الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / جدلية الديني والسياسي في فلسفة حنة أردنت

جدلية الديني والسياسي في فلسفة حنة أردنت

قاسم شرف*

قاسم شرف
  • باحث في الفلسفة السياسية المعاصرة- جامعة ابن طفيل/ القنيطرة- المغرب
  • مشاركة في ندوة دولية بتركيا من تنظيم جامعة صاكريا أبريل 2018 حول موضوع الإسلاموفوبيا.
  • نشر دراسة في مؤلف جماعي صادر بالأردن حول الخطاب السياسي الفرنسي والإسلاموفوبيا.
  • مشاركة في ندوة دولية بجامعة ابن طفيل/القنيطرة بمداخلة موسومة الثابت والمتحول في الأديان العلمانية عند مارسيل غوشيه

kamiacha30@gmail.com

  • باحث في الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة – مختبر الفلسفة والمجتمع – جامعة ابن طفيل/ القنيطرة

ملخص

تناول في هذه الدراسة الجدل الذي دار في بداية الخمسينيات من القرن الماضي بين كل من حنة أرندت وإيريك فويجلان حول قضية التوتاليتارية التي عاشها العالم المعاصر في ظل سيادة الحداثة، وما ترتب عنها من تدمير وخراب. وقد دار جدل بينهما حول مدى اعتبار التوتاليتارية دينا علمانيا. اختلف الاثنان حول تقديراتهما لقضية الشمولية.

Résumé

Dans cette étude, nous discutons le débat qui a eu lieu au début des années cinquante du siècle dernier entre Hannah Arendt et Éric Voyager sur la question totalitaire que le monde moderne vivait sous le règne de la modernité, et la destruction et la ruine qui en ont résulté. Un débat a eu lieu entre eux sur la mesure dans laquelle le totalitarisme est considéré comme une religion sécularisée. Les deux étaient en désaccord sur leurs évaluations de la question du totalitarisme.

مقدمة

حنه أرندت من أبرز رواد الفكر السياسي النقدي فى القرن العشرين. درست الفلسفة على يد كل من هيدغر وهوسرل وكارل ياسبرز وآخرين. استطاعت أن تحفر لنفسها – خلال فترة عملها التي امتدت لأربعين عاما – مكانا محترما فى الفكر السياسي بواسطة أعمالها المتميزة ومنها: ” الوضع البشرى“، و” أصول الشمولية “، و” بين الماضي والمستقبل “، و”من الثورة“، و”عن العنف“، و” حياة العقل“، و”أزمة الثقافة“، و”أزمة الجمهورية“.. الخ. وقد استطاعت أرندت من خلال فلسفتها السياسية أن تتناول بالدراسة والتحليل مجالات متعددة منها: الفلسفة والسياسة، والحداثة والشمولية، ونظرية الفعل، ونظرية الحكم، والمواطنة.

فحنة أرندت لم تكن تنتم إلى أي تيار بعينه. لقد تمكنت بتفرد وأصالة تفكيرها في فتح آفاق من الأسئلة التي حطمت الأغلال العقائدية حيث يمكن لفكرها أن يجد ملجأ مريحًا بل حتى آمنًا. لكن هذه الأصالة زادت من حدة سوء الفهم والخلافات التي سببتها أعمالها، دون أن تكون معروفة بشكل أفضل. وقد ظلت الفلسفة السياسية لفترة طويلة نوعًا مهملاً إلى حد ما، ومحصورة في هوامش العلم المختص بالبحث الإيجابي، لذلك انحرفت النظرية السياسية عن المسار الذي اتبعته العلوم الإنسانية. قد شكلت الشمولية في فكر أرندت النقطة المحورية التي سوف تسعى من خلالها إلى التفكير في الحداثة ككل.

1 – مفهوم التوتاليتارية بين حنة أرندت وإيريك فويجلان

نود أن نعود هنا إلى النقاش الفلسفي والسياسي الذي يبدو قديما. يتعلق الأمر بالفيلسوفة الأمريكية حنة أرندت التي عارضت، في البدايات الأولى لسنوات الخمسينيات، زميلها إريك فويجلان[1]،خلال تبادل مقتضب للمقالات بينهما. كان هذا النقاش يدور حول مسألة ما إذا كان من الممكن أن نعتبر التوتاليتارية “دينا علمانيا” أم لا. وقد أعقب هذا النقاش من تحليلات إريك فويجلان في استعراضه لـ “العمل العظيم” الذي قامت به حنة أرندت، أصول الشمولية[2] – مراجعة نُشرت في مجلة السياسة في يناير 1953. في هذا النص، حلل فويجلان الظاهرة التوتاليتارية بأنها “بدعة حتمية” ناتجة عن انحراف طائفي يعود إلى أوائل العصور الوسطى الأوروبية – وذلك من خلال تناول عناصر التفكير التي طورها بالفعل قبل الحرب. من جانبها، رفضت حنة أرندت هذا التحليل، معتبرة أنه أظهر جهلاً عميقًا بالظاهرة التوتاليتارية[3]. بل إن هذا التحليل فشل، في نظرها، في إدراك المغزى من الأحداث التاريخية والسياسية، ومغزى الدين في حد ذاته. فــ«التوتاليتارية، حسب جون-كلود بوازاJean-Claude Poizat، ليست مجرد حادث تاريخي، وليس من قبيل المصادفة أن تحدث في المرحلة المعاصر[4]». لأن الأمر يتعلق بظاهرة سياسية جديدة أخذت تتكامل في المرحلة كاملة. إن التوتاليتارية لم تهدد الإنسان وحده في وجوده الجسدي، بل في وجوده الميتافيزيقي، أي في طبيعته وجوهره.

وبالتالي، فإن العودة إلى نقاش أرندت وفويجلان لعام 1953 ينبغي أن يمكننا من تسليط الضوء على المفهوم الأرندتي للسياسي، ومفهومها للديني، وكذلك مفهومها للعلاقة بين هذين المجالين للوجود الإنساني. وتحقيقا لهذه الغاية، سنستفيد أيضًا من الإسهامات التي أعدتها أرندت، والتي تشرح فيها أسباب سوء الفهم العميق للسياسي الذي ضرب المجتمعات الحديثة، حيث لم تكن الشمولية، بشكل من الأشكال، سوى نتيجة نهائية. باعتراف الجميع، ينبغي التأكيد في البداية على أن أرندت قد كتبت القليل جدًا عن الدين في حد ذاته لسبب وجيه. في الواقع، سعت أرندت، باعتبارها مفكرة سياسية، إلى تحديد مجال خاص للسياسي، من أجل حمايته من التعديات أو التطاولات والارتباكات مع المجالات الأخرى للحياة البشرية. والحال أن الدين سيشكل بدقة مجالا غريبا تمامًا عن السياسي. حرصت أرندت طوال عملها على التخلص من الحجج الثيولوجية، وكذا الحجج التي ستستند إلى “القلب” أو المشاعر. وبهذا المعنى، كان من المنطقي أن ترفض مزج الأنواع التي بدت لفويجلان متورطة في تحليله للشمولية. ومع ذلك، لا تتجاهل أرندت الظاهرة الدينية على الإطلاق. يمكن القول إنه باسم فهم معين للدين، باعتباره مجالا معينا للوجود والنشاط البشري، فإنه يرفض الدمج والمساواة بين التوتاليتارية و”الدين العلماني”. بهذا المعنى، يبدو لنا أن تفكير أرندت من المرجح أن يجلب لنا نظرة ثاقبة مثيرة للاهتمام حول قضية – وهي العلاقة بين الدين والسياسة – يبدو أنها تعود لتحتل الصدارة اليوم.

عبر مصطلح العلمانية، فإن أرندت أدركت سيرورة مرتبطة بالحداثة والتي من خلالها انسحب الدين تدريجيًا من المجال العمومي والسياسي، وهذا ما أكدته في النص التالي: «حقق المنظرون السياسيون في القرن السابع عشر العلمانية من خلال فصل الفكر السياسي عن الثيولوجي، والتأكيد بإصرار على أن وصايا القانون الطبيعي توفر أساسًا للهيئة السياسية حتى لو كان الله غير موجود. (…) لم يكن الأمر يتعلق بإنكار وجود الله، بل باكتشاف مدلول محايث مستقل في المجال العلماني بأن الله نفسه لا يستطيع أن يتغير[5]». بمعنى آخر، أن المجتمعات العلمانية هي تلك التي توقف فيها الدين عن لعب دور بنيوي في التنظيم السياسي. في الواقع، فإن الاتجاه التاريخي العام للمجتمعات الغربية الحديثة هو التخلص التدريجي من التعالي كأساس لشرعية السلطة. بالطبع، يمكن للإنسان دائمًا الاعتراض على أن هذه الإشارة إلى التعالي في النظام السياسي موجودة على شكل بقايا أو أرصدة في المجتمعات الديمقراطية الغربية الحديثة. وهكذا، يمكن للمرء أن يلاحظ فقط تكرار مشكلة التعالي في النظام السياسي. من هنا نتساءل: هل يمكن أن يقتصر هذا على المجال الخاص؟ أليس من الضروري التذرع بالتعالي لتأسيس النظام السياسي وهيكليته؟ بمعنى ما، فإن التعالي هو السؤال المركزي للفكر السياسي. فيما يتعلق بالمجتمعات الديمقراطية، يبدو في الواقع أن التنظيم “الأفقي” للسلطة (مشاركة المواطنين في تنظيم وسير النظام السياسي) وحده لا يسمح بحل كل المشاكل المتأصلة في مجال العمل السياسي – خاصة بسبب النسبية التي تُميِّز هذا المجال. إذا كانت جميع الآراء وجميع الأفعال “متساوية” في النظام السياسي، فأين يمكن إيجاد مرجعاً مطلقاً (أو متعالياً) يسمح للإنسان بتجمعيها حول مصلحة مشتركة، وأن يكون أساساً للمجتمع السياسي؟ لذلك يبدو من الضروري الإشارة إلى المحور “العمودي” للسلطة، من أجل إيجاد حل لمسألة الأساس.

شددت الفيلسوفة حنة أرندت على أهمية هذا السؤال بالنسبة للفكر السياسي الحديث، في مقال نشرته عام 1958: «ما هي السلطة؟[6]». في نظر الفيلسوفة حنة أرندت، تحدد السلطة مبدأ سياسيًا للشرعية، وهو المبدأ الذي تتأسس عليه السلطة. وبهذا المعنى، لا يتم الخلط بين السلطة إطلاقًا وممارسة السلطة: لا يمكن أن تصدر السلطة من العلاقة “الأفقية” بين المواطنين، أي من المشاركة في النقاشات العمومية ومن شؤون الدولة. إن الدور الطبيعي للمؤسسات السياسية لا يكفي وحده لتأسيس وترسيخ الديمقراطية ذاتها. ومع ذلك، خلافا لما يحدث اليوم من تحيز على نطاق واسع، لا تعتمد السلطة بأي شكل من الأشكال على الهيمنة والإكراه المادي (سلطة الحكومة أو الدولة)، كما لا تقع السلطة تحت إغواء/إغراء الخطابات (خطاب “خبراء الاتصال” في خدمة الدولة). فالسلطة هي التي تسمح للأفراد بفعل ما عليهم القيام به كمواطنين، دون الحاجة إلى اللجوء للعنف أو المكر من أجل ذلك. وباعتبارها مفهوما يعود إلى الأصل الروماني، ارتبطت السلطة، حسب ما أشارت إليه حنة أرندت بـ «قدسية المؤسسة [روما][7]». في الواقع، ارتبطت السلطة بالتقليد والدين إلى حد ما، لدرجة أنه «حيثما كان أحد عناصر الثالوث الروماني موضع شك، دين أو سلطة أو تقاليد، أو تم القضاء عليه، فإن العنصرين الاثنين المتبقيين فقدا صلابتهما[8]». ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدين الروماني خضع في الواقع لمبدأ السلطة السياسي، والتي أرفقت نفسها، عبر وساطة التقليد، بتأسيس الدولة الرومانية. إن العمل السياسي لتأسيس روما الذي شكل، في نظر الرومان، مرجع السلطة وليس أي مبدأ إلهي يتجاوز عالم البشر. وبالتالي، فقد عينت السلطة مراعاة واحترامًا لماضي روما المرموق، وهذا الاعتبار له تأثير “زيادة” السلطة، وإضافتها إلى “روح إضافية” بطريقة ما، وهذا يعني أن يعطيه أساسا يكتسب مزيداً أكثر من الشرعية كلما ابتعد الإنسان عن الأصل التاريخي. ومع ذلك، فقدت السلطة، وعلى نطاق أوسع، الثالوث الروماني الذي تحدثت عنه أرندت، وتم نسيانه تمامًا في العصر الحالي. ترى أرندت أن هذا النسيان للتقاليد الرومانية هو السبب الرئيس لجميع الصعوبات السياسية التي واجهها الغرب، من خلال النص التالي: «يتألف “انحدار الغرب” الشهير في الأساس من انحدار الثالوث الروماني للدين والتقاليد والسلطة، وفي التدهور المصاحب للأسس الرومانية المحددة للمجال السياسي[9]».

هل يجب أن نستنتج من هذا أن أرندت تظهر حنينًا لذلك الزمن حيث ينبغي أن تستقر الحياة السياسية على أرض صلبة؟ هل يجب تجديد سلطة الدين والتقاليد لضمان النظام السياسي للديمقراطيات الحديثة؟ في الواقع، الخسارة التي تذكرنا أرندت بالأهمية التي تمثلها الحياة السياسية الحديثة، تشكل خسارة لا رجعة فيها. ليس بالرجوع إلى الماضي، أي إلى الأشكال التقليدية أو الدينية للسلطة، سنجد الحل لمشاكل الحياة والفكر السياسي الحديث. وهذا ما تؤكده الفيلسوفة حنة أرندت في النص التالي: «السلطة، كما عرفناها في الماضي، التي نشأت من التجربة الرومانية للأساس، وتم تفسيرها في ضوء الفلسفة السياسية اليونانية، لم يتم إعادة تشكيلها في أي مكان، لا من خلال الثورات، ولا من خلال وسائل الإصلاح التي لا تزال واعدة، ولا سيما من خلال حالات العقل والتيارات المحافظة التي اكتسحت الرأي العام في بعض الأحيان[10]».  بل إن إفلاس الثالوث الروماني يفسره نوع من “الانحراف التاريخي” الذي لعب فيه الدين (المسيحي) وتقليد معين (تقاليد الفلسفة اليونانية) دورًا حاسمًا. يتم اختزال أسباب فقدان التجربة السياسية الرومانية للأساس بشكل رئيس في عنصرين اثنين وفقًا لأرندت وهما: تأثير الفلسفة اليونانية (الأفلاطونية بشكل رئيس)، ودور الكنيسة المسيحية (الروم الكاثوليك). وهكذا، فإن المسيحية ممزوجة بالفلسفة اليونانية التي، حسب أرندت، أفسدت التجربة الرومانية للأساس، عن طريق استبدالها «الإيمان بحالة مستقبلية من المكافآت والعقوبات[11]». هذا الاعتقاد «المقترح بوعي كوسيلة سياسية من قبل أفلاطون وربما المتبنى عن وعي بنفس القدر، في شكله الأوغسيطيني، من قبل اغريغوار لوڭرون[12]، كان لزاما أن يظل باقيا مع جميع العناصر الدينية والعلمانية الأخرى التي أسست معًا السلطة في التاريخ الغربي[13]». بعبارة أخرى، تحملت المسيحية المسؤولية السياسية والعلمانية، منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، في القرن الخامس، وطوال العصور الوسطى، هو الذي أفسد وحجب الفهم القائل بأن الرومان كانوا يمتلكون مجالا سياسيا. بهذا المعنى، لا تعني العلمانية الحديثة (التي بدأت من القرن السابع عشر) على الإطلاق، في نظر أرندت، تراجعًا أو إفلاسًا للدين. بل على العكس من ذلك، تدل على تحرير الدين من القيود المرتبطة بالمجال السياسي: «إن فقدان الثقة في الحالات المستقبلية يشكل على الصعيد السياسي، بل حتى الروحي، الفارق الأكثر أهمية بين المرحلة الحالية والقرون السابقة[14]». تشير علمانية العصر الحديث إلى تحرير الدين المسيحي من المجال السياسي الذي لعب فيه دورًا لفترة طويلة (طوال العصور الوسطى): «لعل أهم عواقب علمنة العصر الحديث تتلخص في القضاء على الحياة العامة إلى جانب الدين، من العنصر السياسي الوحيد للدين التقليدي، المتمثل في الخوف من الجحيم[15]». وهذه، في النهاية، هي النتيجة الحاسمة للعلمانية المناسبة للغرب الحديث: فصل السياسي عن الديني: «إن الطابع العلماني للعالم يوحي بفصل الحياة الدينية عن الحياة السياسية. في ظل هذه الشروط، كان الدين ملزماً بفقدان عنصره السياسي، كما كانت الحياة العامة ملزمة بفقدان الجزاء الديني للسلطة المتعالية[16]».

من بين كل هذا، يتضح أن مسألة السلطة المعينة اليوم هي أكثر بكثير مختلفة تمامًا عما تعنيه هذه الكلمة للرومان. بالنسبة للغرب، أصبحت السلطة مشكلة: في الواقع، هذه الكلمة تحدد الآن المكان الفارغ الذي خلفه إفلاس التقليد الفلسفي، وفقدان مرجعية دينية للسياسي. ومع ذلك، فإن هذا الوضع يمثل أيضًا فرصة كبيرة في نظر حنة أرندت. ويُشار إلى الدين بالتعالي المحض، أي إلى مرجع مطلق خارجي لهذا العالم، الذي لم يعد يُسمح لنا بالوصول إليه إلا من خلال الشعور الشخصي في جو من الألفة الخصوصية للروح أو القلب، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ترك مكان السلطة الفارغ المجال مفتوحًا للابتكار والتأسيس السياسي. وبالتالي، فإن الوضع الحالي، حسب أرندت، سيسمح بإعادة اكتشاف الحدس الأساس للحياة السياسية والفكر الرومانيين: «لأن العيش في مجال سياسي بدون سلطة أو المعرفة المصاحبة بأن مصدر السلطة يتجاوز السلطة وأولئك الذين يتمتعون بها، أي، يتواجد في مواجهة جديدة، دون ثقة دينية في بداية مقدسة ولا حماية معايير السلوكيات التقليدية وبالتالي واضح للمشاكل الأساسية للعيش المشترك للناس[17]».

ترى أرندت، بهذا المعنى، في ثورات العصر الحديث في الغرب محاولة من أجل “إعادة ربط خيط التقاليد المكسور”، واستعادة التجربة الرومانية لأساس الهيئة السياسية بالكامل. لن نقترب هنا من سؤال الثورة، ولن نستعرض الحلول التي اقترحتها أرندت في محاولة لتدارك انقطاع التقاليد وفقدان المطلق، إذ حاولت التذكير، كما قال الباحث الفرنسي في الفلسفة جون-كلود بوازات  بــ«أهمية مفهوم الحرية السياسية في نظر الآباء الأمريكيين المؤسسين[18]».  وفي المقابل، يبدو لنا أن تفكير أرندت أتاح اهتمامًا خاصًا للغاية فيما يتعلق بمسألة مكانة ودور الدين في النظام السياسي. وهنا نستحضر مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها، منها: كيف نفكر في سلطة (أساس السياسي) ليست خارج المجال السياسي، والتي تقع تحت تصرف البشر أنفسهم؟ هل من الممكن استعادة أو فرض السلطة في العالم المعاصر؟ وأخيرًا، بالعودة إلى ما يهمنا بشكل أكثر دقة هنا: هل الأمر يعود للدين للقيام بهذا الدور؟

2- الجدل السياسي والفلسفي بين حنة أرندت وإيريك فويجلان

في الواقع، شكلت كل هذه الأسئلة أرضية النقاش التي عارضت حنة أرندت فيها إريك ڤويجلان، بعد المراجعة التي قام بها العالم السياسي الأمريكي لكتابها، أصول الشمولية، في مجلة السياسة لشهر كانون الثاني/يناير 1953. اعتمد تحليل ڤويجلان للتوتاليتارية، كما أشارت أرندت، على منظور تاريخي، والذي، وفقًا لأرندت، منحه ميزة حول المنظور اللاتاريخي للعلوم الاجتماعية[19]. وقد سعى ڤويجلان جاهدًا لشرح هذه الظاهرة، الخاصة بالقرن العشرين، انطلاقا من التطورات التاريخية والفلسفية التي ميزت المرحلة المعاصرة. اعتقد ڤويجلان في الطبيعة اللاأدرية للجماهير المعاصرة، أو بعبارة أخرى في التشكيك في حقيقة الدين حيث اكتشف السبب الرئيس لظهور الأنظمة التوتاليتارية خلال القرن العشرين. لكن، من خلال انعطاف الحكمة في نظام القداسة السماوي، كما اقترحها الدين المسيحي، كانت المجتمعات الأوروبية الحديثة قد حددت لنفسها هدفا لتحقيق نظام القداسة الأرضي. ارتكز ڤويجلان في تحليله، بشكل أساس، على الحجة التالية: تتشكل الأيديولوجيات الشمولية من إدماج الفكرة الدينية لنظام القداسة المتعالي في النظام المحايث للتاريخ والسياسة.  وقد أشارت حنة أرندت إلى ذلك في النص التالي قائلا إن: «الحركات الشمولية لا ترغب بإصلاح أمراض المجتمع من خلال التغيير الصناعي، لكنها تنوي وضع عصر ذهبي في طور الولادة، بالمعنى الأخروي للمصطلح، عن طريق تحويل الطبيعة البشرية. وقد تحول – انحرف- الإيمان المسيحي من قداسة متعالية من خلال نعمة الله إلى فكرة قداسة متأصلة بفضل فعل الإنسان[20]». وبالتالي، فإن السبب الأساس لنشأة الشمولية هو البحث، وفقًا لـ ڤويجلان، عن «صعود الطائفية التأصيلية منذ العصور الوسطى المبكرة[21]».  لكن كتبت أرندت مقالا ترد فيه على ڤويجلان، معارضة بشكل قاطع مثل هذا التفسير للظاهرة التوتاليتارية. في الواقع، فإن هذا المفهوم، حسب رأيها، من شأنه أن يترجم سوء فهم مزدوج في كل من المجالين السياسي والديني. وبرفضها وضع تفكيرها في خانة منظور ثيولوجي، فإن أرندت اعتبرت بدلا من ذلك أن الشمولية، كظاهرة سياسية حديثة بارزة، لا يمكن ولا ينبغي تفسيرها إلا من خلال بواعث “متلازمة”، أي بواعث تاريخية واجتماعية وسياسية.

وقد كانت النقطة الأكثر حسماً في حجة أرندت هي انقلاب حجة ڤويجلان (اللاأدرية للجماهير الحديثة) ضده، هذا ما تشير إليه أرندت في النص التالي: «لا يوجد بديل عن الله في الأيديولوجيات الشمولية – استخدام هتلر بكونه ”العلي القدير” بمثابة امتياز لما يعتقد أنه خرافة. والأكثر من ذلك أن مكانة الله الميتافيزيقي ظلت خالية. إن تقديم هذه الحجج شبه الثيولوجية في المناقشة حول الشمولية يخاطر في الغالب، فضلًا عن ذلك بتفضيل الأفكار الحديثة المنتشرة على نطاق واسع والتجديف بدقة عن إله “جيد للجميع” – لصحتك، وعقلك أو غير ذلك، من أجل تماسك شخصيتك، والله أعلم -، أي الأفكار التي تجعل من الله وظيفة للإنسان أو المجتمع. يبدو لي هذا الاستيظاف Fonctionnarisation في كثير من النواحي المرحلة الأخيرة، وربما أخطر مراحل الإلحادية[22]». وبعبارة أخرى، لا تعني مرة ​​أخرى العلمانية الحديثة بأي حال من الأحوال تدهور أو انحدار المعتقد الديني. بل على العكس من ذلك، كان من الممكن إثراءها وتعميقها، من خلال علمنة نفسها، كما ستظهر أرندت بمهارة في نص لاحق.

وبالاعتماد على مثال كايركيغارد، شرحت أرندت في الواقع في “التقليد والعصر الحديث” أن «محاولة كايركيغارد لإنقاذ الإيمان من هجوم الحداثة جعلت الدين نفسه حديثًا، أي أنه خاضع للشك والجذر[23]». وبعبارة أخرى، كان من الممكن للدين الحديث (أي المسيحية في الغرب) أن يدمج في داخله الانفصال، بل وحتى الصراع بين المتدين وغير المتدين، في شكل جدلية بين الإيمان والشك. ولذلك، تنطوي العلمانية في إطار العمل في العصر الحديث على سيرورة مزدوجة: هناك من يدرك المجال السياسي، وهناك من يدرك المجال الديني. على المستوى التاريخ-السياسي (أو العلماني)، لا تعني عملية العلمانية أكثر من الانسحاب التدريجي للدين من المجال السياسي. ومع ذلك، فإن أرندت، إذ تحيط علماً بهذا الوضع، ترفض أي حنين إلى الماضي وأي شفقة دينية أو أخلاقية تهدف إلى المطالبة باستعادة “القيم القديمة”. والأكثر من ذلك أنها ترى في هذه الرغبة أو العزيمة في الاستعادة ليس مجرد وهم أو خدعة، بل وأيضاً خطر على الديني والسياسي. إن الإغراء أو الإرادة لاستعادة سلطة الدين في النظام السياسي، إلى جانب كونه يبدو باطلاً، غير مرغوب فيه. لأن هذا المشروع سيكون بمثابة استغلال الدين، لجعله وسيلة بسيطة في خدمة السياسي. في الوقت نفسه، ستكرس الإلحادية الكلية للحداثة، من خلال تحقيق النصر الكامل للسياسي على جميع الأبعاد الأخرى، ولا سيما الروحية للوجود البشري.

وسيترتب عن ذلك إلى الاختفاء التام للديني، وبالتالي يؤدي إلى النتيجة المعاكسة لتلك المطالب. كما سيكون لهذا المشروع تأثيراً، إذا جاز القول، على إنشاء “علمنة كاملة” للمجتمعات: سيتسبب ذلك في الانحلال التام للديني في النظام السياسي. ولكن فإن هذا المشروع سيكون بمثابة نفي كلي للعلمانية، وهو ما يثبت على العكس فصلًا وتقسيمًا بين النظامين. فمن خلال الاعتقاد باتخاذ خطوة إلى الوراء (نحو “عودة الديني”)، فإن الأمر سيتخذ خطوة أخرى إلى الأمام، ولكن خطوة واحدة أكثر من اللازم، من خلال تحقيق التراجع النهائي للديني والتدهور النهائي للسياسي. لذلك، من أجل الحفاظ على النظام الديني والنظام السياسي، يبدو من المستحسن، بل ومن الضروري، إبقاء الدين خارج المجال السياسي، وهذا ما حثت عليه حنة أرندت في النص التالي: «أولئك الذين أنجزوا أحداثًا مخيفة في عصرنا بأنه لم يبق لنا سوى العودة إلى الدين والإيمان لأسباب سياسية يبدو لي أن أشهد على قلة الإيمان بالله مثل خصومهم[24]». باختصار، يمكن القول إن الإغراء الثيولوجي-السياسي، بعيدًا عن كونه علاجًا للشمولية، لن يكون إلا خيارًا أكثر خطورة.

وهكذا، فقد رفضت أرندت بنفس الحركة اثنين من أعظم الإغراءات التي ترصدت وهددت باستمرار “مجال الشؤون الإنسانية”: أي تقديس السياسي، وتسييس الدين. وهذا هو السبب الذي جعل أرندت تعترض وترفض التفسيرات التي سعت إلى جعل الأيديولوجيات الاستبدادية التي سادت في القرن العشرين “بديلاً” للدين، كما لو أن معنى الدين ومحتواه يتلخصان في وظيفة بوليسية هي “الحفاظ على النظام”. وإذا كان كل من ماركس وإنجلز يعتبران الدين بمثابة “أيديولوجية”، فهذا لا يعني لهذين المفكرين أنه يمكن تلخيص الدين بالكامل في هذه الوظيفة. بالإضافة إلى ذلك، هذا لا يعني بالنسبة لهما مطلقا أن العكس هو الصحيح: أي أن الأيديولوجيات تقوم بنفس ما تقوم به الديانات. وفي كل الأحوال، فإن التوتاليتارية لا علاقة لها الدين، على أساس أنه «لا يمكن للمسيحي أن يصبح مؤيدًا لهتلر أو ستالين[25]». في الواقع، لا تنكر التوتاليتارية القيم الأخلاقية التي يحملها الدين المسيحي فحسب، بل تنكر أيضًا أي علاقة بالمتعالي، وكذلك أي تمييز بين مجال العمل السياسي ومجال الوعي الخاص. لكن، التوتاليتارية لا علاقة لها بإفلاس الدين أيضًا، حتى إذا كان من الممكن الاعتراف بأن النزعة الإلحادية هي “حالة سلبية” (حالة ضرورية ولكنها ليست كافيًا) والتي سمحت بظهور هذه التوتاليتارية.

إن الشمولية لها علاقة أكبر بفقدان السلطة الذي يُنظر إليها على أنها “المحور العمودي” للسلطة، أو كأساس لشرعية النظام السياسي. ومع ذلك، لا يمكن سد هذه الافتراضية عبر “عودة الديني”.  لقد كتبت أرندت محاولة شرح ذلك في النص التالي: «ربما لا شيء يميز الجماهير الحديثة بشكل أكثر راديكالية عن تلك التي سادت في القرون الماضية من فقدان الإيمان في الحكم الأخير: في السراء والضراء فقدوا خوفهم وأملهم. فكما كانت غير قادرة من قبل على العيش بدون خوف وبدون أمل، قد انجذبت هذه الجماهير من قبل أي مشروع يبدو أنه يعد بصناعة الجنة من قبل الإنسان التي أرادتها والجحيم الذي كانت تخشاه. وكما هي الحال في أكثر جوانبه شعبية، فإن مجتمع ماركس اللاطبقي يشبه إلى حد غريب العصر المسيحي، لذا فإن حقيقة معسكرات الاعتقال لا تشبه إلى حد كبير تمثلات القرون الوسطى للجحيم[26]». وخلافا لتفسير ڤويجلان، فإن أرندت لا تعني بذلك أن خسارة المراجع الدينية كانت ستؤدي إلى هلاك المجال السياسي، مما أدى في النهاية إلى نشوء أنظمة استبدادية، وهي الأنظمة الأشد وحشية على الإطلاق التي لم تكن معروفة. وفي المقابل، ينبغي فهم أن انبثاق هذه الأنظمة كشف إفلاس عقيدة (تلك العقوبات والمكافآت في الآخرة) كانت طبيعتها ودورها سياسيًا بشكل أساس، أو بالضبط، بوليسيا، وهذا منذ أواخر العصور القديمة (تقريبًا، منذ القرن الخامس الميلادي). وكما أشرت أرندت، فإن هذه العقيدة سمحت «لعنصر من عناصر العنف أن يتسلل إلى كل من الفكر الديني الغربي والتسلسل الهرمي للكنيسة[27]». لكن، فالذي سلط على الشمولية الضوء هو المعنى الحقيقي وكذلك الغرور بهذه العقيدة اللاهوتي- السياسي، التي اختزلت معناه الكامل في وظيفته البوليسية للحفاظ على النظام. وبالتالي، ينبغي تفهم أنه ليس إطلاقا باستعادة هذا النوع من العقيدة السياسي- الدينية يجب توقع علاجًا لظهور الشمولية. لأن كليهما يتقدمان، بشكل أساسي، بنفس المسعى لعزل السياسي. في نظر أرندت، لا يمكن الخلط بين معايير العمل السياسي، ولا عقائد الدين مع ضرورات الحفاظ على النظام الاجتماعي، أو تشكل دوافع لإكراه الإنسان على الإنسان.

في الأساس، يشارك ڤويجلان بنفسه في هذه “الطائفية المذهبية” التي يبدو أنه يدينها، من خلال الاعتراف ضمنيًا بالقدرة العليا لهذا المطلق الجديد المناسب للأزمنة الحديثة: أي المجتمع. وهذا ما يفسر أيضًا المظالم التي عبرت عنها أرندت ضد العلوم الاجتماعية، خاصة خلال الجدل الثاني مع عالم الاجتماع الفرنسي جول مونروت[28].نشرت حنة أرندت مقالا شهر أيلول/ سبتمبر 1953، تحت عنوان “الدين والسياسة”[29]، حيث قامت بتقييم المناقشة التي أجرتها مع ڤويجلان، وتناولت الأطروحات التي عرضتها لأول مرة بإيجاز، لتوسيعها إلى أفكار تاريخية وسياسة العامة. ومع ذلك، حددت أيضًا في هذا النص عمل عالم الاجتماع الفرنسي الذي نشر للتو عملًا حول مسألة الشيوعية. ثم رد هذا الأخير في “رسالة إلى المحرر” التي ظهرت في العدد التالي من مجلة التحام Confluence[30]. في السنة الموالية، نشرت أرندت بدورها إجابة في نفس المجلة، حيث عبرت بشكل قاطع عن رفضها الخلط بين الأيديولوجيات الشمولية والأديان[31]. وعلى النقيض من المنظور التاريخي لـ ڤويجلان، فإن المنظور السوسيولوجي لـمونيروت (طبقًا للافتراضات للعلوم الاجتماعية بشكل عام) تألف من تجاهل «منهجيا النظام الزمني وموقع الحقائق وتأثير الأحداث وتفردها، المحتوى الجوهري للمصادر والواقع التاريخي بشكل عام[32]». ومع ذلك، حسب أرندت، فإن مقاربة العلوم الاجتماعية لم تجعل من الممكن فهم الظاهرة التوتاليتارية فحسب، بل ساهمت على العكس في الارتباك الفكري الذي كان مرتبطًا جزئيًا بظهور الشمولية. لأن المقاربة السوسيولوجية ترقى إلى اعتبار الدين، والسياسة على حد سواء، بمثابة “وظيفة” بسيطة للمجتمع. لكنها لا تراعي “مضمون” المعتقدات والممارسات التي تشكل قبل كل شيء ديناً في حد ذاته. وهكذا، فإن هذا الاستيظاف للدين، كما السياسة، ساهم في الاتجاه العام للعصر الحديث الذي تسبب في رفض كل من الدين والسياسة، والذي أدى في النهاية إلى ظهور الشمولية. وهو أيضا، الذي فسر الخلط السياسي الديني الذي يمكن العثور عليه لدى ڤويجلان وكذلك لدى مونروت.

إذا كان صحيحًا أن التشويش السياسي-الديني الذي حدث للحداثيين مرتبط بالظهور المفاجئ للحكم الشمولي في القرن العشرين، فإن هذا الحدث المذهل وغير المسبوق تمامًا ينبغي أن يسمح لنا، حسب أرندت، بالنظر إلى التقاليد التاريخية والسياسية للغرب بنظرة جديدة. ولكن ماذا نرى، إذا اتبعنا التحليلات الأرندتية؟ لا يمكن الخلط بين الدين والسياسة، على وجه التحديد، مع بعضهما البعض، وأنه لا يمكن اعتبارهما كوظائف اجتماعية. اقترحت أرندت المضي في عملية العلمنة، كما اعترفت بأن معنى ودور الدين هو خطاب للتعالي، وهو مجموعة من المعتقدات والممارسات متوجهة لمت وراء العالم الاجتماعي المحايث. وبالتالي لا يمكن اختزال الظاهرة الدينية في منطق الاجتماعي. ولكن، من ناحية ثانية، تعتبر أرندت أيضًا أن مجال العمل السياسي هو مجال يتجاوز العالم الاجتماعي، الذي يستعصي عن المنطق النفعي والأداتي. ومع ذلك، فإن تعالي السياسي ليس من نفس نظام تعالي الديني.

يتميز السياسي تقريبا بـ “التعالي في المحايث”، أي أنه يتكون من عمل منسق ليس له هدف آخر غير تحيينه الفعلي. وحسب أرندت، فإن العمل الجماعي يجعل من الممكن تشكيل فضاءً سياسيا يتجاوز الإطار المحايث الاجتماعي (مجال المصالح الخاصة والاحتياجات الطبيعية)، ويجلب مصلحة جماعية أو مصلحة مشتركة. وبالعمل الجماعي الذي يقوم به الناس داخل المجال السياسي-العمومي، يعطي لوجودهم خلودًا معينًا. في المقابل، فقد كان خلود التعالي الديني -الذي كتبت عنه أرندت القليل- على المحك، ولا يمكن له إلا أن يثير القلق، على هذا النحو، على مستوى مجال الوعي الفردي أو الروحي. في هذا الصدد، يتميز المجال الديني بوضوح عن مجال العمل السياسي. وكما أشارت حنة أرندت، فقد «كانت الحرية التي أدخلتها المسيحية على العالم بمثابة التحرر من السياسة، وتحرر الكينونة والبقاء الكامل خارج المجتمع العلماني، ووضع مجهول تمامًا للعالم القديم[33]». بهذا المعنى، فإن العمل السياسي له مصلحة في خلاص العالم، في حين أن الممارسة الدينية لها مصلحة في خلاص الروح. بالإضافة إلى ذلك، تشير السياسة والدين إلى مفهومين مختلفين جذريًا لحرية الإنسان: الحرية في العالم، والتحرر من العالم. ومن نواح عديدة، يمكن أن يتعارض هذان المفهومان مع بعضهما البعض، أو يشكلان تهديدًا لبعضهما البعض. ومع ذلك، فإن الممارسة الدينية والعمل السياسي يتجنبان المنطق الأفقي للتبادل الاجتماعي، ويكشفان عن أهمية منطق آخر للوجود البشري، منطق “عمودي” بطريقة ما.

خــاتــمــة

يتضح، في نهاية المطاف، أن حنة أرندت تتحدى منطق العلوم الاجتماعية (الذي يفترض، كمبدأ منهجي، أن الله غير موجود)، ومنطق الفكر المحافظ أو الرجعي (الذي يؤكد وجود الله باسم المطالب الاجتماعية والسياسية). وبالفعل، فإن هذين المنطقين الكموني والموضوعاني ليسا بعيدين جدًا عن بعضهما البعض لأنهما يختزلان كل الحقيقة إلى وجود المادة أو إلى وجود “القيمة”: وهذا يعني المنطق الاجتماعي للنفعية والتبادل. بل على العكس من ذلك، ومن خلال الاعتراف بالتمييز بين الكمون والتعالي، ولكن أثناء التمييز في الوعي – بعيدًا عن أي اختزالية موضوعية – تنوي أرندت التخلص من “الطائفية الحضورانية” للحداثيين.

لا يمكن دراسة وفهم الممارسات والمعتقدات الدينية، وكذلك الإجراءات السياسية، إلا من وجهة نظر الأفراد الذين يبدؤون هذه الممارسات والمعتقدات والأفعال، أي من وجهة نظر ضميرهم ونواياهم وخطاباتهم، ولكن ليس من وجهة نظر خارجية وموضوعية مفترضة، كما لو كان لديهم سلوك تلقائي، يتم تحديده بالكامل من خلال أسباب تاريخية أو اجتماعية. وهكذا فتحت أرندت الطريق، من ناحية، لفينومينولوجية العمل والفكر السياسيين. ومن الممكن، من ناحية أخرى، تصور فينومينولوجية الممارسة الدينية والمعتقدات، انطلاقاً من الاقتراحات الواردة في عمل أرندت. ومع ذلك، فمن المرجح أن تمنح ظاهرة سياسية ما للناس، وفقًا لها، حريتهم، باعتبارهم من رعايا الوعي ومتمتعين بملكة التصرف: هذا ما عملت عليه طوال عملها. ومع ذلك، لا يمكن للإنسان إلا أن يخمن في اقتراحات أرندت، لما يمكن أن تكون ظاهرة دينية ما قادرة على استعادة المعنى الحقيقي للمعتقدات والممارسات التي تهدف إلى خلاص النفس الفردية ولكن ليس ذلك من عالم مشترك.

البيبليوغرافية

ARENDT, Hannah, La Crise de la culture, traduit et publié sous la direction

          de Patrick Lévy, éds. Gallimard, 1972, Paris.

         —, La Nature du totalitarisme, traduit et publié par M.-I. Brudny,

         Eds. Payot, 1990, Paris.

        —, Les Origines du totalitarisme-Eichmann à Jérusalem, traduit et

        publié sous la direction de P. Bouretz, éds. Gallimard, 2002, Paris.

 POIZAT, Jean-Claude, Hannah Arendt, une introduction. Eds. Pocket-La

       Découverte, 2003, Paris.

VOEGELIN, Éric, Les Religions politiques, traduit par Jacob Schmutz,

      Eds. Cerf, 1994, Paris.

       —, La Nouvelle Science du politique, traduit par Sylvie Courtine-

      Denamy, éds. Seuil, 2000, Paris.

La Revue du M. A. U. S. S., n°.22, éds. La Découverte, 2003, Paris.


[1] ـ إريك فويجلان Éric Voegelin (1901_ 1985)، عالم سياسي أمريكي من أصل ألماني، فيلسوف التاريخ ومؤرخ الأديان. اشتغل منذ عام 1938 في ميدان التدريس في جامعات مختلفة، أولاً في ألمانيا، ثم في الولايات المتحدة حيث أنهى حياته المهنية في جامعة ستانفورد. من أهم مؤلفاته الأديان السياسية (فيينا 1938) والعلم الجديد للسياسة (شيكاغو، 1952).

[2]– Arendt, Hannah, The Origins of Totalitarianism, publié à New-York en 1951.

[3]– Arendt, Hannah, « Une réponse à Éric Voegelin », in Les Origines du totalitarisme-Eichmann à Jérusalem, édition établie sous la direction de Pierre Bouretz, éd. Gallimard, collection « Quarto », 2002, Paris, pp. 967- 974.

[4]– Poizat, Jean-Claude, Hannah Arendt, une introduction, éds. Pocket, coll. Agora, 2013, p. 39.

[5]– Arendt, Hannah, « Le concept d’histoire : antique et moderne », in La Crise de la culture, éd Gallimard, 1972, Paris, p. 58.

[6]– Arendt, Hannah, « Qu’est-ce que l’autorité ?» in La Crise de la culture, Op. Cit., p. 121.

[7]Ibid., P. 158.

[8]Ibid., P. 168.

[9]– Arendt, Hannah, « Qu’est-ce que l’autorité ?» in La Crise de la culture, Op. Cit., p.  183

[10] Ibid., p. 184-185.

[11] Ibid., p. 175.

[12] – اغريغوار لوڭرون Grégoire Ier le Grand (540- 604)، كان حاكما على روما، كما كان البابا من 590 حتى وفاته.

[13]– Arendt, Hannah, « Qu’est-ce que l’autorité ?» in La Crise de la culture, Op. Cit., p.  175.

[14]Ibid., p.  177.

[15]Ibid., p.  174.

[16]Ibid., p.  177.

[17]Ibid.,  p.  185.

[18]– Poizat, Jean-Claude, Hannah Arendt, une introduction, Op. Cit., p. 145.

[19]– Hannah, Arendt, « Religion et politique », in La Nature du totalitarisme, Op, Cit., pp. 139-168.

[20]– Voegelin, Éric,« Les origines du totalitarisme », in Les Origines du totalitarisme-Eichmann à Jérusalem, Op. Cite., p. 964.

[21]Ibid., p. 964.

[22]– ARENDT HANNAH, « Une réponse à Éric Voegelin », in Les Origines du totalitarisme-Eichmann à Jérusalem, Op. Cit., p. 972.

[23]–  Arendt, Hannah, « La Tradition et l’âge moderne », in La Crise de la culture, éd, Gallimard, 1972, Paris, p.  46.

[24]– ARENDT HANNAH, « « Une réponse à Éric Voegelin », in Les Origines du totalitarisme-Eichmann à Jérusalem, Op. Cit., p. 973.

[25]Ibid., p. 972.

[26]– Arendt Hannah, « chapt. XII. Le totalitarisme au pouvoir », (pp. 719-812), in Les Origines du totalitarisme-Eichmann à Jérusalem, Op. Cit., p. 794-795.

[27]– Arendt Hannah, « Qu’est-ce que l’autorité ?», in La Crise de la culture, Op. Cit., p. 174.

[28] – جول مونروت Jules Monnerot (1909- 1995)، مفكر وعالم اجتماع فرنسي مقرب من جورج باتاي Georges Bataille، وروجر كايواس Caillois Rogers وبيير كلوسوفسكي Pierre Klossowski. أظهر هذا المثقف مشاعر قوية مناهضة للشيوعية واقترب من أطروحات اليمين المتطرف الفرنسي (ولا سيما الجبهة الوطنية) في نهاية حياته. ومن أهم مؤلفاته نذكر منها:

– Sociologie du communisme et Echec d’une tentative religieuse au XXe siècle.

[29]– Arendt Hannah, « Religion et politique », in La Nature du totalitarisme, Op, Cit., pp. 139-168.

[30]– Jules Monnerot, « Lettre de Jules Monnerot à l’éditeur de Confluence », in Confluence, volume 2, n° 4, décembre 1953. Texte traduit par Philippe Chanial et publié dans La Revue du MAUSS, n°22, éditions La Découverte, octobre 2003, pp. 44-48.

[31]– Hannah Arendt, « Lettre de Hannah Arendt à l’éditeur de Confluence en réponse à Jules Monnerot », in Confluence, volume 3, n°.3, septembre 1954. Texte traduit par Jacques Dewitte et publié dans La Revue du MAUSS, n° 22, éds. La Découverte, octobre 2003, p. 48-50.

[32]– Lettre de Hannah Arendt à l’éditeur de Confluence en réponse à Jules Monnerot », traduction J. Dewitte, Op. Cit., p. 50.

[33]-Arendt, Hannah, « Religion et politique », in La Nature du totalitarisme, Op. Cit., p. 146.

حول حنة أرندت:

ليندسي ستون بريدج: ما الذي يمكن أن تعلّمنا إياه حنة أرندت عن العمل في زمن كوفيد- 19

24 مايو 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة: علاء الدين أبو زينة ليندسي ستون بريدج* – (ذا نيو ستيتسمان) 15/5/2020 ينبغي أن يرشد تمييز الفيلسوفة بين العمل والكدح محاولاتنا لبناء مجتمع أفضل.* * وفقًا لإرشادات الحكومة، من المفترض أن نعود الآن إلى العمل. ولكن ماذا يعني “العمل” في زمن “كوفيد-19″؟ وسط الجدالات حول الكيفية التي قد نعود …أكمل القراءة »

فلسفة السياسة عند حنة أرندت

16 يناير 2019 صدر حديثا 0

جديد مليكة بن دودةأكمل القراءة »

شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

18 نوفمبر 2018 بصغة المؤنثمجلات 0

عزالدين بوركة  (كاتب وباحث مغربي) رغم رفضها للَقب “فيلسوفة”، بحجة أنها تشتغل في التنظير السياسي، فحنة أرندت تعد من أبرز المفكرين وعلماء الاجتماع السياسي في القرن العشرين، الذين أعادوا الرؤية في الفكر الغربي وأزمة الحداثة، شأنها في ذلك شأن ميشيل فوكو وجاك دريدا ومارتين هيدغر وهابرماس… الذين تأثروا بمطارق نيتشه …أكمل القراءة »

تفاهة الشر: حنة أرندت في القدس 

11 نوفمبر 2018 بصغة المؤنثفلاسفة 0

بقلم: كريم محمد “الشرّ دائماً متطرّف وليس جذريّاً أبداً. الخير هو الجذريّ والعميق”. حنّة أرندت. -1- لم تكن النّازيّة حركة عاديّة، أو ظاهرة سياسيّة طارئة، أو واقعة وقعت بلا قَدَر ميتافيزيقي في الغرب؛ فكلّ فاشيّة كبرى لها أصولها البنيوية التي ترسّبت حتى ولو لم نعد نرى تلك الأصول لشدّة تجذّرها، لتخرج …أكمل القراءة »

حنة أرندت: أزمـة هويـة

10 يوليو 2018 بصغة المؤنثعامة 0

د. محمد الأسعد ـ المغرب نشرت”حنا أرندت” سنة 1958 كتابها: “راحيل فارنهاغن، سيرة حياة يهودية ألمانية في زمن الرومانسية”، شكل هذا الإصدار فرصة خصبة بالتفكير في حياتها الخاصة والتعبير عن حريتها، لما وجدته من تماثلات مع حياة راحيل التي كانت بالنسبة لها ” آخر الأنا” “Alter Ego ” . ليست …أكمل القراءة »

حنة أرندت وسؤال العنف التوتاليتاري – ندوة العنف والمقدس

16 أغسطس 2017 بصغة المؤنثتغطيةفلاسفةمتابعاتمجلات 0

كوة: ع ر نظمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ندوة دولية في موضوع المقدس والعنف يومي 6 و 7 ماي 2017 بمقر المؤسسة بالرباط، وشاركت فيها بمداخلة في موضوع حنة أرندت وسؤال العنف التوتاليتاري، وانشرها كاملة كما نشرتها المؤسسة على موقعها الالكتروني، مع العلم انها ستنشر ضمن مشنورات المؤسسة …أكمل القراءة »

حنة أرندت ومشكلة الزنجي – مراجعة: جرايسون هانت / ترجمة: محمد الصويان

3 أبريل 2017 ترجمة 0

يفصل كتاب كاثرين جاينس تحيزات حنة أرندت العرقية والمفاهيمية تجاه السود في أمريكا وأفريقيا ما بعد الاستعمار. ساهمت جاينس مساهمة أصيلة وهامة في الفلسفة النسوية بتطبيق استراتيجيات نسوية ومناهضة للاستعمار مختلفة – متضمنة وجهات نظر فردية ومتعددة – لنصوص ومفاهيم أرندت السياسية. إن النقد النسوي لأرندت سواء النقد العام أو …أكمل القراءة »

حنّة أرندت: السياسة والتاريخ والمواطنة

3 أكتوبر 2019 صدر حديثا 0

المؤلفون:• فيليب هانسنأستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة ريجينا في ساسكاتشيوان الكندية.• خالد عايد أبو هديبباحث وكاتب متخصص في الشؤون الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي واللاجئين. يحمل دكتوراه في الآداب من الجامعة الأميركية في بيروت، عمل مستشارًا في الشؤون الاقتصادية والسياسية في مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت.ـــــــصدر حديثًا في …أكمل القراءة »

في الفكر السياسي للفيلسوفة حنة ارندت

10 أغسطس 2019 بصغة المؤنثفلاسفة 0

بقلم الباحثة: جنات حرات تتميز الظروف الدولية الراهنة باشتداد الصراع السياسي، سواء على المستوى الفكر أي في مجال التنظير السياسي، او في مجال الممارسة السياسية أي في واقع الدول، فحال الإنسانية اليوم يبين ان الكثير من اقطارها تعيش حالة من اللا استقرار والفوضى، والصراعات السياسية، وفي هذا السياق تعددت الآراء …أكمل القراءة »

حنا أرندت: فيلسوفة الحب والحق – نزهة صادق

4 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  عن مجلة ذوات – نزهة صادق تعتبر الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت من أهم فلاسفة القرن العشرين، وتحديداً من رموز الفلسفة السياسية. آمنت بفلسفة الحب والأخلاق، وأنجزت بحثاً أكاديمياً في قراءة فلسفة القديس أوغسطين في الحب من زاوية وجودية، ورفضت أن تنتزع حقوق عندما انتفضت بعد محاكمات أدولف إيكمان (1906 …

حنة آرنت: الصّفح بما هو حل لمشكلة الشّر

3 أبريل 2017 بصغة المؤنث 0

حنة آرنت: الصّفح بما هو حل لمشكلة الشّر الدار البيضاء / المغرب: العلوي رشيد عرفت الفيلسوفة الألمانية حنة آرنت بكتاباتها الفلسفيّة والسياسيّة أكثر مما عرفت بكتاباتها ذات النفحات الدينيّة، فجراء ويلات النازية التي كانت السبب في رحيلها إلى أمريكا، تأملت آرنت الوضع البشري في القرن العشرين محاولة تلمس بعض عناصر …أكمل القراءة »

دريدا، الصفح.. والجرح الفلسطيني العضال

13 يناير 2019 ترجمةكتب 0

يفكّك دريدا في هذا النص أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح في كتابيه “الصفح” و”ما لا يتقادم” إشكالية الصفح بحدّة يتعصّب فيها للانتقام، على خلفية فظائع المحرقة النازية، ما جعله يرى الوعي الألماني كلّه مذنبًا وشقيًّا. من جهتها فالفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، وإن لا ترى في الصفحة امكانية ارتقائه إلى حد محو كل الجرائم التي تمس الإنسانية، لأنه لا يقابلها قانونيا، إلا أنها لا ترفضه كحل لا مناص منه للقضاء على شرور العالم، إلا أن التفاهة، تفاهة الشر بالتحديد، حينما يتم محاكمة شعب كامل أو شخص بعينه بتهمة جرائم ارتكبها نظام استولى على الحكم في فترة معينة،أكمل القراءة »

جاك دريدا: نهايات الإنسان

‏4 أيام مضت أخرىترجمةفلاسفة 0

ترجمة: منى طلبة رفعة النزعة الإنسانية: كانت القراءة الأنثروبولوجية لهيجل وهوسرل وهيدجر بمثابة تفسيراً معکوسا، بل ربما كانت التفسير الأكثر خطورة، لأنها القراءة التي زودت الفكر الفرنسي فيما بعد الحرب بأفضل موارده المفاهيمية بيد أنه :أولا: لم يول كتاب فينومينولوجيا الروح، Phenomenologie de ‘ Esprit – الذي لم يقرأ إلا …أكمل القراءة »

إريك دوبروك: جينيولوجية السلطة والمؤسسة التعليمية: المراقبة والمعاقبة* (الجزء II)

8 يونيو 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: نور الدين البودلالي نور الدين البودلالي في أوجه قصور التصور الفوكوي ذلك، وإن المؤسسة المدرسية تُقدم، في المراقبة والمعاقبة، على أنها جزء من هذه الإجراء التأديبي للتقويم والتكوين الشائع في كل أنحاء المجتمع الحديث. بهذا يصبح الجهاز التعليمي مماثلا أو «مشاكلا isomorphe» لسلطة سجنية جديدة للمراقبة. صحيح أنه كان …أكمل القراءة »

إريك دوبروك: جينيولوجية السلطة والمؤسسة التعليمية – 1 – المراقبة والمعاقبة* ج I

1 يونيو 2020 ترجمةمفاهيممقالات 0

نور الدين البودلالي ترجمة: نور الدين البودلالي                 أنوي من خلال هذا العمل، ومن خلال بعض الخطاطات التحليلية التي تنبئ عن دراسةٍ أكثر تعميما (التي أتمنى التوسع فيها في عمل تحت عنوان عام «قلب طفل»)، بسط فرضية عمل وضمان تماسكها. أود في نفس الوقت أن أستع رض بإيجاز بعض العناصر المنهجية، …أكمل القراءة »

هارتموت روزا: المعجزة والوحش –رؤية سوسيولوجية لفيروس كورونا

11 مايو 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة: كمال بومنير نعم، يمكننا إيقاف العالم. إنّه لأمرٌ سهلٌ ميسورٌ.هذه هي المعجزة التي سيحققها –بحسب ما يبدو لي– فيروس كورونا. لا يخفى أنّ هذا ما فعلناه نحن البشر، وليس الفيروس! وهذا باستخدام القوة نفسها التي دفعتنا إلى إنتاج المزيد بطريقة أسرع. نحن نعرف كيف نتوقف. ولكن ماذا نفعل بعد …أكمل القراءة »

ميشيل فابر: هل لا تزال المدرسة قادرة على تكوين العقل؟(*)

21 ديسمبر 2019 ترجمةعامةمفاهيم 0

نور الدين البودلالي بقلم: ميشيل فابر ترجمة: نورالدين البودلالي المترجم: أهدي هذه الترجمة للصديقين: أستاذي المكي ناشيد و زميل الجامعة عمر مرابط من المفارقات الغريبة ملاحظة أن اللحظة عينها التي توفر فيها للمجتمع وسائل تحقيق مُثل مرحلة الأنوار العليا التربوية، حيث يصبح العقل فيها يتمتع بشعبية حقيقية –حسب تعبير كوندورسيه- …أكمل القراءة »

حوار مع أكسيل هونيت: في نقد مخاطر الفردانية الليبرالية

30 أكتوبر 2019 ترجمةحواراتفلاسفةمجلات 0

أكسيل هونيت ترجمة: خالد جبور ترجمة حصرية لموقع كوة أكسيل هونيت، رائد مدرسة فرانكفورت، وأبرز ممثلي الفلسفة الاجتماعية، الفيلسوف الذي خلف يورغن هابرماس، والذي اهتم بتحليل الميكانيزمات التي تعيق تحقيق الإنسان لذاته في ظل الرأسمالية المعاصرة. حاورته أليكساندرا لينيل لافاستين. سيد أكسيل هونيت، ما هو المجتمع المُتَّزٍن في نظرك؟  -المجتمع …أكمل القراءة »

سيكولوجية الدولة الشمولية

13 يوليو 2019 بصغة المؤنثتغطيةفلاسفة 0

حواس محمود إن سيطرة الدولة الشمولية في العالم العربي لفترة تقارب أو تزيد عن نصف قرن، وممارستها خلالها شتى صنوف القهر وأنواع الاستبداد والعسف والفساد، (ومع اندلاع ثورات الربيع العربي بنجاح بعضها واستمرار المخاض الثوري في بعضها الآخر وتعثر بعضها الآخر)، تُثار الأسئلة العديدة حول ماهية نظام الدولة العربية، الذي …أكمل القراءة »

عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله

13 يونيو 2019 أنشطة ومواعيدعامةنصوص 0

عز الدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) يقول فريدريك نيتشه على لسان زارا بطل كتابه “هكذا تكلم زرادشت”: “أحب من يُعْلن حبّه لربّه بتوجيه اللّوم إليه”[1]. إنه اللّوم الذي يزيل عنه كل ما التصق به من “سلبيات” و”نواقص”، وهذا ما سعى إليه الفيلسوف العربي الذي تجول في الصحراء حاملا ديناميتا ومطارق، …

الفلسفة والكتابة الارتجالية عند الفلاسفة

2 يونيو 2019 فلاسفةمجلاتمقالات 0

كتب المقال قيدومي مدرسي الفلسفة ،المؤطران التربويان سابقا الأستاذان عبد العالي الحفيظي وبديع الزمان اليمني ( من مدينة آسفي )أكمل القراءة »

جويس منصور.. شاعرة النيل السريالية

8 مايو 2019 بصغة المؤنثعامةمجلات 0

عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي) الحلم المصري السريالي: جويس منصور “شاعرة النيل السريالية”، أو “الحلم المصري الجميل”، هكذا يحبذ البعض نعتها، وُلدت هذه الشاعرة المصرية سنة 1928 بإنجلترا، لتنتقل رفقة عائلتها في سن مبكر إلى القاهرة على حدود النيل، هناك ستتعرف على أسس الشعر ومساراته الملتوية والمتشعبة. انحدرت جويس منصور …أكمل القراءة »

حب الفلاسفة: الحب الهايدجري

9 أبريل 2019 بصغة المؤنثفلاسفةكتب 0

الحبّ عند الفلاسفة – الجزء الثالث – لم يكن هايدغر فيلسوف الحب ، وقد كتب يسبرز أن فلسفة هايدغر “بلا حب” ، ولذلك فإن أسلوبه غير محبَّب. وبقي كذلك حتى جاء العام ١٩٢٧ ، وفيه عاش هايدغر مغامرة عاطفية مكثّفة مع تلميذته “حنة أرندت” ، وقد رأى هايدغر في هذه …أكمل القراءة »

الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

8 سبتمبر 2018 رشيد العلويكتبمساهماتمفاهيم 1

بقلم عبد الرحيم رجراحي   لعل ما يلفت الانتباه في التقديم الذي أعده سعيد ناشيد للكتاب هو اعتباره أن “هذا الكتاب مدخل نظري ونضالي إلى أخلاق المدينة، أخلاق الفضاء العمومي، أخلاق الحداثة السياسية”.[1] وسنسعى في مقالنا إلى الكشف عن هذه الأخلاق التي هي من جنس الشأن العمومي، والتي من فرط …أكمل القراءة »

 تأملات حول الفلسفة والسياسة في فضاء العالم – عبد الناصر حنفي

7 سبتمبر 2017 عامةمساهمات 0

1 – الفلسفة والذهاب إلى “ما هو سياسة”: تلاحظ “حنة أرندت” أننا: “نجد عند كل المفكرين الكبار، بما فيهم أفلاطون، اختلافا في المستوى ما بين الفلسفات السياسية وبقية آثارهم الظاهرة للعيان، لا يمكن للسياسة أن تصل أبد إلى نفس العمق.” وإذا ما افترضنا مصداقية هذه الملاحظة -النادرة الظهور والتكرار- فسيبدو …أكمل القراءة »

الحياة العاطفية للفلاسفة

9 يونيو 2017 بصغة المؤنثعامةفلاسفة 0

محمد الدخاخني – باحث ومترجم من مصر ينتمي كتاب “الفلاسفة والحب” (ترجمة: دينا مندور، دار التنوير2015)، قبل كل شيء، وحتّى يكون مُفتتَح الكلام فلسفيًا، إلى ضرب من الكتابة صار يُنعت بـ “الكتابة بيدين”، حيث ينضوي كاتبان إلى الظلال الوارفة لنصّ واحد. ويأتي في ناصية هذا الضرب الثنائي جيل دولوز وفيليكس …أكمل القراءة »

الحب في مرآة الفلاسفة… روح إيروسية وازدراء متعالٍ

26 مايو 2017 مساهمات 0

ريتا فرج وصف الفيلسوف الفرنسي آلان باديو (1937) الحب بأنه «نتاج الحقيقة» وخبرة ترتكز إلى فعل اثنين واستهلال يتحقق بلقاء استثنائي، ومرحلة فارقة تميز النشاط الاستنمائي الخالص. لم ينظر الفلاسفة إلى الحب بفرح روحي جسدي، بل تعاملوا معه بتحفظ شديد يشبه صرامة أفكارهم الفلسفية الباحثة في عالم المُثل والحكمة. قلة …أكمل القراءة »

النقد النسوي لليبرالية – ليندا إم. جي. زيريللي

22 مايو 2017 بصغة المؤنثترجمة 0

 ترجمة: د. سنية نمر ياسين د. ليندا إم. جي. زيريللي، كاتبة واستاذة العلوم السياسية والدراسات الجنسانية في جامعة شيكاغو شهدت النسوية والليبرالية على مر الزمن تاريخًا حافلًا بالسجالات المعقدة. من ناحية أولى، رسخت الحركة النسوية الأولى والثانية مطالباتهن بالحقوق السياسية وبالمساواة في المواطنة من خلال تقديم الحجج الداعمة لمطالبهن. ولكن …أكمل القراءة »

 النساء والفلسفة: الفيلسوفة آين راند

20 أبريل 2017 بصغة المؤنثعامة 0

مريم الرئيس – المغرب يقال أن الفلسفة حِكْرٌ على الرجال، لكن التاريخ يشهد بخلاف هذا الأمر، فقد عرف القرن السادس الميلادي نساء فيلسوفات فيثتاغوريات أمثال إيزارا اللوكانية، وبركتيوني، و اسبازيا  وهيباتيا فيلسوفة الإسكندرية وغيرهن، و قد تفلسفن حول قضايا شائكة عديدة، كالعدالة والأخلاق والحب، ومسألة الخلود بالإضافة إلى مواضيع أخرى. …أكمل القراءة »

الاخْتِلاء، والوِحْدة، والعُزلَة عند حنّة آرنت / ترجمة: نورة الخطيب

18 أبريل 2017 بصغة المؤنثترجمة 0

الاخْتِلاء، والوِحْدة، والعُزلَة عند حنّة آرنت / ترجمة: نورة الخطيب لا يمكنني أن أفعل أشياء معينة لأني لن أتمكن من العيش مع نفسي بفعلها. هذا العيش مع نفسي يتعدى الإدراك، كما يتعدى الوعي الذاتي الذي يرافقني في أي شيء أفعله وعلى أية حالة أكونها. يتجلى ويتحقق مفهوم أن أكون مع

شاهد أيضاً

“هوت ماروك”، لياسين عدنان، طوفان الصّخب البشري بامتياز (الجزء2)

رجاء بكريّة (رواية “المغرب السّاخن” الّتي ترجمت حديثا إلى الفرنسيّة وتلقى رواجا وتوثيقا واسعا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *