الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / صراع الحضارات التقليدية مع الهوية والآخر قراءة للمفكر الإيراني داريوش شيغان

صراع الحضارات التقليدية مع الهوية والآخر قراءة للمفكر الإيراني داريوش شيغان

الكاتب: معروفي العيد

المقدمة :

قام المشروع العربي – الإسلامي على امتداد أكثر من قرن إلى الوراء، فيما عرف بعصر النهضة على أساس الإجابة عن سؤال حضاري تمحور حول التحدي الغربي : ما حقيقته ؟ وكيف نرد عليه ؟ وكيف نحقق النهضة ؟ وانتهت النهضة ، وجاءت الثورة ، وكبر التحدي الغربي ، وازداد وظل السؤال يراوح مكانه، بل حلّ الحديث عن السقوط وأسبابه محلّ الحديث عن النهضة وسبلها ، وفكرة ما الثورة الدينية للمفكر الإيراني داريوش شيغان ، محاولة تندرج ضمن هاته الإشكالية الحضارية، إلا أن داريوش شيغان يلج الموضوع من زاوية ورؤية جديدتين تعتمدان بالخصوص على :

ا/ توسيع إطار الأنا ” الحضارية ” فلم تعد هذه الأنا مقتصرة على العرب والمسلمين ـ بل اتسعت ورحبت لتشمل كافة الحضارات التقليدية أو مسمّاه شيغان ” التجمع الروحي الواحد”.

ذلك أن الحضارات : الاسلامية والهندية والصينية تتميز على الرغم مما بينها من اختلافات بتجانس بنيوي في تجربتها الميتافيزيقية ، وقد أبان شيغان على هذا التجانس اعتمادا على المنهج المقارن يرتكز على ما يعرف في مجال الفلسفة المقارنة بـــــــــــــــ” المماثلات التناسبية les analogies de rapport  “

ب/ اعتماد رؤية حضارية شاملة للكوكبين الثقافيتين الشرقية ، والغربية ـ لان الحضارة ” ككل  مفصل لا يحتمل أي فرز ، فالأجزاء لا تتحرك بمعزل عن الكل ، وهذا الكل له منطقه الخاص  وقانونه ومقولاته الخاصة “.

والإشكالية التي اخترتها في  ورقتي  هاته هي :

ما موقـــف داريوش شيغان من الحضارات التقليدية ؟ وما طبيعة هذا التحدي ؟ وهل انهارت هاته الحضارات التقليدية في مواجهة التحدي الغربي ؟ وما هي أسباب  هذا الغياب والانهيار الفكري ؟ وما هي أفاق التحاور بينهما ؟

1– الثورة الدينية وأزلية اللاحوار بين الأنا والآخر

ا/ النرجسيات الدينية الكبرى

      الثورة الدينية محاولة تخصّ مسار الادلجة الجارية في صلب الحضارات التي  نسميها تقليدية ، وهو مسار يميز وضعها التاريخي الراهن ، فهذه الحضارات تعيش مرحلة انتقالية بين حدث هو في طور الأعداد ، ولكنه غير معلن بصفة صريحة ، ونظام روحي يهتز ولكنه ما انهار بعد نهائيا ، ولن يتجدد أبدا على شاكلته الأصلية .

فهذه الحضارات تعيش إذا في مرحلة ألما بين بين ،  بين ماضي لم يعد قادرا على حلّ الأزمة الراهنة وبين الحاضر الذي  لم  يأتي بعد ويقصد داريوش شيغان * بهذا التصور : ” أن الحضارات التقليدية بما في ذلك الحضارة الاسلامية والهندية والصينية أنها  وقعت  تحت التغرب اللاوعي إذ يقول في هذا الصدد إن التغرب يأتي من كوننا لم نع النقلة المحتومة التي عشناها ونحن ننغمس في شبكة الكوكبية لعالمنا ؛ فلم نتفطن إلى ذلك التنافر الكامن ، ومن كوننا كنا نبحث عن أسباب التفاوت بيننا وبين الغرب في الوقائع الخارجية ، عوض البحث عنها داخل بنينا الذهنية ، وهكذا فان التغرب يظهر في آخر المطاف في مظهر وعي مزدوج الزيف يشوه في الوقت نفسه الأفكار المفروضة علينا والتي ندعي فهمها كل الفهم ، وتلك الخاصة بنا التي نرغب باسمها في التخلص من الأفكار الأولى ، ويمان تاريخ هذه الصيرورة لا ينتسب البتة إلى ذاكرتنا الخاصة ، ويمان أساس الذاتية والركيزة الانتربولوجية الذي قامت عليه ، قد تشكل منذ القرون ، بالمقارنة مع رؤيتنا الدينية المركزية للعام انعطافا رئيسيا وتحول جذريا للمسالة الأنطولوجية ، فإننا لنستطيع معرفة آلياته من دون التسلح بالنظرة نقدية ، إزاءه  ولا نستطيع من ثم إلا الخضوع له ، وان هذا الخضوع السلبي لطغيان بنية تفرض نفسها  دفعة واحدة على أذهاننا هو التغرب عينه [1] نفهم من هذا حسب شيغان أننا بقينا في ضياع بين عالمين – فمن حيث الشكل فلقد فرض علينا كما يقال في عالم الموسيقى ان نعزف لحنا أحادي النغم على آلة مخصصة للموسيقى ؛ أما من حيث المحتوى فبقينا في مستوى الدين  أي أننا مازلنا ننهل من الجوهر السحري الديني لذاكرتنا الجماعية . وعليه إذا كان الشكل الطاغي لتحولات الفكر الغربي الأخيرة عبارة

عن بنية إيديولوجية اختزالية ( لنترك جانبا حركة التجاوز التي نجدها لدى مفكرين الكبار ، وإذا كانت هذه البنية إضافية إلى ذلك وعيا زائفا ، فان التقاءنا المحتوم بها لم يرشح فينا فقط هذا الوعي الزائف أللذي استوعبتاه في شكل معلبات إيديولوجية ، ولكن أفضى بنا أيضا إلا أن نزيف ارثنا الروحي )[2].

بـــــــــــــــــــــ/ أسباب الانهيار البني التقليدية ومأزق الحوار

يرى داريوش  شيغان أن سبب انهيار البنى التقليدية ، في  مشاركتها للحوار مع الأنا والآخر، هو ذلك الحدث الهائل أو بمّ  سماه السكون الميتافيزيقي ، فمن ناحية حسب  رأي  شيغان نجد الحضارات الكبيرة الغير الغربية بحكم مخزونها الروحي الكبير، قد  بقيت منفتحة على لغة الأساطير العتيقة ويمان هذه الأساطير لا تجد لها في العلم المحيط ” محلا ” موضوعيا ، فإنها تنطوي على أفق المعتقدات الدينية الخصوصي وتكون بذلك دائما عالما منفصلا .

ومن جهة أخرى فجاءت الخطابات السياسية من ناحية أخرى تنتشر أكثر فأكثر ، وتمس الكوادر كما تمس قطاعات من الجماهير المحرومة  تتسع يوما بعد  يوما ، ولا يستطيعا  هذان المستويان الثقافيين اللذان يملك كل واحد منهما نمط خاص  في تمثل العالم ، التواصل من دون أن  يعنف احدهما الآخر ، وهكذا فعندما تنتفض ديانة كالإسلام وتروم المطالبة بحقوقها محاولة القضاء على مؤثرات الحداثة التي  تعتبرها  مشئومة فإنها تفضل لسبب بسيط ، هو أنها تمرر البنى التقليدية عبر المؤشر المشوه للمرايا لمهمشة ، بحيث أن  أشكال الهجينة التي  تنتج عن هذه العملية لا تزيد  للأسف ، وكذلك وجهة نظر الروحية التي  تتحكم في هذه البنى قد ضاعا نتيجة انهيار هذا العالم ، فان آلهة هاته الحضارات لا تستطيع أن تتجلى في إطار اجتماعي – سياسي إلا أنها متخفية وراء أقنعة تاريخية متنكرة وهذه الظاهرة الخادعة هي التي نسميها اغتراب اللاوعي .[3]

جـــ/ مكر الحداثة : بداية نهاية موقوفة

      يرى يوسف محسن في مقال نشره سنة2010 الموسوم بالحوار المتمدن ” أن الحداثة  قد قامت على ثلاث  إيقونات فلم تكمل دلالتها في الفكر والممارسة للمجتمعات التقليدية ، ممّا يؤدي إلا أن تعيش هذه المجتمعات ثنائية المعرفة في صدمة الحداثة ومكرها ”  ويبرهن موقفه هذا براي  محمد  سبيلا الذي اعتبر انه عندما تصطدم الحداثة بمنظوماتها التقليدية فإنهما تولد تمزقات وتخلق تشوهات ذهنية ومعرفية وسلوكية ومؤسسية – فضلا عن خلق حالة فصام وجودي ، حيث أن هذا الوعي الفصامي يؤدي إلى صراعات متعثرة فمرات ينتصر التاريخ ومرات تنتصر التقاليد ومرات تنتصر الحداثة [4].

 وانهيار العالم الإسلامي تجاه الهيمنة الغربية قد تميز بمرحلتين :

1- سلطة الماضي  

2- و اشكلة التحرر من الماضي

      يقول الجابري في هذا الصدد :” إن ميكانيزم ” الرجوع إلى الأصول ” سواء في النهضة العربية الأولى التي قادها الإسلام أو النهضة الأوربية الحديثة ما كان يمكن أن يتخذ شكل الرجوع إلى الماضي من اجل تجاوزه هو والحاضر إلى المستقبل لولا غياب الآخر أي  التهديد الخارجي وخصوصا عندما يكتسي بشكل التحدي للذات المغلوبة ، لمقومات وجودها وشخصياتها ، يجعل هذه الأخيرة تحتمي بالماضي ؛ أي تنكص إلى الوراء وتتثبت في مواقع خلقية للدفاع عن نفسها انه ميكانيزم للدفاع معروف تعمل الذات ، فردا كانت أو جماعة على الدفاع عن نفسها بواسطة ضد الخطر الخارجي ، وهو يختلف في طبعته وتوجهاته وإستراتجيته على ميكانيزم النهضوي ، على الرغم من اشتراكهما في الاتجاه إلى الماضي في ميكانيزم الدفاع تلجا الذات إلى الماضي وتحتمي به لتؤكد من خلاله وبواسطته شخصيتها ، ولذلك يعتمد الإنسان على تضخيمه وتمجيده ما دام الخطر الخارجي قائما ، أما في ميكانيزم النهضة فالإنسان لا يطلب الماضي لذاته بل يختزل في أصول يعيد إحياءها ، على صعيد الوعي ، بالصورة التي تساعد على تجاوز الماضي و الحاضر ، وعلى صعيد الوعي كذلك ، والانطلاق إلى المستقبل، تفكيرا وممارسة [5]

     ويذهب شيغان إلى نفس التصور بالقول :” هكذا تعيش الحضارات الغير الغربية في زمن جذرين او مثالين : جذرها والجذر الناجم عن الثورات العملية الكبرى والمعرفة الحديثة في نظر فوكو ، والحال كيف سيتكيف الإنسان أللذي يعبث في عالم تتجاذبه فيه المثل والنماذج المتعاكسة ، ويتوافق مع حالة الأمور هذه ، دون ان يعاني خطر الوصول إلى مسالك عبثية ،مستحيلة ؟  كيف يحتوي الموجة التي  تقتحمه من كل الجهات ؟ ذلك لان تصادم الجذرين يتضمن في الصميم أيضا الصراعات التي تعارض الحداثة والتراث ، بقدر ما تعارض المتفاوتات الوجودية الفنية والجمالية ؛ فمن جهة تبدل قفزة نوعية ، تقدم وتحول ، ومن جهة ثانية جاذبية اجتماعية ـ جمود تقليدي تحجر فكروية احترابية ، بل يوجد أيضا تواز معاكس من الوجهة التاريخية ” [6]

    ولكن داريوش شيغان لا يقف عند هذا الحد للصدمة الحداثة على البنى التقليدية  ،ففي نظره أن الحداثة   قد احدثت اختلالات ، تصدر عن تفاوت وجودي ontologique  ، فقد فرضت نفسها بنى الحداثة على كل الثقافات المعمورة ، وألحقت أضرار بكل المجالات ، وانتهى بها الأمر إلى التغلغل في جهازنا الإدراكي ، لقد صارت نظرتنا تاريخية مثلما قامت مقام ثقافتنا في الماضي الوسيط ، العلوم الإنسانية المنحدرة هي ذاتها من ارتجاجات معرفية كبرى في القرن التاسع عشر ، لكن هذا التغلغل لم يكن حصيلة فكر واع : فقد جرى اكتساب العلوم الإنسانية دون أن يعاني من  داخل المسار الذي ولدها فان عاقبة هذه الحلقة الناقصة ، وخيمة وخطيرة – وهي  تزداد تفاقما بقدر ما يكون الوعي أللذي لم  يتبدل داخليا ” متأخرا عن الحداثة فهي بدل من أن تنير الوعي ، فأصبحت تعميه وتبدّله والسبب في ذلك أن هذا الغياب الكامل للوعي ينعكس سواء في المعتقدات آم في مستوى العادات  ،فهو يشكل على مستوى المعتقدات نوعا من واقع غيبي ، متميز في أن من واقع اللاواقع ” واقع غيبي يقبل بلا وعي، بوصفه هوية الأمة ” ومثال ذلك أن الحداثة تأتي منبثقة من سياق تاريخي آخر ، لتركز بالتحديد على هذا الواقع الغيبي شبه المتحجر أللذي يترجم نفسه أيضا من خلال كتلة الضاغطة للتقاليد والعادات المتأصلة ، وما هذا بشيء آخر سوى التبلور الاجتماعي لهذا المجال العقلي من هنا عدم قابليتها للاختراق من جانب أي تغير [7]

2/ التحدي المعاصر وغياب الأنا أفكر ”  cogito”

نريد أن نتحدث هنا على منسميه بــــ ” التصدي المعاصر ” أللذي أفضى ولا يزال في آسيا إلى تغيرات فكرية ملحوظة –كما نريد إعلان الأسف الشديد لظاهرة غياب الهوية ، التي تهدد الحضارات التقليدية بالخطر ونروم كذلك على إسماع آهاتنا وأننا ونحن تحت وطأة هذه الحياة المزدوجة المريضة ، أي تحت وطأة هذا التناقض الوجودي الناتج عن صدام جانبين متفاوتين يدفعان إلى التصدي إلى سلوكيات غير مدروسة وردود أفعال غير متفوقة ، وبالتالي فهما في إطار هذا الخلط والصدام ، يمزجان لنا التفكير العلمي مع العرفان ألشهودي بنفس الدرجة التي يزلزلان بها العرفان عب  تفسيره تفسيرا علميا .

  • ولكن نرى ما هو المراد بالتحدي ؟ أليس هذا التحدي قوة تنتصب أمامنا وتتحدنا وتدعونا إلى النزال ؟ إلا يوجد في هذا عصر أجنبي ينبغي أن يلاحظ في واقعنا ويحسب له حسابه ؟ العنصر الأجنبي أللذي يطالبنا لمجرد كونه أجنبي أن نعيد التوازن المختل إلى نصابه ؟

ولهذا كلما كان التحدي أقوى  كانت الجهود اللازمة للتغلب عليه اكبر وأصعب ، وكانت الواقفة اللازمة للتحليل الواقع ، ومعرفة قوى الفاعلة والوسائل الضرورية للانتصار على هذا التوتر ، أكثر أهمية وضرورية في الانتصار على أي تحدي أو أزمة – لهذا فان الاحتكاكات والصدمات والحوارات والنهضات التي تنفتح وتزدهر داخل إحدى الحضارات هي بالنسبة لصانعيها والمتأثرين بها ومستلهميها والمستفيدين منها ، كانت يقينا في حكم التحدي ، وكانت إلى ذلك سببا في حريتهم وازدهارهم وتفعيل طاقتهم الخلاقة ، ولهذا يعود ” جون سكوت أريجين ، الوجه الرئيسي في النهضة الشارلمانية حيث استطاع بناء تركيبية جزئية من الفكر الأفلاطوني المحدث والديانة المسيحية … تركيبة  تقوم على جميع ألمساكي السابقة للآباء اليونانية ، والتي ما كان لها  أن ترى النور إطلاقا لولا أن أفسح التياران اليوناني والمسحي رغم التباينات الكبرى بينهما ، المجال لظهور التجارب الروحية لدى الإنسان ” [8]

 ا/  مفهوم التحدي     

    المراد بالتحدي المعاصر، نقطة تقاطع بين مجموعة من المفاهيم الأساسية التي خضعت منذ نشأتها حتى اليوم، لمجرى من التطور ، محدد بدقة ، وشكلت ، على أساس ذلك ، جوهر الفكر الغربي بالذات.[9]

بــــ/ أشكال التحدي:  وعجز الأنا في التواصل مع الأخر علميا وتقنيا

    يقول داريوش شيغان : ” إننا بطبيعة الحال ، لم نأنس بعد بالتقنية كما ينبغي ، ولا يوجد تطابق وتلاؤم جيد بين شيئية الشيء والمقولات التي  تمثل ميزان أعمالنا ، وقد تكون في أفكارنا وتصورتنا نسبة من التفكير الاساطيري الشاعري – يغير شكل الأشياء ، ويظهر لنا كــ ” ألعوبة ” أكثر من كونها شيئا مفيدا ، وربما لهذا السبب ترانا نحن الشرقيين باستثناء اليابانيين متراخيان في فاعليتنا التقنية إلى هذه الدرجة ، ولكن من جهة ثانية ، ترانا نحن اللذين أيقظتنا أجراس خطر قرعها مفكرون غربيون حذروا من مغبة الحداثة والنزعة الصناعية ، و استخفتنا الاحتجاجات التي زلزلت المجتمعات في كل أنحاء العالم ، محذرة من القيم العلمية – التقنية بدأنا شيئا فشيا نسال عن الهوية الثقافية والقيم التراثية الخالدة ، ورحنا نقتنع إلى حد ما بان الأمور كان يمكن أن تنحوا منحى آخرا وتكون على شاكلة مختلفة ، ومع كل هذا فما أللذي اجتر حناه لمعالجة الموقف؟ لا لشيء ! انما نكرر الأخطاء السابقة ربما لو تعلمنا من تجارب الناس اللذين نقلدهم ، أو إذا كنا أوفياء لذكرى أسلافنا ، لبقينا بعيدا عن تجرع سموم الإخفاقات ، ولكن ، كلا ، نحن متسرعون في أن نسبق حتى أولئك اللذين يستعجلون بلوغ مقصد لا احد يعرف عنه أي شيء [10]       

     ويقول مالك بن نبي في هذا الصدد : ” …. إن التاريخ يثبت لنا عالما مبنيا في الأصل على القيم المقدسة يميل دائما إلى نزع الصفة المقدسة عن مبادئه كلما أوغل المجتمع في المرحلة الثنائية من دورة الحضارة ، مرحلة امتلاك ناصية المشاكل التقنية والتوسع وربما آمكن تفسير هذه الظاهرة بإحدى طريقتين : فهي في منظور الاقتصاديين تقدم ، وهي في منظور المؤرخين الفلاسفة إهدار طاقة في منعطف شيخوخة “[11]  هذان التفسيرات المتعارضين يتلاقيان في حتمية قانون تحول الطاقة الذي يحكم التاريخ كما يحكم الفيزياء وللذي يقرر بأنه لابد من سقوط طاقة كامنة لإنتاج العمل .

لذا إن سائر الأفكار ” سواء التي تختص بالإطار الأخلاقي أو التي تتحكم بالإطار المادي لها لحظة إشراق فلحظة ارخميديس عندما تطلق صرخة الفرح لدى دخولها العالم  الثقافي ، وصرخة موسى إذا أنسى نارا وصيحة باسكال حين دعي الضمير المسيحي إلا تذكرها في روائع الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر نار …. فرح  دموع الفرح ، وفي صيحة نيتشه عندما اكتشف قانون العود الأدبي ” [12].

لذا يقترب كل من مالك بن نبي ، و داريوش شيغان في هذا الطرح الميتافيزيقي المقحم بالدعوة إلى الجانب المادي فالأفكار بالنسبة إليهم لن تتحقق إلا بحضور الجانب الإبداعي  المتمثل في المادة وذلك  حتى يتحقق البعد الإنساني للإنسان.

  و بذلك حاول مالك بن نبي إعطاء ميلاد جديدا للحضارات التقليدية بما في ذلك المجتمع الإسلامي  فقال:” لا تقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء ، بل بقدر ما فيه من أفكار “[13]

 وقد  حاول مالك بن نبي تفسير الوضع الراهن أللذي ألت إليه المجتمعات التقليدية من خلا ل تقديمه أمثلة  التي كانت هاجس الصراع الإيديولوجي والعقائدي فقال :” وقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة ، كان يحدث فيضان أو تقع ، حرب فتمحو، منه عالم الأشياء محوا كاملا ، أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقت ذاته ، أن فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الحرب ماحقا أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فانه يكون قد أنقذ كل شيء ، إذ انه يستطيع أن يعيد بناء عالم الأشياء “[14]

ومثال ذلك حسب مالك بن نبي الألمان التي مرّت بظروف ذاتها ، كما تعرضت روسيا أيضا لبعضها إبان الحرب العالمية الأخيرة ، ولقد رأت الدولتان ؛ وبخاصة ألمانيا – الحرب تدمرا لعالم الأشياء ، ولكن سرعان ما أعدت بناء كل شيء وذلك بفضل رصيدهما من الأفكار

هذا البناء هو ذاته نوع من العمل المشترك أللذي يقوم به مجتمع معين ، ولقد رأينا فيما سبق أن إتمام هذا العمل ضربا من المستحيل ، ما لم تكن هنالك شبكة من العلاقات التي تنظمه ، وتجعله سبيلا إلى غاية معينة يقول في هذا الصدد مالك بن نبي : ” ففاعلية الأفكار تخضع إذن لشبكات العلاقات ، أي أننا لا يمكن أن نتصور عملا متجانسا  من الأشخاص والأفكار و الأشياء دون هذه العلاقات الضرورية ، وكما كانت شبكة العلاقات أوثق كان العمل فعالا مؤثرا

لذا يختم داريوش شيغان هاته الدراسات بنظرة مفادها أننا فعلا نعيش في اغتراب اللاوعي بين ألانا وبين الأخر أيضا يقول: كنا نريد من جهة أن نقيم حوار مع الحضارات المسماة تقليدية ، والموضوعات إزاء التحدي الغربي في الوضع التاريخي أللذي نحن فيه ، ومن جهة أخرى أن نحاول القبض على روح اخر للتحولات في الحداثة التي تخضع في النهاية لجميع مؤثراتها تزداد مهمتنا صعوبة لانها تصطدم بعقبتين : استلاب متزايد حيال الذات وحيال القيم الكبرى التي كانت تتمحور حولها نظرتنا الى العالم ، يلي ذلك عدم إدراكنا إضافي لروح الحضارة الغربية عقبة ، مزدوجة تتمثل غالبا على صورة ما اسميه : وهما مزدوجا : فمن جهة نعتقد أننا نحافظ على هويتنا الثقافية ، ومن جهة اخرى نعتقد اننا داخلنا في روح الحداثة  ” [15]

 ج/ أفاق وإمكانية تحقيق الحوار بين ألانا والأخر  

يقول شيغان :” انه ما تعلمته في هذه النهاران المليئة الغنية تعلمت بداية أن الشرق والغرب اللذين لم  نتوقف عن الرجوع إليهما خلال هذه الأيام هما، بالتأكيد مجالان ثقافتين وجغرافيين لكنهما أيضا ، نمطان مختلفان في النظر إلى الأشياء والإحساس بها ، يوجد بيننا شرقيون ، وتعلمت أيضا أن احد الشروط الأساسية في فلك الحوار ربما يكون الحب ، حيث الانفتاح لا يكون فحسب على الأفكار الأخر ، التي قد تكون موضع الاختلاف ، بل على هذا الوجودي في الإنسان الذي سمّاه باسكال :” عظمة الشرط الإنساني وبؤسه ” [16]

ويقول أيضا :” إنني أدرك لماذا تكون السياسة كبيرة الأهمية بالنسبة للبعض ، كما تكون المعرفة الروحية والصمت هي ، كما ترون أشكال التعبير المختلفة عن هذين العظمة والبؤس إياهما في الشرط الإنساني ، كيف ننكر أهمية السياسة وهي لا تنفك تربكنا بكل أشكال السيطرة والمناورة ؛ في حين أنها تستولي على كياننا برمته، وتجعل منا بشرا ببعد  واحد؟ وكيف لا نحب العرفان وهو الباقي أملا ووحيدا بالخلاص حيث تتساقط القيم كتفاحات مهترئة ؟ وكيف لا نبحث عن الصمت بعد الحوار في حين يبدو الصفاء المشعّ أللذي يضيء ظلال البشر ؟ يمكن أن نبدي من الاستلطاف لأحدهما أكثر مما نبديه لغيره لكننا لا نستطيع أن ننكر تعايشها ، وربما ما يدري تنافرها على مختلف مستويات الكائن ولكن ألا يمكننا أن نتحاور دوما ؟ حين رفض ماركس بكلامه التعبوي المؤثر ، على استلاب البروليتاريا أللذي هو استلاب الإنسان؛ وحين تكلم ماركيز على تخيل الإنسان وتوحشه في المجتمعات الصناعية ؛ وحين رثى ادورنو لحال تقهقر الإنسان إزاء الطبيعة بما يشبه الوقاية الذاتية الجامحة …….وكمان اجتماعنا هو ترف غير لائق ، وما ينعكس هنا الصعيد هنا على الصعيد الاجتماعي داخل حدود البلد الواحد، هو أيضا صورة لما يجري بيننا وبينكم وبين ذويكم ، بيننا وبين ذوينا ، بين معظم البشر ، بين مختلف التخمين ، والمعذبين على هذه الأرض ، ولأنه من الصعب على البشر أن يعرفوا انه ما من رابح وما من خاسر ، ولا منتصر ، ولا من منهزم ، لا رجعي ولا ثوري  في هذا العالم الزائل بل ليس فيه سوى لحظات  نادرة وأصيلة يصاب فيها البشر ، بالألم ، وهذا الألم هو أللذي يجعل من متعارضين رافضينا الرفض هو أللذي يجمعننا وجوديا ويستشهد داريوش شيغان بالبروفيسور هنري كوربان وهو يسرد رسالة بارسيفال parsifal  :” اليد التي تسبب لنا جراح هي ذاتها اليد التي تشفيه “[17].

وقد ذهب الى نفس  هذا التصور المفكر العربي مالك بن نبي  :  ” أن أساس كل ثقافة هو بالضرورة تركيب وتأليف لعالم الأشخاص ، وهو تأليف يحدث طبقا لمناهج تربوي يأخذ صورة فلسفة  أخلاقية ؛ اذن فالأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية هي أولى المقدمات في الخطة التربوية لأية ثقافة ” [18]

قائمة المصادير والمراجيع

ا/ المصادر

1- داريوش شيغان : ما الثورة الدينية ؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة ، ترجمة وتقديم : د / محمد الرحموني ، مراجعة د/ مروان الداية ، دار الساقي ط1 2004.

2- داريوش شيغان : النفس المبتورة ، هاجس الغرب في مجتمعنا  دار الساقي ،ط1 1991.

3- داريوش شيغان : الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية ، ترجمة حيدر نجف ، دار الساقي ، ط1 1991.

4- داريوش شيغان : أوهام الهوية ، ترجمة ، محمد علي مقلدّ ، دار الساقي ط1 1993.

ب/ المراجع

1- محمد عابد الجابري :إشكالية الفكر العربي المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ط1 1989.

2- مالك بن نبي : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ، ترجمة الدكتور : سالم بسّام بركة و الدكتور احمد شعبو ، إشراف وتقديم : المحامي عمر مسقاوي ، دار الوعي للنشر والتوزيع ط11 2012.

3- مالك بن نبي ميلاد مجتمع : ج1 ترجمة : عبد الصبور شاهين باشارف ندوة مالك بن نبي ، دار الفكر دمشق ، سورية ، ط1 2013.

4- مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، دار الفكر،  الجزائر ،ط4 ،1983.


*داريوش شيغان مفكر إيراني ، ولد سنة 1935 م  وتتلمذ على يد المستشرق الكبير هنري كوريان ، درسّ في إيران وانجلترا وسويسرا وفرنسا فحصل على دكتورة دولة في باريس سنة 1968 م ، عن بحثه ” الهندوسية والصوفية ، وبعد ذلك شغل كرسي أستاذ في الفلسفة المقارنة ، في جامعة طهران ، كتب بالفارسية والفرنسية ومن أهم مؤلفاته المنشورة بالفرنسية :

1- réligions et philosophies en inde 1967.

2-idoles mentales et mémoire origimeelle 1976.

3- la asie facea loccident 1977.

انظر في كتاب داريوش شيغان : ما الثورة الدينية ؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة ، ترجمة وتقديم : د / محمد الرحموني ، مراجعة د/ مروان الداية ، دار الساقي ط1 2004 ، ص ص  10/11

1- المصدر نفسه ، ص 171

  •  المصدر نفسه ، ص 172[2]

 المصدر نفسه ، ص 21/22[3]

4/- يوسف محسن: داريوش شيغان مكر الحداثة ، الحوار المتمدن-العدد: 2924 السنة 2010

 5 د/ محمد عابد الجابري :إشكالية الفكر العربي المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ط1 1989 ، ص ص 25/26

 6-  داريوش شيغان : النفس المبتورة ، هاجس الغرب في مجتمعنا  ، دار الساقي ،ط1 1991 ص 65

  المصدر نفسه ، ص ص 76/ .77[7]

 8-  داريوش شيغان : الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية ، ترجمة حيدر نجف ، دار الساقي ، ط1 1991 ، ص 8

 9- داريوش شيغان : أوهام الهوية ، ترجمة ، محمد علي مقلدّ ، دار الساقي ط1 1993 ص 10

10-  داريوش شيغان : الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية ، مصدر سابق ص 20.

11– مالك بن نبي : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ، ترجمة الدكتور : سالم بسّام بركة و الدكتور احمد شعبو ، إشراف وتقديم : المحامي عمر مسقاوي ، دار الوعي للنشر والتوزيع ط11 2012 ص 60

12- المرجع نفسه ، ص 61

13- مالك بن نبي ميلاد مجتمع : ج1 ترجمة : عبد الصبور شاهين باشارف ندوة مالك بن نبي ، دار الفكر دمشق ، سورية ، ط1 2013 ص 38

 المرجع نفسه ، ص 38 [14]

 داريوش شيغان : أوهام الهوية ، مرجع سابق ، ص ص 35/ 36[15]

16-  المرجع نفسه  ، ص 31

 المرجع نفسه ، ص 32/33/34 [17]

 مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، دار الفكر،  الجزائر ،ط4 ،1983 ص 63[18]

شاهد أيضاً

فالتر بنيامين: الشخصية المدمّرة

ترجمة لينا الرواس قد يَحدث لشخصٍ يسترجع حياته١ أن يدرك أنّ معظم الالتزامات الأعمق التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *