الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / كيف نقرأ نيتشه اليوم؟

كيف نقرأ نيتشه اليوم؟

قراءة في كتاب” ضيف الله فوزية ــ  كلمات نيتشه الأساسية ــ “[1]

معروفي العيد[2]

معروفي العيد

بدأت الفلسفة الِنسوية في فَضاءنا العربي المُعاصر، تُؤَّثِل لذاتها موقعة مركزية، وتُعبر بذلك عن مُكابدة أصيلة لفسيفساء الدرس الفلسفي. وفي مُقدمات هذه الُفسيفساء الفلسفيةُ نجدُ الكاتبة المُبدعة فوزية ضيف الله. فهي من الفينة لأخرى تصبو لتصميم مُدوَّنة فلسفية حوارية، تُجادل فيها النصوص الكبرى لأعلام الدرس الفلسفي الغربي المعاصر. ” نيتشه ، وهايدغر، وغادامير ، وبول ريكور”.

فالفلسفة كما يصِفُها غادامير لابد أن تكون فلسفة حِوارية لا فلسفة نسقية مُتعالية، قِوَامُها التخاطب مع النصوص التُراثية والفلسفية معاً. ولعَّل القارئ الفذ يُلاحظ هذه التوصيفة في المُطارحة التي صاغتها الباحثةُ ضيف الله فوزية، فهي حاولت بشكل أو بآخر تطعيم النُصوص النيتشوية طُعماً تأويلياً كما نجد ذلك في كتابها الهامّ:”كلمات نيتشه الأساسية”.

إذ، في هذا الكتاب: تطرح الباحثة سؤالاً هيرمينوطيقياً قابل للصراعات التأويلية المُتباينة والتفسيرات المختلفة. هذا السؤال المتمثل في كيف يمكن أن نقرأ نيتشه اليوم؟

والباحثة ضيف الله، تُدرك هذه المغامرة الجريئة إذا جاز القول، في قراءتها لنيتشه. فنيتشه ذاته سبق وأن حذر أكثر من مرة، على أنّ من يُحاول قراءة نُصُوصَه لابد أن يكون قارئاً فذاً وإلاّ فأن لا يُجازف بقراءته أصلاً. فما بَالْ الذي يكتب عنه. يقول نيتشه:” لا أؤمن بتاتاً في القُراء. فكيف سيمكنني أن أكتب لقرّاء ما؟ لكنيّ أقرأ نفسي بنفسي[3].”فما بالناَ بأنّ نيتشه يُريد لفلسفته أن تفهم؟ ألا يبدو نيتشه ممّن يكتبون نُصُوصهم محمّلين بتوقّعات “عدم الفهم”[4]؟ هذا الاعتراض الأولاني لكل من يُحاول قراءة نيتشه والكتابة عنه في الوقت ذاته.

ولقد أكّد المفكر محمّد محجوب في كذا من مرة عن لُزومية توخي الحيطة والحذر لقارئِ نيتشه. وعلى كلٍ فإنّ قراءة نيتشه تَجُرنا منذ البداية لإشكالية التفسير الهرمينوطيقيّ. وأما السُؤال الذي يطرح ذاته ها هنا: هل نحن نيتشويين بالمعنى الحرفي للكلمة لكي نحُوز على فهم نيتشه راهنا؟ وهل سنفهم نيتشه كل الفهم بقراءتنا هذه؟ أم أنّ الكتابة النيتشوية في الوقت ذاته قابلة للترحال ولا تسكن للمعنى الواحد؟

بيد أن الفلسفة التأويلية ذاتها تستدعي منّا كباحثين راغبين في الفهم أن نفهم نيتشه أكثر ممّا فهم نيتشه ذاته. أرى مبدئيا أن فلسفة الفهم بشكل عام تدفعنا على أن نضع ذاتنا على مسافة أو مبعدة على كل ما هو تذاوتي. إذ سنحاول في هذه الدراسة المقروئية استبعاد افتراضاتنا المسبقة وآرائنا الجاهزة، وهذا بلا مُراء سيتيح لنا التعرف على الملمح الرهيب الذي أسفر عنه كتاب:” كلمات نيتشه الأساسية ” وِفْقَ رُؤْيَةٍ مَوْضُوعِيَةٍ مُحَايِدَةٍ.

وتجدر الإشارة، على أننا حتى نحذق  نيتشه  كما يجب، لابد التوقف على: “خمس كلمات جوهرانية”  يذكرها نيتشه ضمن “العدميّة الأوربية”(1940) وفق التراتبية التالية : “العدميّة”، “قلب كلّ القيم”، “إرادة الاقتدار”، “العود الأبديّ للهو هو” و”الإنسان الأرقى”  وبلا شك، فإنّ الإطار العام لهذا الكتاب ينبجس وفق هذه الكلمات الخمس.  وهذا ما ترنو إليه هذه الدراسة بالدرس والتحليل.

حُري بنا ونحن نعمد إلى استجلاء حيثيات هذه القراءة الوقوف ــ على الأبواب والفصول التي وضعتها الباحثة في  كتابها هذا ـــ درساً وتحليلاً . بحيث في القسم الأوّل منه والحامل لعنوان: إرادة الاقتدار: أولى الكلمات الأساسيّة. فهي تخطو بإزائه نهجاً أركيولوجياً. ففي الفصل الأول منه تناولت التعريف الذي صاغه هايدغر لإرادة الاقتدار لدى نيتشه [5]. ويذكرنا هايدغر بنصوص كثيرة استوحاها من فلسفة نيتشه تشير بشكل أو بآخر  على فلسفة الاقتدار.

 وترى الباحثة فيما يراه ـــ هايدغر ـــ ذاته أن نيتشه هو الأخر قد تحدث لأوّل مرّة على هذه الترسانة

 المفاهمية ضمن القسم الثاني من كتابه: هكذا تحدّث زرادشت (Also sprach Zarathustra) والذي

 نشر في السنة التي تعقب نشر الفلسفة المرحة (Die Förhliche Wissenschaft)، أي سنة 1883،

 ويؤكّد هايدغر أنّ السياق الذي ذكرت فيه عبارة “إرادة الاقتدار” هو السياق الذي يمكّن من فهمها:

“حيثما ثمّة حياة، ثمّة إرادة اقتدار… ” فبحسب الباحثة إنّ إرادة الاقتدار لا تخرج عن الأفق الأولاني

 لمفهوم الحياة.

 لكن السؤال المُدوي هو : ما معنى إرادة الاقتدار في حدّ ذاتها؟

لابُدّ التأكيد، على أنَّ نيتشه في كتابه: اكتمال الميتافيزيقا والشعر(Einleitung in die Philosophie. Denken und Dichten, 1990)  أكد بصورة واضحة المعالم على أنّ إرادة الاقتدار أمرٌ بديهي لا يمكن استجلاءهُ، إنّها لا تطلب حدّا ولا تطلب الماصدق، بيد أنّ هايدغر حاول منحها الحدّ التالي:” إنّ إرادة الاقتدار هي بكلّ وضوح النزوع نحو إمكانية مباشرة القدرة، إنّها تتمثّل في أن نأمل في اكتساب القوّة”.

 بيد أن، الفاحص لفلسفة نيتشه الأول (Nietzsche I, 1961)، سيلاحظ مع هيدغر أنّ في عبارة “إرادة الاقتدار” ما يُوحي إلى كونها تتزعم وظيفة مزدوجة: أوّلا، فهي تُشير  إلى عنوان الأثر النيتشوي الهامّ  إرادة الاقتدار(Der Wille zur Macht)، وهو الأثر الذي يتفق الكلّ بكونه أثرا لاحقاً على نيتشه، أي مات قبل نشره (Nachlass).

 ثانيا، تكوّن إرادة الاقتدار الخاصيّة الرئيسية لكلّ موجود. فترمز إلى ما هو مركزيّ ضمن أيّ شيء موجود، بل تتزعم وحدها بالإجابة عن كلّ الأسئلة التي تبحث في ماهيّة الوجود. إذن، كلّ موجود هو ” إرادة مقتدرة” أو يشير إلى “إرادة الاقتدار”  .

        يرفض كارل يسبرس (Karl Jaspers) رفضًا قاطعًا ما ذهب إليه هيدغر. وهو يعترض على كل ما من شأنه الإيحاء بوجود أثرٍ يمكن نعته بالأثر الأساسيّ عند نيتشه. بناءً عليه، يرى ياسبرس أن لا أثر من آثار نيتشه يمكن أن يكون مركزيًّا. كما يشير يسبرس إلى أنّ ما يتصوّره نيتشه جوهرًا ليس في الواقع إلَّا عرضًا. لذا سيتعين على هايدغر أن يُعيد قراءة هذا الأثر من جديدٍ حتّى يتتبَّع جميع المراحل التي قطعها نيتشه عندما قاده فكره إلى استجلاء إرادة الاقتدار . غير أنّ المشكلة تكمن ها هنا في كون هذا الأثر المعتمد قد جهّزه نيتشه إلكن من دون أن يُعاين عمليّة نشره أو يسمح بها. لذلك ظلّ الأثر متكوّنًا من شذراتٍ منعزلةٍ ومنفردةٍ ولم يُعطه نيتشه بنيةً ثابتةً، إضافة إلى أنّه كان أثرًا تعدّدت تخطيطاته (من1884 إلى1888) ويُؤكد هايدغر ذاته أنّ نيتشه كان قد ساهم بتغير تخطيطه سنة 1888 تغييرًا تامًّا. لذلك أضحى هذا الأثر قابلًا للشك فيه على الدوام. فالبعض يجزم بنسبته إلى نيتشه والبعض الآخر يرفض ذلك رفضًا قاطعًا ويؤكِّد أنّه يعود إلى أخت الفيلسوف نيتشه وأحد أصدقائه. هذا الموقف الأخير يمثّله خاصّة شليشته (Schlechta). أمّا هايدغر فإنّه يُصِّر على أنّ ذلك مجرّد افتراءٍ لا أساس له من اليقين لا سيّما وأنّ هذا الموقف الذي يشكّك في وجود أثر لنيتشه عنوانه “إرادة الاقتدار”، هو موقفٌ يتناقض مع الأعمال التحضيريّة التي جهّزها نيتشه بنفسه لهذا الأثر وتتعارض كذلك مع ما تشهد به آثاره التي نشرها وبعض رسائله. ينبغي علينا إذًا أن نُعاين ولادة هذا الأثر ونستوضح اكتشافه ونقوم بسبر غوره.

ثم عرجت الباحثة، في الفصل الثاني من القسم  الأول إلى مفهُومية إرادة الاقتدار  من جهة ما هي مبدأ لقب القيم. والسؤال الأصيل الذي طرحته الباحثة يتجلى :  في ما معنى أن تكون إرادة الاقتدار مبدأ لتأسيس القيم؟  [6]

تُجيب الباحثة: “يفهم هيدغر أنّ تأسيس القيم يحتاج في قوامه أوّلا إلى عمليّة قلب جذريّة. فمن جهة أولى، تكون إرادة الاقتدار مبدأ للتأسيس الجديد للقيم، ومن جهة ثانية تكون مبدأ لقلب القيم. غير أنّ مفهوم “القلب”(inversion) ثاوِ ضمن مفهوم “التأسيس”(institution) لأنّ قلب القيم يسبق تأسيسها سبقا بالمعنى وبالمنطق. [7] “ويقدّم هيدغر أمثلة يبيّن من خلالها كيف تكون إرادة الاقتدار مبدأ لقلب القيم:[8]  

المثال الأوّل:يستحضر نيتشه شوبنهاور على اعتباره أول من اعتبر الفن كموقعة للحياة، فهو يخلص الذات من آلامها. لكن نيتشه يعترض على شوبنهاور.  ويجعل من الفنّ مُثيرا للحياة” (stimulant de la vie). إذن الفنّ عند نيتشه ليس مُريحاً للحياة بل مُهيّجا لها. نُلاحظ هنا، أن نيتشه يُزيح مفهومية ماهية الفن، ويجعل منها أداة للإثارة لا للاطمئنان.

المثال الثاني: يُجيب نيتشه عن السؤال المتعلّق بماهيّة الحقيقة كالتالي: “إنّ الحقيقة هي جنس من الخطأ الذي لا يستطيع نوع محدّد من الكائنات الحيّة أن يعيش من دونها” (إرادة الاقتدار، شذرة 493). يعني ذلك أنّ نيتشه قد أزاح الثنائيّة الكائنة بين الحقيقة والغلط واعتبر الحقيقة أمراً ثاوٍ  ضمن الغلط، ذلك يعني أنّ تحديد نيتشه للحقيقة وفق هذه الأنظمة يندرج فيما يسمّى “القلب النيتشوي للأفلاطونيّة “.

يُلفت الفيلسوف هايدغر النظر على أنّ البرهنة على أنّ إرادة الاقتدار هي مبدأ لِقلب القيم/تأسيس القيم، تندرج وفق تراتبية  الإرادة بالموجود. أي أنّ الأدلة  لا تكون مُمكنة إلاّ إذا تنصلنا من الضلال الذي يجتاح تأويلنا للموجود في كلّ مرّة. وإذا كان تأسيس القيم تشيد لما يجب أن يكون، فإنّ ذلك يُوجب علينا أوّلا النظر في ما هو كائن، أي في الموجود كما هو كذلك. فكيف نحدّد ما يجب أن يكون دون معرفة لما هو كائن؟ كيف نؤسّس قيماً جديدة قبل أن نُزيح الضلال المتمخض بالموجود؟ ألا يبدو أنّ المعرفة بالوجود فعلٌ إلزامي لكي نتجذر من الضلال الذي يسبق على تأويلنا للوجود[9]؟

تُجيب الباحثة قائلة:”  إنّ المبدأ الذي تتأسّس عليه القيم هو إرادة الاقتدار نفسها، وهذا المبدأ متعلّق بطريقة تأويلنا للوجود، لذلك يتعيّن على إرادة الاقتدار أن تعوّل على نفسها لمباشرة التجربة التأويليّة المتعلّقة بالوجود. إنّ تعيّن إرادة الاقتدار كمبدأ لتأسيس القيم محتاج في قوامه إلى أن تكون إرادة الاقتدار نفسها مبدأ لتأويل الوجود الذي يخصّها ” [10]

إن قيمة الحياة كما يراها نيتشه، تعزو في التأويل الذي نعطيه لها، أي أنّ التأويلات هي نافذة نتأمل  من خلالها إلى العالم ووفقها تحدّد وجهة وكيفيّة تمسكنا به. وبالتالي فإنّ القيم التي نأمل في تأصيلها  هي أيضا تأويلات أقحمنها نحن داخل الأشياء، بحيث إنّها ترمي في كلّ مرّة “إرادة اقتدار ما”، وتلوح في كلّ مرّة إلى أنّ كلّ تزايد في اقتدار الإرادة هو تطلّع إلى آفاق مضاعف للتأويل.

وفي الفصل الثالث من القسم الأول تتطرق الباحثة إلى مسألة في غاية الأهمية والتعقيد : وهي  الإرادة من جهة كونها انفعالاً وإحساساً ووجد، حيث يُشير هايدغر هنا بأن إرادة الاقتدار هي البِنية الأوّلانية للانفعال وتستحضر الباحثة القولة الدالة على  ذلك من كتاب نيتشه :” إذ يقول نيتشه في الفقرة 688 من إرادة الاقتدار : “تتمثّل نظريّتي في كون إرادة الاقتدار هي الصورة الأوليّة للانفعال وأنّ كلّ الانفعالات الأخرى ليست إلاّ تبلورا لها”[11]. فبحسب نيتشه إنّ إرادة الاقتدار هي الانفعال الأصلاني والأولاني أما بقية الانفعالات الأخرى هي مجرّد أشكال عن الإرادة، وهذه الإرادة هي بحد ذاتها انفعال.

لكن هايدغر يُقيم تساؤله هاهنا :  ألا يبدو أنّ هذا الإقرار النيتشوي يُوقعنا في دائرة مفرغة؟ فالإرادة هي الانفعال والانفعال هو الإرادة[12]. إذن، بأيّ معنى تكون إرادة الاقتدار انفعالاً أصيلاً  ؟ وما الذي  يجعل وجود الانفعال أمراً ممكنا نحو مطلق[13]؟

  يخلصُ هايدغر من سؤاله هذا إلى فكرة أصيلة مفادها أنّ نيتشه لا يزودْ الباحث إجابة واضحة المعالم عن هذا السؤال. فأن يكون الانفعال شكل مبتور عن إرادة الاقتدار، فذلك لا يجعلنا حائزين على استبيان ماهيّة بيّنة بذاتها عن الانفعال[14]. ومرد ذلك إلى أنّ “الانفعال” هنا يعرّف بالنسبة إلى إرادة الاقتدار، فهو لا يعرّف بذاته بل بما يمكن أن يلتصق  به ويُشير إليه. غير  أنّ الانفعال في حدّ ذاته هو “تهيّج أعمى”[15].

 وفي المُحصلة، يمكن القول إنّ تحديد إرادة الاقتدار من جهة ما هي انفعال هو وعي لما يمكن أن تختصّ به من جهة ما هي كذلك أي السعي إلى القبض بماهيّة الإرادة في فضاء مخصوص هو “الانفعال”. غير أنّ ذلك لا ينأى وعي ما تختصّ به الإرادة من جهة كونها “وجدا”(passion) أي لا يمكن أن نضع التوجيهين في الدرج ذاته فالانفعال والوجد لا يبصر إليهما باعتبارهما مترادفين أو منتمين إلى نفس المقام[16].

أما في الفصل الرابع من القسم، الأول تتناول الباحثة إشكالية : إرادة الاقتدار من جهة كونها فناً، وفيه تتوصل إلى خمس وجوه لإرادة الإقتدار  للفن كما يزمع نيتشه   ذاته[17]:

 الأول منها هو: ” الفنّ هو البنية الأكثر شفافيّة وهو البنية المعروفة أكثر لإرادة الاقتدار”  ذلك أن الفنّ هو البِنية الأولانية للإرادة.

  لكن هيدغر  يُعقب على ذلك، ويعتبر بأنّنا لا يمكننا أن نؤسّس هذه القضيّة و نعتبرها الأولى إلاّ إذا أدركنا البنى الأخرى التي تنسلخ منها إرادة الاقتدار. وحتى يكون الفنّ مألوفاً بالنسبة إلينا  يستلزم  أنّ لا يعدو أن يكون  الفن بنية معروفة من جهة كونه بنية لإرادة الاقتدار، بل من جهة كونه حالة إستيتيقيّة (Der ästhetische Zustand) أيضا، أي من جهة كونه أمرا واقعيّا.[18]

وفي هذا السياق، تغدو علاقتنا بالموجود على مأرب من الوضوح والتجليّ. بيد أنّ   استبيان وجود الموجود  متمخض  باستجلاء “ظاهرة الفنّان”، لذلك يُلاحظ هيدغر أنّ نيتشه يركّز على “الفنّان” أكثر من تركيزه على الفنّ في حدّ ذاته. [19]

ثانياً: « ينبغي أن يفهم الفنّ انطلاقا من منظوريّة الفنّان» وهنا تتوصل الباحثةُ إلى جملة  من الرؤى

 أهمها:

أ/ ـــــ  تأكيد هيدغر  على البعد الجوهراني لهذا الأفهوم في تحديد الفنّ كبنية شفّافة لإرادة الاقتدار، إذ نقرأ  مع هايدغر في الشذرة 795 من إرادة الاقتدار أنّ : “الفيلسوف-الفنّان هو مفهوم أسمى في الفنّ” . أي بمعنى الفنّان هو الذي يُولد ماهيّة الفنّ لأنّه يعيشه كواقعة وجوديّة، أي أنّه يوجد الشيء الذي لم يكن بعد ويُعايش طور ارتحاله إلى الوجود، فالعمل الفنيّ يوجد انطلاقاً من الفنّان نفسه. 

ب/ ــ الفنّ هو بنية لإرادة الاقتدار، ودور الإرادة يقبع  في  إثبات الذات وهنا يتأصل  العمل الإبداعي

في النشاط الفنيّ الذي يقوم به الفنّان. وإذا ما حلّلنا ما يمكن أن يخصصه هذا النشاط الإبداعيّ، استطعنا أن نقبض على الإبداع في معناه المطلق[20].

ثالثاً:  « إنّ الفنّ في مفهوم الفنّان هو الحدث الأساسيّ للموجود؛ والموجود هو شيء ما يخلق من تلقاء نفسه، شيء ما منتج، أو مخلوق. »  وإذا كان الفنّ هو “الحدث الجوهريّ للموجود، والموجود هو شيء يخلق من تلقاء ذاته”،وبذلك تنجرّ عنه ضرورة قصوى تتعلق بوعي الكيفيّات والتي تجعل من الوجود موجوداً بإزاء  الفنّ، أي كيف يبلغ الوجود أقصى مرتبات جوده ضمن الخبرة الفنيةّ. وحتى ندرك  هذا الأمر في رأي هيدغر  لابد الإشارة إلى نقطتين أساسيين  هما: [21]

أوّلا، ينبغي أن نوضح ما ذا نعني  بوجود موجود ما في الوجود؟ وما الذي يعنيه الموجود في الحقيقة؟

ثانيا، إلى أيّ درجة يقدر الفنّ أن يكون داخل موجود بعينه أكثر من كونه داخل غيره؟

يلُاحظ هيدغر أنّ الإجابة عن السؤال الثاني هي قابعة بإزاء الإشكالية الخامسة حول الفنّ: الفنّ له دورٌ أكثر من الحقيقة . 

معنى ذلك أنّ الفنّ من جهة كونه المحسوس ذاته فإنّه حاضرٌ أكثر من غير -المحسوس . لذلك يكون الفنّ ” لحظة أساسيّة في الوجود.  لأنّه دليل للوجود في كلّيته ودحض للعدميّة التي تدحض الحياة التي هاهنا وتتحدّث عن حياة أخرى بمعزلٍ عن المحسوس. إذّاك يعرب نيتشه عن المسألة الرابعة حول الفنّ.

رابعاً: « إنّ الفنّ يمثّل الحركة المناقضة للعدميّة بامتياز. فهو فعل الخلق وواضع للبنية، ذلك هو العنصر الفنيّ.»  في هذا المبحث تتوصل الباحثة إلى فكرة مفادها أنّ الخبرة الجمالية مُوازية لمفهوم الحياة والوجود، بل إنّها مُسوقة للفكر  ذاته.  ووفقا لهذه التراتبية تغدو الفلسفة متجذرة من الخبرة الجمالية ذاتها.[22]

لكن السؤال الجوهري الذي تطرحه الباحثة هو:  ما معنى أن يكون الفنّ وفق هذه التراتبية مُعاديا لفكرة العدمية؟ وهل العدمية وفق هذا الطرح منافية للفن ذاته؟

إذ تُجيب الباحثةُ قائلةً:” إنّ المقصود بالعدميّة هنا الفلسفة الأفلاطونيّة التي أقرّت أنّ الفكر هو دربة على الموت، أي تمرّد على الجسد وقمع لأهوائه. يسميّ نيتشه فلسفة أفلاطون فلسفة عدميّة لأنّها أولت الاهتمام الكليّ بالعالم المعقول وأدانت عالم الحسّ، لذلك كان أفلاطون يمجّد الحقيقة ويدعو إلى ضرورة طلبها وكان في مقابل ذلك يشرّع لطرد الفنّانين من “جمهوريّته” (الكتاب الثالث من محاورة الجمهوريّة). يجد قلب القيم عند نيتشه مبدأه الأوّلي ضمن إرادة الاقتدار، أي أنّه يقتضي منّا أن نريد الحياة مادامت إرادة الاقتدار تختصّ بما يختصّ به الإحساس، الوجد والانفعال. كما تتقوّم إرادة الاقتدار بما يتقوّم به الفنّ أي الإحساس، لذلك يكون الفنّ البنية الأكثر شفافيّة لإرادة الاقتدار لأنّه “أقوى مثير للحياة”. [23] وهكذا تنبثق القضيّة الخامسة حول الفنّ”

 خامساً: ”  الفنّ له قيمة أكثر من “الحقيقة ” تجدر الإشارة أن هذه القضيّة استفحلها نيتشه  في الشذرة 853 من الجزء الرابع من آثار نيتشه المنشورة بعد وفاته والمنتمية إلى السنتين 1887و1888 [24]، وتعني  بشكل جلي أن المحسوس أقرب إلى الحقيقة من المعقول. ويتحدّث نيتشه هاهنا بإسهاب عن الفيلسوف-الفنّان[25]،  على أساس هو  من يستفحل بنى الوجود من زاوية إجلاءه الكليّ. لذلك نجد نيتشه ها هنا ينبه  ويشيد على قيمة الفنّ كونه الحاضن الأولاني للحياة الإنسانوية  حيث يقول: “لنا الفنّ حتّى لا تقتلنا الحقيقة”.[26]

  وفي القسم الثاني من الكتاب والموسوم بـــعنوان العُود الأبديّ للهو هو الحمل الثقيل :  تُحاول الباحثة  تحديد العِلاقة بين إرادة الإقتدار و العُود  الأبدي عند نيتشه و علاقتهما بالأثر. وهي في ذلك تتبع  نهجاً تحليلياً أصيل. حيث تستحضر  في هذا الدراسة، أولوية النقد الذي صوبهُ هايدغر  إزاء يسبرس(K.Jaspers)  وبوملار  (A.Baeumler) فهما في نظر هايدغر  قد أغفلوا   هذه العلاقة ، وأصّروا  على  نفيها نفياً مطلقاً.

وهذا،ما نلتمسهُ، في كتاب بوملار (A.Baeumler): نيتشه، الفيلسوف والسياسيّ (Nietzsche, der Philosoph und Politiker, 1931) ، وكارل يسبرس (K.Jaspers) في كتابه : نيتشه، مقدّمة لفهم طريقته في التفلسف (1936).[27]

قبل أن نسبر غمار  هذه الدراسة، وجبَّ علينا صياغة الإشكال التالي:ما هي أهم المآخذ و الانتقادات التي وجهها  هايدغر  لكل من هما؟

1- دحض هايدغر لبوملر:

 يُؤكد هايدغر ، على أنّ بوملر  لم يفلح  في قراءة نيتشه،  إذ اعتبر   “الفكر ة الأثقل” (la pensée la plus lourde) على أنّها نمط من أنماط (الوازع الدينيّ)  متجذرة أصلاً من خبرته الشخصية السابقة.  والأكثر من ذلك، إنّ بوملر  لا يعترف بهما. 

ويُبرر بوملر موقفه هذا، بأنّ “إرادة الاقتدار هي صيرورة، الوجود متصوّر على أنّه صيرورة” ويرى أنّ هذا الأمر هو المذهب الهيرقليطي ذاته. لذلك فهو يعتقد أنّ العُود الأبديّ قد يتنافى مع ما تؤكده إرادة الاقتدار، فيفند القول بالصيرورة الأبدية مادام عودا  للهو هو.  وحُجة بوملر أنّ الاعتراف بالوحدة بين هاتين الفكرتين قد يحدث تناقضا داخل ميتافيزيقا نيتشه[28].

نحذق مع هايدغر، أنّ بوملر  يُحاول بشكل أو بأخر، إعطاء الأولوية  لإرادة الاقتدار على  حساب العُود الأبديّ لأنّ إشكالية بوملر  ها هنا تكمن في أنه فهم نيتشه خارج الإطار الميتافيزيقي،ونجده يركز على الجانب الأحادي فقط وهو كيف نفهم نيتشه فهماً سياسياً؟ كما أنّ صيرورة إرادة الاقتدار هي  على حد تعبير هايدغر  صيرورة وتحوّل للأنظمة السياسيّة. وهنا تصبح فكرة العُود الأبديّ ” للهو هو ” غير منسجمة مع التأويل السياسيّ لفلسفة نيتشه  وهذا ما تغافل عنه بوملار.  

2- دحض هايدغر ليسبرس :

أمّا كارل يسبرس، فإنّه لا يردّ فكرة العود الأبديّ إلى السؤال الأساسيّ للفلسفة، سؤال الوجود ولا يدرك هو الآخر ارتباطها بإرادة الاقتدار[29]. حيث صرح  في كتابه نيتشه، مقدّمة لفلسفته: أنّ “الفكرة المركزيّة التي تُعطي للنسق وحدته ككلّ ستظهر في إرادة الاقتدار، بحيث تحذف قطعا الاندفاعات الصوفيّة ومذهب العود الأبديّ”[30] .كما يستغرب اهتمام نيتشه بالعود الأبديّ عندما اعتبره “الفكرة الأكثر ثقلا”، ويرجع ذلك إلى أنّ هذه الفكرة هي التي تمنح موت الإله قطعيّا وتتجاوز العدميّة من جهة أنّ العود الأبديّ لا يقر  بمبدأ الغايات والأهداف[31]. يُوضح هيدغر أنّ يسبرس لا يأخذ العود الأبديّ مأخذ الجدّ، ولا تُوجد مسألة من المسائل الموضوعيّة في فلسفة نيتشه وذلك راجع في نظره إلى أنّ المفهوم في الفلسفة غير حقيقيّ، فلا وجود لمعرفة مفهوميّة البتّة.

نُلاحظ هنا أنّ هايدغر  يرفض رفضاً تاماً  هذه الأفكار ، ولكي يُثبت  العلاقة الكائنة بين  إرادة الإقتدار والعُود الأبدي،  نجده  في نيتشه الأوّل يكتب فقرة (الصفحة 24 من الطبعة الفرنسيّة)  يتحدث فيها بإسهاب عن الارتباط الوطيد بين كلمتي نيتشه الأساسيّتين،إرادة الاقتدار والعُود الأبديّ للهو هو، وعنوان هذه الفقرة كالتالي:”وحدة إرادة الاقتدار، العُود الأبديّ وقلب{القيم}”. يعني ذلك أنّ الوحدة التي تجمع بين إرادة الاقتدار  والعُود الأبديّ هي التي تتحدّد تاريخيّا من جهة كونها قلبا لكلّ القيم.

 في الفصل الثاني من القسم الثاني، تتطرق الباحثة إلى أصل ونشأة الكلمة، فبحسبها  أن الأصل الألمانيّ لهذه الكلمة الأساسيّة هو الآتي: (Die Ewige Widerkehr des Gleichen)، وأمّا الترجمة الفرنسيّة فهي كالأتي 🙁L’Éternel Retour du Même) أو(L’Éternel Retour de l’identique)، و تقترح  ترجمته إلى اللسان العربيّ  بـ”العُود الأبديّ للهو هو” وتُشير الباحثة في هذا السياق بأن الكثير  من الدارسين قد تباينوا في تحديد معنى العُود الأبدي. وبما  أنّ موضوع هذه الدراسة هو هايدغر فإنّ الباحثة  تُحاول أن  تُموقع القراءة الهادغرية  لهذا الأفهوم مع المُوازة مع قراءة نيتشه ذاته. 

بادئ ذي بدأ،  تُوضح الباحثة، أنّ  نيتشه  صاغ هذا الأفهوم  ضمن السفر الأوّل من إرادة الاقتدار على أنّه فكرة (idée)[32]،  واعتبره  في السفر الثاني من نفس الأثر على أنه فكرة (Gedanke Pensée) كما اعتبره في الشذرة السابقة ( 234) مذهبا (Lehre, Doctrine) استناداً إلى المبادئ  والمسلّمات النظريّة التي تؤدّي إليها[33].

ومما هو  غرائيبي، هو أنّ هذه الفقرة التي احتوت هاتين الشذرتين (234 و235) يعنونها نيتشه كالتالي: “العود الأبدي. نبوّة”، ثمّ يذكر في النقطة الثالثة من هذه الفقرة أنّ العُود الأبديّ هو اعتقاد (croyance)، بحيث يبحث في طرق تحمّلها وسبل لتجاوزها[34]. يذكر نيتشه في النقطة الرابعة من نفس الفقرة أنّ العُود الأبديّ يحتلّ مكانة مركزية  في التاريخ  البشري وذلك لأنّ ما يحمله المفهوم  من مكانة عرقية. [35]. أمّا في المعرفة المرحة (Die Förhliche Wissenschaft)، نجد نيتشه يتأرجح  في  تسميته.  فتارة يعتبره “مذهبا” وتارة أخرى ينعته “بالفكرة”، وفي كتابه  هكذا تكلم زرادشت يُعطي نيتشه لهذا المفهوم معنى أكثر تخصصاً وهو الحمل الأكثر ثقلا” أو “الفكرة  الأكثر اقتداراً. 

 تتوصل الباحثة إلى فكرة مفادها أن هايدغر أحدت تغير طفيف فقط على هذه التسمية  في ما دون ذلك نجده يُحافظ على نفس المعنى الذي صاغه نيتشه . إذ يستعمل هايدغر قولة “الألفاظ الخمس الأساسيّة” بدل الكلمات الأساسية، وتجدر الإشارة أنها في اللسان الألماني تعني (Die fünf Haupttitel) ، ومقابلها الفرنسيّ (les cinq termes capitaux) ، كما ترجمت عبارة (Haupttitel) إلى (Locution) ضمن اكتمال الميتافيزيقا والشعر.

أما كارل يسبرس هو الآخر،يُعطي للعود الأبديّ  نفس المعنى الذي أشار إليه نيتشه كونه مذهبا، وفكرة وتصوّرا (conception[36]ويعتبره عنصرا أصلاني  في فلسفته. لذلك يؤكّد على أنّ فهم نيتشه يتوقف بدرجة كبيرة على الإحاطة بكلّ ما قاله الفيلسوف حول هذه الكلمة تحديدا، وإن كان يعزف في بعض الأحيان عن اعتبارها أساسيّة[37].

 وفي الفصل الثالث من القسم الثاني تتطرق الباحثةُ إلى ” قراءة هايدغر لمقالات نيتشه حول العُود الأبدي” وفيه تُحدد القراءات السابقة عن كتاب هكذا تكلم زاردتشت واللاحقة لما بعد كتاب الخير والشر. وتحددها  في ثلاث  عناوين  هـي:

1ـــــــــ العُود الأبديّ في فلسفة ما قبل الظهيرة: المعرفة المرحة.

2ــــــــــ العُود الأبديّ في فلسفة الظهيرة: هكذا تحدّث زرادشت.

3ـــــــــ العُود الأبديّ في فلسفة ما بعد الظهيرة: ما أبعد من الخير والشرّ.   

 ففي العُود الأبديّ في فلسفة ما قبل الظهيرة المعرفة المرحة:  يُذكر هايدغر أنّ نيتشه صرّح لأوّل مرّة

 عن هذا المفهوم في أواخر الطبعة الأولى للمعرفة المرحة، الصّادر سنة 1882،  بيد  أنّ النصّ الأساسيّ المتعلّق بالعُود الأبديّ والذي يمثّل الشذرة  341 التابعة للقسم الرابع من الكتاب، لم يكن متداولا إلاّ ضمن الطبعة الثانية للأثر  ذاتهُ والتي صدرت في العام  نفسه ينظر في الطبعة الأولى[38].  وبذلك تصبح

“المعرفة المرحة”  على  حد تعبير  هايدغر مُرادفة للفلسفة على اعتبار أن العُود ا أبدي هو بداية لنشأة “فلسفة المعرفة المرحة.

وفي العُود الأبديّ في فلسفة الظهيرة: هكذا تحدّث زرادشت. تستحضر الباحثة شذرة لنيتشه يُصرحُ من خلالها عن هذا المفهوم حيث يقول: ” إنّ وقت الظهيرة هو وقت استواء الظلّ، بحيث يكون قصيراً جداً. كما يكون الكون شديد الضياء لكون الشمس في قلب السماء، أي أنّ شمس المعرفة بلغت أقصى امتداد لها، كما لو أنّ العود الأبديّ يسدل وشاحه على الموجود في كليّته “

أما في العُود الأبديّ في فلسفة ما بعد الظهيرة: ما بعد الخير والشرّ.  لقد نشر نيتشه  كتاب:”الخير والشرّ ” بسنتين بعد القسم الثاني(1886) من هكذا تحدّث زرادشت، ويستفحل نيتشه هذا المفهوم  في تلك الحوراية الجدلية بينه وبين زاردتشت أو ما يعرف بحلقة العود الأبديّ حيث يقول:” “هل إنّ هذه الحلقة (…) هي الإله؟ هل إنّها هي نفسها الإله؟[39]” 

وينبغي الإشارة،هنا أنّ هايدغر عدّ هذه الحلقة الخاصة بالعُود الأبديّ  لحظة أزلية  ولا يمكن حيازتها إلاّ ضمن اللّحظة، كما أنّ هذا الإله الذي يسأل عنه زرادشت لا يمكن أن يستأنف السؤال عنه إلاّ ضمن لحظة الخلود ذاتها. ألا يبدو إذن أنّ الإله والعُود الأبديّ يظلاّن أضغاث أحلام  لا يمكننا الإجابة عنهما وبالتالي  فنحن نسبح في حلقة مفرغة.

في القسم الثالث:  تتطرق الباحثة إلى مفهوم العدمية، وتقسمه إلى ثلاثة  فصول هي: الفصل الأول منه:” في معنى العدمية” و الفصل الثاني”  في معنى القيمة ” وأما الفصل الثالث: ”  العدمية موت الإله ” يذكرنا  هايدغر  في حديثه على مفهُومية العدمية بأن هذه العبارة  أول من صاغها هو  الفيلسوف جاكوبي (Jacobi) (1743-1819) في رسالته إلى صديقه فيشته (Fichte). وقد نُشرت هذه الرّسالة لأوّل مرّة سنة 1799 ضمن مراسلات جاكوبي إلى فيشته إذ تمثّل السفر الثالث من أعماله الكاملة[40].  لكن ينبغي الحذر كما ينبهنا هايدغر  على اعتبار أن ما كان يقصده جاكوبي من توظيفه لهذا المفهوم هو الوصف فقط، فهو أراد أن يُموقع فلسفة كانط وفيشته في سياق مثالي ينجرُ نحو الاكتراث بالذات والغُلو في الترستندتالية معاً[41]  .   لكن ما معنى العدمية عند نيتشه؟

 تتحدّد العدميّة عند نيتشه على أنّها فلسفة تقويضية قِوامها إزاحة “المعقُولية” في الفكر الأوروبي برمته. إذن هي”حركة مُعاكسة” لكلّ القيم السائدة سابقاً، وتتعيّن “العدميّة المكتملة” على أنّها القادرة على التحرّر المطلق من القيم الكلاسيكية والمشرّعة لخلق جديد للقيم. يعني ذلك أنّ العدميّة هاهنا هي”قلب لكلّ القيم”. كما يُعيّن العُود الأبديّ وجهة يقصدها عندما تُبيّن له أنّه قادر على إعادة خلق الإنسان في صورته الجديدة، أي “الإنسان الأرقى”.  وبإزائها يتحدد مفهوم الإنسان الأسمى. وإذّاك يغدُو  “الإنسان الأرقى مقياساً لكلّ شيء” ونموذجاً لكلّ الأشياء[42].

ما ذا نعني  بالقيمة عند نيتشه؟  

 يُذكرنا  هيدغر هنا: بأنّ الحديث عن “القيم” صار مُتواترا منذ القرن التاسع عشر.  غير  أنّ هذا المفهوم ظلّ مبهماً، ويرتد هذا الإبهام كونه متجذر في الوجود أصلاً.  غير أنّ السؤال الذي شغل هايدغر هاهنا هو :لماذا تتضارب فكر القيمة في النص النيتشوي؟ وهل الميتافيزيقا النيتشوية لا يمكن حذقها إلاّ في سياق قيمي؟

  لا يتصوّر نيتشه العدميّة إلاّ انطلاقاً من مفهوم القيمة، فتكون القيمة موضوعا ينقده لتجاوز العدميّة في حدّ ذاتها هذا من جهة.  ويُحدد نيتشه أن البحث في القيمة هو  جزء لا يمكن بترهُ إلاّ من خلال ميتافيزيقا إرادة الاقتدار التي تتحدّد بوصفها حقيقة الموجود في كليّته.

فإرادة الاقتدار هي المبدأ الأصيل لكل قيمة. وبإزائها يغدو كلّ شيء قابل للتقييم[43]. فالقيمة  عند نيتشه تتوقف على  إرادة الاقتدار  من جانب تحديدها  لماهيّة الاقتدار، ولكونها تُوحي إلى دلالة  “السيطرة  ” والتي تبدو أنّها معنى تخصّ إرادة الاقتدار ذاتها،  فتصبح السيطرة  أداة لإرادة الإقتدار[44].     

وبما أنّ القيم متعلّقة بإرادة الاقتدار،فإنّها هي من تتكفّل “بحفظ”(conservation) و”تزايد”(accroissement) درجة الاقتدار الخاصّة بكلّ إرادة  كانت [45]. والحفظ والتزايد  بحسب ــــ هايدغر ” هُما خاصيّتين أساسيّتين متعلّقتين بالحياة. لذلك تكون القيم زاوية النظر التي توجّه رؤية إرادة الاقتدار نحو مزيد من الاقتدار، وهكذا تستكمل القيم ماهيّتها ضمن مفهوم “الصيرورة” من جهة ما هو تحوّل شيء ما إلى شيء آخر، وهو ما يسمّيه ليبنتز نفسه في الفقرة 11 من المونادولوجيا “التحوّل الطبيعيّ”[46].

وفي الفصل الثالث والأخير جاء عنوانهُ كالآتي: “العدمية موت الإله” تطرح الباحثة سؤالاً مركزي ألا وهو: ما معنى أن “يموت الإله”؟ وما الذي يقصده نيتشه “بموت الإله”؟

 وتزعم الباحثة على أنّ هايدغر  لا يعتبر هذه اللفظة لفظة إلحادية بتاتاً، ولا  تُعبر عن موقف شخصي  كما لا يمكن أن تكون فكرة مضيئة لمفكّر أشرف على الجنون. بل إنّ «كلمة نيتشه “لقد مات الإله”» إنّما تشير إلى حتمية ميتافيزيقية حاول نيتشه بإزائها قرع نواقيس الميتافيزيقا الغربية طيلة عشرين قرناً. وتتبع الباحثة الحيثيات  الأولى لتجلي هذا المفهوم عند نيتشه، بدءً بخطاب المختلّ المنتمي إلى المعرفة المرحة، مرورا بحكاية السجناء المنتمية إلى المسافر وظلّه (Der Wanderer und sein Schatten ).[47]

 وتُحاول بذلك الإجابة عن ما معنى الإله لقد متى. طبعاً باستعادة التفسير  الهايدغري لهذا المفهوم

ذلك يعني فيما يراه هايدغر أنّ نيتشه  لما استعمل هذه اللفظة  كان يقصد بالمختل الإنسان الذي أضحى  مُفارقاً  عمّا كان عليه في الماضي، أي أنّ  عالم المثل صار عالما مُفارقاً للواقع بالمرة. وهذا ما جعل المختل  يُعلن نهاية الإله .

 وتحرص الباحثة بشكل كبير  على لزُومية تخطي الحيطة والحذر في تأويل هذا الخطاب حتى لا

يفهم فهماً ساذجاً، أي حتى  لا يفهم في سياق الكفّ عن الاعتقاد في الإله. لذلك فنيتشه ذاته

يعتبر أنّ هؤلاء المارقين لم تمسّهم بعد “العدميّة” ولم يفهموا أنّها قدر مميّز لتاريخ الإنسان الغربيّ.

وفي  القسم الرابع والأخير  الإنسان الأرقى والعدل، تطرق في الفصل الأول منه إلى :” من الإنسان الأخير إلى الإنسان الأرقى ”   

ما معنى الإنسان الأخير في  تصور نيتشه؟

تجيب الباحثة :” يذكر هيدغر ضمن «ما الذي يدعى فكرا؟» أنّ “الإنسان الأخير” هو اسم يطلقه نيتشه على الإنسان التقليديّ، ويعني به الإنسان الذي لا يقدر على النظر ما-بعد نفسه، أي لا يقدر على تجاوز ذاته. يبدو أنّ هذا العجز راجع إلى كون الوجود الذي يختصّ به الإنسان لا يزال مفتقدا للامتلاء، كما أنّه لم يتحدّد بعد، أي أنّنا لم نعثر عليه و لم نتمكّن من الإمساك به. فالإنسان الذي لم يتحدّد وجوده الخاصّ هو إنسان لا يعوّل عليه لأنّ ماهيّته لم تكتمل بعد” .[48]

             ثم تعرج إلى التعريف بزرادتشت نيتشه كما يراه هايدغر، وتصل إلى فكرة مركزية  أنّ زاردشت

 هو “لغزاً” لم نحذق ذلك بعد، لذلك يتعسّر علينا فك هذا اللغز . وإن تجسم زرادشت على أنّه معلّم نيتشه. فإنّ هذا التعريف يدفعنا إلى التساؤل مجدّدا: “من هو هذا المعلّم الذي يعلّم العُود الأبديّ والإنسان الأرقى؟” و”لماذا ظهرت هذه الصّورة في اللّحظات التي أشرفت فيها الميتافيزيقا على الاكتمال؟

 ثم من هو الإنسان الأرقى بحسب هايدغر؟

تُجيب الباحثة :” هذا الإنسان الأرقى هو الإنسان الذي تُناط بعهدته “فكرة العود الأبديّ” لأنّه سيكون في تقدير نيتشه الوحيد القادر على فهمها واستيعابها. لذلك يتعهّد زرادشت بتعليم هاتين “الكلمتين الأساسيّتين” في الوقت ذاته، كما أنّه لا يكون معلّم العود الأبديّ إلاّ لكونه معلّما للإنسان الأرقى. يعني ذلك أنّه يتعيّن عليه تأهيل من سيتكفّل بحمل “الفكرة الأثقل وزنا”. يشير هيدغر إلى أنّ نيتشه لا يقصد بالإنسان الأرقى كائنا لا إنسانيّا، فعبارة “Über” في الألمانيّة كما عبارة “Sur” في الفرنسيّة تدلاّن على معنى التجاوز و”الما أبعديّة”(Le par-delà). لا يمكن أن يكون الإنسان الأرقى كائنا خرافيّا، بل هو من يعطي تحديدا لماهيّة الإنسان الأخير عندما يعزم على تجاوزه  “.[49]

  أما في الفصل الثاني منه، فقد تناولت الباحثة ” مسألة  العدل كنمط  من التفكير  يختص  إرادة الإقتدار ” وفيه  تستحضر  هايدغر  دائما كقارئ للنيتشه. إذ فيما يزعم  هايدغر فالعدل” كان حاضراً عند نيتشه مُنذ بدايات تأمّله للميتافيزيقا الماقبل-أفلاطون. عند شروعه في  قراءة هيرقليطس.  ولقد ظلّت هذه “الكلمة”  تجيءُ وتغدو في فكر نيتشه حتّى في فترة زرادشت، حيث اكتسحت طابعاً شعريّاً .

وترى الباحثة أن نيتشه تحدث عن العدل” ضمن الجزء الثاني من اعتبارات لا زمنيّة (1874) وإن كان يوظفه في سياق موضوعيّة العلوم التاريخيّة (القسم السادس)، غير أنّه يصمت مجدّدا إزاء “العدل”. ويخلص هايدغر  إلى أنّ “إرادة الاقتدار” هي التي حفّزت نيتشه للتكلّم عن “العدل” عندما كانت هذه “الكلمة الأساسيّة” مُلازمة له ومُرهقة لفكره (1884-1885)، بيد أنّ ما كتبه حول هذه “الكلمة” لم تُنشر.

    ويذكر هيدغر أنّ نيتشه تساءل عن ماهيّة “العدل” في شذرة وردت ضمن تصدير لاحق لأثره المنشور سنة 1878 إنسانيّ مفرط في إنسانيّته تعود إلى السنتين (1885-1886). حيث يكتب: «لقد عرض لي لاحقاً أن أتمكّن فحسب من اكتشاف ما ينقصني حتّى الآن مطلقا، بالمعنى الخاصّ للعبارة:  بمعنى العدل. “ما العدل؟ هل هو ممكن؟ وكيف يمكن أن تحتمل الحياة إذا كان لا ينبغي له أن يكون؟ هو ذا الذي كنت أطلبه دون توقّف. لقد كنت قلقا بعمق لعدم عثوري، أينما نبشت في نفسي، إلاّ أشواقا، منظوريّات من زاوية محدّدة، وعدم تبصّر لكلّ ماهو محروم مسبقا من الشروط الأوّليّة  للعدل: لكن أين يكون التبصّر إذن؟ -التبصّر انطلاقا من نفاذ بصيرة شاسع.»[50]

                 في المُحصلة يمكن القول، إنّ كتاب فوزية ضيف الله هذا، يُعبر عن قطعة سيمفونية مُتناسقة في البناء رائعة في الأداء . وظفت فيه مجهوداً رهيباً، أضفى  هذا المجهود  فُسحة  حقيقا نية  للدرس الفلسفي الغربي، هذا من جهة.  ومن جهة أخرى قد ساهم بصورة أو بأخرى   في إثراء زاد القارئ العربي عموماً.


[1] ـ ضيف الله فوزية: كلمات نيتشه الأساسية ضمن القراءة الهايدغرية، منشورات ضفاف بالاشتراك مع منشورات الاختلاف، ط1 2015.

 [2] ــ باحث في الفلسفة الغربية المعاصرة ــ الجزائر  ــ

[3]– Nietzsche, Fragments  Posthumes XIII, 9[ 188], Cité par, Wolfgang Müller-Lauter, Nietzsche. Physiologie de la volonté de puissance, Paris,  Edition. Allia, textes réunis et précédés du Monde de la Volonté de puissance par Patrick Wotling. Trad. Jeanne Champeaux, Préface de Patrick Wotling, p.9.

[4] – يكتب نيتشه في نهاية المعرفة المرحة ، فقرة  381، ص.11، ما يلي: «  on ne veut pas seulement être compris, quand on écrit, mais encore, de manière tout aussi certaine, ne pas être compris… » Cité par. Patrick Wotling, « préface », Wolfgang Müller-Lauter, Nietzsche. Physiologie de la volonté de puissance, Paris,  Edition. Allia, textes réunis et précédés du Monde de la Volonté de puissance par p. Wotling. Trad. Jeanne Champeaux.                                                        

 ـــ ضيف الله فوزية: كلمات نيتشه الأساسية ضمن القراءة الهايدغرية ، الصفحة   45. [5]

 ــــ المرجع ذاته الصفحة 60.[6]

 ـــــــ  المرجع ذاته ، الصفحة 66[7]

ـــ الصفحة  ذاتها.[8]

             [9]ــــــــ المرجع ذاته، الصفحة 68.

[10] ـــ ينظر في الفصل الثاني  من الباب الأول.

                         [11]ــــــ  المرجع ذاته، الصفحة 75.

–  المرجع ذاته، الصفحة 76.[12]

–  المرجع ذاته، الصفحة ذاتها. [13]

– المرجع ذاته، الصفحة 77  [14]

–  الصفحة ذاتها.[15]

ـــ الصفحة 79.[16]               

ـــ  ينظر من الصفحة 93 إلى 103.[17]                

 ـــ ينظر في الصفحة 93 ــ 94. [18]               

 ــ يتظر في الصفحة  94.[19]                

 ـــ ينظر في الصفحة 96[20]              

 ـــــــ  ينظر في الصفحة 99 و 100.[21]

 ـــ  ينظر في الصفحة 100ـــــــ 101.[22]

 ـــ  ينظر في الصفحة  100 ـــ  101[23]

[24]– ينظر في الصفحة 101. 

– ينظر في الصفحة ذاتها.  [25]

ــــ ينظر في الصفحة ذاتها.  [26]              

 ــــ ينظر في الصفحة 143 [27]              

ــــ ينظر الصفحة 144ــ[28]

ـــــ الصفحة ذاتها.[29]

                                          الصفحة  ذاتها.    ــــــــــ [30] 

– الصفحة ذاتها.[31] 

                     [33] ــــــــ ينظر  في  الصفحة 154.

                   [34] ــــــــــ ينظر  في  الصفحة    ذاتها .  

                    [35] ـــــ ينظر إلى الصفحة  ذاتها

                         [36]ـــــــ ينظر  في الصفحة 156.

                         [37] ـــــ الصفحة ذاتها.

[38] ــــ ينظر  في  الصفحة 160،  161.

                           ـ[39] ـــــــــــــ      ينظر   في   الصفحة 184.

                                     [40]   ـــــــــ  ينظر    في   الصفحة  274.

  ــــ الصفحة ذاتها .[41]                  

– ينظر  في الصفحة  228. [42]

[43]– ينظر  في  الصفحة 245

[44]– الصفحة ذاتها.

           [45]   الصفجة 245.

 ــــ الصفحة ذاتها.[46]

 ــــ  الصفحة 259.[47]

 ــــ ينظر في الصفحة 275[48]

    ينظر في  الصفحة 285 . [49]

[50]          ـــ  ينظر في الصفحة 294 ـــ 295.

صراع الحضارات التقليدية مع الهوية والآخر قراءة للمفكر الإيراني داريوش شيغان

‏يومين مضت فلاسفةكتبمقالات 0

الكاتب: معروفي العيد المقدمة : قام المشروع العربي – الإسلامي على امتداد أكثر من قرن إلى الوراء، فيما عرف بعصر النهضة على أساس الإجابة عن سؤال حضاري تمحور حول التحدي الغربي : ما حقيقته ؟ وكيف نرد عليه ؟ وكيف نحقق النهضة ؟ وانتهت النهضة ، وجاءت الثورة ، وكبر …

شاهد أيضاً

فالتر بنيامين: الشخصية المدمّرة

ترجمة لينا الرواس قد يَحدث لشخصٍ يسترجع حياته١ أن يدرك أنّ معظم الالتزامات الأعمق التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *