الرئيسية / منتخبات / عامة / في الفن والتحرر: قراءة في الشرط والمعنى مع جورج لوكاتش وجاك رونسيير

في الفن والتحرر: قراءة في الشرط والمعنى مع جورج لوكاتش وجاك رونسيير

محمد العربي العياري / تونس


محمد العربي العياري

أن نكون وجها لوجه مع الواقع ’ وأن نتساءل عما هو خارج النظام ’ ذاك هو المطلوب من منطوق فلسفي يقاوم أثر الحقيقة المميتة بلغة نيتشه. ولان السؤال هو الشرط الأول في نحت مسار يكسر إيقاع النسق المهيمن ’ فان الإجابة عن الكيفيات تقترن منهجيا بالشرط الانطولوجي للتفكير في و امكان التأسيس “للغة تخاطب الروح” .

بهذا التعريف تحدث هيغل عن الفن(في أنه لغة تخاطب الروح) ’ هذا التأصيل الفلسفي يضعنا أمام ديالكتيكية الصراع من أجل نفى ما هو واقعي مهيمن ’ لغاية التأسيس لما هو ممكن بشروط العقل التأملي التحرري.هاتان المقاربتان تجعلنا نفكر في التحرر كتأصيل للموقف الثوري في الفلسفة ’ لذلك نلاحظ على امتداد المسار التاريخي للفن كموضوع ’ أنه اختار لنفسه إيقاعا فلسفيا فرض من خلاله إعادة إنتاج الحياة في أشكال فنية جوهرها الحرية والانفلات من السيطرة بمختلف أشكالها.ولعل تحول المقاربات من قبل الفن للفن عند الرومنطيقيين الى الفن كتصور للعالم بمفاهيم الحداثة ’ دليل على ذلك.

عن هذا العالم البديل حاول الكثيرون تمثل حاجة الإنسان للتحرر من خلال إعادة اكتشاف المستتر في معنى الأثر الفني ذاته مثلما فعل جون فرانسوا ليوتار لحظة إعادة قراءته كانط معلنا أفول “الجميل” لصالح “الرائع” الذي يختزل التجربة الخاصة والتي لا ترتبط فقط بذاتية الفنان بل بواقعه.

وعن هذا الواقع كتب جورج لوكا تش من داخل النظرية النقدية معولا على الفن كأمل للتحرر’ ومن خارج ثنائية الحداثة و ما بعدها ’ يحيلنا جاك رونسيير إلى لغة جماعية تكسر الهيمنة وتؤسس ما يمكن اعتباره تحررا ممكنا للإنسان.

بحثا عن التحرر’ نعيد قراءة ما صاغه هذان المفكران.

أولا: جورج لوكا تش

ارتبط اسم لوكا تش بمفهوم “التشيئ” ’ هذا الذي عبر من خلاله على واقع إنسان الحداثة الذي فقد ماهية وجوده كعقل مبدع لصالح سيطرة عقل أداتي خالص. المفهوم الأخر الذي صاغه هو مفهوم “التمزق” هذا الذي يتمثل في الانسلاخ بين الدوائر الاجتماعية والثقافية فانفصل الاقتصاد والدولة والعائلة عن الفن والعلم والقانون.بهذا التصور ’ يظهر الفن كدائرة ثقافية ويحيل هذا الطرح في جانب أصيل منه على التصور القرامشي للفن والذي يعتبره منتميا إلى المجتمع المدني ’ الضلع الثاني للبنى الفوقية بحيث يتمظهر هذا المجتمع معبرا عنه بمؤسسات خاصة إلى جانب أنه قطاع تعمل فيه الايدولوجيا كتصور للعالم وبهذا يتمظهر الفن بحد ذاته كتصور للعالم.

بالعودة إلى لوكا تش ’ فانه يتساءل عن الشروط الثقافية للتنشئة الاجتماعية الناجحة وغير المشوهة بحيث يجدها مرتبطة بمقتضيات الإنتاج الجمالي التي توجه السلوك مسنودة بقيم متبادلة عاطفيا ومعاد إنتاجها اجتماعيا .هذا التبادل والإنتاج الجماعي بربطه بالفن ’ يجعل من مساءل علم الجمال غير مقتصرة على الاختصاصيين في هذا العلم بل غير مقتصرة على من يمارسون الإبداع الفني ’ إذ أن كل فرد من أفراد المجتمع يستطيع أن يدلي برأيه في مسائل الفن والذوق بمعنى يوافق في جانب منه الطرح الماركسي بحيث يمكننا الاطمئنان إلى ما يسمى “مشركة الجمال”.

بصورة أكثر وضوحا ’ يطرح جورج لوكا تش فنا متحررا من القيود الاجتماعية كوسيلة لإعادة إنتاج قيم مشتركة جماعية تحطمت بمعول التمزق المتمثل في الترشيد الرأسمالي لنشاط العمل الذي قادنا نحو تدمير تام لإمكانيات التعبير الذاتي مما خلق انشقاقا داخليا طمس كل فرص التعبير الجمالي ’ مضافا إلى ذلك التزايد الواضح في تقسيم العمل والمتزامن مع الترشيد مما مكن من التآكل الواضح للقناعات الجماعية المشتركة بمعنى خسارة تلك المشتركات الثقافية والتي كانت تمكن من التبادل التواصلي للخبرات المجتمعية من دون صعوبات.

يصرح لوكا تش بأهمية الثقافة الجمالية التي يتداخل فيها تحقيق الذات على المستوى الفردي مع بناء الهوية الجماعية. مقاربة الذات –الجماعة هى جوهر العملية الجمالية التي تنطلق من ذات مشبعة بالفن كحرية شرط تحقيقها جماعيا كمطلب حتمي بالمعنى السوسيولوجي ’ في هذا المستوى نجد أن بليخانوف يصر على ضرورة ترجمة نتاج الفن من لغة الفن الى لغة علم الاجتماع أو ما نسميه بالمعادل السوسيولوجي للظاهرة الفنية المعطلة.

بهذه المقاربة يعلن لوكا تش على ضرورة التأصيل للفن كآلية محفزة للفعل التحرري تنظيرا على مستوى المعنى وتطبيقا على مستوى الغاية.

ثانيا: جاك رونسيير

من خارج براديغم الحداثة وما بعدها ’ يفكر رونسيير في أطروحة أساسية في الفكر السياسي والجمالي المعاصر وهى فكرة الاشتراك في المحسوس ’ إلا أن هذه الأطروحة تقوم على ثلاث وجهات نظر كبرى يهمنا منها أطروحة الدفاع عن الفن بوصفه خرقا للإجماع في اتجاه التخلص من المحسوس القائم على الهيمنة من أجل اختراع أشكال أخرى من العيش المشترك. مع رونسيير يصير الفن حافزا ودافعا من أجل الاشتراك في المحسوس وخرقا للاجماع ونقطة الانطلاق نحو تأسيس المشترك الممكن على أنقاض المشترك الكائن .بتعبير فيرا موخينا :” الفن كمحيط بالشعب “ليلعب دور الحامي من نسق مهيمن وقادح لهيمنة نسق جديد يؤسس على قاعدة المشترك في المحسوس.

بهذا المعنى تصبح الممارسة الفنية بمثابة نمط من أنماط الفعل الجماعي ’ فنجده قياسا على ذلك يقدم ترتيبا جديدا للمسألة الجمالية يسميها “الأنظمة الخاصة بالفن” ويوزعها على ثلاثة مواضع وهى : تعريف الفن وفيه إحالة على المعنى الأفلاطوني’ نظام تمثيلي للفنون وفيه عودة الى أرسطو ليصبح الفن أسلوبا للفعل والنظر والحكم ’ نظام استيطيقي للفنون يبحث فيه ومن خلاله على نمط جديد من الوجود المحسوس مثل فكرة “العبقرية” عند كانط.

بين أفلاطون ’ أرسطو وكانط ’  يتراوح القول بين عالم المحسوس وشرط السياسة وتأملات العقل ’ ورفعا للبس ’ فرونسيير لا يبحث على تحويل السياسة إلى استيطيقا ولا إنقاذها ’ بل يبحث على اختراق الفضاءات المشتركة بين السياسي والاستيطيقي ليتحول الفن إلى حافز نحو خلق فضاء مغاير للأمكنة التي تستولي عليها المنظومة السياسية الرسمية كذلك اختراع حرية من نوع أخر وتحقيق ضرب من المساواة والعدالة بين الناس .

بهذا المعنى ’ صاغ جاك رونسيير مقاربته عن الفن والتي ترفع هذا الحدث نحو مرتبة الخارق للإجماع والخالق للديمقراطية التي تناهض احتكار الحكومات للحياة العمومية.

من الذات إلى الجماعة ’ ومن التجربة الفردية إلى المشترك الجمعي ’ بهذا المعنى صيغت مقاربات رونسيير ولوكا تش حول الفن .ولعل هذه الأطروحات مضافا إليها إمكانات التأويل الانطولوجي للأثر الفني ’ بإمكانها أن تحيل على ممكنات أخرى تجعل من التحرر فعلا جماليا مطلوبا ليس لذاته فقط بل في ذاته أيضا بالمعنى الكانطي أو بوصفه تخيلا فلسفيا ممكن التحقق بشروط المعنى الجمعي المشترك للفن وللتحرر معا .

محمد  العربي العياري /تونس

Activiste83@gmail.com

شاهد أيضاً

فالتر بنيامين: الشخصية المدمّرة

ترجمة لينا الرواس قد يَحدث لشخصٍ يسترجع حياته١ أن يدرك أنّ معظم الالتزامات الأعمق التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *