالة وجوده، ولا يستطيع البتة إخراج الفعل من العدم للوجود، كل ما هنالك أنه يملك شروط كسبه، مفرقا بين الخلق والاختراع والكسب فالإنسان سمي فاعلا بمعنى أنه مكتسب للفعل وليس بخالق له، و لا يخرج حادث عن مشيئته، ولا يكون إلا بقضائه وقدره  [52] .

أما الجويني فقد خالف الأشعري والباقلاني في أجزاء دقيقة، لكنه لم يخرج بدوره عن لب فكرة الكسب، فهو يعتبر أن القدرة الحادثة لها تأثير في مقدورها، أي أن وجود الفعل يستند على القدرة الحادثة . وهو بهذا الموقف خالف الأشعري، كما خالف باقي الفرق الكلامية، فلم يجعل القدرة سببا مستقلا بل تتصل بسبب ثان فثالث إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب أي الله تعالى .

والجويني يؤكد على أن هذا التأثير لا يعني الخلق والإيجاد، والخلق بالنسبة إليه ليس من صفات الإنسان، لأن الخالق للشيء يشعر باستقلاليته وهذا ما لا يمكن قبوله .

” وإذا ثبت وجوب كون مقدور العبد مقدورا لله تعالى، فكل ما هو مقدور له، فإنه محدثه وخالقه، إذ من المستحيل أن ينفرد العبد باختراع ما هو مقدور لله تعالى ” [53] .

ويمنح الجويني للإنسان استطاعة الكسب، بل إن قدرته تابثة عليه والدليل حسبه حركتا اليدين في حالة ارتعادها أو في حالة تحريكها بالقصد، فالحالة الأولى ضرورية لأنه لا يتحكم فيها والحالة الثانية مختارة ومكتسبة .

لقد وضع الجويني أفعال الإنسان قسمة بين إرادته والأسباب الملتصقة بالفعل، وهذه الأسباب تملك إمكانية الاستغناء والحاجة في نفس الوقت على خلاف الله تعالى الذي لا حاجة له ولا افتقار.

 العديد من الباحثين ذهبوا  إلى اعتبار  إضافات  الجويني إلى نظرية الكسب، بأنها تقربه إلى مذهب الاعتزال وتبعده عن مواقف  الأشاعرة المبدئية من موضوع القضاء والقدر والحرية والإرادة، ويستدلون على ذلك بتبنيه لمواقف في مواضيع أخرى تنزع منزع  المعتزلة وتؤيد وجهة نظرهم، كما بالنسبة  للخبر الآحاد والاستواء مثلا، كما عيب عليه استعماله للتسلسل السببي و اعتبر ذلك خروجا عن القواعد المرسومة من طرف أهل السنة والجماعة   ” تعرض الجويني لانتقادات حادة خصوصا من أهل الحديث،  وبين من اعتبر استعماله للسببية يظهر اقتباسا من حيث الشكل لما جاء به الفلاسفة من تسلسل الأسباب إلى السبب الأول ” [54].

القدرة الإلهية شرط  العدل عند الأشاعرة

العدل عند الأشاعرة ينطلق من معطى أساسي يتعلق بقدرة الله اللامتناهية في التصرف، وأنه خالق لأفعال عباده خيرها وشرها وخالق لأكسابهم أيضا، والعبد في هذه المعادلة مكتسب لعمله، فالإنسان ليس بالمختار ولا بالمجبر، والعدل يوجد خارج الجبر والقدر كما يقول عبد القاهر البغدادي   “ومن قال إن العبد مكتسب لعمله والله سبحانه خالق لكسبه، فهو سني عدلي منزه عن الجبر والقدر» [55].

وبما أن قدرة الله مطلقة، فإن الأشاعرة نفوا الجور عن  ونوان عن الله وأن كل ما يفعله فهو عدل وحكمة وذلك  عملا بمبدأ التعديل والتجوير خلافا لما تقول به المعتزلة، معتبرين أن الحرية الإلهية المطلقة تعني أن الله يفعل ما يشاء، وإن لم تتواءم ممارسته للعدل مع نظرتنا الإنسانية إلى تمظهراته ” [56] .

فالعدل والظلم بمعايير البشر تختلف عن المقاييس الإلهية، فالظلم بالنسبة للإنسان يكون بالتعدي على ما لا يملكه أو  بمخالفته لشريعة أو اعتراضه لقانون، لكن الله يتصرف في ملكه، يفعل فيه ما يشاء و لا يسأل عما يفعل، فهو يفعل ويخلق ويأمر ويخلق لمحض المشيئة ، ليس فوقه سلطة زاجرة أو مرخصة، كما يقول الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد ” فإن قيل فيؤدي إلى أن يكون ظالماً وقد قال:  وما ربك بظلام للعبيد  قلنا: الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك غيره، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، ولا يتصور من الإنسان أن يكون ظالماً لما في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع فيكون ظالماً بهذا المعنى، فمن لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم مسلوباً عنه لفقد شرطه المصحح له  لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات”  [57] .

الإنسان في التصور  الأشعري لا يتوفر على نزعة إرادية ولا يمتلك قوة الفعل بالحقيقة، بل يكتفي  بموقف سلبي تجاه محيطه  والعالم، والقيود التي سطرها الأشاعرة منذ البداية منعته من أن يكون  فاعلا حقيقيا  في حاضره محددا أو مشاركا في  مصيره، ورغم أن منظري المذهب اجتهدوا في  تطوير نظرية الكسب بغرض دفع تهمة لطالما لاحقتهم والمتعلقة بإعادة صياغتهم للجبر في ثوب الاختيار، فإن الواقع النظري يقول إنهم لم يستطيعوا محو هذه التهمة تماما، حتى أن بعض الخصوم لم يتورعوا في  وصفهم  بالجبرية المتوسطة، تمييزا لهم عن الجبرية الصريحة . 

في المقابل أفسحت الأشعرية مساحة كبيرة  لهيمنة  الإرادة الإلهية،  فجميع أفعال البشر مخلوقة , والإنسان لا يشترك مع الله في خلق أفعاله، بل إن  الحضور الإلهي بالنسبة للأشاعرة  لا حدود له، ويمكنه القيام  بأشياء قد لا يقبلها  العقل، ولا يأذن بها منطق  كجواز تعذيب المطيعين عقلا، وتخليد الأنبياء في النار، وإدخال الكافرين الجنة  وجواز العفو عن الكافر، واستباقا لوصف رأيهم بالاضطراب من طرف الخصوم,  فقد نفى الأشاعرة العبث على أفعال  الله تعالى، معتبرين ذلك  تلبيسا عليهم  كما قال الغزالي، إلا أن هذا الموقف تحديدا  زاد  من ضعف تماسك البناء الأشعري  بما فيه نظرية الكسب، خصوصا وأن  فرقا كلامية أخرى تنتمي إلى نفس التقليد السني، خالفت الأشاعرة و قالت  بمنع تعذيب المطيع عقلا أو شرعا كما هو حال الماتريدية مثلا.

المراجع :

ابن عساكر : تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري , دار الكتاب العربي – بيروت

البخاري : التاريخ الأوسط دار الوعي , مكتبة دار التراث

الطبري : تاريخ الأمم والملوك , دار التراث – بيروت

ابن النديم : الفهرست , دار المعرفة بيروت – لبنان

الشهرستاني : الملل والنحل , مؤسسة الحلبي

عبد القاهر البغدادي  : الفرق بين الفرق , مكتبة ابن سينا

ابن سعد : الطبقات الكبرى  , دار صادر – بيروت

هاري ولفسون , فلسفة المتكلمين في الإسلام , المركز القومى للترجمة

ابن المرتضى : المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل , دار المطبوعات الجامعية – الإسكندرية

الذهبي  : سير أعلام النبلاء , بيت الأفكار الدولية

ابن حجر العسقلاني , تهذيب التهذيب , مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند

أبو الحسن الأشعري, مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين , دار فرانز شتايز، بمدينة فيسبادن

ابن خلدون : المقدمة , دار يعرب

القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة, مكتبة وهبة للطباعة والنشر

القاضي عبد الجبار,  المغني , دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان

فخر الدين الرازي  : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين , مطبعة الكليّات الأزهرية

الخياط  : كتاب الانتصار , مكتبة ودار بيبليون

الشريف المرتضى,  رسائل الشريف المرتضى ,الحدود والحقائق , دار القرآن الكريم

الباقلاني : تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل , مؤسسة الكتب الثقافية – لبنان

الجويني ,  كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد , مطبعة السعادة , مصر


 [1]   ابن عساكر , التبيين , ص 355  

[2]  – البخاري , التاريخ  الأوسط , ص 105

[3]  – كما جاء في رواية مسلم في صحيحه فقد روى عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني, فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين, فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر, فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد, فاكتنفته أنا وصاحبي, أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله, فظننت أن صاحبي سيكل الأمر إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن, إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن وَيَتَقَفَّرُونَ العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف…)

[4]  – كما في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر في صحيح أبي داوود ويقول القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذه الأمةِ : إن مَرِضوا فلا تَعودُوهم ، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهم

[5]  – انظر القصة كاملة, حديثه في القدر واستدعاؤه من طرف الخليقة عمر بن عبد العزيز وكفه عن ذلك إلى غاية وفاة الخليفة كما جاءت في ابن عساكر, تاريخ دمشق ج 48 ص 196

[6] – جاء في ابن عساكر , تاريخ دمشق تفصيل المناظرة التي جرت بين غيلان والأوزاعي , المناظرة التي يظهر جليا  أن نتائجها كانت محسومة قبل بدايتها,  وهذا نصها :

أرسل الخليفة إلى الإمام الأوزاعي في بيروت للقدوم إلى العاصمة دمشق ليناظر غيلان ويكفره.

ولما حضر الأوزاعي قال له هشام: يا أبا عمر ناظر لنا هذا القدريّ.

فقال الأوزاعي مخاطباً غيلان: اختر إن شئت ثلاث كلمات وإن شئت أربع كلمات وإن شئت واحدة.

فقال غيلان: بل ثلاث كلمات.

فقال الأوزاعي: أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل قضى على ما نهى؟

فقال غيلان : ليس عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه واحدة. ثمّ قال: أخبرني عن الله عزّ وجلّ أحال دون ما أمر؟

فقال غيلان: هذه أشدّ من الأولى، ما عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه اثنتان يا أمير المؤمنين، ثمّ قال: أخبرني عن الله عزّ و جلّ هل أعان على ما حرّم ؟

فقال غيلان: هذه أشدّ من الأولى والثانية، ما عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه ثلاث كلمات. فأمر هشام فضربت عنقه. ثمّ إنّ هشاماً طلب من الأوزاعيّ أن يفسّر له هذه الكلمات الثلاث. فقال الأوزاعي: أمّا الأوّل فإنّ الله تعالى قضى على ما نهى، نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثمّ قضى عليه بأكلها. أمّا الثاني فإنّ الله تعالى حال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم ثمّ حال بينه وبين السجود، وأمّا الثالث، فإنّ الله تعالى أعان على ما حرّم، حرّم الميتة والدم ولحم الخنزير، ثمّ أعان عليها بالاضطرار…

ويروي ابن عساكر، أن الخليفة قال لغيلان في مجلس الخلافة: مُدّ يدك. فمدَّها، فضربها بالسيف فقطعها، ثم قال: مُدَّ رجلك. فقطعها بالسيف.

وبعد حين مَر به رجل والذباب على يده المقطوعة فقال له: يا غيلان، هذه قضاءٌ وقَدَرٌ. فقال: كذبتَ، ما هذا قضاءٌ ولا قَدَر. وصلبه على باب كيسان في دمشق لكن غيلان استمر في انتقاد الأمويين حتى وهو مصلوب فأمر هشام بقطع لسانه، فمات.

[7] – يذكر ابن النديم في الفهرست، ص 149 أن غيلان الدمشقي كانت له رسائل ـ ضاعت ـ قال أنها بلغت ألفي صفحة .

– [8]  ابن حجر العسقلاني , هدي الساري , ج 2 ص 232

– [9]  الملل والنحل, الشهرستاني  ج 1 ص 43

 [10]  قال الذهبي في : سير أعلام النبلاء ج 6 ص 26 – 27 عن جهم بن صفوان : ” أبو محرز الراسي مولاهم السمرقندي الكاتب المتكلم، أس الضلالة ورأس الجهمية كان صاحب ذكاء وجدال، كتب للأمير شريح التميمي وكان ينكر الصفات، وينزه البارئ عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن، ويقول: إن الله في الأمكنة كلها، قال ابن حزم كان يخالف مقاتلًا في التنجيم، وكان يقول: الإيمان عقد بالقلب، وإن لفظ الكفر. قيل: إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسى “

[11]  ابن حجر العسقلاني , تهذيب التهذيب , ج 2 ص 270

[12]  ابن سعد , الطبقات , ج 7 ص 167

[13]   حسين مروة , النزعات المادية قي الفلسفة العربية الإسلامية , ج 2 ص 155

[14]  الزمخشري  , ربيع الأبرار , دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1977 ص 683      

[15] انظر الطبري في تاريخ الأمم والملوك, ج 5 ص 220

     [16]  , ابن المرتضى  , المنية والأمل ص 24 و 25

[17]  يوحنا الدمشقي, الهرطقة المئة, ص 62-63 ناشر غير معروف

[18] رواه الطبراني في “الكبير” (ج 2 ص 96)

 [19]  هاري ولفسون , فلسفة المتكلمين في الإسلام ص  733

[20]   زهدي جار الله, المعتزلة ص 87

[21]  الشهرستاني,  الملل والنحل ص 28

[22]  ابن خلدون , المقدمة ص 565 

[23]  يقول ابن خلدون في المقدمة ص 1082: «وأوّل من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزّالي رحمه الله، وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم. ثمّ توغّل المتأخّرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً من اشتباه المسائل فيهما.

 [24]   الشهرسناني  , الملل والنحلل , ج 1 ص 40

 [25]    القاضي عبد الجبار  , شرح الأصول الخمسة , ص 218

[26] هانم إبراهيم يوسف,  أصل العدل عند المعتزلة,  هانم إبراهيم يوسف , ص 67

 [27]  القاضي عبد الجبار  . شرح الأصول الخمسة , ص 355

[28]  الخياط  , كتاب الانتصار , ص 118

[29]  ”  الشهرستاني , الملل والنحل ج 1 ص 42

[30]  للمعتزلة موقف فريد فيما يخص التعامل مع الأحاديث النبوية, حيث يظهرون حذرا شديدا في قبولها والاحتجاج بها , بما فيها الأحاديث المتواترة بمبرر إمكانية وقوع الكذب فيها كما قال النظام , أما خبر الآحاد فهي مردودة جلها إلا بشروط التعدد  . 

 [31]  القاضي عبد الجبار,  المغني , ج 12 ص 123

[32]  الشهرستاني , الملل والنحل ج 1 ص 52

 [33]  الاشعري , المقالات الجزء الثاني ص 84

[34]  القاضي عبد الجبار, المغني في أبواب العدل والتوحيد ج  9 ص 11

[35]   الشريف المرتضى,  رسائل الشريف المرتضى ,الحدود والحقائق ص 175

[36]  ابن طاووس ,  سعد السعود ص 324

[37]  شرح الأصول ص 688

[38]  زهدي جار الله ,  المعتزلة , ص 100

[39]  ابن عساكر , تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي موسى الأشعري ص 91

[40]  ابن النديم  , الفهرست  ص 271

 [41]  أبو الحسن الأشعري, مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين , ص 304/ 305

[42]  أبو الحسن الأشعري  ,مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين , ص 304/ 305

[43]   , أبو الحسن الأشعري,  الإبانة عن أصول الديانة ص 163

[44]  الشهرستاني , الملل والنحل ج 1 ص 101

[45]  ” الشهرستاني الملل والنحل ص 88-89

[46]  الأشعري : اللمع ص 41

[47]   فخر الدين الرازي  , محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، ، ج4، ص:104

[48]   القرطبي   , الجامع لأحكام القرآن , المجلد الثاني ص 277

[49]   عبد الكريم الخطيب  , القضاء والقدر  ص 185

[50]  الباقلاني : تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ص 281

[51]  الباقلاني . كتاب التمهيد ص 286.

[52]   الباقلاني , الإنصاف ص 35

[53]  الجويني , الإرشاد ص 160

[54]  محمد عابد الجابري : الكسب وخلق الأفعال عند الاشاعرة جريدة الاقتصادية مايو 2009

[55]   عبد القاهر البغدادي  , الفرق بين الفرق  ص 343

[56]  محمد عمارة, تيارات الفكر الإسلامي ص 189

[57]   الغزالي , الاقتصاد في الاعتقاد 83

شاهد أيضاً

ميكائيل فوسيل (1): اجتثاث الشر نهائيا، معناه المساس بالحرية(2)

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة في هذا الحوار الشيق، يستعرض الفيلسوف الفرنسي ميكائيل فوسيل، مُختلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *