الرئيسية / ترجمة / مورين جليمون: العمل القسري يعود بقوة إلى أوربا

مورين جليمون: العمل القسري يعود بقوة إلى أوربا

عزيز الصاميدي

ترجمة: عزيز الصاميدي

ظهر ما يصطلح على تسميته بالرق المعاصر في أوربا مع تزايد استغلال اللاجئين والمهاجرين بدءا بظروف العمل التعسفية ووصولا إلى العمل القسري والعمل بدون مقابل.

ما المقصود بـ “بالعمل القسري”؟

استنادا إلى اتفاقية 1930، تُعرِّف منظمة الشغل الدولية العمل القسري بأنه “كل عمل أو خدمة تُطْلَبُ من فرد ما تحت التهديد بعقوبة معينة، وكل عمل لم يتطوع الشخص للقيام به بشكل حر”. وهكذا فإن غياب القبول تنتج عنه وضعيات يكون فيها الأشخاص محتجَزين بفعل العنف؛ التخويف؛ الضغط باستعمال الديون؛ أو حجز أوراق الهوية. إلا أن هناك استثناءات لهذه الاتفاقية تنظمها بعض الشروط: فعلى سبيل المثال لا تعتبر الخدمة العسكرية الإجبارية في بعض الدول والخدمة التي تُفْرَضُ على السجناء عملا قسريا.

 وفي ما يخص اتفاقية إلغاء العمل القسري، والتي تم تبنيها من قبل منظمة الشغل الدولية سنة 1957 فترتكز على العمل المفروض من طرف السلطات العمومية (هذا الفرض يمارسه موظفون عموميون تابعون للحكومة). وتنص هذه الاتفاقية أيضا على منع استعمال العمل القسري كجزاء أو عقوبة ضد من عبّر عن رأي سياسي أو شارك في إضرابات، أو كإجراء تأديبي في إطار الشغل.

ومنذ سنة 2014، أعطي نفس جديد للنضال ضد العمل القسري، فخلال الندوة الدولية للعمل في يونيو 2014، التزمت الحكومات وأرباب الشغل والعمال بمزيد من الانخراط في هذا النضال وأيضا في محاربة الاتجار بالبشر وفي النشاطات “المماثلة للرق”.

وفي السنة نفسها تم تبني البروتوكول الملحق بالاتفاقية حول العمل القسري والتوصية حول العمل القسري. وقد ركزت هذه الإضافات على إجراءات الوقاية والحماية واللجوء إلى القضاء. إذ يعد عدم التعرض للعمل القسري حقا من حقوق الإنسان الأساسية. ينضاف إلى ذلك أنّ على جميع البلدان أعضاء المنظمة العالمية للشغل احترام هذه الاتفاقية والامتثال لمبدأ “إلغاء العمل القسري”.

رِقٌّ معاصر

أثبتت الوقائع أن العمل القسري يفرض على أطفال ونساء ورجال في أماكن متعددة من العالم من قبل سلطات عمومية أو شركات أو أفراد. ويوجد هذا النوع من الرق في جميع المجالات : في الميدان الفلاحي، وفي المطاعم، والأعمال المنزلية، وفي ميدان البناء، والصناعة وفي الاستغلال الجنسي. فعلاوة على التهديد والتخويف، يلاحظ أن هؤلاء “العمال” يعانون في الغالب من غياب عقد العمل؛ الحد من حرية الحركة لديهم؛ إلغاء أجورهم؛ وكذلك من مصادرة أوراق ثبوت الهوية الخاصة بهم.

وحسب إحصائيات منظمة الشغل الدولية لسنة 2016، فإن 40.3 مليون من الأشخاص يوجدون في وضعية استرقاق معاصر، منهم 24.9 مليون في وضعية عمل قسري. و تبين هذه الإحصائيات أيضا أن 5.4 من بين 1000 شخص قد يكونون ضحايا لهذا النوع من العمل عبر العالم. ومن بين 24.9 مليون شخص ضحايا العمل بالإكراه: 16 مليون يشتغلون بالقطاع الخاص و 4.8 مليون يقعون ضحايا للاستغلال الجنسي و 4 ملايين قد يكونون مكرهين على العمل من طرف السلطات العمومية.

ما هي الفئات الأكثر تضررا؟

من بين الإحصائيات المقلقة أيضا تلك التي تفيد بأن ضحية واحدة من كل أربع ضحايا قد يكون طفلا. علاوة على ذلك تبقى نسبة الفتيات والنساء المتضررات أكثر ارتفاعا. إذ يشكلن 58 في المائة من مختلف القطاعات و 99 بالمائة من المشتغلين بالصناعة الجنسية.

وتفيد دراسة أجريت من قبل فيريك مايليكروفت (Verisk Maplecroft) (مكتب تحليل الإخطار بالولايات المتحدة)، ونشرت بشهر أغسطس 2017 أن خطر التعرض للرق المعاصر يزداد في أوربا. ويعود السبب في ذلك إلى استغلال المهاجرين الجدد. ويمكن أن نلاحظ أن الدول التي تتوفر على أعلى المعدلات (في الرق المعاصر) هي نفسها البلدان التي يمر عبرها اللاجئون: اليونان، رومانيا، إيطاليا، بلغاريا. ويقدر عدد “العبيد الجدد” في أوربا ب 600000 شخص.

تتكون الفئة الأكثر تضررا إذن من العمال المهاجرين أو طالبي اللجوء أو من لا يتوفرون على أوراق الإقامة. فبفعل وضعيتهم الهشة وعدم توفرهم على معلومات كافية في مجال الحقوق والقوانين، يشكلون الفئة الأكثر تعرضا لهذا النوع من العمل.

وقد أدت هذه الظاهرة إلى بروز ردود فعل أوربية، ففي ألمانيا يُمنح اللاجئون دروس توعية في مجال حقوق الشغل، كما تم في المملكة المتحدة  تبني مشروع “Modern Act Slavery “. ويواجه مرشدو العمال بألمانيا وضعيات مختلفة تتراوح بين ظروف العمل الاستغلالية أو غياب الأجر في نهاية الشهر أو الاقتطاعات من الأجرة أو غياب العطل المؤدى عنها أو الطرد المخالف للقانون. يقول أحد هؤلاء المرشدين: “إذا أردنا فعلا تغيير الأوضاع فعلينا خلق عقوبات جنائية ضد المستغلين من أرباب العمل. فمع أننا ننجح في إجبار بعضهم على أداء الرواتب المستحقة بحكم محكمة، إلا أن الحالات نفسها تتكرر بعد ذلك للأسف”.

وفي فرنسا توجد حالات مشابهة مثل تلك التي اكتشفت سنة 2014 بباريس و اشتهرت باسم “مصففات الشعر بدون أوراق إقامة”. ويتعلق الأمر بمهاجرات غير شرعيات أو طالبات لجوء يشتغلن في ظروف لا إنسانية: فرب العمل يدفعهن للعمل لمدة 80 ساعة في الأسبوع ويعدهن بأجرة يتراوح قدرها بين 100 و 300 يور، لكنه يختفي بعد مدة دون أن يدفع لهن.

وينص القانون الجنائي بفرنسا على أن “العمل القسري” يعني ” إكراه شخص عن طريق العنف أو التهديد على القيام بعمل دون أجر، أو مقابل أجرة لا تتناسب قيمتها وأهمية العمل المؤدى”. ويعاقب عليه نظريا في فرنسا ب 7 سنوات كعقوبة حبسية و200000 يورو كغرامة مالية.

شاهد أيضاً

فالتر بنيامين: الشخصية المدمّرة

ترجمة لينا الرواس قد يَحدث لشخصٍ يسترجع حياته١ أن يدرك أنّ معظم الالتزامات الأعمق التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *