الرئيسية / منتخبات / عامة / هل من المعقول أن يظل البيض عبيدا لماضيهم الاستعبادي؟

هل من المعقول أن يظل البيض عبيدا لماضيهم الاستعبادي؟

عزيز الصاميدي

لنتخيل معا: لوويك شاب في السادسة عشرة من عمره، بشرته بيضاء. ازداد وترعرع في حي شعبي من أحياء مدينة مارسيليا الفرنسية من أبوين فرنسيين لا يعرفان الكثير عن شجرتهما العائلية ولم يهتما في الحقيقة أن يعرفا شيئا عنها. المهم أن الأسرة لا تحس بانتمائها لأي جماعة مهاجرة إلى فرنسا من عهد قريب أو بعيد، لأن والدي الأبوين وجديهما ازدادوا بدورهم وترعرعوا في مدينة مرسيليا ولم يحدث أن غادروها إلا لماما. ثم إن لوويك ووالديه وأجداده من الأب والأم لم يشعروا يوما بأي إحساس مختلف اتجاه الفئات ذات الأصول الإفريقية أو المغاربية أو أي أصول أخرى في المجتمع الفرنسي. لقد ظلوا ينظرون إلى هؤلاء كمواطنين فرنسيين شأنهم في ذلك شأن باقي المواطنين بيضا كانوا أو سودا أو سمرا أو أيا كان لون بشرتهم.

ثم حل يوم 25 مايو 2020 فبدأت وسائل الإعلام الدولية بجميع وسائطها تبث على مدار اليوم صور المواطن الأمريكي الذي قتل أثناء عملية توقيفه من قبل الشرطة. وانطلقت تعليقات المحللين والخبراء والمختصين في شتى المجالات والتي تستهدف في ظاهرها تسليط الضوء على هذه الواقعة من مختلف الزوايا والإحاطة بها من جميع الجوانب وتمحيص أسبابها ونتائجها المختلفة. واختلفت الأصوات وتعددت اللغات وتباينت المقاربات إلا أن الخلاصة ظلت واحدة ووحيدة. وكأن من المحرم أو من العار تقديم قراءة أو قراءات مختلفة عن السائد بالنسبة لهذه الواقعة. والسائد، كما هي الحال دائما منذ أن بدأ الزمن الإعلامي يطغى على جميع الأزمنة الأخرى في معالجة القضايا التي تعترض البشرية في كل مكان من العالم، السائد إذن هو قراءة حصرية تبسيطية ومسطحة للواقع، تلغي جميع القراءات المضادة وتقصي أية وجهة نظر مركبة لما يجري. والحال أن الواقع لا يمكن تناوله إلا من خلال وجهة نظر مركبة تأخذ بعين الاعتبار درجة التعقيد العالية التي تتسم بها قضايا الإنسان في عالم متداخل ودائم التحرك.

 إن ما جرى هو التالي: مواطن أمريكي أسود البشرة تلقى معاملة عنيفة من رجل شرطة أدت إلى حتفه. صورت الواقعة عبر شريط فيديو هاو فيما يبدو وبثتها جميع وسائل الإعلام. ورغم بداهة الصورة الرقمية، فنحن نجهل الظروف التي أدت إلى الحادثة، ونجهل في ما إذا كانت متعمدة أم لا. ونجهل إذا ما كانت دوافعها عنصرية أم لا. وهذه المجهولات كلها مطلوبة لأن الإجابة عنها أمر مكفول للقضاء وحده. لأن مبدأ فصل السلط كما نعلم أصل صميم من أصول الممارسة الديمقراطية.

وحتى إن كان الحادث عنصريا فهو فعل يسأل عنه شخص بعينه ولا يجوز لذلك تعميم تهمة العنصرية على أجهزة الشرطة بكاملها في جميع البلدان. ثم إن الحديث عن عنصرية نظامية يتطلب التقيد بالكثير من المحاذير الموضوعية. وقد وقعت هذه الواقعة في بلد معين وهي لذلك لا تعني بالضرورة جميع البلدان. ولا يتطلب الأمر بالضرورة أيضا إزالة التماثيل وحرق الكتب وإتلاف الأفلام التي يعتقد أنها تمجد ماضي تجارة الرقيق عبر العالم لأن هذه الأعمال الفنية حتى وإن كانت تتضمن هذا البعد، وهذه حقيقة، فهي تحمل كذلك أبعادا أخرى. ثم إن من غير اليقيني والحالة هذه أن يكون الحل بإتلاف هذه الأعمال أو منع تداولها ما دام لم يتم الإجماع على ذلك. ولكن الزمن الإعلامي يلغي كل هذه الاعتبارات وزمن راهنية المعلومة في الإعلام وراهنية التعليق في وسائط اللاتواصل الاجتماعي تجعل من الصعب بل من المستحيل أخذ المسافة الكافية من الواقعة وتحليلها بما يستلزمه ذلك من الهدوء والرصانة. إن اللغط الإعلامي والشعبوي وكل الأصوات التي تصدح بملء ما فيها متحذلقة للجماهير تأثر بالضرورة على قرارات القضاة فتصير السلطة القضائية مختلطة إن لم نقل تابعة للسلطة الإعلامية التي تتغول وتستأسد لتلتهم كل السلط من دونها.

إن أيا من الأصوات المكرسة التي تملأ جعجعاتها أمواج الإذاعات وشاشات التلفزيون وتملأ توقيعاتها أعمدة أعتى الجرائد والمجلات تقف اليوم شبه عاجزة عن مجرد طرح هذه الأسئلة وعن محاولة إضفاء شيء من الموضوعية على النقاش إن كان هناك نقاش أصلا. وذلك خوفا من أن تنجرف شعبيتها مع سيول الشعبوية التي أضخت تأتي على الأخضر واليابس. فاليوم لا صوت يعلو فوق صوت الصورة والتغريدة مهما كان سمكه المعرفي أو رصيده البيبليوغرافي كبيرا. إن كثيرا من المثقفين تحولوا اليوم إلى مجرد صناديق صدى للأفكار الرائجة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. والأمر يبدو كعملية ممنهجة وعنيفة لبث التسطيح والابتذال حتى بين صفوف من يخول إليهم الرفع من قيمة التناقض والعمق.

هي أسئلة تطرح في الوقت الراهن مشكلة أساسية وهي غلبة الميديا والصورة الإعلامية على وجه الخصوص في تكوين الرأي العام للمواطنين. والحال أن معظم وسائل الإعلام الوازنة حاليا في العالم هي مملوكة لرجال أعمال ولشركات هاجسها الأكبر هو تحريك الرأي العام، وتشكيل الأذواق وخلق الرغبات وزرع الأفكار لنحث نموذج المواطن دائم الاستهلاك. المواطن الذي يشتغل كثيرا ويفكر قليلا أو لا يفكر بتاتا ثم يشتغل كثيرا ليستهلك كثيرا إلى ما لا نهاية له في هذه الحلقة المفرغة. ليس المهم في هذه المعادلة أن يكون للمواطن عقل يفكر به. المهم أن تكون له عواطف جياشة: يحب ويكره ثم يرغب ويرغب ويرغب ليكون من السهل تجييشه والزحف به نحو الأسواق الممتازة، “معابد عصرنا الحاضر”.

قد يبدو للبعض أن من غير المفيد الخوض في حوار كهذا. لأن منطقتنا غير معنية بالظاهرة ولا بمخلفاتها بما أن بلداننا لا تعيش أوضاعا من هذا النوع كما أن عواصمنا لم تشهد مظاهرات كالتي شهدتها عواصم مثل باريس أو لندن لتنا صر السود وتدافع عنهم في أغلب البلدان الأوربية. ولكن الحقيقة هي أننا لسنا معزولين عن العالم وأننا أصبحنا بالفعل نعيش في بلداننا نوعا من اختلاط الأجناس الذي يلزمنا بالتفكير والعمل على تدبير خارطة التنوع الديمغرافي التي تتوجه لا محالة إلى مزيد من التعقيد. ثم إننا فوق ذلك معنيون بما نشاهد على الشاشات لأنه يسهم إسهاما كبيرا في تشكيل وعينا بالعالم كما يسهم في بناء أنماط هذا الوعي. فلا أحد يتفرج بالمجان. كل يدفع من وقته أولا. ثم يمنح فضاء من عقله جاهزا لاستقبال طرق معينة في العيش وفي التعامل مع ما يحدث حوله. تبقى مسؤولية النخب على اختلاف مجالات اشتغالها أن تعمل جادة في سبيل تكوين أجيال من المواطنين المتسلحين بالتفكير النقدي والقادرين على تحليل الأمور بالاستماع للصوت والصوت الآخر متحللين ما استطاعوا من جميع النعرات العاطفية التي يمكن أن تصم الآذان عن صوت العقل وتجر الجميع إلى تكرار مآسي تاريخية شهدها العالم من قبل وخرج منها بصعوبة كبيرة. لكنه فيما أعتقد غير مؤهل اليوم لأن يخرج من مثلها.

في انتظار أن يتحقق ذلك فمن المرجح جدا أن يتعرض لوويك، الشاب ذو الست عشرة سنة، للأذى على يد أطراف تعميها فورة الغضب الجماعي. ويمكن دون ذلك أن يعيش حياة مشحونة بالخوف والقلق من أن يتعرض لمكروه أو يمكن أن تكون النتيجة هي أن يجبر والداه على مغادرة الحي الذي شهد تكوين الأسرة واختزن أغلى ذكرياتها.

شاهد أيضاً

الأثرُ الجمالي والفن

سامي عبد العال سامي عبد العال ” ليست اللوحات الفنية جغرافيا للألوان، بل وطنٌ للجمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *