الرئيسية / منتخبات / عامة / المؤسسات الإجتماعية: السجن نموذجا

المؤسسات الإجتماعية: السجن نموذجا

بقلمي : كريم بكرار و اسامة البحري

بقلم كريم بكرار:

يرى إميل دوركهايم أن المؤسسات و الأجهزة التي تستمد مادتها من النظم الأخلاقية و المعيارية و التقاليد و القوانين السياسية ( الأسرة ، المدرسة ، المسجد ، السجن …) تفرض قهرا على سلوك و تفكير و شعور الأفراد ، حيث يقول دوركهايم في هذا السياق ” إن الغالبية الكبرى من أرائنا و ميولنا ليست من صنعنا و إنما تأتينا من الخارج ، و لهذا فليس من الممكن أن تصبح هذه الأمور جزءا من شعورنا الداخلي إلا بشرط أن تفرض نفسها علينا فرضا 1 ” و في هذا الصدد يميز ألتوسير بين جهاز الدولة الأديولوجي (الإعلام  ، الأسرة ، المدرسة ….) و جهاز الدولة القمعي ( السجن ، الشرطة ، الجيش …) إذ أن كلا الجهازين حسبه يشتغلان على حد سواء بالعنف و الإيديولوجيا مع فارق أن جهاز الدولة الأيديولوجي يشتغل بترجيح للإيديولوجيا ، أما جهاز الدولة القمعي فيشتغل بترجيح العنف و لهذا نجد مؤسسات كالأسرة تفرض عقوبات كالتوبيخ ، الضرب .. على عكس ذلك نجد مؤسسات كالسجن ، الشرطة قد إرتبط إسمها بمجموعة من المفاهيم كالإصلاح ، التقويم ، التربية …” ففي السياق ذاته يرى  ميشال فوكو أن  ممارسة السلطة تتم عبر عدد من المؤسسات التي تتظاهر أنها لا تملك شيئا مشتركا مع السلطة السياسة ، و لكن في بعدها الرمزي نجد اتحاد هذه المؤسسات مع السياسة ، فالجامعة و كل المؤسسات التعليمية التي تتظاهر أنها تنشر المعرفة ،  صنعت في الأصل لتحافظ على طبقة إجتماعية معينة 2 ” ، كما يمكننا أن نستنج من هذا السياق أن جهاز الدولة القمعي يتبع الميدان العلني العام ، في حين أن الأجهزة الأديولوجية تتبع الميدان الخاص 3، و قد تنبأ غرامشي بهذا التفريق بين العام و الخاص عن طريق التشريع البورجوازي فما يهم في المؤسسات الإيديولوجيا هو تحقيقها لدورها ، ففي نفس السياق نجد أن الايديولوجيا حسب ماركس تظل على تركيب خيالي و حلم خالص عبثي ، مكون من الواقع المادي للأفراد ، فالأديولوجيا هي تصور خيالي و لكن وجودها مادي ، فمفاهيم كالقومية ، العرقية تمثل نوعا من العبث و الفراغ لكن لها وجود مادي 4، علاوة على ذلك فإن هذه الأجهزة التي تمثل البناء الفوقي ، تساهم في إعادة إنتاج علاقات الإنتاج ليس فقط إعادة إنتاج كفاءتها ، بل إتادة إنتاج خضوعها (فالمؤسسات الدينية ، المدرسة ) تلقن مهارات و لكن في أشكال تضمن الخضوع و الإذعان للأديولوجية السائدة ، و في هذا الصدد يرى بيار يورديو أن هذه الأجهزة / المؤسسات تعتبر بمثابة الفاعل في عبارات تأخذ شكل (الدولة تقرر) أو (المدرسة ترفض) فالمؤسسة تهدف إلى قصد تبرير كل شيء بأقل جهد فتساهم بذلك في خلق الوظائف الإجتماعية وفق قواعد العمل البيداغوجي ، و بذلك فإنها تشكل حسب بيار بورديو ميدانا للعنف الرمزي القائم على علاقات الهيمنة و القوة ، كما يمكن إدراج المؤسسات / الأجهزة ضمن ما سماه بورديو بالمجال الذي يكون موضوع الصراع فيه محددا بالرأسمال الرمزي بوصفه رأسمال التكريس و الإعتراف ، إن المدرسة كنموذج لجهاز من أجهزة الدولة الإيديولوجي و بإعتبارها تمثل جزءا من البناء الإجتماعي  تجسد اللاتكافؤ بين أفراد الطبقات العليا و الدنيا ، إن نوعية اللغة السائدة داخل الأسرة بورجوازية / شعبية هي ما يتأسس عليه النجاح المدرسي ، حيث أن الثقافة السائدة داخل المدرسة هي ثقافة الطبقة المهيمنة ” البورجوازية ” و بالتالي أن كل سلطة حسب بورديو تطال فرض و تلقين دلالات على انها شرعية و لكنها في الاصل هي عبارة عن عنف رمزي ، فنجدها مثلا في المؤسسة الدينية من خلال مجموعة من الأفعال البيداغوجية (الوعظ ، الشرح الأستاذي …)و إذا كان التكرار يكسب بعض ضروب التفكير صلابة حسب دوركهايم ، فإن الفعل البيداغوجي بفعل ذلك ينتج تكوينا دائما و ممأسسا، يضم ترسيمات ، تفكير ، إدراك ، تقدير ، فعل و التي ينعتها بيار بورديو ” الهابيتوس” التي هي مجموعة من الخصال المترسخة في عقول و أجسادالأفراد ، و في هذا الصدد يرى ميشال فوكو أن السلطة قد إخترقت الجسد الإجتماعي عبر  ” شبكة من المؤسسات القائمة حول الجسد و جنسه ، كالحصص الطبية و المتابعة السيكولوجية و العلاقات البيداغوحية و المراقبة الأسرية ، و كلها  مؤشرات سلطة تستمتع بالمساءلة و الترصد و المراقبة و التفتيش و الكشف 4″ و لهذا فإن هذه المؤسسات الإنظباطية بتعبير فوكو قد أفرزت آلية رقابة تشتغل كميكروسكوب للسلوك و هذا ما يدل على أن المجتمع الحديث حسب فوكو هو مجتمع مراقب و يراقب ذاته لاشعوريا  من أجل إعادة إنتاج الإعتباط الثقافي حسب تعبير بيار بورديو ، و من أجل الحفاظ على موازين القوى داخل للمجتمع من جهة السلطة التي تتحكم بهيكل البناء الإجتماعي ، و لهذا فإذا ما عدنا إلى عمل ميشال فوكو ” المراقبة و العقاب ” سنجده يعتبر أن المؤسسات الإجتماعية هي قوة متموضعة في يد الدولة و أنها تمارس عبر عدد معين من هذه المؤسسات ضبط لسلوكات الاجساد ، فهي تتظاهر بانها بعيدة عن السلطة  ، و لكنها في الأصل صنعت لتصنع و لتبث عددا معينا من القرارات لتطبيقها و أحيانا تعاقب من لا يطيعها كالشرطة ، الجيش ، جهاز الدولة ، و بهذا فقد عمل ميشال فوكو على نقد هذه المؤسسات ، و في نقده هذا ركز على مؤسسة السجن بإعتبارها تهدف إلى الضبط و ليس الإصلاح ، فببداية الكتاب ( الفصل الأول ) يعود بنا فوكو إلى العصر الكلاسيكي قبل ولادة السجن  ، ليعرض لنا مثال دامين المحكوم عليه بالتعذيب العلني لإرتكابه جريمة قتل في حق أبيه ، فحكم عليه بأن يقر بذنبه أمام الكنيسة ثم نقل من هناك عاريا إلا في قميص ، حاملا مشعلا من الشمع ، و بمنصة الاعدام حمل في يده السكين الذي ارتكب بها الجريمة ، ثم حرقت يده بنار الكبريت و قرص في لحمه و في المواضع التي قرص فيها تم وضع رصاص مذوب و زيت ساخن و شمع و كبريت ممزوجان معا ، ثم مزق و قطع عن طريق أربعة أحصنة و في الأخير أضرمت النار في بقايا لحمه و عظامه المحطمة ، و بهذا فإن داميان هو نموذج للجسد الإنضباطي بالعصر الكلاسيكي ، فقد إستخدم الجسد فينومينولوجيا عن طريق التعذيب البطيء الذي يرتكز على الألم كتقنية من أجل خدمة أهداف سياسية ، فأنواع التعذيب التي كانت سائدة آنذاك كانت عبارة عن قوة متموضعة في قبضة السلطة ، فشخصية القصاص حسب فوكو لم تكن وسيطا سيطبق العدالة ، بل هو مرآة تعكس القوة المادية التي تنصب على جسد المحكوم عليهن / عليهم ، فخلال سنة 1832حسب فوكو ظهر نظام السجن . فسطر ليون فوشي قانونا ينظم حياة السجناء ، حيث تناول بأدق التفاصيل الحياة اليومية للسجناء ، إنطلاقا من ساعات الإستيقاظ ، الصلاة ، العمل ، الغذاء ، النوم ، و يضبط أيضا حتى علاقة السجين مع نفسه و مع الآخرين ، فخلال هذه الفترة إحتل الحجز و الإعتقال و الإنشغال مكانة مهمة في الأنظمة الجزائية الحديثة و من المؤكد أن هذه العقوبات تتناول الجسد فالجسد باعتباره ركيزة للوجود تمت الإحاطة به بأربع أسوار و سط ظروف مزرية (التكديس ، الإختناق ، البرد ، الجوع ، الضرب ) ، زد على ذلك أن هذا الجسد تم إستغلاله إنتاجيا من خلال الإشتغال الذي يفرض عليه ، و بهذا فقد أصبح السجن يؤخذ ضمن نظام من الإكراهات و المحظورات و الحرمان (تقنين الطعام ، الضرب ، العزل ، الحرمان الجنسي و العاطفي ) و في هذا الصدد يسلم فوكو بالفصل الاول من عمله المراقبة و العقاب ، أن التغيير الوحيد الذي طرأ على نظام العقوبات هو زوال أنواع التعذيب العلنية ، و تحولها الى تعذيب اكثر خفاء ، يندرج ضمن الوعي المجرد ، و بالتالي فقد انتقلنا حسب فوكو من الاجساد المقطعة الى أجساد مسلوبة فكريا  و إراديا

بقلم أسامة البحري ” من الردع المادي الى الردع الرمزي”

كانت غاية السلطة حسب فوكو طيلة فترة الاصلاح ، هو إخضاع الجسد اليها ( حركات – إيماءات – مواقف – سرعة ) ، و بذلك فلم يعد همها هو لغة الجسد الظاهراتية ، بقدر ما أصبح همها هو ضبط الكل (اي إختراق المؤسسات و تقنين أفكار المجتمع فيما يخدم مصلحتها ) ، و لهذا يرى ميشال فوكو أن الأساليب التي كانت في فترة ما قبل القرون الوسطى (العصر الكلاسيكي : جسد داميان نموذجا ) قد تجاوزتها السلطة ، و بذلك فقد أصبحت الإنضباطات بالقرن 17 و القرن 18  عامة و شائعة ( توجد في كل مكان و في اعقد و أبسط القضايا الإجتماعية ) و بهذا فقد إنتقلت السلطة من الاستبعاد إلى الإستعباد ، و في هذا الصدد يقول ميشال فوكو ” اللحظة التاريخية  التي تحمل طابع الإنضباطات هي اللحظة التي نشأ فيها فن الجسد البشري : un art du corps humain  6″ فهنا يتبين لنا أن ميشال فوكو يسلم ضمنيا ، بأن التطور الذي وقع يتعلق بتوسع فكرة السجن فأصبحت هذه الفكرة ليست حكرا على اسوار دور الحجز بل أصبحت تضم المجتمع بأكمله ، و في توسعها هذا إخترقت البسيط و المعقد من المجتمع (شكل المنازل / شكل الأحياء / الكتابة على جدران المدارس / الأوراق المعلقة بالمتاجر / أنواع الملابس بالسوق ..الخ ) فهذا السوسيو – ميكرو – فيزيائي او الأشياء اليومية الخاصة بثقافة معينة ، هي عبارة عن جزيئات أخترقت الأشياء  من طرف السلطة لتضبط الأفراد ، و سينعت فوكو هذه الجزيئات المتطبعة ثقافيا بالأشكال و الايقاعات الموسيقية و في الألوان و بنبرة الصوت الثقافية ( أنثى / ذكر ) “شرطة الفكر 7″ و  إذا ما انتقلنا مع فوكو الى عمله تاريخ الجنسانية ” الجزء الاول ” سنجده قد أضاف لنا مفهوما أساسيا سابق في وجوده على شرطة الفكر و هو ” شرطة الملفوظات 8 ” ، و الأكثر من ذلك أنه في عمله الكلمات و الأشياء و بعمله الاساسي أيضا حفريات المعرفة سيختم لنا اشكالية العلاقة المعقدة بين شرطة الفكر و شرطة الملفوظات ، مسلما بالفصل الأخير من عمله حفريات المعرفة أن شبكة نظام الخطاب تتجاذب مع الظروف الإجتماعية لتكون جسدا آليا ” تكنلوجيا الأجساد” ، بمعنى أن شرطة الملفوظات  : ك” عيب / حرام / حشومة / لا تفتحي رجليك ٨/ أنت فأس تحفر في كل مكان ..” هي عبارة عن ملفوظات لا تتفاعل إلا داخل محيطها الذي يتمثل و يتشكل من شرطة الفكر ك” صوت الآذان ، أشكال المساجد ، الوان : كالوان المدن المختلف ، طقوس الأعياد / اذواق المأكولات و المشروبات ” فهذه الشرطة الفكرية إذن ، المرتبطة بالأشياء السوسيو – عضوية و اللاعضوية ، تعتبر إبستيميا : دافعا مولدا لطاقة إستمرارية الشرطة اللفظية او الملوظات الثقافية ، و عبر هذه العلاقة تستمر الثقافة داخل الجسد الاجتماعي بأكمله عبر كل مؤسساته الإجتماعية فمادامت الشرطة اللفظية تعيد طاقتها بشرطة الفكر فإن بين هذه المعادلة الإبستيميه سوسيو- رمزية يعاد إنتاج فينومينولوجيا المؤسسات الإجتماعية  ، و في هذا الصدد يقول ميشال فوكو ” لقد دخل الجسد البشري ضمن آلية للسلطة تنقب فيه ، و تفكك مفاصله ثم تعيد تركيبه 9″ فهذا التطبيع الفعلي حسب تعبيره ، جعل الفرد ” انثى / ذكر ” في استعداد بمعناه الإنعكاسي(البين سوسيو فكري) ، الذي يعني لنا : جعل ما هو متطبع به ماضويا ، يلتبس كل المثيرات السوسيو – حاضراتية ، و طبعا إذا ما عدنا الى بورديو سنجده يسلم بأن الوسيط بين عامل التباس الماضي للحاضر هو الهابيتوس الذي يعني لنا إستعدادات تتمخض عن التأصل الثقافي للافكار المتطبع بها داخل الدماغ ، و بهذا فالإستعدادات حسب كل من بورديو و فوكو تتحول الى انضباطات مزمنة ، تجعل من الجسد خاضعا لتكدس من الألفاظ السابقة عنه ” ما قبل العصور الوسطى – أفكار العصور الوسطى ” مما يجعل منه تكنلوجيا محشوة بألفاظ تنجذب لما يحيط بها في المجتمع بغية اعادة طاقتها ” مفهوم حشومة مثلا ، ينجذب الى صوت الآذان ، و عبر هذا التجاذب السوسيو – رمزي  يعزز وجوده فيعاد تحيينه و تجديده ،  لذلك فكل المؤسسات الاجتماعية حسب ميشال فوكو تمخضت عن تكدس من الألفاظ الخاصة بكل العصور التي سبقتها ، و يخلق هذا التكدس حسب فوكو بعد ان تتداخل جيدا مع بعضها البعض مشكلة  ” طريقة عامة 10 ” ، نجدها حسب فوكو في كل مكان ” بالسجن / الجامعة / الاسرة الخ ) ، و لهذا فعبر تاريخ السجون العربية ” ما قبل العصر الكلاسيكي ” نجد أن اول ظهور للحجز ، قد تمحور بالمسجد النبوي و أول من عوقب به هو ابن آثاء الحنفي مربوطا باحد أعمدة المسجد  ، بسبب تجاوزه للشريعة الاسلامية ، ثم تطور هذا الحجز من المسجد الى الخيمة ثم الى البيت ، و بعهدالخلفاء الراشدين تم بناء العديد من دور الحجز ، ثم وضع ديوان خاص بالقوانين التي تفرض على السجناء و السجينات داخل السجن ، من طرف عمر ابن العزيز ، و حينما نتصفح هذه القوانين نجد أنها تدافع عن المعتقدات الثقافية الخاصة بالوعي الجمعي العربي ، ثم مكونة أيضا من التأويلات الدينية الإسلامية كالحدود الدينية ، و بذلك نجد ان من تجاوز،ت الخطوط العريضة ، لا تعاقب على ما تجاوزته دينيا فقط ، بل تعاقب حتى على الافكار الثقافية الملتحمة مع الدين ” مثلا كعقوبة فض غشاء البكارة التي يدعي القانون أنه قد استوحاها من الدين ، و لكن حينما نعود الى تاريخ الجنسانية العربية نجد أن الاهتمام بالبكارة لم يكن مع ظهور  الدين الاسلامي ، بل كان بما قبل ظهور الإسلام ، و لذلك أفترض أنه عبر عدم إهتمامنا بنقد و تفكيك و إعادة بناء التاريخ علميا و نظريا ، إلتحمت الأفكار مع بعضها البعض فأصبحت بوقتنا المعاصر عبارة عن كل إبستيميه ثقافي ، كفكرة فض غشاء البكارة حرام التي لا توجد لا بقبل ظهور الاسلام و لا مع ظهوره و لكن مع الالتحام التاريخي للأفكار  . تجمعت فكرة البكارة المقدسة التي كانت قبل ظهور الاسلام ، مع فكرة حرام التي نحتها الدين الاسلامي حول ممارسة الجنس ، فأصبحت بماوراء القرون الوسطى العربية (  فض غشاء البكارة حرام ) و الأكثر من ذلك أنها اصبحت عبارة عن  قانون لا يجب تجاوزه ، و تعتبر هذه الإستقالة الفكرية عن المعرفة حسب تعبير الجابري ، مهادا يخلق حسب أركون جهلا مؤسسا بنيويا ، نجده بالجسد الإجتماعي بأكمله ، و الأكثر من ذلك أنه يخدم السلطة و يساهم في إرساء بنية فكرية تؤدي الى ما يعاقب عليه القانون ، و في هذه الإعادة الإنتاجية لذكور يندفعون ثقافيا نحو الإفراط في إستخدام السلطة تحت لواء ثقافة ” انتت فأس يحفر في كل مكان / الرجل لا يعيب / الرجل خشن  ..) تخلق طاقة الإندفاع نحو الأفعال التي تجرمها قوانين المجتمع ، و في هذه العلاقة يمهد رمزيا للدخول الى السجن عبر علاقة سوسيو- لاشعورية ، و لذلك فحينما نفكك هابيتوس الذكورة المغربية الكادحة ، سنجد أن تجاوز القانون يحضر رمزيا باستمرار في الخطاب الثقافي ، و لذلك نجد أن أفكار ” ابتعد عن المنزل و الجيران ، و قم بما أردت ” توجه الشاب مباشرة الى التحرش الجنسي و الى الإغتصاب و إلى السرقة  بأحياء أخرى من غير حيه ، و بذلك تكون التربية المغربية (رمزيا )،  قد ربطت خيطا قويا بين البيت و السجن  ،  و بعد تفقد ميداني لأحياء شعبية ” الثقافة الدنيا ”   بمدينة بني ملال ، تبين لي أن الأنثى المغربية لا تربى على أنوثة البيت الزوجي فقط ، بل نجد في طريقة التلقين التربوية للأسرة بالأحياء الشعبية أنها تفتح هامشا كبيرا للشراسة السلوكاتية ، و هي التي تلقب داخل المجتمع المغربي ب”التشرميل ” و داخل هذه الأحياء نجد مكانا رمزي- اجتماعي”للمشرملة التي تقلد المشرملين  بالكروا أو الحي ” و نجد ان بمخيالهم الإجتماعي توجد مكانة رمزية لجسد الانثى على عكس ما يوجد بالمناطق الهامشية ، و ينحصر  خطابهم و منظورهم الاجتماعي حول الإنسان.ة  ب ” بيع المخذرات / الدخول الى السجن / الشجار بالسيوف ” و في مجال الدراسة” الثانوية “قارنت ما بين ثقافة التربية السوسيو – وسطى و التربية الهامشية  ثم الثقافة الدنيا ، فتبين لي أن التربية الهامشية 80% تعتمد على التأويلات الدينية كمبدأ و كبنية أساسية للتربية ،  أما تربية الثقافة الدنيا35% فتربي على مبدأ الصراع بين الاقوى او القوية (التشرميل) أما تربية الثقافة المغربية السوسيو – وسطى 15 % فتربي على مبادئ فكرية ،  و  هي التي تدعى بساحة الثقافة الإجتماعية : (العمق)، و بين هذه الأنساق المختلفة تبين لي أن هناك تباعد إجتماعي و إنفصال يتوسطه العقل الديني – ثقافي ، و بسبب سماكة هذا العقل الديني الذي يدعوا إلى ثبات التاريخ باصله الديني و بما يطفوا حوله من تأويلات و معتقدات مغربية  ، يعاد إنتاج بنية – معرفة طبقة التشرميل من جهة ، و بنية النخبة المثقفة من جهة أخرى ، و بين إنفصالية هذه الشرائح و الطبقات من الناحية السوسيو إبستيمولوجية ، يبقى صراع البنيات السوسيو – رمزية قائما ، تحت رعاية النسق الفينومينولوجي و الهابيتوسي للوعي الجمعي “مغربي- عربي” و لهذا فحينما نقارن بين شكل حي و بنية المضامين الصوتية و النسق المعرفي  لإنسان يتجاوز في إستمرار القوانين الكوسمولوجية التي تدفع بالفرد الى احترام القوانين الاجتماعية   ، مع إنسان يحترم القوانين الكوسمولوجية ، سنجد أن المفارقة توجد في بنية الهابيتوس الذي به تتمخض السلوكات و على ضوئه تتطور ، و إستنادا بطرح ميشال فوكو يمكننا القول أن الأجساد خاضعون في إستمرار ، بكل مكان في المجتمع إلى تطبيع فعلي مكون من ثقافة الوعي الجمعي التي تحافظ على ستاتيكية و إنفصالية الشرائح الإجتماعية ، و نجد هذا الوعي الجمعي  حاضر بقوة في بنية ثقافة المؤسسة السجنية ، فمثلا نجد أن بالسجن المحلي لورززات ، عبر ما صرحت به المندوبية العامة لإدارة السجون و إعادة الإدماج انها قامت بحفل ختان بتاريخ 16 يناير 2020 داخل السجن ، و تخلل هذا النشاط تنظيم مأدبة طعام لفائدة و تخضيب أيديهن بالحناء ثم قدمت هدايا للمولود و أضيف الى ذلك فقرات من الأمداح النبوية  ، و من أجل فهم النظام المعرفي الذي تسهر المؤسسة السجنية  في إستمرار على خلقها ، وجب علينا العودة إلى تاريخ  السجون المغربية ، و بذلك فإذا ما عدنا إلى القرون الوسطى المغربية سنجد أنه كانت هناك حرب مستمرة بين المتصوفة و الشرطة ، فقد سجن العديد من المتصوفة و العديد من المتصوفات ثم قتلوا داخل السجن بدعوى تهجمهم على الشريعة الإسلامية ، و قد  كان السجين،ة “قبل أن يودع بالسجن بالمغرب اواخر العصر الوسيط ، يجلد مائة جلدة او مئتين أو اكثر بمحضر العامل ، ثم يضع الجلاد سلسلة من الحديد في عنق المحكوم عليه و يطافبه في أحياء المدينة عاريا ، ثم يعاد إلى السجن 11” و قد كانت حالة السجناء ، كما يصفها أحدهم : “كل واحد في بيته ، و كان البيت من الضيق بحيث لم يكن بإمكان السجين أن يتزحزح فيه من مكانه 12” ، و في حالة إكتظاظ السجون “كانت مخازن الحبوب تستغل لإيواء السجناء 13”  و “قد كانت السلطة في جل مراحل تاريخ العرب ، تختار سجينا ممن عرفوا بجرائمه ، فيصبح متخصصا في التعذيب داخل السجن 30 ” ، و لهذا فبالعصور المغربية الوسيطية ، “تعددت فضاءات الخارجين عن السلطة ، فقد كانت القصور السلطانية تتوفر على أجنحة تفي بهذا المقصد ، بما أنها تضمن الإحتراز و السرية ، كما وجدت بقصبات المدن فضاءات استعملت كسجون ، و أودع بعض السجناء في الكهف و يتميز بكونه تحت الأرض عميق القعر ، مقفل المسلك ، و قامت المطمورة أحيانا مقام البيوت ، بينما خصصت دور أو دويرات ببعض المدن كأزمور لتؤدي وظيفة السجن ، و زج بالبعض الآخر في صوامع المساجد 14” و قد كان النظام المعرفي و السلوكاتي  الذي به تضبط الأجساد ينطبق تماما مع السلوكات التي كانت دافعا لإختراق القوانين من طرف الأفراد ، فحسب العدييد من الصريحات للسجناء عبر تاريخ السجن العربي دائما ما كان يتم اختيار عنصر معين من السجناء او السجينات عرفوا بالقتل المتسلسل ليتحكموا في كل السجناء و  السجينات ، و بذلك يصبح  صاحب،ة القوانين داخل مجتمع السجن ، عنصر تحاربه قوانين المجتمع و في الوقت ذاته له سلطة و قوانين داخل السجن ، و بين هذا الإنفصال البديهي بين قوانين خارج السجن

1: اميل دوركايم ، قواعد المنهج في علم الإجتماع ، ترجمة محمود قاسم

1 . ص 54

لويس التوسير ، الايديولوجية واﻷجهزة الإيديولوجية للدولة ، ترجمة عايدة لطفي

2 .ميشيل فوكو ، عن الطبيعة الإنسانية ، ترجمة أحمد زكي

3بيير بورديو كلود باسرون ، إعادة الإنتاج ، ترجمة ماهر تريمش

4 بيير بورديو ، محاولات باتجاه سوسيولوجيا إنعكاسية ، ترجمة أحمد حسان

5ميشيل فوكو ، المراقبة والمعاقبة ولاد السجن ، ترجمة علي مقلد

3.ص 189

6 : michel foucault – surveiller et punir – gallimard – page : 162

7 : ميشال فوكو – نظام الخطاب – التنوير – ص : 20

8 ميشال فوكو تاريخ الجنسانية – ص :19

9 :ميشال فوكو –  المراقبة و العقاب – ص : 159

10 : المرجع ذاته – الصفحة ذاتها

شاهد أيضاً

جين رولاند مارتن: لماذا يجب أن تتغير المدرسة؟

ترجمة: نورة آل طالب أجرى محرر نيو فيلوسوفر زان بواغ مقابلة مع جين رولاند مارتن، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *