الرئيسية / منشورات / جرائد / جدلية الأزمة والتقدم عند “إدغار موران”

جدلية الأزمة والتقدم عند “إدغار موران”

يوسف تائب لله

يوسف تائب لله

في ظل الأزمة دائما يمكننا أن نطرح أسئلة تتعلق بمآلنا كبشر في هذا العالم، فبالقدر الذي تتمتع فيه الإنسانية بزخم تقني غير مسبوق، ينعكس بلا ريب إيجابا على طريقتنا في العيش ويُنيرها، فإنه بالمقابل يمكننا أن نقف فيه على جانب آخر مظلم وأكثر مدعاة للتساؤل والدهشة، أي أنه في ظل الأزمات التي يشهدها العالم اليوم، يمكن أن نستشف وجود مسار للتقدم والتطور يوصف بأنه عقلي، وآخر سوداوي، مظلم، مرعب، ثم مجهول. لكن بين هذا وذاك يمكننا أن نتساءل عن مآل هذا العالم؟ أو بتعبير آخر إلى أين يتجه العالم؟

إن قيمة هذا السؤال تتحدد حسب “إدغار موران” من خلال قدرته على إحداث انعطاف جذري لتصورنا التبسيطي لكل من الماضي والحاضر ثم المستقبل، ومن ثمة إعادة النظر في تمثلاتنا لمفهوم الأزمة والتقدم.

عادة ما يختزل الماضي في كونه “معلوم علم اليقين” وكذلك الحال بالنسبة للحاضر من وجهة نظر التصور التبسيطي، الذي يذهب إلى أن الماضي معلوم، كما هو الحال بالنسبة للحاضر، وانطلاقا من ذلك يمكن التنبؤ بالمستقبل. لكن “إدغار موران” سيحاول من خلال طرحه التركيبي التفكير داخل أفق جديد يقيم علاقة تأثير وتأثر بين الماضي والحاضر من جهة، أي أن صرح الحاضر قد أصبح يُشيّد بلبنات من الماضي الذي ما يفتأ يتشكل انطلاقا من نظرت الحاضر له؛ وبين الحاضر والمستقبل من جهة أخرى، بمعنى أن أي محاولة للتفكير في المستقبل هي محاولة للتفكير في الحاضر أولا.

إن العلاقة المركبة بين الماضي والحاضر ثم المستقبل، تجعلنا نتجاوز التصور القائل بامتلاك معرفة الحاضر بدعوى أننا موجودون فيه، وهذا ما يجعل إمكانية استشراف المستقبل أمرا صعبا؛ لأنه من المؤكد حسب “إدغار موران ” أن ما يشهده العالم اليوم يحمل في ثناياه بذور الغد التي ما زالت لم ترى النور بعد، وذلك ما يجعل المستقبل “موجود بيننا هنا” في عزّ  الحاضر.

فإذا كان الحاضر يضم جانب متوقع ثم معلوم، وآخر غير متوقع ومجهول، فإن « المستقبل سيكون خليطاً مجهولا من الأمور المتوقعة وغير المتوقعة»[1]حسب “إدغار موران”، لذلك تصبح معرفة الحاضر رهينة بالمستقبل. لكن وأمام هذا الطابع التركيبي لكل من الماضي والحاضر ثم المستقبل، ينزاح التصور التبسيطي الذي يخضع مسألة التطور إلى قوانين حتمية صارمة تصبح معها هذه المسألة عبارة عن عملية خطية تلغي إمكانية وجود شرخ أو تقهقر.

 لقد أصبح العالم حسب “إدغار موران” يعجّ بالأزمات في ظل التقدم، فعصر التقنية هذا رغم أنه يحرز تقدم غير مسبوق، إلا أن ذلك لا يعني أبدا أنه سليم معافى من أعراض الأزمة التي أصبحت حدث ملازم ومحايث لكل عملية تقدم؛ لأنه وكما يقول “أنطونيو نيغري” «إن الأزمة ليست نقيض التقدم، وإنما هي صورته ذاته» من هذا المنطلق يمكن أن نقول بأن التقدم يقتات عن الأزمة التي بدورها تتغذى منه.

فالمسار التطوري للتاريخ حافل باللايقينيات؛ لأنه مركب. فبالقدر الذي يحرز فيه التاريخ تقدما، يكون على موعد مع انعراج و انحراف جديد، أي مع أزمات، فمفهوم الأزمة حسب “إدغار موران” لم يعد يأتي في مقابل مفهوم  التقدم، أو أن وجود الأول يلغي إمكانية وجود الثاني، وإنما أصبحنا أمام علاقة تركيبية تقبل بهما معا، لذلك «ينبغي ربط فكرة أن الأزمة قد أصبحت هي نمط وجود مجتمعاتنا، وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية أزماتية: ففي ثنايا تصوره المغير أو المتسارع ينطوي تقدم الأمم على عمليات فك البنيات/وفساد اقتصادي، واجتماعي، وثقافي: فالتقدم لا يحدث فوق أساس ثقلفي وحضاري ومجتمعي: إن التقدم غير منفصل عن عملية تحطيم أو تغيير لهذا الأساس، وهذا المجرى المنشئ للفساد، وإعادة بعث النظام هو خاصية هذا البعد الأزماتي»[2].      

لم يعد العالم يعيش بمنأى عن الأزمة في ظل التطور، فتحقيق التقدم يُضمر في داخله انعراجات وتقهقرات، أي باختصار أزمات، تكون وازع وراء اقتلاع الأسس البالية التي لم تعد تجدي نفعا. فإذا كان الزخم التقني الذي عرفته البشرية اليوم قد انعكس بالإيجاب على الإنسان سواء على المستوي الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو الفكري ثم الثقافي، فإنه لا يمكن أن ننسى أو نُعرض عن الطابع الأزماتي في ظل التطور الذي عرفته البشرية، بحيث مكّن التقدم التقني من إلحاق ضرر جسيم بكوكب الأرض، وأصبح وجود الإنسان مهددا بفعل عجزه عن مقاومة المخاطر التي تهدد وجوده ككائن، رغم التطور والتقدم الذي بلغ إليه.

لقد تمكن الإنسان بفضل التطور التقني والعلمي من إنتاج أسلحة نووية بمقدورها أن تدمر الأرض وتقضي على الحياة فوق سطحها، لذلك يمكن القول بأن قدرة الإنسان اليوم على التطور وتحقيق التقدم أصبحت توازيها إمكانية أخرى لخوض حرب ضد ما يترتب عن هذا التقدم من أزمات، وأمام هذا الوضع يمكننا أن نطرح السؤال التالي:هل يسير العالم إلى الهاوية؟

إن تجنب الوقوع في الهاوية يقتضي ابتداع طريق جديد، يكون في الإنسان أكثر قابلية للتكيف مع الطبيعة من جهة، ويقيم علاقة حميمية مع ذاته ويبتعد عن التشرذم العرقي والديني ثم القومي من جهة ثانية. لذلك يصبح العالم أمام طريقين لا ثالث لهما: إما أن يسلك إستراتيجية يحل بموجبها مشكلاته، وإما أن يسير في طريقه المشؤوم الذي قد يقوده إلى الهاوية.


[1] إدغار موران: “إلى أين يسير العالم؟”، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2009، ص13

[2] إدغار موران: “إلى أين يسير العالم؟”، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2009، ص25

انظر أيضا:

الهوية الانسانية من خلال اعمال ادغار موران – زهير الخويلدي

14 مارس 2018 فلاسفةمساهمات 1

بقلم: د.  زهير الخويلدي “كلما زاد اقترابنا من الخطر تبدأ الطريق إلى المنقذ تلمع بجلاء أكبر ونصبح أكثر تساؤلا، ذلك أن التساؤل هو قمة التفكير”[1] افتتاح: “يجب أن تكون معرفة الإنسان أكثر علمية، وأكثر فلسفية، وأخيرا أكثر شاعرية، في الوقت نفسه، مما هي عليه”[2]  لا يقدر الإنسان على تفادي وضعه …أكمل القراءة »

“ادغار موران”وجرأة” النقد”

12 يناير 2018 مفاهيممقالات 0

رضوان ايار كاتب مغربي أولا، دعونا نطرح هذا السؤال: لماذا الحديث والتفكير في/حول” النقد” اليوم؟ ولماذا “إدغار موران” بالتحديد؟ لابد أولا من القول بأن النقد لم يعد ضرورة فقط بل صار حقا.. صار حقاً لأن العيش المشترك لم يعد معطاً جاهزاً و شراً لابد منه بل صار فناً، حيث العيش …أكمل القراءة »

إدغار موران السبيل لأجل مستقبل البشرية

‏4 أسابيع مضت صدر حديثافلاسفةمقالات 0

عبد الدائم السلامي – تونس إدغار موران مفكر وعالِم اجتماع وعالِم أنثروبولوجيا معاصر ولد سنة 1921 في باريس. عمل في الصحافة وشغل منصب رئيس بحوث خبير في المركز الوطني للبحوث العلمية (CNRS). وقد نشر موران عدة كتب نذكر منها «الطريقة» و«مدخل إلى الفكر المركب» و«التركيب الإنساني» و«الإنسان والموت» و«السينما أو …أكمل القراءة »

إدغار موران: حول جائحة الكورونا والعزل الصحي والعلم والعولمة ومستقبل الإنسانية

26 أبريل 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

الأحد 19 ـ الإثنين 20 أفريل 2020 NICOLAS TRUONG ترجمة: صالح محفوظي، أستاذ تعليم ثانوي وباحث جامعي من تونس.       ولد سنة 1921، معارض قديم، عالم اجتماع وفيلسوف، مفكر متعدد الابعاد في نفس الوقت الذي رفض فيه الانضباط لأي تيار أو موقف، حاصل عل 34 دكتوراه شرفية من عديد الجامعات حول …أكمل القراءة »

إدغار موران : نحو مزيد من التعقيد نحو عقلانية مركبة

16 أبريل 2020 دراسات وأبحاثعامةفلاسفة 0

فؤاد لعناني لعلها الهاوية، ذلك العمق السحيق الذي يتكبد فيه الأفراد مرارة السقوط دون أن يدروا حجم المسافة التي تقع بينهم وبين قشرة الأرض. إنه قدر سيزيفي مؤلم وعبثي في نفس الوقت. قدر ليس بريئا بالمرة بما أن إنسان الحداثة رفع شعار تحدي العلم للطبيعة وتحدي الفلسفة للدين. ولعل هذه …أكمل القراءة »

إدغار موران: الذكريات تأتي للقائي

5 يناير 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

حاوره: جان فرونسوا دورتيه ترجمة يوسف اسحيردة بمناسبة صدور كتابه الجديد “الذكريات تأتي للقائي”، قُمْنا بزيارة إدغار موران. تَطرقنا إلى الأحداث واللقاءات التي شَكَّلته، والأفكار والمعارك التي يُصِرُّ عليها. لكننا تحدثنا أيضا عن مستقبل ومشاريع هذا الشاب الأبدي الذي يبلغ من العمر 98 سنة. جان فرونسوا دورتيه: كتابك هذا – …أكمل القراءة »

نحو قيم مركبة من اجل المستقبل الانساني للفيلسوف الفرنسي إدغار موران

12 أغسطس 2019 فلاسفةمجلاتنصوص 0

بقلم الباحث: عبد الكامل نينة عبد الكامل نينة مرت القيمة بمراحل تطور عبر مختلف العصور من العصر القديم الى الحديث هذا الأخير الذي عرف أزمة قيم حقيقية كان سببها ما يعرف بتسييد العقل انطلاقا من ديكارت، هذا التسييد العقلي وما نتج عنه من تطور تكنولوجي، أدى الى ازمة محورها الحياد …أكمل القراءة »

أزمة الحضارة الغربية عند إدغار موران

10 أغسطس 2019 أخرىفلاسفةنصوص 0

عبد الكامل نينة عبد الكامل نينة – الجزائر لا يختلف إثنين اليوم على أن ما بلغته الحضارة الغربية من تقدم وتطور في شتى مجالات الحياة، فالحضارة الغربية اليوم بلغت ان صح التعبير حدودها في الترف والرفاهية، يتجلى ذلك في التقدم التقني والتكنلوجي الذي توغل وساعد في رفاهية جل مجالات الحياة …أكمل القراءة »

إدغار موران: نحو ثقافة وهوية أرضية [المجتمع الكوكبي]

9 يونيو 2019 أنشطة ومواعيدفلاسفةمقالات 0

عبد الكامل نينة بقلم: الباحث عبد الكامل نينة – الجزائر يدعو الفيلسوف الفرنسي إدغار موران إلى ثقافة كوكبية، بمعنى ثقافة شاملة تحكم الكوكب بصفة عامة، فيصبح الإنسان محتكما في تعامله مع الآخر كأنه أنا غيرية، إنطلاقا من تقديم مبدأ النحن، بدل التعصب للأنا، أي أن إدغار موران يرمي إلى ثقافة …أكمل القراءة »

جان فرونسوا دورتييه: هل انتهى الفكر الفرنسي اليوم بعد خمسة قرون من الوجود؟

4 يونيو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة يوسف اسحيردة على الرغم من شُبهة الديكارتية، فإن الفكر الفرنسي لا ينتمي إلى مدرسة، وإنما إلى حِرفة مزدهرة منذ خمسة قرون في هذا البلد : حرفة العَالِم الذي ينظر أبعد من مجال اختصاصه. بألمعية خلال بعض العصور، ولكن دون نجاحات تُذكر خلال أخرى، كما تشهد على ذلك الضحالة الفكرية 

منطق الفكر المركب

23 أبريل 2020 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيم 0

بقلم: ذ. ياسين بنعيشة  افرزت التطورات التي حدثت في تاريخ العلم عن تغيرات عديدة على مستوى القيم الابستمولوجية، فبعدما كان العلم يؤمن فقط باليقيني والمتعين، جاءت الفيزياء الكوانطية لتهدم هذه القيم الكلاسيكية، وتنبهنا بجال اللايقين والنسبية التي يجب أن ندركها إذا ما أردنا فهم العالم، ذلك أن هذا الأخير يعيش …أكمل القراءة »

الاحتفاء باليوم العالمي للفلسفة: الشباب رهان المستقبل*

17 ديسمبر 2018 عامةمتابعات 0

متابعة: رشيد المشهور** نظمت مؤسسة ثانوية عبد العزيز مزيان بلفقيه التأهيلية ندوة تربوية فلسفية احتفاء باليوم العالمي للفلسفة، ذلك على وقع التحولات التي يعيشها العالم على جميع المستويات والأصعدة وخاصة تصاعد أعمال العنف والصراعات ونزعات التشيييء والسلعنة والسوقنة للأشياء والإنسان والقيم التي تنذر بتمزقات قيمية يصل الحديث معها إلى وجود …

شاهد أيضاً

اسم الفيلسوف عند العرب بين «أعلى العليّين» و«أسفل السَّافلين»

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين أوديسَّا الفلسفة في تاريخ البشر محفوفة بالمزالق والمهالك؛ فهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *