الرئيسية / منتخبات / عامة / جلال الدين الرومي: لم يكن نبيَّا ولكنّهُ أُوتيَ الكتاب

جلال الدين الرومي: لم يكن نبيَّا ولكنّهُ أُوتيَ الكتاب

فتحي طالب

لا نبالغ إن قلنا أن المدونة الصوفية عامة ومدونة جلال الدين الرومي خاصة  تقارب النصوص التأسيسية للأديان ( سماويّة / وضعيّة ) وتسابقها وتحديدا في مدى تأثيرها الروحي والفكري في الناس نظرا لثراء مادتها ومرونة خطابها حيث أقرّت الباحثة آمنة بلعلي أن ” التصوف يكاد في رهانه الحالي يتحدى النصوص الكبرى في الثقافات البشريّة ” [1] ،  فهو فضاء كوني تلتقي فيه تلكم الأديان والثقافات والفهوم على تباينها لتشكل فسيفساء معرفيا وروحيا فريدا .

 حسب ما يعنيهExperience يصح  القول أن  المعرفة الروحيّة لم تكن منبتة عن التجربة

مفهوم التجربة من معان ويقتضيه من شروط * [2] بل كانت نتيجة  حتميّة لها  لذلك كانت سيرة الرومي ومسيرته مرتقية في سلم التجربة ارتقاء هزه في الأعماق  وإن كنا سنحجم عن الخوض في هذه المسائل بشكل مفصل في هذا المقام فإنني أرجأت التوسع في كتابات تعنى بها .

1/ في كفّة المدح :

في مقدمة كتابه ” بحثا عن الشمس من قونية إلى دمشق جلال الدين الرومي وشيخه شمس تبريز ” للأستاذ عطاء الله تدين ذكر الباحث عيسى علي العاكوب قولة للشاعر عبد الرحمان الجامي يصف فيها الرومي بأنه ” لم يكن نبيا ولكنّه  أُوتي الكتاب ” [3] ويقصد بذلك كتابه الشهير المثنوي المعنوي  ” وتعني كلمة مثنوي بالعربيّة النظم المزدوج الذي يتحدُ به شطرا البيت الواحد ويكون لكل بيت قافيته الخاصة وبذلك تتحرر المنظومة من القافية الواحدة ” [4]

أما ” الصّفة ( المعنوي ) التي وصف بها المثنوي تعني مرتبطا بالمعنى أو للإيجاز نقول    مقابلا للمثنوي المعنوي ” [5].  Spiritual Couplets باطنيَّا وروحانيَّا

وقد أكد غير باحث على القيمة الروحية والفكرية لهذا الكتاب لا سيما الباحثة فرح ناز رفعت جو التي اعتبرته ” نموذج من القلب الطاهر والفكر العالي لشمس المعرفة المضيئة فخر الشرق مولانا جلال الدين الرومي الذي يفتخر به الإيرانيون ويعظمونه إلى أبعد الحدود واعتبروا المثنوي رسالة القرآن في اللغة الفارسيّة ” [6] .

كما لا يخفى على الدارس أن الرومي مدح مثنويه وأعلى من شأوه عاده ” أصل أصول الدين في كشف أسرار الوصول واليقين وهو فقه الله الأكبر وشرع الله الأزهر وبرهان الله الأظهر مثل نوره كمشكاة فيها مصباحُ يُشرق إشراقا أنورَ من الإصباح  وهو جنانُ الجَنان ذو العيون والأغصان … ” [7] وبعبارة أبلغ في المدح ما يتم تداوله في الأوساط الإيرانية أنه ” القرآن باللسان البهلوي ” [8] .

2/ المثنوي بنية رُوحيّة :

قد يتساءل القارىء في هذا الموضع تحديدا عن الأسباب التي دعت أهل اللسان الفارسي على وجه الخصوص إلى المبالغة في تمجيد الرومي فضلا عن مثنويه ( فخر الشرق / القرآن باللسان االبهلوي .. ) وقد يرى في ذلك ضربا من الخبال أو الإفتتان بالشخصية وأفكارها مما يحيد عن سبيل الموضوعيّة العلميّة في التحليل والنقد .

يجيب الباحث خالد محمد عبده عن هذه الإشكالات التي أراها منطقيّة أن تطرح خاصة إذا كان القارىء اطلاعه بسيط بمجال التصوف إثر إيراده في كتاب شاركته في تأليفه الباحثة عائشة موماد تحت عنوان – الرومي بين الشرق والغرب – قصة حدثت في احدى مجالس الرومي

” كان بعض المسيحيين في مجلس مولانا يستمعون إليه وعلى الرغم من عدم معرفتهم باللغة التي يتحدث بها إلا أنهم كانوا يحزنون ويفرحون ويبكون حسب جو المجلس ، في إحدى المرّات قال أحد المسلمين في المجلس باستخفاف ما بال هؤلاء يبكون مع أن المسلمين أنفسهم لا يصِلون إلى فهم معظم ما يقال في هذه المجالس ويدركونه ؟

فسمعه جلال الدين فعلّق قائلا : ليس من المهم أن يفهموا الكلمات هم يفهمون لبّ الكلمات

هم يدركون أن ما يدور في هذا المجلس هو عن الله  ، كلّ إنسان يحب الله من قلبه ويتضرّع إليه إذ ليس بوسعنا أن نضع اسما لهذا الإيمان القاطن وعندما يسيل هذا الإيمان إلى مجرى الكلام وقالبه يتشكّل ويكتب اسم له ” [9].

 من خلال هذه الإستيعابية للآخر الديني تبدو لنا ” التجربة الصوفية في هذا الإطار غنيّة بالنماذج الإنسانيّة التي تتمتع بقدر كبير من الأخلاق الساميّة المتّسمة بالإعتدال والتسامح مع الآخر ” [10] ولا غرابة عن قامة كالرومي أن تتحلى بهذه القيم وهو إبن القرآن الذي يقول :

 { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير }   [11]  وعاشق للنبي  – كما أخبر عن نفسه – الذي قال ” إنِّي لم أبعث لعَّاناً  و لكنِّي بعثتُ داعياً ورحمةً ” [12] إذ نهل من القرآن ومن هدي النبيّ ما سما بفكره وهذّب ذوقه ورشّحه أن يكون ملهم الآجيال ومحط اهتمام الدارسين شرقا وغربا بحيث لم يتوانى أكابرهم أن يسخروا جهودهم ويهبوا أعمارهم اعتناء بفكره وخدمة لتراثه لا سيما الباحث فرانكلين لويس وفروزانفر  والباحثتين القديرتين أنا ماري شيمل وإيفا دي فيتراي ميروفتش .

3/   أوتاد المثنوي ( المحبّة ،  التسامح ، الجمال )  :

في الحقيقة نجد  تواليف الرومي نظما ونثرا وعلى رأسها المثنوي طافحة بالدعوة للمحبّة والتسامح والجمال وهي دون شك دعوة الأنبياء والمرسلين إيمانا منه بأن الوصول إلى الله لا يتم دون التزود بهذا الزاد، حيث ربّى تلاميذه على هذه القيم وثبت أوتادها في قلوبهم بشاعرية دافقة بالنصح ، يقول :

” اذهب واغسل صدرك من الأحقاد سبع مرات بالماء مثلما تغسل الصدور

                                             وصر عندئذ كأسا لشراب العشق صر كأسا ” [13] .

يصح القول أن هذه البيداغوجية التي اعتمدها الرومي في تربية مُريديه لم تكن خارجة عن دوائر التربيّة التي تلقاها طيلة حياته والتي شهدت خطواتها الأولى مع والده بهاء الدين ولد مرورا بشيخه برهان الدين محقق ترمذي وصولا إلى أستاذه شمس تبريز لذلك نجد آثارها واضحة في تعاليمه ماثلة في شخوص أتباعه مؤكدا من خلالها على ضرورة تخليص الحب من قيود الأنا والأنت لأنها تسيء إلى طبيعته التي ترفض التشييء [14] .

ولو أننا تصفحنا المثنوي – يقع في ست مجلدات –  لتبين لنا من خلال ما يتضمنه من قصص وحكايات وأخبار وأشعار وحكم وأمثال و” رؤى عرفانيّة ومفاهيم  أخلاقيّة وقيم جمالية و مقولات إنسانيّة و أناشيد للحب والوجد والهيام و سمفونيات عاشقين و مسالك وأساليب للإرتياض الروحي و لوحات لإبتسامة الله ورأفته ورحمته و تأويلات للقرآن والحديث .. ” [15]  أنه ليس قرآنا باللسان البهلوي فحسب بل رسالة خالدة للإنسانيّة جمعاء.

فلئن  كانت المحبّة ” الدافع لخلق العالم ” [16] فإن ” الجمال هو الباعث على المحبّة والقادح لها ” [17]  وموقف الرومي من المحبّة والجمال تجيب عليه أشعاره وقصصه وحكاياه التي يحير اللبيب الخرّيت أحيانا  في حصرها وتفكيكيها وإستلهام المعنى منها فهو يرى أن ” كلُّ شيءٍ مضمرُ في المحبّة  ” [18] وأن جمال الصور يعكس جمال المصور وبرؤية الجميل يغدو الكون جميلا ، يقول في  هذا الصدد متغزلا بحبيبه شمس تبريز :

                         يا من وجهُك شبيهُ بالشّمس جالبُ للسرور

                                                  ويا من شعرُكَ معطي المال لكل الحَب

                         أنت وحدك جميلُ في هذين العــــــالمين

                                                   والباقي تبع لك وقد صاروا جميعا جميلين [19].

حمل الرومي القيم إلى أرضية فكرية وروحية مرنة ذات أبعاد مختلفة وتصورات جديدة فالحب والجمال في مدونته تجرد من الذاتي والشكلي  واقتحم جميع الفضاءات وأصبحت القيم صورة السماوي على مرآة الأرضي التي يمكن أن ترى من خلالها صور الله  .

إن صُلوحيّة القرآن الكريم لكل زمان ومكان هي صلوحيّة خارجة عن مدارات العاطفة الإيمانية المتشنجة وإنها هي صلوحية يدافع عليها منطق الحب والجمال في نزعته العميقة والذي طفحت به حكايا المثنوي إذ لا يمكن أن نتصور الوجود دون محبة أو جمال وتركيز الرومي على هذا المستوى وحرصه على تشبع الروح به يعكس معرفته الكبيرة بقيمتهما العالية ودورهما الكبير في نبذ العنف والكراهية وتجسير التواصل وقبول الآخر فالإنسان عنده ” في جوهره هو الكائن الحواري بامتياز إذ إن البعد الحواري متأصل في كيانه والواقع أن الإنسان إذا فقد هذا البعد الحواري فقد معه هويته الإنسانية ” [20]

إن الإنسان المعاصر اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الخطاب الصوفي ذلك لأن الهوة بين المادي والروحي في توسع وتباعد إذ لا خلاص للإنسان من هذا المأزق إلا في إعادة النظر في المسألة الروحية  في علاقتها بذاته وواقعه  . 

بقلم الباحث في الأديان والتّصوف : فتحي طالب ( تونس ) .


[1] بلعلي آمنة ، تحليل الخطاب الصوفي في ضوء المناهج النقدية المعاصرة ، دار الأمل للطباعة والنشر  ، د.ط ،  2009 م ، ص 5 .

[2]  * للتوسع أنظر المعاني الخاصة والعامة للتجربة و التجربي والتجريبي في المعجم الفلسفي لجميل صليبا ج1/243 ، دار الكتاب اللبناني بيروت لبنان ، 1982م.

[3] تدين عطاء الله ، بحثا عن الشمس من قونية إلى دمشق ، دار نينوى ، سورية ، ط1 ، 2015م ، ص 9

[4] غالب مصطفى ، جلال الدين الرومي ، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر ، بيروت ، دط ، 1982 م ، ص 35 .

[5] لويس فرانكلين ، الرومي ماضيا وحاضرا شرقا وغربا ، دار نينوى ، سورية ،ط1 ، 2016م ، ج1/592.

[6] رفعت جو فرح ناز ، العرفان الصوفي عند جلال الدين الرومي ، دار الهادي ، بيروت ، ط1 ، 2008 م ، ص 87 .

[7] الرومي جلال الدين ، المثنوي المعنوي ، تعريب إبراهيم الدسوقي شتا ،  المجلس الأعلى للثقافة / المشروع القومي للترجمة ، د.ط ، القاهرة ، 1996م ، ص 33 .

[8] الأفغاني عناية الله إبلاغ ، جلال الدين الرومي بين الصوفيّة وعلماء الكلام ، الدار المصرية اللبنانية ، ، ط1 ، 1987م ، القاهرة ، ص 56 .

[9]  عبده خالد محمد / موماد عائشة ، الرومي بين الشرق والغرب ، مركز المحروسة ، ط1 ، القاهرة ، 2016م ، ص 7 .

[10] الغابري عبد الباسط ، مقدمات في دراسة تفاعل الثقافات ، منشورات مركز الدراسات الإسلاميّة بالقيروان ، د.ط ، 2012م ، ص 49 .

[11] الحجرات : 13

[12] صحيح مسلم

[13] بحثا عن الشمس من قونية إلى دمشق ، ص 87 .

[14] في هذا السياق يمكن العودة إلى قصة ذلك الرجل الذي دق باب صديق فقال من الدالخل : من ؟ قال : أنا ، قال : ما دمت أنت أنت لن أفتح الباب لا أعرف أحدا من أصدقائي يسمى ” أنا ” فاذهب ..( أنظر المثنوي المعنوي ج1 ، ص 282 ، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا ، المجلس القومي للترجمة ، القاهرة 1996م .

[15] الرفاعي عبد الجبار ، إنقاذ النزعة الإنسانيّة في الدين ، مركز دراسات فلسفة الدين ، بغداد ، ط2 ، 2013م ، ص 67 .

[16] ابن عربي ، الفتوحات المكيّة ، دار صادر ، بيروت ، د.ت ، ج2/322

[17] خوالدية أسماء ، المحبّة عند الصوفية بين تحفظ العذريين ورعونة الفتيان ، كلمة للنشر والتوزيع ، أريانة تونس ، ط1 ، 2016 ،ص 93 .

[18] الرومي جلال الدين ، فيه ما فيه ، تعريب عيسى علي العاكوب ، دار الفكر دمشق ،ط4 ، 2002م ، ص 282.

* قال  ذات مرّة أكمل الدين الطيّب ( كان عالما ولديه خبرة كبيرة في فن الطبّ ويعد واحدا من مريدي مولانا وقد تولّى معالجته في مرضه الآخير) أنا عاشقُ لمولانا وأتمنى رؤيته وحتّى الآخرة ممحوة من ذهني وأجد أنسا في صورة مولانا من دون هذه الفِكَر والاقتراحات وأجد الراحة في جماله وأظفر بمتعة في صورته نفسها أو في خياله

 فأجاب مولانا : برغم أن الآخرة ةالحق لا يخطران ببالك فإن ذلك كلّه مضمرُ في المحبّة ومذكور فيها ( ن.م.ن.ص ) .

[19]  الرومي جلال الدين ، الرباعيات ، تعريب عيسى علي العاكوب ، دار الفكر دمشق / دار الفكر المعاصر بيروت ، ط5 ، 2016م ، ص 275 .

[20] سكاتولين جوزيبي ، تأملات في التصوف والحوار الديني ، ص 36 ، 37 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2012 م .

شاهد أيضاً

اسم الفيلسوف عند العرب بين «أعلى العليّين» و«أسفل السَّافلين»

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين أوديسَّا الفلسفة في تاريخ البشر محفوفة بالمزالق والمهالك؛ فهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *