الرئيسية / ترجمة / آلان سوبيو: العمل ليس سلعة – مضمون الشغل ومعناه في القرن 21

آلان سوبيو: العمل ليس سلعة – مضمون الشغل ومعناه في القرن 21

بقلم: جوناتان لولي: Jonathan Louli (مختص في الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع)

ترجمة: عزيز الصاميدي

عزيز الصاميدي

يعتبر آلان سوبيو Alain Supiot واحدا من رجال القانون المشهود برسوخ قدمهم في تخصص القانون الاجتماعي ونظرية القانون، هذا الاختصاص الذي تفرغ للبحث فيه وأغناه بأعمال بحثية عديدة منذ نهاية السبعينات. ويضم المؤلف الذي بين أيدينا نص المحاضرة الختامية التي ألقاها سوبيو في الثاني والعشرين من شهر مايو الأخير في المؤسسة البحثية كوليج دو فرانس التي شغل بها منصب أستاذ كرسي منذ 2012 وإلى غاية 2019. إذ يخلص المؤلف في كتابه هذا إلى حاجتنا الملحة للقيام بمراجعة مناحي متعددة من نظامنا الإنتاجي-وبخاصة ما يتعلق منها بالعمل المأجور- بغية التصدي لمختلف الأزمات التي تتهدد مجتمعاتنا وبيئتنا.

يستهل سوبيو تحليله بإبراز أهم “حقيقتين” أفضت إليهما أعماله في إطار كرسي البحث الذي شغله في كوليج دو فرانس: أولهما أن الثورة الرقمية تؤثر على ميدان العمل بشكل يوازي تأثير الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر والتي نتج عنها “إعادة هيكلة” للمؤسسات التي لها علاقة بالإنتاج. وثانيهما أننا نواجه أزمة بيئية متجذرة في نموذجنا التنموي. وينضاف إلى ذلك أزمة ثالثة وهي أزمة القانون الذي أضحى يواجه تحديات فرضها “المخيال التقني العلمي الاقتصادي”

وكان لأزمة المعايير القانونية هذه نتائج كارثية على الحياة الاجتماعية: إذ يحذرنا سوبيو من أن ” انحسار العلاقات المبنية على القانون يترك المجال فسيحا أمام العلاقات المبنية على القوة” مشيرا في الوقت ذاته إلى أن تراجع هيئات العدالة الاجتماعية يفاقم من حجم الانقسامات والتفاوتات الاجتماعية ومظاهر العنف. ويعتقد سوبيو أن من الواجب علينا الحرص على العدالة الاجتماعية رغم أن هذه الأخيرة تواجه تحديات مختلفة. أولها هي الثورة الرقمية ونزوعها نحو ممارسة “سيطرة ذهنية” حقيقية على المستخدمين الذين “يتحولون إذن إلى مجرد حلقات في مجموعة من شبكات التواصل تُكلَّف بمعالجة أعداد هائلة ومتزايدة من المعلومات طيلة 24 ساعة.[…] ويتم تقييمهم بالاستناد إلى مؤشرات الأداء التي لا تنظر بتاتا إلى الظروف المادية للعمل المراد تأديته. وهو الأمر الذي نتج عنه ارتفاع مفزع في الأمراض العقلية المرتبطة بالعمل”. ولا يكتفي سوبيو بمجرد انتقاد الاستعمال الهائل للتكنولوجيات الحديثة إنما يشير أيضا إلى أن الثورة الرقمية يمكن أن تنطوي على فرص تقدم حقيقية كـتكليف الإنسان فقط بالجانب الذي “لا يمكن حسابه” و “لا تمكن برمجته” من العمل “أي الجانب الشعري من العمل والذي يفترض التمتع بالحرية والابتكارية والقدرة على الاهتمام بالآخر”

إن التطورات الراهنة، وخاصة ما يتعلق منها بالمجال البيئي، تفرض إذن مراجعة نظم العلاقات في العمل والسير بها في اتجاه خلق “الحرية في العمل وليس فقط حرية العمل”، فسوبيو يفند في مرات عديدة “نبوءات النيوليبرالية” التي تقول بنهاية العمل ونهاية التاريخ ويدعو إلى تجاوز النقاش القائم حول “إنهاء أو إحياء الدولة الاجتماعية لأنه يرى بأن النقاش يجب أن يدور حول “هندسة” هذه الدولة بشكل جديد يكون حجر الزاوية فيه هو صون حقوق العاملين”

ويمضي الكاتب في توضيح هذه الفكرة من خلال التذكير بأن الرأسمالية قد اتكأت على أطر قانونية مختلفة من أجل تسليع كل ما يمكن أن يتضمن قيمة مالية بما في ذلك العمل: “وهكذا فإن مفهوم سوق الشغل يستند إلى وهم قانوني حيث” يعتقد كثير منا بأنه حقيقة واقعية. وهذا الوهم القانوني يستند أيضا إلى  مفهوم “الرأسمال البشري” الذي ينتقده سوبيو بشدة موضحا بأنه قد اختُرِع من قبل ستالين. وهكذا يدعو الكاتب إلى مقاومة ما أسماه ب “الهيمنة الثقافية للسوق الشامل” التي تتأسس على استغلال الشغل و “العمل” المنجز لغايات مادية صرفة. إذ يقود هذا الاستغلال في النهاية إلى إفراغ الشغل من “مضمونه ومن محتواه” الشيء الذي تسهم فيه أيضا عوامل أخرى كتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد مالي صرف وامتلاك السلطة من قبل فاعلين لهم ميول واضح إلى السياسات النيوليبرالية.

في مقابل هذا الاستغلال المالي للشغل، يقدر سوبيو أن من صالح المأجورين والأطر أنفسهم أن يكون لعملهم معنى وجدوى ملموسان لأن هناك “نوعا من اليأس القاتل يحل بجميع من لا يرون لعملهم أي مبرر غير العائد المالي”. ويعتبر الكاتب أن من الأساسي لنا أن ننفتح على هذا البعد الجديد للعدالة الاجتماعية أي على “التوزيع العادل للشغل” بغية إعادة التفكير في حلول ناجعة للاضطرابات التي تسببت فيها كل من الثورة الرقمية والأزمة الإيكولوجية. ويجب أن يستند هذا التقسيم إلى  “تصور ينطلق من تجربة الشغل نفسها ليحدد ويرتب الوسائل والغايات من خلال ربط وضعية المستخدم بالعمل المراد إنجازه لا بالنتاج المالي لهذا الأخير”.

وبحسب سوبيو فمع وجود أخطار تتهدد أيضا وضعية أصحاب المهن الحرة والموظفين، فهم يمثلون نماذج بديلة مهمة “لوهم الشغل-السلعة”، ذلك أنهم يركزون على “العمل” أو “الخدمة” التي يراد القيام بها أكثر من تركيزهم على الأجر المالي المأمول. ويضرب الكاتب مثالا على ذلك ب وضعية الأستاذ الجامعي.

ويبدأ هنا بتذكير كرونولوجي للنقاشات والجدل الذي دار منذ عصور ما قبل التاريخ وانقسمت حوله الآراء ما بين معسكر أول يرى أن من الواجب أن يُؤجر العلماء لقاء عملهم، ومعسكر آخر يعارض ذلك باسم استقلالية المعرفة. وهنا يرى سوبيو أننا في الحقيقة لا يمكن أن نتعامل مع المعرفة كتعاملنا مع أية سلعة، وهو ما انتبه إليه لحد الآن المُشرِّع الذي اعتبر بأن البحث العلمي يشكل غاية في حد ذاته. وهكذا فإن أهم الأسس القانونية التي تنبني عليها استقلالية المعرفة والوسيلة المثلى التي تحصن الباحثين ضد ما يمكن أن يتعرضوا له من ضغوطات، تتمثل في النظام القانوني الذي يؤطر وظيفتهم. إلا أن هذه الاستقلالية بدأت تتهددها منذ وقت قصير بعض الأخطار التي أضحت تهدد أيضا النظام الأساسي للمؤسسات الجامعية بفعل دخول المنطق التجاري والتكنوقراطي عليها، وهو ما يخلق مناخا عاما لتفشي الرداءة وانتشار “ثقافة المسايرة، وانحصار التقييم في استرجاع محتويات المنهج وتجميل النتائج بل والغش في بعض الأحيان…إلخ”

و”أمام الإفلاس الأخلاقي والاجتماعي والبيئي والمالي للنيوليبرالية”، يدعو سوبيو مرة أخرى إلى الخروج من “وهم الشغل كسلعة”، وضمان “حرية الشغل” لكل عامل مع ما يستلزمه ذلك من تحسيسه بالمسؤولية، مقدرا بذلك أن إعادة نظامنا الإنتاجي إلى سكة الاشتغال الديمقراطي الحقيقي من شأنها أن تمنحه معنى مغايرا لمجرد تراكم الثروات المادية.

أخيرا، تكمن أهمية هذا الكتاب في دقته وقدرته على التطرق لمواضيع مختلفة باللجوء إلى عدد محدود من الكلمات. إذ يرسم فيه الكاتب من جهة معالم وضعية أصبحت خطيرة أنتجها تطور المخيال السيبرياني بشكل لا يخضع لأية مراقبة ديمقراطية وتطور نظم الحكامة باستعمال الأرقام واستفحال منطق السوق الشامل. وهي الظواهر المسؤولة عن الأزمة الإيكولوجية والاجتماعية والسياسية التي تعصف بمجتمعاتنا وبيئتنا. ومن جهة أخرى يقترح حلولا رغم أنها ليست ثورية في الحقيقة إلا أنها يمكن أن تجد استجابة لدى الجماعات التي تمتلك مختلف السلط الاقتصادية والسياسية.

وإذ لا يتطرق الكتاب لأهمية الفصل بين السلطتين الاقتصادية والسياسية بغية التحكم بهما، هذا يبقى درس سوبيو درسا مُلهِما ومُلهَما لأنه يفتح آفاقا نظرية ويتوجه إلى فئات متنوعة من الفاعلين المعنيين والمهتمين بهذه القضايا.

SUPIOT, Alain. Le travail n’est pas une marchandise. Contenu et sens du travail au XXIème siècle. Paris : Collège de France, Décembre 2019

آلان سوبيو. العمل ليس سلعة: مضمون الشغل ومعناه في القرن الواحد والعشرين. باريس منشورات كوليج دو فرانس، دجنبر 2019

للمترجم أيضا:

شاهد أيضاً

فالتر بنيامين: الشخصية المدمّرة

ترجمة لينا الرواس قد يَحدث لشخصٍ يسترجع حياته١ أن يدرك أنّ معظم الالتزامات الأعمق التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *