الرئيسية / منتخبات / عامة / إمكانية تأسيس بعداً فلسفياً للحوار

إمكانية تأسيس بعداً فلسفياً للحوار

الباحث: بوقرة محمد لـمين

البريد الإلكتروني: lbouguerra94@gmail.com

مفتتح الإشكال:

عندما نستقرئ تاريخ الفلسفة نـجده مليئاً بالتفاعل العقلانـي، مع مـختلف القضايا الإنسانية أو الاجتماعية، وأول ما أعطى لفلسفة بعداً حواراً هو أفلاطون فيلسوف اليوناني ومـحاورته تبقى شاهدة عليه في نشأت عملية الـحوار. ولم ينحصر الحوار في مستوى الخطاب الفلسفي بل انتقل لمستويات أخرى فنجد مثلا حوار ما بين الحضارات، حوار الأديان بمختلف الطوائف، لهذا نـجد للحوار مكانة في الـمجتمعات الإنسانية، إذا تم تخلي عن الحوار فإنه يتحول إلى الصراع والخلاف قد ينجر من ذلك الحروب بين الشعوب العالم، ولـهذا التجأت الـمجتمعات الـحديثة إلى اعتماد الآليات الـمنهجية والـمنطقية والأخلاقية لكي نستطيع تـحكم في فعالية الـحوارية والتواصلية، مـما أدى ظهور عدة أطروحات فلسفية التي ساهـمت في بلورة مـمارسة فعل الـحواري وإعطاءها البعد الأخلاقي، في مـجال العربي الإسلامي تطرق طه عبد الرحمن لأهمية عملية الحوارية ، كما اعتبر لا يـمكن تكوين الحوار بـمعزل عن الاختلاف الفكري مع الآخر، وهذا الأخير جعل له ضوابط الأخلاقية تقويـمه، وأما في السياق الغربي اختلفت مقاربات فلسفية للفعل الحوار من فيلسوف إلي آخر ها برماس بلور نظرية أخلاقية المناقشة والحوار، وأعطى أهمية للعقلانية التواصلية في جميع المجالات، وأما آبل اوتو آبل ربطها بالطرح الأخلاقي. من هنا نطرح تساؤل: ما معنى الحوار في سياق العربي الإسلامي؟ ماهي ضوابط الأخلاقية التي يتأسس عليها ذلك رؤية طه عبد الرحمن؟ كيف كانت مقاربة للفعل الحواري في السياق الغربي؟  

أنّ الـحوار يسهم في توسيع العقل وتعميق مداركه، بـما لا يوسعه ويعمقه النظر الذي لا حوار معه، أنّ الأصل في الكلام هو الـحوار، فحقيقة الكلام الذي تكلم بـها الإنسان الأول كانت حقيقة الـحوارية ذلك على حد تعبير طه عبد الرحمن؛ فلا نتكلم إلا نحن اثنان، بل لا نتكلم إلا ونـحن زوجان، لأنّ الزوجين هـما بالذات الاثنان الـمتواجد بعضهما مع بعض، والكلام لا يكون إلا بين إثنين متواجدين هما: “المتكلم” و “الـمتكلم معه”، فالـمتكلم يزدوج بالـمتكلم معه أو يتزاوج معه؛ وميزة اللسان العربي أنه يتضمن لفظا آخر يـجري استعماله كمرادف للفظ “الكلام”، مع إفادته، بـحسب مدلوله اللغوي، معني ” الازدواج”، ألا وهو لفظ” الـخطاب” فلا خطاب إلا حصول التوجه إلى الـمخاطَب، ولا توجه إلى الـمخاطَب بغير ازدواج لذات الـمتكلم.[1]

وأما من ناحية الـمراتب الـحوار حسب طه عبد الرحمن يـميز بين نوعين هما؛ الحوار التـقويـمي، والذي يفيد في هذا الحوار هو انتقاد القيم التي تتأسس عليها الحضارة المعاصرة، وذلك عن طريق استخدام آليات[2] النقد ومناهج التفكير التي تتوسل بـها هذه الـحضارة عينها، مـمارسة النقد الـمـزدوج بين الأنا والأخر.[3] وأما ثانيها، الحوار التفاوضي؛ والذي لا ينفع في هذا النوع إقامة أحد الجانبين الأدلة والبراهين على الحق الذي له، ولا بيان الحقيقة معه، وإنـما الذي ينفع هذا الـحوار هو حساب الـمصالـح.[4]  

     ولهذا يقرّ طه عبد الرحمن من جهة أخرى الطرق استعمالـها في قوله التالي: ” هناك تـحدين حضارتين عظمتين لا بد للإنسانية من عمل على رفعهما، أحدهما تحدي التفرد الحضاري، والثاني تحدي التعدد الإرهابي، لا سبيل رفع التحدي إلا من خلال رفع الأول إلا بالحوار التقويمي ولا إلى رفع الثاني إلا بالحوار التفاوضي، وكلـما زاد لـجوء الإنسانية إلى الحوار التقويـمي في تصحيح مسار الحضاري، نقص لجـؤها إلى الحوار التفاوضي، لأنه حينذاك يصير الحق مطلبها ويصير العدل مشكلها، ولا إرهاب موجود مع حق مصون وعدل مـحفوظ”.[5]

ويؤكد طه عبد الرحمن أنّ الحضارة الإسلامية كانت لـها أسبقية ذلك عن طريق الـمناظرة التي كانت تسمي بالعقلانية الـحوارية، إلا أنّ الـحوار بصورة أولـى تـم تـهذيبه وتقنينه وللحوار أهمية والتي تم تقسيمها من طرفه إلـى ثلاثة الأقسام وهي:

-أ- الأهـمية الآلية: إنّ الـحوار هو مـجال لـممارسة القوة الاستدلالية للإنسان عن طريقه يستطيع أنّ تظهر قدرتك الاستدلالية وقوتك العقلية وبقدر ما تملك آليات الاستدلال.[6]

-ب- الأهـمية الداخلية: فإنّ الـحوار يعود بك إلى الأصل وهذه الـحقيقة الأصلية هي أنّ الإنسان ليس مفردا، فالعملية الـحوارية متوافقة مع أصل الإنسان، ولـهذا فالـحوار مع الآخر هو الـحوار لـمعرفة الذات.[7]

-ج- الأهـمية الخارجية: تـحقيق هذه الـحوارية وتوسيعها مع جـميع الأطراف، وتعميمها على جـميع الـمجالات زيادة في الـمعرفة الذات، فضلا عن معرفة الآخر وزيادة في تـحقيق الإنسانية الإنسان وتنمية قوته الاستدلالية.[8]

ولكن ما يقابل الـحوار هو الاختلاف كما هو مـحدد عند طه عبد الرحـمن والذي يعرفه: «إننا لا ندخل في الحوار، إلا نحن مختلفان، بل إننا لا نتحاور إلا ونحن ضدان، لأنّ الضدين هما المختلفان المتقابلان، والحوار لا يكون إلا بين مختلفين متقابلين، أحدهما يطلق عليه اسم ” الـمـُدعي”، هو الذي يقول برأي مخصوص ويعتقده؛ والثاني يُطلق عليه اسم ” الـمعترض”، وهو الذي لا يقول بهذا الرأي ولايعتقده.»[9]

والـمعروف أنّ فلسفة عبر التاريخ طويل سعة لتأسيس الأرضية الحوار والتواصل، ويكون الحوار فعلاً إنساني هو سبيل لتحقيق التفاهم خروج من الدائرة سوء الفهم والخلاف بل يجب يكون حوارا اختلافياً نقداً، ولهذا الحوار وسيلة التي تـمكن الشعوب مواجهة مشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. وهذا ما أُطلق عليها محمد اركون في احدى مؤلفاته بالعقل المنبثق وهو العقل يـختلف عن العقل الحداثي، والذي تجاوز العقل الكلاسيكي، اعتبره عقلاً تنويراً والذي يتأسس بالآلية النقد.

وننتقل الآن لـمجال التداولي الغربي نستند لأطروحات الفلسفية مهمة التي قامت بمعالجة الحقيقة الحوارية ” التواصلية” بمنظور ما تستلزمه الضروريات لكل فلسفة وبيئتها خاصة في صياغة الأفكار والتساؤلات التي تهم المجتمع الغربي وقضايا وأزمات التي يمر بها في ظل التطور التقني وتتمثل في أطروحة يورغن هابرماس، والمعروف بالتأسيس نظرية أخلاقية لكي يتم من خلالها تهذيب التواصل والحوار في مـجال الفلسفة لـهذا سوف نتطرق بتفصيل حول ما تـحمله من أسس ومنطلقات فكرية مهمة.

يعرف هابرماس التواصل بقوله لقد أصبح التواصل الصوت الوحيد القادر على توحيد عالم فقد كل مرجعياته لنتواصل، ولنتواصل بالأدوات والتقنيات التي تضعف التواصل نفسه هو ما جب التناقص الذي وضعنا فيه، ونفهم من ذلك أنّ التواصل تضبطه قواعد أخلاقية ليتم تحقيق الحوار في ظل الاختلافات في مـجتمع معين، ولهذا نـجد المجتمعات الحديثة قامت بإعلاء القيمة المركزية للتواصل في معالجة المشاكل التي نتجت عن خيارتها الأساسية.[10] أصبح يعاني الإنسان الحديث من الإحباط والعزلة وعدم تماسك النسيج الاجتماعي، من العزلة والاغتراب والقيم العرضة للإنسان[11]؛ طغيان النزعة الرأسمالية في عالم مما أعطت أولية للعمل والإنتاج من اجل ربح السريع حيث اصبح يعيش الإنسان حالة اغتراب بكل مكوناته الأساسية، يرجع سبب الوهم التقنية على عقل الإنسان الرأسمالي الذي  لا تهمه كرامة الفرد مهم تحقيق مزيد من الإنتاج، وهنا يجب تفعيل عملية الحوار والتواصل التي تكون متلازمة مع نظرية أخلاقية هذه أخيرة التي تقوم بالتقويم العقل الحواري لكي يتم إبعاده عن مساءلة الخلاف والصراع مع آخر.

    ولهذا يقترح هابرماس في نظريته أخلاقية المناقشة مبادئ إجرائية توجه المناقشة الحقيقية بين الأشخاص، لذا صاغ في هذا المجال مبدأين: الأول يسميه مبدأ المناقشة ويسمي المبدأ الثاني بمبدأ الكونية ” الشمولية”، أما مبدأ المناقشة فيقوم على معايير ترضي كل الأطراف المعينية بالحوار باعتبارهم ذوات فاعلين ويمكنهم ادعاء الصلاحية، وأمّا المبدأ الكوني “الشمولية” فيقوم على كل حوار يجب أنّ يستوفي الشرط الذي بموجبه يقبل كل الأشخاص النتائج والآثار الجانبية الناجمة عن قبول جميع بالعمل.[12] 

 في أخير يمكن أن نستنتج إنّ التاريخ يلعب دوراً كبير في توجيه مسار المناقشات العلمية لأنّ إشكال التطبيق يمكن في تزييف المعايير، من هنا ضرورة تأسيس أخلاقيات التواصل التي تقوم بضبط وتنظيم النقاش بين الناس، وتشرب العقل وما يحتويه من أدوات الاستدلالية والبرهانية والحجاجية لكي يتم تفعيل الحوار والمناقشة بالأسس ومنطلقات ذات الأرضية صلبة ومتماسكة. 


[1] – طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط 2، 2006، ص27

[2] – طه عبد الرحمن، الحوار أفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث وللنشر، بيروت، ط1، 2013، ص 184

[3] -المرجع نفسه، ص 185

[4] – المرجع نفسه، ص 185

[5] – المرجع نفسه، ص187

[6] – طه عبد الرحمن، الحوار أفقا للفكر، مرجع السابق، ص 28

[7] – المرجع نفسه، ص 29

[8] – المرجع نفسه، ص 29

[9] – طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، مصدر السابق، ص28

[10] – أبو النور حمدي أبو نور الحسن، يورغن هابرماس الأخلاق والتواصل، تنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2012، ص246

[11] -حسن مصدق، يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت، النظرية النقدية التواصلية، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2005، ص141

[12] – خن جمال، الحوار والتواصل في أخلاقيات المناقشة عند يورغن هابرماس، مجلة الرواق، المركز الجامعي غليزان، العدد الثالث، جوان، 2016، ص74

شاهد أيضاً

آلان: التعبير الموسيقي

ترجمة وتقديم: كمال بومنير هذه الترجمة مهداة للأستاذ عبد الباقي هزرشي… آلان Alain(إيميل أوغست شارتيه) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *