الرئيسية / ترجمة / شيستوف: في تسخيِفِ العالم

شيستوف: في تسخيِفِ العالم

ربِيع جواد 

ترجمة: ربِيع جواد 

ظهرت الفلسفة كحدثِِ أساسي في تاريخ الكينونة، فقد جعلت العالم، لأول مرة، يمثُلُ أمامَها كسؤال، سؤال تحركه أكثر غرائز الإنسان نُبلاً، أي الفهم . حضور سؤال المعرفة كمرغوبية مقلقة، تقع بين الشعور بالمسافة مع الوجود و بين الانتماءِ له، جعلَ حركة الفهم تنطلق من إشراطات ” العمومية ” و مقتضياتِها الشمولية، لذلك علينَا أن ننظر للتحولات المعاصرة، كمنعطفِِ يبحث عن إبدالات لهذا الميل الكلياني الذي حدَّدَ مضمون الفكر و آلَ إلى معيار للفلسفة و لما دونَها .

انطلاقا من الدعوة إلى التفكير في تفاصيل الوجود الكامِنة و المهملة، أنجز  بوريس غرويس، أستاذ الدراسات السلوفاكية و الروسية بجامعة نيويورك و صاحب نص ” الفن الشامل للستالينية “، عملا أساسيا بعنوان ” مقدمة لفلسفة مضادة “، مضادة لمنطق ” الحكايات الكبرى “،  فالملل و الضحك و اليأس و الزمن و الحب و الأمل ، ليست بتجليات أقلَّ شأنا على مستوى فهم الشرط الإنسانِي . المفكرون الذينَ يجسدونَ هذا الاتجاه هم كييرغارد، نيتشه و هايدغر، كما أنَّ اهتمام غرويس بهذه ” العلامات الفلسفية “، يحاول أن يقدم نفسه كانشغال فلسفي أصيل و هادئ،  لذلك لم يكن بوسعه أن يُغيِّبَ الفيلسوف الروسي ” ليف شيستوف “،  الذي كانت مساهماتُه أساسية في تطوير الوجودية، رغمَ أنَّ ” الذاكرة المعاصرة ” أصبحت تتنكَّر لكل ما هو ” أصيل “،  جاعلةً من النسيان وهناً مرضياً .

دشَّنَ شيستوف(1866_1938) مساره بكتابة مجموعة من الرسائل حول دوستويفسكي، تولتسوي و تشيخوف، تحت تأثير ” فيلولوجيا نيتشه ” . وسمت حياته منقلبات فظيعة، بدايةً بمقتل ابنه خلال الخدمة العسكرية في الجيش الروسي و معَ هبوب رياح ثورة أكتوبر 1917، فرضت عليه تجربة ” المنفى ” و انكساراتُه، حتمية البعد و ملحاحيته أمام  فيلسوف يصعب عليه فك ارتباطاتِه بالأمكنة .

أهمُّ أعمال شيستوف في الفلسفة، كانَ ” في اللا أساس ” (1905)،  عبره يوجه التجربة الإنسانية داخل العالم، خارجَ كل الإقرارات اليقينية،  يقول ” لا نعرِفُ شيئا عن الحقائق النهائية لوجودنا و لن نعرِفَ أبدا أيَّ شيء “، يتعلق الأمر بكون المحدودية تتجسد في صميم كل معرفة و عبرَ ذلك نلتمِس شكل حضورِنَا في العالم، فلن تُنصِفَنا الحقيقة يوماً، ما دمنا نعيش كل تجاربنا الفكرية  بين فتنة ” أثينا ” و روحانية ” القدس ”  و ما قصده شيستوف في كتابه ” أثينا و القدس” ارتبط بالأفق المفتوح بين العقل و الإيمان .

في محادثة  له عام 1934 مع مارتن بوبر، قال شيستوف ” في اللحظة التي تقدم خلالها الإنسان نحو الفاكهة المحرمة، فقد حريته ”  أي أنه معلقٌ دوما بأسئلة مفتوحة و مخيفة كذلك، تتطلب تسخيفَ الوجود و الرقص بفرح بين جدرانِهِ المجدولة من العبث، بذلك نجعلُهُ مرمى لسخريتنَا .

* عنوانُ المقالة في أصلِها الإنجليزي هو : 

DAVID SUGARMAN

A Philosopher of Small Things .

شاهد أيضاً

الأثرُ الجمالي والفن

سامي عبد العال سامي عبد العال ” ليست اللوحات الفنية جغرافيا للألوان، بل وطنٌ للجمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *