الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / حوار مع ألكسندر نِهَماس: في الحياة الفلسفية

حوار مع ألكسندر نِهَماس: في الحياة الفلسفية


جميلة حنيفي

ترجمة: جميلة حنيفي*

On the Philosophical Life An Interview with Alexander Nehamas

تقديم:

مواصلة لسلسلة الحوارات التي قامت بها مجلة هارفارد للفلسفة مع أسماء أمريكية رائدة في عالم الفلسفة والأدب والمنطق، أقدم للقارئ العربي ترجمة للحوار الثالث عشر مع ألكسندر نِهَماس، وهو فيلسوف أمريكي مولود في أثينا باليونان في سنة 1946. حاليا هو أستاذ الفلسفة والإنسانيات والأدب المقارن بجامعة برنستون Princeton. من أهم مؤلفاته: نيتشه: الحياة بوصفها أدبا(1985) Nietzsche: Life as Literature، فن العيش: أفكار سقراطية من أفلاطون إلى فوكو (1998) The Art of Living: Socratic Reflections from Plato to Foucault، فضائل الأصالة: مقالات حول أفلاطون وسقراط (1999) Virtues of Authenticity: Essays on Plato and Socrates، مجرد وعدٍ بالسعادة: مكانة الجمال في عالم الفن (2007) Only a Promise of Happiness: The Place of Beauty in a World of Art، في الصداقة (2016)On Freindship. هذا إلى جانب ترجمته لمحاورتي المأدبةSymposium  وفيدروسPhaedrus  إلى اللغة الإنجليزية. انحصر اهتمامه في الفلسفة القارية خاصة الدراسات الكلاسيكية حيث وضع نصب عينيه مسألة تحوّل الفلسفة من أسلوب للعيش إلى تخصص أكاديمي صرفٍ وضيق.

نص الحوار:

تصف في كتابك الموسوم فن العيش The Art of Living تقليدًا في الفلسفة يهتم ممارسُوه بتطوير ذاتٍ موحدةٍ وفريدةٍ من خلال عملهم، وليس بمجرد تطوير تقني لنظريات أصيلة. وتكتب قائلاً: “إن الغرض من فن العيش هو بالطبع العيش، لكنه عيشٌ يتطلب حياةً life يُكرّس جزءا كبيرا منها للكتابة. فالإنجاز الذي يتركه المرء وراءه هو، في نهاية المطاف، العمل الدائم وليس الحياة العابرة.” بالطبع، يعدّ سقراط Socrates الفيلسوف الوحيد الذي لم يكتب ولا حرف، وبالتالي يمكن القول، إن كل ما تركه وراءه هو مجرد حياة عابرة. لماذا ترتبط فلسفة فن العيش ارتباطًا وثيقًا بفن الكتابة art of writing؟ وكيف نجح سقراط كفيلسوف من دون أن يكتب شيئاً؟

بطبيعة الحال، الشيء المثير للاهتمام فيما يتعلق بسقراط، هو أنه لم يكتب أي شيء، لكن أفلاطون Plato كتب من أجله. يمكن القول: إنه كان محظوظًا جدا، إذا شئت. بجدّيّة كبيرة، يصعب تمييز سقراط وأفلاطون عن بعضيهما بعضا، خاصة في المحاورات المبكرة. وبهذا المعنى يمكننا تقريبًا القول إن سقراط قد كتب فعلا أو كتب ما كتبه أفلاطون في مكانه. وكما قلت سابقًا في كتابي عن نيتشه Nietzsche، فإن أحد الأسباب التي تجعل نيتشه مرتابًا جدًا من سقراط -ليس مرتابًا، ولكن سأقول غيورًا- هو أن سقراط لم يكن عليه القيام بأي شيء من مهام الكتابة. يحاول نيتشه أن يجعل من أفلاطون سُقْرَاطَهُ الخاص، ومن سقراط أَفْلاَطُونَهُ الخاص- بغية تأدية الدورين معًا. إن حياة سقراط العابرة ليست مهمة إطلاقا، فنحن لا نعرف سوى القليل جدًا عنها. كل ما نعرفه هو أن الناس وجدوه مثيرًا للاهتمام بشكل يفوق المعتاد، وأنه تم إعدامه. لكن ذلك لن يكون كافيا لجعله شخصية عظيمة. في الواقع، إن وصف أفلاطون لسقراط هو الذي دشن تقليدا في الفلسفة كفن العيش، وليست حياة سقراط ذاتها. إن الأحداث الفعلية لحياة سقراط، التي لا نعرف معظمها، منحت أفلاطون حافزا لإبداع ذلك التقليد. لكنني لا أعتقد أن ذلك كان فعل أفلاطون وحده، فكما ألمحت كان الكثير من الناس يكتبون عن سقراط في ذلك الوقت، وكانوا يفعلون أشياء متشابهة جدًا: كانوا جميعًا يكتبون المحاورات، وينسبون إليه وجهات النظر الأكثر تنوعًا. لذا، من الواضح، كان هناك، منذ البداية، شيء مدهش عن سقراط. أعتقد أنه كان غير مفهوم بالنسبة إلى كل من حوله، تماما كما هو الآن. ثم بدأ هذا التقليد بمجرد أن تمَّ تقديسه – إذا جاز التعبير – وليس فقط بسبب حياته ذاتها.

تكتب في مقدمة فن العيش قائلا: “لكن أعماله المبكرة، حيث يظهر سقراط لغزًا غامضا، يقود ببساطة حياة فلسفية، تقف في بداية تقليد فلسفي مختلف – أي مختلف عن التقليد الذي تولد من فترة أفلاطون الوسطى حيث أصبحت الفلسفة نشاطًا نظريًا بحتًا”. يبدو أن الفلسفة كفن العيش من اللازم أن تعود باستمرار إلى سقراط وتعيد النظر في تهكمه  ironyوتجدد اللقاء به. هل تعتقد أن فن العيش يمكن تعريفه ضمن أو كتقليد هدفه محاولة إصباغ معنى على التهكم السقراطي؟

لا أدري إذا كان كل فيلسوف منتمٍ إلى ذلك التقليد يعود عودة واضحة إلى سقراط، ولكن من المثير للاهتمام أن كل من ينتمي إليه تقريبًا يكشف عما يمكن أن نسميه الميزات السقراطية -خاصة الغموض. فمن الصعب معرفة متى تأخذ سقراط على محمل الجد ومتى تأخذه على محمل الهزل. وهذا ينطبق على ميشال دي مونتين Montaigne ونيتشه، ولكن ليس هما فقط، بل أيضًا على فتجنشتاين Wittgenstein، فإذا قرأت فتجنشتاين كفيلسوف ضمن ذلك التقليد ستجد أنه من الصعب جدًا معرفة ما يقوله بالضبط – سواء عندما يتحدث بصوته أو بصوت آخر في مكانه. هناك أيضًا مع باسكال شعور بأن شخصًا ما يحمل روحه، لكننا أبدًا لسنا متأكدين. إلى أي مدى ستحمل هذين الفيلسوفين محمل الجدّ؟ فكثير من هؤلاء الناس متهكمون؛ مونتان مؤلف ساخر للغاية، وكذلك نيتشه، وفوكو. إن الميزات التي نجدها لدى سقراط ما تفتأ تعاوِد الظهور في الشخصيات التي تنتمي إلى هذا التقليد، حتى عندما لا يكتبون كباحثين سقراطيين أو مؤوِّلين.

أيّ من الشخصيات برأيك، التي لا تتطرق إلى سقراط بشكل صريح، تَرغبُ في إدراجها ضمن فلسفة فن العيش؟

لا أعتقد أن هنري دايفيد ثورو لم يتطرق إلى سقراط، مع ذلك أعتقد أنه ينتمي إلى ذلك التقليد. (إنه، بالطبع، مثل سقراط، صنع قضية كبيرة من العصيان المدني!  civil disobedience) والدو إيمرسون أيضا، أعتقد أنه ينتمي إليه، فهو يتحدث كثيرًا عن أفلاطون، على الرغم من أنه ربما يفكر في سقراط. أما فيتجنشتاين فلم يتطرق إليه. ومع ذلك، يمكن اعتبار كتابه تحقيقات فلسفية، وربما حتى رسالة منطقية فلسفية  Tractatus Logico-Philosophicus، كسلسلة من المحاورات أكثر تعقيدًا من محاورات أفلاطون، لأننا لا نعرف دوما من المتحدث، لا نعرف حتى عدد المتحاورين في تحقيقات فلسفية.

أولى سمات هذا التقليد في الفلسفة هو الفحص المباشر لسقراط. ثانيها هو وجود ميزات سقراطية. وثالثها هو التركيز على الأسلوب الأدبي، أو ما نسميه الأسلوب الأدبي literary style ، لأن كل فلسفة تُكتب بأسلوب ما. أقصد أسلوبًا شخصيًا واهتمامًا صريحًا بطريقة الكتابة. أعتقد أنني أجد مثل هذا الاهتمام لدى ستانلي كافيل  Stanley Cavell، فهذا بالضبط ما يميزه عن العديد من الفلاسفة المعاصرين ويفسر لماذا يصعب للغاية إنشاء مدرسة من فكره -في نهاية المطاف، يبدو أن الأمر شخصي للغاية؛ سيرة ذاتية “autobiographical” (باستخدام مصطلحه الخاص). لهذا الغرض، بالطبع، أنشأ الكثير من الناس مدارس سقراطية، ولكن ليس لدينا أية فكرة عن مدى وفاء أي منها لسقراط. ولم يسبق لأحد أن عرف بالضبط من كان سقراط أو بماذا كان يفكر.

سأبتعد عن الفلسفة كفن للعيش لأركز على أفلاطون وسقراط. باستمرار، تزعم في عملك بأن لبعض القضايا في فلسفتهما صلة مباشرة بالنقاشات المعاصرة. في بعض الأحيان تفعل ذلك عن طريق قلب التأويل المعتاد. أفكر هنا على وجه التحديد في مقالين في كتابك الموسوم فضائل الأصالة Virtues of Authenticity حول أفلاطون والشعراء من جهة، وحول الانتقادات المعاصرة للثقافة الشعبية من جهة أخرى، بالإضافة إلى إعادة تفعيلك للسؤال حول ما إذا كان يمكن تعليم الفضيلة arete. إلى أي مدى تعتقد أنه من الممكن لشخص ينتمي إلى زمن آخر وإلى ثقافة مغايرة أن يشكل حياته وفق مشروع الإبداع الذاتي self-creation لسقراط؟ إلى أي مدى يعتبر مشروع سقراط مشروعا متفردًا ونوعيًا خاصًا بأثينا Athens القرن الخامس؟

لا أعتقد أن مشروع سقراط مميز جدًا لأثينا القرن الخامس. إنه شيء يقوم به الناس طوال الوقت. وبشأن السؤال ماذا يمكن أن يُصبح المرء، إذا كان منخرطا في هذا المشروع، فإن الأمر يتوقف بشكل حاسم على الوضع والظروف التاريخية حيث يجد نفسه. لكن فكرة تسخير طاقته، وتسخير شخصيته، وصنع شيء جدير بالاهتمام منهما يعد أمرا أساسيا وعاما مثلما يمكن لأي نشاط بشري أن يكون. بالطبع، لا أعتقد أنه يمكنه القيام بذلك عن طريق التجول والتحدث مع الناس في الشارع لفترة أطول – لو كان ذلك بالفعل ما فعله سقراط. لذلك على المرء أن يسعى لفعل ذلك بطريقة مختلفة تماما.

آ يكون لذلك علاقة بكون الفلسفة، بعد سقراط، صار لا بد أن تُنجز كفن للعيش من خلال الكتابة؟

حاليًا الفلسفة هي مجال معرفي discipline يُنجز بواسطة الكتابة. لم تكن كذلك بالنسبة إلى سقراط، ولكن بالنسبة إليه لم تكن الفلسفة لتشكل مجالا معرفيا بالمعنى الذي نستعمل به كلمة “مجال معرفي” اليوم. ربما نطرح أسئلة معقدة جدا بحيث تستعصي معالجتها بالنسبة إلى ثقافة لم تعد ثقافة شفوية، إلا إذا تم ذلك من خلال الكتابة. عندما أقول إن فن العيش هو فن تتم ممارسته في الكتابة، لا أقصد أنه يكفي أن تكتب عنه وفقط. بمعنى ما، لا بد أن يكون لما تكتبه تأثير في حياتك وشخصيتك معًا. ما يجعل، على ما أعتقد، حجج القدح الشخصي ad hominem هامة ومناسبة، بشكل كافٍ جدا، لهذا النوع من الفلسفة: إذ بإمكان المرء انتقاد الفلاسفة المنضوين تحت ذلك التقليد إذا كانت حياتهم لا تعكس فكرهم – في حين، تعتبر غير مناسبة ومضللة عند تطبيقها على الفلسفة النظرية عموما. ولكن بقدر ما تعدّ حجج القدح الشخصي ملائمة، بقدر ما تكون الفلسفة فَنًا للعيش وليس مجرد كتابة. هذا من جهة، من جهة أخرى، لنفترض أن شخصًا كان يعيش بطريقة فلسفية ولم يكتب أبدًا ولا كلمة(ولم يكن محظوظًا بما يكفي ليكون له أفلاطون يكتب بدلاً عنه!)، وهذا ممكن، على الأقل من حيث المبدأ. والسؤال ههنا هو هل يمكن للمرء بعد ذلك أن يترك وراءه النموذج الذي يمكن أن يشكل جزءًا من ذلك التقليد؟ بالنسبة إلي يبدو من الواضح جدا أن هذا أمر مستحيل. بغض النظر عن مدى تأثير المرء في الأشخاص من حوله، ما لم يكتب هو ذاته أو شخص آخر عن ذلك التأثير، فإن الناس سينسون آثاره، والتغييرات التي صنعتها حياته. فهي ستغدو مثل التموجات التي تصنعها الحصاة في بركة ماء، مصيرها الموت في النهاية. في حين إن الكتابة تبقى؛ وستظل خاضعة للتأويل وإعادة التأويل، مرارًا وتكرارًا، وبالتالي التموجات أبدا لا تموت. حسنًا، ربما قد تقول: “لا أريد أن يكون لي تأثير في الآخرين. كل ما أريد القيام به هو أن أجعل حياتي الخاصة ذات معنى، وأن أصنع من نفسي شخصًا جيدًا.” هذا مقصد بديع. لكن المشكل هو أنني لن أعرف أي شيء عن ذلك، أو عنك، لأنني لن أحصل على أي دليل. فأنت ستختفي بعد أن تقوم بعملك. وهذا جيد. ولكن لا يمكنك الحصول على الأمرين معا.

أود أن أعود إلى بيان أعربت عنه في كتابك فن العيش حيث تقول: “إن الإنجاز الذي يتركه المرء وراءه هو، في نهاية المطاف، العمل الدائم وليس الحياة العابرة”. وقبل ذلك كتبت قائلاً: “ربما نجح هؤلاء الناس في تطبيق نماذجهم على أنفسهم، وربما لم ينجحوا؛ تلك مسألة سيرة ذاتية، وعلى الأرجح ستظل محل خلاف أيضًا. إن صورة الحياة المتضمنة في كتاباتهم هي مسألة فلسفية، وعلى الرغم من أنها ستظل أيضًا مسألة خلاف، فإن الخلاف سيكون حول ما إذا كانت تلك الصورة متناسقة أو مثيرة للإعجاب”. مع ذلك، من اللافت للنظر أن الشخصيات الثلاث التي كتبت عنها في فن العيش -سقراط، ونيتشه، وفوكو- تتشارك في خاصية واحدة مميزة وواضحة، وهي أن حقائق حيواتها هي معرفة مشتركة. بالأخذ بعين الاعتبار المدى الذي أصبحت فيه حياة هؤلاء الفلاسفة معرفة مشتركة، سأشير إلى فقرة أخرى متعلقة بهذا السؤال، من مقال فوكو الموسوم: “ما معنى المؤلف؟” What is an Author?”، حيث يقول: “تتجلى أيضا العلاقة بين الكتابة والموت في طمس الخصائص الفردية للذات الكاتبة، وباستخدام كل الآليات التي تقيمها بينها وبين ما تكتبه، تلغي الذات الكاتبة علامات الفردية الخصوصية”. كيف، على الرغم مما تريد أنت وفوكو قوله، أصبحت حياة هؤلاء الفلاسفة حاضرة بقوة في تأويل أعمالهم؟

أصرّ على أننا لا نعرف سوى النزر اليسير جدا عن سقراط. كما لا بد أن نعترف، بأنه على الرغم مما لدينا من السير الذاتية لنيتشه، لكن ما نعرفه عنه “بوصفه شخصًا” يبقى عاما جدًا وواسعا، وفي نهاية المطاف، غير مفيد لفهم فلسفته، مما يجعل المرء باهتًا. عندما يحاول الناس كتابة السيّر النفسية psychobiography لنيتشه يقولون أشياء سخيفة مثل، “قال إن الله مات لأن والده مات عندما كان طفلاً ولم يستطع تحمّل ذلك”. أرى أن هذا تبسيط سخيف لأنه يقلل من أهمية وجهة نظر الناس إلى حدث بعينه في حياتهم، ينظرون إلى الحدث (أو الأحداث – لا يهم عددها) كسبب لوجهة النظر، ووجهة النظر كتعبير عن الحدث.

السؤال المهم ههنا هو: ما الذي نختلف بشأنه عندما نتحدث عن الفلسفة؟ ما أحاول قوله – ولا أقوله بشكل واضح جدا سواء في الكتاب أو هنا – هو أنه عندما تقرأ لكتّاب مثل نيتشه أو سقراط أو مونتين أو فوكو فيجب ألا تسأل “هل كانوا على حق في طريقة عيشهم”؟ أو “هل عاشوا هم أنفسهم بالطريقة التي قالوا إن الحياة يجب أن تُعاش بها؟” بل بالأحرى “كيف يؤثر ذلك فيّ؟ ماذا علي أن أفعل بعد أن قرأت لهم؟” إن السؤال الفلسفي لا يُطرح عنهم، بل عنك وعن حياتك الخاصة. وما تفعله هو كل ما تحاول فعله. يحاول المرء الإجابة عن الأسئلة؛ يحاول أن يكون طيبًا مع أصدقائه؛ أن يكون كريمًا مع الناس – مهما كان ما يثير انجذابه، ومهما كان ما يشكل جزءا من حياته. ومن الناحية المثالية، يحاول فرض بعض النظام والتناسق على كل حياته. لذا، فإن السؤال، مرة أخرى، ليس ما إذا كان نيتشه قد أنتج نموذجًا رائعًا للحياة، على الرغم من أن المرء قد يرغب أيضًا في الإجابة عن هذا السؤال. لكن بطريقة ما، في النهاية، كل ما يريد المرء القيام به هو أن يصنع شيئًا من نفسه؛ -على الرغم من أن الأمر لا يتم وفق هذا الوصف، فإن النجاح ليس بحد ذاته هدفًا- إن هدفي الخاص هو الحصول على كل ما يهمني بشكل سليم، بحيث تتناسب جميع أجزائه معًا. لا أريد أن اتخذ رأيا اليوم لأتخذ ضده غدًا، بل أقوم بشيء الآن وأترك آخر إلى بعد حين، على ألا يكون هناك ارتباط بينهما. من المهم أن تكشف أفعالنا وحيواتنا عن شخصية متسقة.

أود أن أعود إلى فوكو للحظة لأتذكر نصًا قرأته في مقال “ما معنى المؤلف؟ يبدو أنه استثناء مثير للاهتمام بالنسبة إلى رأيك في كتاب فن العيش أن المؤلف يبني لنفسه ذاتًا أدبية متسقة وموحدة من خلال بعض الأساليب الأدبية. تتبدى كتابات فوكو لاشخصية وأكاديمية ومدرسية بشكل مميز. ومع ذلك، فإن القليل من تأويلات كتابات فوكو تغيض الطرف عن ذكر تفاصيل حياته، ولا سيما نشاطه السياسي political activism، وجنسانيته sexuality، وموته بالإيدز AIDS– هي حقائق ذكرتها أيضًا. ما رأيك في هذا الصراع بين أسلوب فوكو لاالشخصي impersonal وغلبة التفاصيل البيوغرافية في تأويلات فلسفته؟

مرة أخرى، لا أعتقد أن التفاصيل البيوغرافية غالبة في تأويلات أعماله. فالسير الذاتية لفوكو تحتوي تأويلات قليلة الأهمية بالنسبة إلى فكره. فيما يتعلق بأسلوبه، أعتقد أنه يخضع للتغييرات الأكثر جذرية خلال مسار كتاباته. إذا بدأت من أعماله المبكرة، فستجد تأثير هيدجر Heidegger. ستكتشف بعد ذلك في أعماله الوسطى تحولًا نحو أفكار نيتشه، على الرغم من أنه يتم التعبير عنها بأسلوب لاشخصي للغاية- لدرجة تجعله أسلوبا يتمتع بشخصيته الخاصة. أما الأعمال المتأخرة جدا، على سبيل المثال المجلدين الثاني والثالث من تاريخ الجنسانيةThe History of Sexuality  أو المحاضرات الأخيرة، التي أناقشها في الكتاب، فمكتوبة بأسلوب مختلف تمامًا، شخصي تمامًا. لذا أعتقد أن مقال “ما معنى المؤلف؟” يبالغ بشكل كبير في إقصاء أهمية الكاتب، ما يتماشى مع الأسلوب لاالشخصي الذي كان يستخدمه في ذلك الوقت. لقد كتبت في الواقع مقالًا حول هذه الدراسة، وأنا أحاجّ أن الكاتب يبني حتمًا شخصية persona، وصوت شيءٍ، هو موضعُ استماعٍ دائمٍ في ثنايا النص. أحيانا يمكن أن يكون “ما معنى المؤلف” هو هذا الصوت اللاشخصي تماما، ولكن تلك اللاشخصية التامة impersonality، كما قلت، يمكن أن تكون ميزة شخصية. هناك، بالطبع، نوع آخر من اللاشخصية – يبرز عندما يكتب المرء بأسلوب مقبول عالميًا في تخصص معين. إنها لاشخصية لا تميز المرء عن الآخرين – على الأقل عن أي من يكتب بهذا الأسلوب المنظم. لكن عندما كتب فوكو بشكل لا شخصي، كان يُبدع انطباعًا بأنه تبصر حقيقة لم يبصرها أحد قبله، وكان ببساطة يدونها – مع إقراره بأفكار متطرفة جدا وأحيانًا غريبة. وهذا أسلوب شخصي للغاية، على أي حال، من المستحيل الخلط بينه وبين أي شخص آخر. لذلك، لا أعتقد إطلاقا أنه يشكل استثناء، بل أرى أنه في نهاية حياته، وهو بصدد كتابة تاريخ الجنسانية والمحاضرات حول سقراط والكلبيين Cynics، كان يتحدث بنبرة الكشف الذاتي self-revelatory. تبدى الأمر كما لو أنه كان يحاول أن يقول، “هذا ما كنت أفعله طوال الوقت – هذا ما كنت منشغلا به طوال حياتي.” هذا ما أجده رائعًا في المحاضرات عن سقراط، حيث يستشهد في مواضع مختلفة بترجمة محاورة الدفاع Apology، وبعد ذلك، ومن دون توقف، يبدأ في إعادة صياغتها ويتابع الحديث بضمير المتكلم. عندما يقول، على سبيل المثال، “لقد كنت أحاول أن أعاملك مثل الأخ أو الأب”، فأنت ههنا لا تعرف من المتكلم؛ سقراط أم فوكو، فهو يبدو وكأنه يضع نفسه في مكان سقراط. وتلك الرابطة، الكشف بأن كل عمله اتسم بهذا الجانب الشخصي، تسمح لي الآن بالعودة والنظر إلى كتاباته المبكرة ورؤيتها كجزء من مشروع واحد طويل النفَس، على الرغم من كل التغييرات في الوجهة، وكل “الانقطاعات ruptures“(باستخدام مصطلحه الخاص).

هل تجد هذا الأسلوب الشخصي للغاية والكشفي، على سبيل المثال، في المجلد الثاني من كتاب تاريخ الجنسانية، والذي يعتبر بالنسبة إلي الحجر الأساس لما أسميه أسلوب فوكو اللاشخصي؟ حتى إذا لم يكن يكتب وفق أسلوب معترف به أو وفق منهج منظّم، فإنه ما يزال يحتفظ بهذه النبرة الأكاديمية.

لا، لا أجد أسلوب الكشف الذاتي في تاريخ الجنسانية. لكني أجد تبسيطًا كبيرًا للغة مقارنةً بالمجلد الأول، حيث فجأة يصبح النثر سهلا أكثر للقراءة. في مقدمة المجلد الثاني، يقول صراحة: “لقد تغيرت”. كان عليه أن “يعيد النظر في كل شيء من الأعلى إلى الأسفل”، وبالنسبة إلى أولئك الذين يعتقدون أن مثل هذا التغيير يعدُّ فشلا، فهو يرد قائلا: “كل ما يمكنني قوله هو أنه من الواضح أننا لسنا من الكوكب نفسه”. حتى أن لغة المجلد الثالث أبسط بكثير. أعتقد من المهم أن يدرك المرء أنه ليس بحاجة إلى التحدث عن نفسه ليكشف عن نفسه، فهذه مسألة جوهرية. يتحدث مونتين عن نفسه، ويتحدث نيتشه عن نفسه في إنسان مفرط في إنسانيته Ecce Homo وفي مقدماته، لكنه لا يفعل ذلك كثيرا في العديد من أعماله الأخرى. بالطبع، يستخدم دائمًا “أنا” و “نحن”، لكن تلك ليست مشكلة. اشتكى أحد مراجعي كتاب فن العيش من كون الكتاب يكاد لا يقول شيئا عن حياتي الشخصية؛ تبدى لي ذلك أمرا سخيفًا، لأنه أن يقول المرء من هو في هذا المشروع يعني أن يعبر عن انشغالاته الفلسفية، وليس كم عدد الأطفال لديه أو أي الملابس يرغب في ارتدائها.

من المثير للاهتمام أنك كنت تقول إنه يمكنك الكشف عن نفسك في كتاباتك من دون التحدث عن نفسك، ما يتبدى لي أحد الميزات الجوهرية للطريقة التي يقرأ بها نيتشه الفلاسفة الآخرين.

أعتقد، بهذا الخصوص، أنه قد أسيء فهم نيتشه بشكل مروع. يعتقد الناس أنه عندما يكتب في ما وراء الخير الشر Beyond Good and Evil أن كل فلسفة هي “الذكرى غير الواعية” لكاتبها، فهو يقصد أننا يجب أن نتعامل مع النصوص الفلسفية كأعراض حالة نفسية مبطنة. لكن ما يقصده هو أن معظم الفلسفات تحتوي على صورة للحياة التي يتبناها مؤلفوها أو يعجبون بها أو يريدون تجنبها، وأن رؤية هذه الصورة ضرورية لفهم أية فلسفة وتقييمها. وعندما يقول إن كل فلسفة هي ذاكرة غير واعية، فإنه لا يفكر في الحياة الراهنة للفيلسوف، في سيرة ذاتية، إنه لا يقول إن كانط قد آمن بهذا، أو ذاك، أو شيء آخر لأنه عاش في بروسيا Prussia، ولأنه كان تقويًّا  pietist، أو لأنه كان يحب مضغ اللحم وامتصاصه، ثم بصقه (أحدهم أثار ذلك بالفعل، وهو يشرح أسلوب الكتابة عند كانط!). إنه يقول لفهم كانط لا بد أن يحاول المرء تخيل أي نوع من الحياة سيعيشها إذا قبل آراءه وعاش وفقها.

تصر مرارا على أن الأطروحات الفلسفية المتضمنة في محاورات أفلاطون يجب أن تُفسر على ضوء التقنيات الأدبية التي يستخدمها بغية تبليغها، على سبيل المثال، الدحض السقراطي Socratic elenchus، والشخصيات الأخرى المتضمنة في المحاورة، وما إلى ذلك. على الرغم من ذلك، نادرًا ما تتطرق إلى أحد أكثر الجوانب الأدبية شفافية في المحاورات، ألا وهي الأساطير التي يرويها سقراط في العديد منها، وخاصة محاورة الجمهورية  Republic. هل تعتقد أن الرمزية الأدبية للأساطير الأفلاطونية ذات محتوى فلسفي سديد؟

أحد أسباب عدم تطرقي إلى الأساطير هو أنني لا أفهم وظيفتها حقًا. عموما، أعتقد أن الناس لا يتحدثون عما لا يفهمونه. لم يتضح لي مطلقاً الدور الذي تؤديه الأساطير في فلسفة أفلاطون. في الواقع، إحدى أولى المقالات التي كتبتها في الكوليج كانت عن أساطير أفلاطون، ولا أعرف أي شيء عنها أكثر مما كنت أعرفه في ذلك الوقت! في الواقع، قد يكون من المفارقة  anachronisticالقول إنها أعظم الجوانب الأدبية  المُربِكة في المحاورات. نحن نفكر في رواية الأساطير كآلية أدبية، وعلى الرغم من أن الأساطير، من الواضح، أنها آلية من نوع ما بالنسبة إلى أفلاطون ولا بد من تمييزها عن الجدل الفلسفي، إلا أن هذا لا يعني أنها آلية أدبية، لأن التمييز بين الأدب والفلسفة (وهو أمر مختلف عن التمييز بين الشعر والفلسفة) لم تتم مطلقا الإشارة إليه بشكل واضح في المحاورات.

ثم إن العديد من تأويلاتنا المعاصرة لأسلوب أطروحة فلسفية ربما تكون مفارقةً  عندما يتم تطبيقها على أفلاطون.

هناك ميزات في المحاورات هي، إذا جاز التعبير، رسمية. ذاك ما أعنيه بالتهكم أو الأسلوب. تلك هي الميزات التي تثير اهتمامي. لم أركز حقًا على استخدام ما سنعتبره صراحةً الأسلوب غير الفلسفي لتجلية المضمون الفلسفي. لدي بالفعل نظرية حول أسطورة محاورة فيدروس Phaedrus. لكن ليس لدي تفسير شامل لغرض أفلاطون من إدراج هذه القصص في محاوراته. وعمومًا يتم إدراجها عندما تصل الحجّة إلى منتهاها من دون أن يقتنع بها الجميع. يقينا يعتقد أفلاطون أن للقصص قوى خطابية قوية، وربما يستخدمها عندما يعرف أن حججه، لسبب أو لآخر، غير ملائمة. ذلك يوحي بأنه يتعامل مع الخطابة  rhetoric بجدية أكبر، ويستخدمها على نطاق أوسع مما يتوقعه الكثيرون، بالنظر إلى نقد الخطابة في محاورة جورجياس  Gorgias. لكننا نعلم من محاورة فيدروس أنه يعتقد أن الخطابة مهمة كثيرا، وأنه على المرء دائمًا أَقلمَةُ كتابته  الخاصة أو حديثه مع متطلبات جمهوره الخاص. لذلك لا يوجد مشكل في استخدام أفلاطون أدوات خطابية لأغراض فلسفية. شخصياً أجد من الصعوبة بما كان التفكير أنه كان سيكتب محاورة الجمهورية، هذا المؤلف الضخم، وأن الأسطورة التي استحوذت على صفحاتها العشر الأخيرة يمكن أبدًا أن تعوض ما سبقها. إن الأسطورة تعتبر بدرجة أقل طريقة بديلة لإقناع أولئك الذين بقوا غير متأثرين، كما أنها طريقة لتقديم ملخص لا ينسى وحيوي ومؤثر عما تم إنجازه. مع ذلك، أنا حقًا محتار. أود أن أتمكن من فهم ذلك. لقد فشلت حتى الآن.

في كتابك الموسوم نيتشه: الحياة بوصفها أدبا، تطرقت إلى الأساليب الأدبية المختلفة التي استعملها نيتشه، والأغراض المرجوة من استعمالها. في هذا السياق، تركز على أسلوبين هما الحكمة aphorism والمبالغة  hyperbole. وتقترح أن وظيفة هذان الأسلوبان أرستقراطية، وأن الغرض الفلسفي من المبالغة هو تقديم وجهة النظر بقوة شديدة بحيث لن يكون بمقدور القراء إلا أن يدركوا أنها بوضوح وجهة نظر نيتشه. بالتالي يكون الأثر المرغوب فيه، هو أن أولئك البارعين كفاية في المنظورية  perspectivismهم فقط من باستطاعتهم قراءةُ مُبالغةِ نيتشه.

لست متأكدًا من أنني سأفهم أيًا من هذا من حيث قوة الأرستقراطية أو السلطة. أعتقد أنه بمجرد أن يدرك المرء أن وجهة نظر نيتشه مبالغ فيها، وأنه يفصح عنها بأكثر الألفاظ تطرفًا مما قد يكون لديه، فلا يمكنك أن تنسى أنها وجهة نظره. بعد ذلك لن يكون بوسعه سوى أن يترك المسألة مفتوحة. قد يقرر أنها وجهة نظر نيتشه، وأنها وجهة نظر سخيفة؛ أو قد يقرر أن يقبلها على وجه التحديد لأنها وجهة نظر نيتشه (وهو رد فعل سخيف)؛ أو قد يقرر ويقول: “حسنًا، إنها وجهة نظر نيتشه، والآن دعني أفكر ما سأفعله بها.” هذا ما يجعل المبالغة ذات وظيفة خطابية، لكنني لا أرى أن لها وظيفة أرستقراطية.

حسنًا، فلنلق نظرة على الحِكم. في بداية كتابه جنيالوجيا الأخلاق The Genealogy of Morals، عندما يتحدث نيتشه عن الحكمة ويقول إنها تقتضي دائمًا التأويل، فهو لم يكن ببساطة يعرض وجهة نظره. كذلك، تسمح له المبالغة بإخفاء فكرة المنظورية خلف منهجه الأدبي إلى حد لا يمكن المرء سوى أن يدرك إلى أي مدى يعد الأمر شخصيا.

عندما تصطدم بالمبالغة، فإن رد فعلك الأول هو العثور على السخيف فيما يقوله. لذا تسأل “لماذا يصرخ كثيرا؟” تحتاج إلى تأويل قبل أن تفهم. إنه الشيء نفسه مع الحكمة: إن معناها لا يبين في ظاهره، وهذا ما يقوله نيتشه في جنياليوجيا الأخلاق: عليك القيام بعملك الخاص من أجل فهم أي شيء. ولكن في خضم القيام بعملك الخاص، فأنت، إذا جاز التعبير، تغير نفسك. لذا، مرة أخرى، إن تأثير كل من المبالغة والحكمة يتمثل في جعل المرء يسأل، ليس “هل نيتشه على حق؟” بل بدلاً من ذلك، “ماذا سأصبح كنتيجة لمحاولتي فهم ما يقوله؟”

يبدو أن الحكمة والمبالغة أسلوبان أدبيان ستعملهما نيتشه بغرض حجب مقصده الفلسفي الدقيق، من حيث إنه لا يقول بالضبط ما يعنيه. على سبيل المثال، وبشكل مفرط، يقول إنه يمكن للمرء أن يفهم أن المبالغة تعبر عن وجهة نظره الخاصة. أما الحكمة فتتطلب من القارئ مستوى معينا من التأويل. هل تجد هذا مشابهًا كثيرا للتهكم السقراطي، على الأقل في المحاورات المبكرة حيث يحاول أفلاطون نفسه حل لغز سقراط؟ نظرًا إلى اهتمامك بعلاقة نيتشه المتواصلة بسقراط، هل تجد أي أوجه تشابه مثيرة للاهتمام بينهما؟

نعم، هناك رابطة فعلية بين نيتشه وسقراط. وهناك العديد من الطرق حيث تتراءى صورة كل واحد منهما في مرآة الآخر: ما يعدّ مبالغة لدى نيتشه يعدّ استهانة لدى سقراط. إن سقراط دائم الاستهانة بنفسه، معترفا بجهله، قائلاً: “لا أعرف، أخبروني.” على النقيض من ذلك، تجد نيتشه، إذا جاز التعبير، دائما “قِبَالتك”: إنه يضع نفسه دائمًا في الأمام، ويتحدث دائمًا كما لو كان يعرف كل شيء أفضل قليلاً من أي شخص آخر. ولكن باستخدام الحِكم التي، كما يقول، تتطلب الكثير من التأويل، ما يجعل من الصعب معرفة ما يقوله بالضبط. الآن، كما أقول في فن العيش، ليس من الواضح تماما أن المتهكمين-وتتضمن الحكم والمبالغة عنصر التهكم- يعرفون دائمًا ما يقولونه. لذا، بطريقة ما، تولد هذه الاستراتيجيات الأدبية إحساسًا بأن نيتشه نفسه ليس متأكدًا تماما أنه هو نفسه يحاول اختبار الأشياء. من ناحية، تسمع صوت اليقين المعجز، ومن ناحية أخرى، عندما تبدأ في الاستماع بعناية لصوته، تجد أن الآليات نفسها التي تعبر عن تلك الثقة العظمى بالذات تقوضها أيضًا. بهذه الطريقة تدرك أنه، في الواقع، فيلسوف أقل دوجماتية بكثير مما يبدو! وبما أن مضمون وجهات نظره هو هجوم على الدوجماتية dogmatism، فلدينا هنا مرة أخرى تآلفٌ في الأسلوب والجوهر. لذا، فإن استراتيجيات نيتشه هي سقراطية لأنها أقنعة ولأنها تهكمية ولأنها تحفز الشروع  والاستعداد لتجربة الأفكار التي أجدها أساسية لسقراط المحاورات المبكرة. كما أنها تتطلب استجابة شخصية. دائما ما يشيد نيتشه ب”التجريبانية” experimentalism؛ أما سقراط فدائمًا ما يقول: “دعنا نحاول مجددا، فلنحاول مرة أخرى.”

في كتابك عن نيتشه، تجادل بثبات أن فهم علاقتنا بالعالم يمكن أن تكون، من وجهة نظر نيتشه، وعلى أفضل وجه علاقة مؤوّل بنص. كمثال محدد على هذا تقول: “أحاج أن نيتشه ينظر إلى العالم بشكل عام كنوع من العمل الفني؛ على وجه الخصوص، ينظر إليه كما لو كان نصًا أدبيًا.” يكرس هيدغر المجلد الأول من محاضراته عن نيتشه لتفسير إرادة القوة من حيث الإبداع الفني، فيقول: “إن الفن بالنسبة إلينا هو الصورة المألوفة أكثر والبيّنة لإرادة القوة … لكن الإبداع داخل الفن يحدث بالفعل في النشاط الإنتاجي للفنان “. هل تعتقد أن هناك تضاربات مثيرة للاهتمام بين رغبتك في فهم نيتشه على أنه تفكير في علاقتنا بالعالم، ومن ثم تفكير في إرادتنا للقوة مُجابهةً العالم، كجلب تأويلٍ لنص، من جهة ومن جهة أخرى رغبة هيدجر في فهم إرادة القوة من حيث هي فعل الإبداع الفني؟ يبدو أن نموذجك هو على الغالب نموذج التفرّجية spectatorship، على الرغم من أنه يمكن المحاجة بأن التأويل هو في حد ذاته فعل إبداعي.

هذا بالضبط ما كنت سأقوله. إن التناول الأكثر وضوحا وجدية حول إرادة القوة لدى نيتشه نجده في منتصف كتاب جنيالوجيا الأخلاق، منتصف الكتاب الأوسط، حيث يتحدث عن العقاب. يقول إنه قانون كوني، حتى على المستوى العضوي، وأن إرادة القوة تتدخل عند كل حدثٍ. ماذا يستخدم لإبراز هذا الادعاء؟ تأويل! بالنسبة إليه، إن إبداع شيء ما هو تأويل شيء آخر بطريقة جديدة وبشكل جذري. لا يوجد إبداع من العدم ex nihilo. هذا جزئيا معنى أن تكون تاريخانيا historicist، كما كان هو وهيدجر. أنت دائمًا تواجه أحداثًا معينة، وقائع معينة، مواضيع معينة، ومؤسسات معينة معطاة لك. ما معنى أن تكون مبدعًا؟ هو أن تأخذ كل هذا وتعيد تأويله. وما معنى أن تعيد تأويله؟ إنه، إذا جاز التعبير، أن تضعه في استخدامات جديدة. هو رؤية احتمالات (الآن أتحدث بلغة المتفرج) لم يره أحد من قبل. ولكن، في الوقت نفسه، إبداع شيء ما. كما قال نيتشه في جنيالوجيا الأخلاق: “إذا كان لابد من بناء معبد، فيجب تدميره أولاً”. أعتقد أن نيتشه سينكر التمييز بين التفرّجية والقدرة الإبداعية. وعلى الرغم من أنه غالبًا ما ينتقد كانط لأنه ينظر إلى الفن، كما قال، من وجهة نظر المتفرج وليس الفنان، فإنه في فلسفته الخاصة عن الفن لا يترك المتفرج وراءه، بل بدلاً من ذلك، يحاول تبيان أن المتفرج عامل إبداعي.

يكمن الاختلاف الكبير ههنا (لا أعرف إن كان نيتشه سيوافق، أنا فقط أعرض وجهة نظري الخاصة) في أنه بالنسبة إلى كانط والتقليد الذي يعود إلى شيشرون Cicero، يتضمن تفاعلنا مع الفن عددًا من المراحل المتميزة. لدى شيشرون هناك أربعة مراحل. أما في الجماليات الحديثة، بعد كانط، فتوجد مرحلتان؛ أولا تؤوّل أي تفهم؛ ثم تقيّم أي تحكم. أولاً، تقول: “هذا ما تعنيه هذه القصيدة”، ما نعتبره في الغالب نشاطا إدراكيا، وهو لا يتضمن جانبا إبداعيا؛ ثم تقرر ما إذا كانت القصيدة جميلة أم غير جميلة. كذلك لا شيء إبداعي ههنا. ثم تصل إلى النهاية. بالنسبة إلي، على العكس من ذلك، يأتي حكم الجمال مبكرًا جدًا أثناء تفاعلنا مع عمل فني. بدلاً من التفكير في أن حكم الجمال يأتي تتويجا للنقد، أنا أعتبره منبت النقد. عندما ترى أن شيئًا ما جميلًا، فستصبح مهتمًا بمعرفته بشكل أفضل، والتصالح معه، وجعله جزءًا من حياتك. إن حكم الذوق أو عبارة “هذا جميل” ليست نتيجة نصل إليها بعد تأويلنا لعمل فني. إن الجمال، كما قال ستاندال Stendhal، هو “وعد بالسعادة” –وهي في الواقع عبارة اقتبسها نيتشه في جنيالوجيا الأخلاق. إن التفكير بأن شيئًا ما جميلٌ يعني أن تشكك، وتخمن، وأن يكون لديك إحساس بأنه سيمنحك أكثر مما تمكنت من استخراجه منه حتى الآن.

مع كانط، كما ترى، أعتقد أنك تصدر حكمك في نهاية تفاعلك مع العمل. عندما يقول إن حكم الذوق judgment of taste “لا تحكمه المفاهيم”، فهو يعني على وجه التحديد أن وصف موضوع ما لا يستلزم أن الموضوع جميل (ما لم تلح في السؤال وتستل لفظا تقييميا في وصفك). وعلى الرغم من أنني أوافق على ذلك، أعتقد أن السبب وراء عدم استخلاص الحكم هو أنه ليس من المفترض أن يستخلص، لأنه ليس نتيجة على الإطلاق. عندما نرى أو نقرأ أو نسمع أو نكون بشكل ما بقِبالة موضوع نجده جميلًا، لدينا شعور غامض بأننا نريد معرفة المزيد عن ذلك الموضوع، وأنه مهما كان، فإنه بشكل ما ذو قيمة ما نزال لا نعرفها. إن حكم الذوق متوقعٌ وليس ارتداديًا. إنه تخمين وفرضية. وإذا كان فرضية فإنه سيتبع الأدلة؛ وإذا تجاوز الأدلة، فلا يمكن أن يستخلص من أي من ميزات الموضوع الذي ندركه بالفعل. تجد الموضوع جميلًا طالما أنك تشعر أنك لم تستنفذه بعد.

أحد الجوانب الأكثر لفتًا للنظر في كتاباتك عن نيتشه وسقراط هو أنك تستنتج أن في ثنايا كتابات نيتشه يسري انشغال لم يتم حله مفاده أن مشروعه لا يختلف كثيرًا عن مشروع سقراط، لدرجة أنه غير متأكد من مدى كونه أصيلاً. لماذا يُعرّض تشابه مشاريعهما أصالة مشروع نيتشه للخطر؟

لا يعرضها للخطر. أعتقد أنه كان خائفا من ذلك، لأنه أراد ليس فقط، إذا جاز التعبير، أن يبدو مختلفًا عن الفلاسفة الآخرين، بل أراد أيضًا أن يكون أول من أدرك ما يفعله الفلاسفة بالفعل- ولكن نظرًا إلى أنني لا أعتقد أن هناك شيء واحد يفعله الفلاسفة جميعهم وبشكل دائم، فلا أعتقد أن هذه مشكلة. أشعر أن الشخصية الفلسفية التي خلقها وتركها وراءه كانت بحد ذاتها إنجازًا هائلاً. كان يجب أن يمنحه الرضا الكافي. ولكن، ربما، لم يفعل ذلك. ربما، أراد تحقيق المزيد.

مع ذلك هذا يختلف عن القول إنه كان رجلا بائسا. اعترض مُراجع آخر لـكتاب فن العيش على أن نيتشه عاش حياة بائسة، وأنه لا يمكن أن يكون قدوة لنا، حيث قال: “لا أتمنى تلك الحياة لأي شخص”، أضاف، “ولا حتى روسو. ” كنت أتساءل ماذا يمكن أن يعني ذلك. هل يعقل أن تقول “لا أتمنى أن تكون هذه حياة أحد”؟ قد يعني ذلك أنك لا تريد أن يكون نيتشه أي شخص آخر. حسنًا، بالطبع لا يمكن لأي شخص آخر أن يكون نيتشه! هذا أمر عادي. ولكن هذا قد يعني أنه كان سيكون من الأفضل بالنسبة إلى نيتشه لو لم يعش أبدا. ومن الواضح أن هذا خطأ، خطأ بالنسبة إلى نيتشه، كما أنه خطأ بالنسبة إلينا. الناس يعتقدون أن التفكير في “حياة” الفلاسفة مختلف عن التفكير في فلسفتهم. لكن هذا سخيف. ترتبط حياة نيتشه ارتباطًا وثيقًا بكتاباته، فهي تشكل جزءا محوريا في حياته مثل أي شيء آخر، وربما تكون أكثر الأجزاء محورية. إن السؤال ليس “هل كانت حياة نيتشه بصرف النظر عن عمله” جيدة “، هل كنت سترغب في أن تعاني نوبات الصداع النصفي، وقصر النظر، وخيبات الأمل، وما إلى ذلك؟” حسنًا، بالطبع لا! من سليمُ العقل الذي يرغب في مجرد الصداع، والتقيؤ طوال الوقت وعدم القدرة على رؤية وجهته؟ إن السؤال الحقيقي هو “هل تم تبرير كل البؤس وتحويله من خلال العمل، هل يشكل الكل حياة جديرة بالاهتمام، وحياة ذات معنى؟” وإذا كان هذا ما عانه حتى تمكن من تدوين هذه الكتب الرائعة، فقد ترغب في القول إنها لم تكن حياة سيئة على الإطلاق. لقد تألق نيتشه، على الرغم من أنه كان عليلا ونجح بوصفه إنسانا، حتى لو لم تحقق مبيعات كتبه أرباحا.

تقول في كتاب فن العيش إن فلسفة فن الحياة ما تزال حية وتستحق المتابعة مرة أخرى. يبدو هذا شبيها بعض الشيء ببيانٍ manifesto. ما هي في رأيك حالة الفن العيش اليوم، وهل ترى أن هناك فلاسفة معاصرون ينتمون إلى هذا المسار؟

ليس أمرا سهلا أن تعيش بطريقة فلسفية. ومن المثير جدا للاهتمام أن معظم الفلاسفة الذين ينتمون إلى ذلك التقليد هم بوجه العموم لا ينتمون إلى المؤسسات. ربما كان سقراط قد حصل على وظيفة – ربما كان حجّارا- ولكن إلى حين التقائنا به في محاورات أفلاطون المبكرة، لم يكن لديه وظيفة – ولا حتى أيّ عمل. بشكل مميز، اعتزل مونتين من وظيفته السياسية في سن الثامنة والثلاثين، وأغلق على نفسه في مكتبته قبل أن يبدأ في كتابة المقالات Essays. واتضح أنه ربما كان أكثر نشاطًا مما أقرّ به، لكن حياته كانت مختلفة تمامًا عما كان عليه حتما عندما كان عمدة مدينة بوردو Bordeaux. كان نيتشه أستاذًا، لكن معظم عمله الفلسفي لم يظهر إلا بعد استقالته من الجامعة، وعاش على دخله الخاص البسيط. لطالما كان موقف فوكو تجاه المؤسسات وعلاقته بها متضاربين للغاية. لا أعتقد أنه من السهل كثيرا أن تعيش حياة فلسفية وفردية بداخل مؤسسة. لذلك أجد نفسي في وضع صعب للغاية، لأنني أريد أن أكون قادرًا على القول “أنظر، من الممكن الجمع بين الفردية individualism والحياة ضمن مؤسسة” – في النهاية ماذا أفعل بالتدريس في الجامعة؟ وبما أن معظم الذين أكتب عنهم بقوا خارج المؤسسات، فهذا يشعرني بعدم الارتياح للغاية. ثم أفكر في فيتجنشتاين، الذي كان أستاذ نايتبريدج Knightbridge Professor للفلسفة في جامعة كامبريدج  Cambridge – لكنه كان يكره ذلك!

إن الالتزامات المؤسساتية عامة، بينما يفرض فن العيش، كما أراه، متطلبات فردية في الغالب. ما أود القيام به هو معرفة ما إذا كان يمكن للمرء أن يجمع بين الاثنين. ما أحاول القيام به، إذا كنت لا تمانع أن أكون شخصيًا إلى حد ما، هو الجمع بين كل التخصصات الأكاديمية التي أعرفها –الفلسفة والنقد  criticism والكلاسيكيات  classics– والكتابة بطريقة تجعلني أستثمر التخصصات الثلاث، وأصبغ عليها نوعا من التماسك، من حيث الموضوع والأسلوب. الكثير من الفلاسفة غير مهتمين بهذا النوع من التماسك، ولا أعتقد أنه يجب أن يكونوا كذلك. إن السؤال الذي طرحته يمس لب الموضوع: هل من الممكن أن أقوم بما أريد القيام به وأنا ما أزال أنتمي إلى مؤسسة؟ الجواب هو أنني لا أعرف وربما لن أعرف أبدا. أنا ببساطة أحاول القيام بذلك.

ماذا لو أسهمت المؤسسة في فن العيش؟

ليس كثيرا، على ما أعتقد. المؤسسة، كما قلت، تفرض التزامات عامة. ثم مرة أخرى، أفكر في نيتشه، الذي كتب أن كل إبداع يتطلب وجود نوع من “الاستبداد” ينشأ عن بعض المؤسسات. كل واحد ملزم بالقيود بطريقة أو بأخرى. تاريخياً، الذين ينتمون إلى التقليد الفردي في فن العيش عموماً يتجنبون المؤسسات. ينتمي الفلاسفة الدوجماتيون والكونيون إلى المدارس والمؤسسات -على سبيل المثال، الرواقيون  Stoics الذين غالبا ما عاشوا بالفعل ضمنها: بالطبع كانوا يحاولون صياغة واتباع شكل من أشكال الحياة مشتركا بين الجميع. إن الفلاسفة الذين أهتم بهم جميعهم حاولوا العيش بشكل مختلف عن أي شخص آخر. ربما، بعد كل شيء، عبثًا أحاول ضرب عصفورين بحجر واحد. ولكن ذلك لن يمنعني من المحاولة!

على ماذا تشتغل حاليا؟

أفكر في الجمال  beauty. أتساءل لماذا عاد الجمال والاستيتيقا  aesthetics إلى مركز الاهتمام الفكري في السنوات القليلة الماضية. لست متأكدا تماما من السبب. شيء واحد أعرفه هو أن العديد يحاولون جعل هاتين المسألتين ذات باعٍ فلسفي بمحاجاة أن الجمال يؤدي إلى العدالة أو الخير  goodness أو الحقيقة. لا أصدق ذلك. لأنني مهتم بمزيد من التبرير المستقل لأهمية الجمال، تمامًا كما أعتقد أننا بحاجة إلى تبرير مستقل للعلوم الإنسانية  humanities: لا أعتقد أننا يجب أن نقول للطلاب أن دراسة العلوم الإنسانية ستجعلهم أكثر أخلاقية أو ستجعلهم يحصلون على عملٍ جيد. ربما من الفضائل الجيدة أن يكون المرء أخلاقيا أو غنيا، لكنها ليست الفضائل الوحيدة. إن دراسة العلوم الإنسانية، مثل الإعجاب بالجمال، يجعل المرء شخصا أفضل، لكن كونه يصبح أكثر أخلاقية لا يعد الطريقة الوحيدة ليصبح أفضل. إن الخير الأخلاقي لا يستنفد الخير البشري. أعتقد لقد أهملنا مجال الخير اللاأخلاقي  أعتقد أن القيم الاستيتيقية هي قيم لذاتها-أن الجمال، التعقيد، الأسلوب والأناقة قيم تحتاج إلى أن نهتم بها ونحبها لأجل ذاتها، ولأن نعتبرها ضمن مكونات حياة بشرية ذات معنى. بجعل الفنون والعلوم الإنسانية، أجزاء من حيواتنا، فإننا ندخل هذه الفضائل فيها؛ نجعل أنفسنا أكثر تعقيدًا، وأكثر إثارة للاهتمام، وأكثر التزاما. هذا لا يعني أننا نصبح أسوأ أو أفضل من الناحية الأخلاقية. أعتقد أن هناك عنصرًا جماليًا في الحياة غير قابل للاختزال، ونحن بحاجة إلى الاهتمام به أكثر بكثير مما فعلناه حتى الآن. ولا ينبغي لنا إنكاره ببساطة بحجة أنه ليس مطابقا للقيمة الأخلاقية أو للنجاح الدنيوي.

أليس هذا مرتبطًا باهتمام معاصر بأَسْتَتقَةِ of politics  aestheticization السياسة؟ يبدو أن هذه إحدى الطرق التي يتم فيها غالبا انتقاد فكرة الجمال التي تتحدث عنها.

لا أريد “أَسْتَتقَة” السياسة، هذا أمر خطير وغير فعال في الآن ذاته. يعتبر الاستيتيقي  aesthetic– لا أريد أن أضع تمييزًا قويًا هنا– بدرجة أكبر أو أقل مسألةً خاصة وليست عامة: ربما تكون لفظة “خاصة” قوية جدًا؛ ربما ينبغي لي أن أقول “شخصية”، ما يتضمن إحالة إلى أشخاص آخرين من دون إقحام كل السياق السياسي أو الاجتماعي للمرء.

كيف أصبحت مهتمًا بربط قضايا الجمال هذه بالتلفزيون والتحدث عن التلفزيون كشكل فني بطريقة يعزف العديد من فلاسفة الفن ونقاده عن القيام بها؟

عندما كنت أكتب نيتشه: الحياة بوصفها أدباً كنت أستأجر شقة بتلفزيون ملون، لم أكن أملكه قط من قبل. نظرًا إلى أنني كنت متعبًا جدًا من القراءة في المساء، كنت أشاهد الكثير منه، وفي النهاية قلت لنفسي، “إما أنني سأضيع الكثير من حياتي في مشاهدة التلفزيون أو أنني سأصنع منه شيئا- بالطبع لم يكن الأمر بالفعل واضحا بتاتا: هذا ما جعلني إلى حد ما أشاهد التلفزيون بعدئذ. أدركت أن الكثير مما يبث في التلفزيون كان مثيرًا للاهتمام ومعقدًا. كانت بعض البرامج التلفزيونية أكثر إرضاءً من أعمال كثيرة تقدّم عبر أنواع من الوسائط المعهودة أكثر؛ كان بعض ما يبث في التلفزيون أفضل من بعض الشعر، وبعضه أفضل من بعض الروايات، وبعضه أفضل من بعض السوناتات  sonatas، خطأنا هو أننا نزدري (أو نعجب) بالوسيط كله. هذه حماقة. علينا أن ننظر إلى الأعمال الفردية، لكن النظر إلى الأعمال الفردية يكون دائمًا خطيرًا، لأنه في الواقع إذا كان وسيطها فاسدًا ومهينًا، فقد يصبح المرء منحرفًا ومُهانا من دون أن يدرك ذلك، حتى أنه سيحب ما أصبح عليه. أنت تتغير، وليس من الواضح دائمًا ما إذا كنت قد تغيرت إلى  أفضل أو أسوأ – في هذه الحالة، فإن وجهة نظرك الحقة عن طبع أولئك الذين يشاهدون التلفزيون تتغير: لا يمكنك ازدراءهم بالطريقة التي قد تكون ازدريتهم بها من قبل.

أجزم بأنك تحيلُ إلى وجهة نظرٍ قد سبق وتشبثتَ بها مرة؟

لقد كنت بالفعل متكبرًا إزاء ذلك. لقد نشأت في بلد حيث لم يكن لي تلفزيون. لذا، من جهة، كان من الممتع حقا بالنسبة إلي أن أحصل عليه عندما قدمت إلى أمريكا America. لكن من جهة أخرى، يفترض من المثقفين أن يزدروه. لكن على الرغم من احتقاري له، وجدت نفسي في النهاية منشغلا به. إنه لأمر مروع، وبالأحرى مخيف إلى حد ما أن تجد نفسك في قبضة شيء لم تكن تبدي نحوه سوى الاحتقار. لقد تساءلت أي المعايير يجب أن أستخدم؟ هل تلك التي كانت لدي قبل أن أقع في قبضته، والتي تقول لي إن الوقوع في أسره أمر سيء بالنسبة إلي أو تلك التي توصلت إليها كنتيجة خضوعي للأَسْرِ، والتي تخبرني أن التفكير في كون الوقوع في الأسر أمر سيئ بالنسبة إلي، لشيء سخيف وناشئ عن جهلٍ؟ أنا لا أعرف.

أنا أهتم خصوصا بالعلاقة بين الأشكال الفنية الاستيتيقية والشعبية. أحد أكثر التطورات شيوعًا في تاريخ الفن هي أن الفن الشعبي لعصر واحد، الذي تمت إدانته واستبعاده بشدة من الحياة الاجتماعية والفكرية الخاصة، يصبح فنا جميلا لعصر لاحق. لذلك عندما ظهرت الرواية لأول مرة في إنجلترا England، تم، على سبيل المثال، اعتبارها نوعًا أدبيا مرعبًا تماما. هاجمها صمويل. ت كوليردج Coleridge، حيث قال : مقارنة بشكسبير، إن قراءة الروايات ليست “هدرا للوقت بل قتلٌ له”. ولكن في عصر الملكة إليزابيث Elizabeth، كان هناك هنري برين Henry Prynne، الذي قال: إن كل ما يفعله شكسبير هو جذب “البلطجية والزُناة ” وابتكار أشباههم. لكن الآن شكسبير قريب من الإلهي أكثر مما يمكن لأي إنسان أن يكون. إن الشيء نفسه حدث مع السينما cinema والجاز jazz والتصوير الفوتوغرافي photography والروك آند رول rock-and-roll. إن ما يكون شعبيا أولاً، ويتقرّر لاحقًا بأنه ضارٌ، سرعان ما يتحول إلى معيار للجمال بعد فترة وجيزة وفي مرحلة معينة.

تحدثت في وقت سابق عن مكانة أفلاطون. إن هجوم أفلاطون على الشعراء في الجمهورية هو أصل وجوهر جميع الانتقادات اللاحقة للثقافة الشعبية والترفيه. أفلاطون، كالعادة، كان أكثر صدقا من أي شخص آخر. على عكس كل أولئك الذين يقولون، على سبيل المثال، إن التلفزيون ليس له قيمة استيتيقية قط، فقد اعترف بأنه على الرغم من احتقاره لهوميروس Homer، فإنه أحبه وأنه سيفضل الابتعاد عنه لأنه يراه ضارًا. اليوم، الناس لا يعترفون بأنهم ينجذبون إلى الثقافة الشعبية إما لأنهم يشعرون بالخجل أو لأنهم لا يكلفون أنفسهم عناء النظر. ولكن حتى التليفزيون لم يصبح مقبولًا إلا بشكل تدريجي: وبدلا منه يمكننا الآن إلقاء اللوم على كل شيء ينشر في الإنترنت! في القرن الثامن عشر ظنوا أن القراءة تقتل. حرفيا! كتب الناس أن القراءة -القراءة!- تسبب التهاب المفاصل arthritis والصرع epilepsy وأمراض الرئة pulmonary disease والسكتة apoplexy! ولكن إذا كانت القراءة سيئة، فإن كل شيء سيصبح سيئا أيضا. يتمثل رد الفعل الصحيح في إدراك أن الاختلاف ليس في النوع الأدبي أو الوسيط، ولكن في الطريقة التي يستثمر بها كل واحد منا الأعمال الفردية التي يوفرها النوع الأدبي أو الوسيط.

شيء مماثل ينطبق على ما نسميه “فن العيش”، حيث يواجه كل واحد منا، بالضرورة، مواقف مختلفة وخيارات مختلفة وظروف مختلفة عن أي شخص آخر. ومحكوم على هذه المواقف والخيارات والظروف أن تتضمن السعادة والشقاء. لكن ما يهم في النهاية هو ما يمكننا صنعه منها، وما إذا كان بمقدورنا أن نعيش في ظلها حياة تكون خاصة بنا حقًا.

أجرت الحوار مجلة هارفارد للفلسفة Harvard Review of Philosophy في سنة 2000، ويمكن للقارئ تصفحه في لغته الأصلية أي الإنجليزية على العنوان الإلكتروني الآتي:  

http://www.hcs.harvard.edu/~hrp/issues/2000/Nehamas.pdf

 *  أستاذة باحثة بقسم الفلسفة، جامعة أبو القاسم سعد الله الجزائر-2- الجزائر. djamila.hanifi@univ-alger2.dz   

للمترجمة أيضا:

هارفي ك. مانسفيلد: مسألة النزعة المحافظة

جدلية الأزمة والتقدم عند “إدغار موران”

‏يوم واحد مضت

تنفُس سبينوزا ..

‏3 أيام مضت

كيف نقرأ نيتشه اليوم؟

‏3 أيام مضت

Harvey C. Mansfield, Jr. The Question of Conservatism


جميلة حنيفي

ترجمة جميلة حنيفي*

   هارفي كلافلن مانسفيلد (المولود 1932)، من الفلاسفة السياسيين  الأمريكيين، ينتمي إلى المحافظين الجدد، تأثر بالفيلسوف لِيُو شتراوس، وهو مشدود من جهة إلى فضائل المؤسسين الأمريكيين الأوائل، ومن جهة أخرى إلى أصول الفكر الفلسفي، وعلى وجه التحديد أرسطو ومكيافيللي وتوكفيل. من مؤلفاته؛ روح الليبرالية (1978)Spirit of Liberalism، ترويض الأمير (1993)Taming the Prince ، دليل الطالب للفلسفة السياسية (2001)  A Student’s Guide to Political Philosophy. في هذا الحوار الشيق والرائع تناول مانسفيلد جملة من المواضيع منها نقد الليبراليين، نقد التحليليين، الدعوة إلى المصالحة مع نيتشه وهيدجر، التمييز الإيجابي، النسوية وقضية الإجهاض، وغير ذلك.

كيف أصبحت فيلسوفًا سياسيًا؟

لقد نشأت على الفلسفة السياسية، ولم يكن ذلك

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي بقلم د جميلة حنيفي – الجزائر

21 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  د جميلة حنيفي – الجزائر أستاذة محاضرة – قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله إن تهميش المرأة فعل مترسخ في ذهنية مجتمعاتنا فهي لم تكن شيئا يذكر على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “والله ما كنا نعد النساء شيئا حتى أنزل الله فيهن …

حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية

‏3 أسابيع مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

جميلة حنيفي ترجمة: جميلة حنيفي* حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of …

جورجيو أغامبين: توضيحات

5 مايو 2020 ترجمةتغطيةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي آل صحفي إيطالي على نفسه، وفقًا لأفضل ممارسة ممكنة لمهنة الصحافة، القيام بمهمة تشويه وتزييف أفكاري بشأن الارتباك الأخلاقي الذي ألقي فيه الوباء البلاد، حيث لم يعد هناك أي احترام، حتى للقتلى ذاتهم. ومثلما لا يستحق الأمر عناء ذكر اسم الصحفي، فهو كذلك لا يستحق …

حوار مع كورنيل وست: إعمال الإيمان الفلسفي

4 مايو 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Philosophical Faith in Action حوار مع كورنيل وست Cornel West ترجمة جميلة حنيفي جميلة حنيفي كنا نأمل أن نبدأ هذا الحوار بالحديث عن كيفية ولوجك إلى عالم الفلسفة، وتحديدا الفلسفة البراغماتية وفلسفة الدين. فهل يمكن أن تقدم لنا وصفا لمسارك الدراسي؟ أعتقد أن الأمر برمته يعود إلى العائلة والكنيسة معا. …

روبرتو إسبوسيتو: علاج إلى غاية النهاية

4 مايو 2020 متابعاتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي Roberto Esposito Cured to the Bitter End أجد في ثنايا هذا النص الذي كتبه جون-لوك نانسي، جميع السمات التي ميزت دوما شخصيته – على وجه الخصوص جوده الفكري الذي حظيت به شخصيًا في الماضي، وتأثري الكبير بتفكيره، لا سيما في بحوثي المتعلقة بالجماعات. إن معارضته الشديدة والدائمة …

تقرير عن ندوة محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني

3 مايو 2020 تغطيةمجلاتمساهمات 0

بقلم الأستاذة جميلة حنيفي أقام مخبر إشكالية البحث العلمي في بناء المجتمع العربي الحديث والمعاصر، بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله- ندوة فكرية بعنوان: “محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني”. وذلك يوم 11 مارس2020 المنصرم. شارك في أشغال هذه الندوة كل من الأساتذة الأتية 

جان-لوك نانسي: استثناء فيروسي

5 أبريل 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة جميلة حنيفي يزعم جورجيو أغامبين، وهو صديق قديم لي، أن فيروس كورونا لا يكاد يختلف عن الأنفلونزا العادية. يبدو أنه قد نسي أن مرض الإنفلونزا “العادية” يمكن علاجه بواسطة لقاح قد ثبتت فعاليته. ومع ذلك فهو يحتاج إلى إعادة التكيف مع الطفرات الفيروسية عامًا بعد عام. ثم إن الإنفلونزا …

جورجيو أغامبين: حالة استثناء أثارتها حالة طوارئ بلا دافع

29 مارس 2020 ترجمةعامةمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي من أجل فهم التدابير الطارئة، الجامحة وغير المعقولة وغير المبررة على الإطلاق المعتمدة لمواجهة وباء فيروس كورونا المزعوم، يتوجب علينا أن نبدأ من إعلان مجلس البحث الوطني الإيطالي (NRC)، والذي يقول: “لا يوجد وباء SARS-CoV2 في إيطاليا. “ ويواصل: على أي حال “تسبب العدوى وفقًا للبيانات

إلى الحجر الصحي من الحجر الصحي: روسو وروبنسون كروزو و”أنا” كاثرين مالابو

27 مارس 2020 بصغة المؤنثمجلاتمفاهيم 0

To Quarantine from Quarantine: Rousseau, Robinson Crusoe, and “I” Catherine Malabou ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في شهر ماي من عام 1743، رست سفينة قادمة من مدينة كورفو Corfu باليونان تحمل جثث أفراد طاقمها الذين ماتوا بسبب مرض غامض إلى مدينة ميسينا Messina بإيطاليا. لقد تم إحراق السفينة والحمولة، …

آلان باديو: حول جائحة الكورونا فيروس

25 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة: جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 منذ البداية، كان لدي اقتناع بأن الوضع الراهن، الذي اتصف بجائحة فيروسية، لم يكن على وجه الخصوص استثنائياً. من جائحة فيروس الإيدز AIDS، إلى أنفلونزا الطيور، إلى فيروس إيبولا Ebola، إلى فيروس السارس1SARS – ناهيك عن ظهور العديد من أنواع الأنفلونزا، وأنواع من مرض …

سلافوي جيجك: الشيوعية العالمية أو قانون الغاب _ كورونا فيروس يرغمنا على اتخاذ القرار

22 مارس 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في الوقت الذي ينتشر فيه الرعب من فيروس كورونا، يتوجب علينا الحسم بين اختيارين- إما أن نفرض منطق البقاء للأصلح، وهو المنطق الأكثر وحشية، أو نوعًا من الشيوعية المبتكرة التي تتم بالتنسيق والتكاتف العالمي. ما يفتأ إعلامنا، وبلا هوادة، يكرر عبارة “لا داعي للرعب!”

جوديث بتلر: للرأسمالية حدود

21 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 Capitalism Has its Limits تناقش الفيلسوفة جوديث بوتلر Judith Butler وباء كورونا فيروس-19 وآثاره السياسية والاجتماعية المتصاعدة في أمريكا يتزامن الأمر بالحجر الصحي مع اعتراف جديد بترابطنا الكوني المتبادل خلال زمان ومكان جديد للوباء. من جهة نحن مطالبون بحجز أنفسنا في وحدات عائلية أو …

في فلسفة القانون حوار مع ألَن مورتن درشويتس* Alan Morton Dershowitz

24 فبراير 2020 بصغة المؤنثترجمةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي** في الآونة الأخيرة، أثير بعض الجدل في كلية الحقوق بجامعة هارفارد حول الحظر المقترح على خطاب الكراهية. ما هي وجهة نظرك حول قوانين الخطاب؟ ما أؤيده هو حكم محدد يوضح أنه لا يمكن حظر أي شيء ما لم يتم تحديده بموجب قاعدة معينة. والشيء الوحيد الذي أنا …

في الجمهورياتية والليبرالية – حوار مع مايكل ساندل

20 فبراير 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Machael Sandel ترجمة جميلة حنيفي* الجزائر  عُرفت بوصفك ناقدا لليبرالية، فما المقصود بالضبط بالليبرالية وما المشكلة المطروحة بشأنها؟ أعتبر نفسي ناقدا لصيغة معينة من الليبرالية، تلك الصيغة التي تجد تعبيرها أو حكمها الأكثر تأثيرا لدى إيمانويل كانط، لكن أيضا لدى فلاسفة آخرين معاصرين مثل جون رولز. إنها الصيغة التي ترى …تحرير

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي بقلم د جميلة حنيفي – الجزائر

21 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  د جميلة حنيفي – الجزائر أستاذة محاضرة – قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله إن تهميش المرأة فعل مترسخ في ذهنية مجتمعاتنا فهي لم تكن شيئا يذكر على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “والله ما كنا نعد النساء شيئا حتى أنزل الله فيهن …أكمل القراءة »

درس محمد عابد الجابري: في العلاقة بالآخر

‏6 أيام مضت دراسات وأبحاثمفاهيممقالات 0

محمد ازويتة في إحدى المساهمات الثقافية التي قدمها الباحث المغربي عز العرب بناني ، على موقع كووة الثقافي ،  بخصوص التلقي الغربي لأطروحات الجابري أو بالعبارة التي قدمها الباحث ( الجابري بعيون ألمانية ) ، أثارتني ثلاثة ملاحظات : ــ مسألة الترجمة : ذكر الأستاذ عز العرب عن حضور الجابري …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: احذر هناك خطر

‏أسبوعين مضت ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد ازويتة تقديم الخطر ، الخوف ، الأمن …   قيم لازمت الإنسان ، منذ القديم ، في علاقته بذاته ، بالآخر و العالم . حاولت  الفلسفة الأخلاقية مع الرواقيين و الأبيقوريين و الكلبيين تقديم أجوبة تهدف الى تحقيق أمن روحاني نابع من الذات  ، كما حاولت التجربة المسيحية …أكمل القراءة »

العلاقة بين الفعل الجنسي والرجولة الجنسية

‏أسبوعين مضت علم الإجتماعمجلاتمفاهيم 0

رشيد العيادي. مقال من إنجاز الباحث رشيد العيادي. (المغرب) سنحاول التوقف هنا على النص السردي وعلاقته بالجسد كمعطى ثقافي واجتماعي ورمزي. فالنص السردي دائما ما يتوسل الاستعارات والكنايات اللغوية للتعبير عن مكنون كاتبه، فالجسد هنا ليس له منفذ يظهر منه إلا إذا توسّل ألعاب اللغة، أما الظهور في شكله الصريح …أكمل القراءة »

هارفي ك. مانسفيلد: مسألة النزعة المحافظة

‏3 أسابيع مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

Harvey C. Mansfield, Jr. The Question of Conservatism جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي*    هارفي كلافلن مانسفيلد (المولود 1932)، من الفلاسفة السياسيين  الأمريكيين، ينتمي إلى المحافظين الجدد، تأثر بالفيلسوف لِيُو شتراوس، وهو مشدود من جهة إلى فضائل المؤسسين الأمريكيين الأوائل، ومن جهة أخرى إلى أصول الفكر الفلسفي، وعلى وجه التحديد …أكمل القراءة »

المدرسة المغربية بين الأسوار واللا أسوار في زمن الكورونا

‏4 أسابيع مضت تغطيةمتابعاتمجلاتمفاهيم 0

أزمة في التعليم عن بعد وفشل ذريع في التعليم عن قرب أسامة حمدوش    لا مندوحة أن رهانات التعليم عن بعد بالمغرب في زمن الكورونا في ظل التطورات التقنية والتكنولوجية التي يشهدها العالم قاطبة لن تكون سهلة المنال بالقياس إلى دولة في طور النمو والتقدم كالمغرب، وخاصة في منظومة التربية …أكمل القراءة »

في الحاجة إلى الفلسفة: جيل دولوز وإبداع المفاهيم

‏4 أسابيع مضت دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

بقلم: ادريس شرود                       “كلما تم إبداع المفاهيم في مكان وزمان ما، فإن العملية المؤدية إليه ستُسمّى دائما فلسفة” دولوز- غتاري مقدمة – سؤال: ما رأيك في “الفلاسفة الجدد”؟ – جواب جيل دولوز: “لا شيء. أظن أن تفكيرهم بدون قيمة”. سيثير هذا الجواب ردود فعل متنوعة من طرف جيل جديد من الفلاسفة خاصة في فرنسا، توحّدت جلها حول …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: الجنسانية والسلطة

4 يونيو 2020 دراسات وأبحاثعامةفلاسفةمفاهيم 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل : تندرج المقالات التي ننقلها عن ميشيل فوكو ، و غيره من الباحثين الغربيين المميزين ، ضمن استراتيجية مغربية صريحة ، عبر عنها  أستاذي محمد عابد الجابري بصيغة ” الاجتهاد و استئناف النظر ” ، حيث قال  ( و لا يعنينا هنا الانتصار لهذا الجانب …أكمل القراءة »

حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية

25 مايو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

جميلة حنيفي ترجمة: جميلة حنيفي* حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

12 مايو 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل

شاهد أيضاً

آلان: التعبير الموسيقي

ترجمة وتقديم: كمال بومنير هذه الترجمة مهداة للأستاذ عبد الباقي هزرشي… آلان Alain(إيميل أوغست شارتيه) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *