الرئيسية / ترجمة / هارفي ك. مانسفيلد: مسألة النزعة المحافظة

هارفي ك. مانسفيلد: مسألة النزعة المحافظة

Harvey C. Mansfield, Jr. The Question of Conservatism


جميلة حنيفي

ترجمة جميلة حنيفي*

   هارفي كلافلن مانسفيلد (المولود 1932)، من الفلاسفة السياسيين  الأمريكيين، ينتمي إلى المحافظين الجدد، تأثر بالفيلسوف لِيُو شتراوس، وهو مشدود من جهة إلى فضائل المؤسسين الأمريكيين الأوائل، ومن جهة أخرى إلى أصول الفكر الفلسفي، وعلى وجه التحديد أرسطو ومكيافيللي وتوكفيل. من مؤلفاته؛ روح الليبرالية (1978)Spirit of Liberalism ، ترويض الأمير (1993)Taming the Prince ، دليل الطالب للفلسفة السياسية (2001)  A Student’s Guide to Political Philosophy. في هذا الحوار الشيق والرائع تناول مانسفيلد جملة من المواضيع منها نقد الليبراليين، نقد التحليليين، الدعوة إلى المصالحة مع نيتشه وهيدجر، التمييز الإيجابي، النسوية وقضية الإجهاض، وغير ذلك.

كيف أصبحت فيلسوفًا سياسيًا؟

لقد نشأت على الفلسفة السياسية، ولم يكن ذلك نتيجة قرارٍ اتخذته. عندما كنت طالبا جامعيا كان الرجل الرائع صمويل بير* (1911-2009) Samuel Beer ، بَطَلِي، وهو حاليًا متقاعد. كذلك كان والدي أستاذًا في العلوم السياسية. في البداية فكرت أن أصبح خبيرًا سوفيتيًا –وفق مبدأ اعرف عدوّك. ثم أدركت أنني، إذا فعلت ذلك، فسأقضي حياتي وأنا أقرأ عن أشياء في معجم مؤلف من خمسمائة كلمة وضعه عضو في الحزب الشيوعي apparatchiks. وفي سنتي الثانية في الجامعة، قابلت صمويل بير، الذي كان مولعًا بطرح الأسئلة في درس الحكومات المقارنة، وهي أسئلة نابعة من الفلسفة السياسية. بعد ذلك شغلتني تلك الأسئلة أكثر من تطبيقاتها، ولم أنبهر بلِيُو شتراوس(1899-1973) Leo Strauss  إلا بعد تخرجي. صدر كتابه الحق الطبيعي والتاريخNaturalRightandHistory في العام الذي تخرجت فيه من جامعة هارفارد  Harvard، أي عام 1953. آنذاك التقيت أيضًا ببعض من طلبته، فأنا لم أكن طالبا عنده. التقيت به في جامعة بيركلي  Berkeleyحيث كان في معهد الدراسات السلوكية عن كل الأمكنة Institute for Behavioral Studies، ببالو ألتو Palo Alto، يديرُ ندوة قراءة غير رسمية.

ما هي في رأيك الفلسفة السياسية؟ ولماذا يجب أن يهتم بها الطلبة وغير الطلبة على حد سواء؟

دعني أجيبك من وجهة نظر فلسفية. سأقول إن الفلسفة السياسية تتعلق بمعرفة الذات  selfknowledge، حيث لا يمكنك التفكير بشكل شامل من دون التفكير في ظروف التفكير، ومن دون التفكير فيما يجعل من الممكن أن تعيش حياة مُفكِّر. إن الجواب على هذا السؤال سياسيٌّ لأن السياسة هي التي تحدد الظروف التي يمكن للمفكرين أن يفكروا في ظلها. ببساطة أعتقد أن الفلسفة السياسية تستلزم اهتماما ضروريا وليس عرضيا، إذ ليس للمفكر أو الفيلسوف خيار في أن يكون مهتمًا بالسياسة أو غير مهتم بها. تهتم الفلسفة السياسية بالرابطة بين الفلاسفة أو المفكرين وغير الفلاسفة، بين ما هو معقول intelligible في الفكر وما هو غير معقول، أو ما هو مميز أو سامي في الإنسان، وبشكل عام أكثر بين ما هو مشترك لدى الأدنى من الإنسان، وحتى مع المخلوقات الأخرى، وما تبقى في الطبيعة، أي الحاجة إلى البقاء. إذا تأملت في ذلك فستظهر لك الفلسفة السياسية كمجال حاسم في الفلسفة -ليس أعظم مجال، ولكنه المجال الحاسم-. إنها في المحور حيث يلتقي التفكير مع عدم التفكير.

ماذا يعني أن تكون محافظا conservative ؟ هل أنت راضيٌ عن هذا التصنيف؟

لست راضيا عنه لأنه تصنيف سياسي بمعنى مؤقت فقط. يمكنني في ظروف أخرى، أن أتصور أنني ليبرالي، وعلى أي حال أن يكون المرء محافظا معناه أنه سيُواجه مصاعِبًا. وأفكر في صعوبتين اثنتين بشكل خاص؛ أولها إذا كان المرء محافظا فهذا يعني أنه متمسك بالتقاليد، وعادة ما يحتوي التقليد على عناصر متناقضة، ما يستوجب على المرء أن يكون انتقائيًا وليس مجرد محافظ. ثانيها متعلقة بمسألة التكتيك؛ هل يجب أن يسير المرء ببطء أو يعود أدراجه؟ السير ببطء يعني الحفاظ على ما تم إنجازه، وإبطاؤه عند المستوى قيد الإنجاز. ما يعني الحفاظ على وشيجة بين الماضي والحاضر، فالعودة إلى الوراء تعني إحداث قطيعة في تلك الوشيجة، وبالتالي عدم الحفاظ عليها. يُلاحظ هذا فيما يجري في المحكمة العليا اليوم. بينما يظهر القاضي أنتونن سكاليا Antonin Scalia مشدودا إلى الماضي، فإن مجموعة المحافظين المعتدلين المؤلفة من أنتوني كينيدي Anthony Kennedy ودافيد سوتر David Souter وساندرا داي أوكونور Sandra Day O’Connor ،في الوسط، يحبّذون التريّث. حسب اعتقادي لا توجد طريقة لقول أي الفريقين يمثل بشكل أفضل ودائم الموقف المحافظ. كان رونالد ريغان Ronald Reagan يُناصر التمسك بالماضي، أما جورج بوش George Bush فاختار السير بتأني، على الرغم من أنه كان، وبكل وضوح، أقل نجاحًا بكثير. أعتقد يمكن تبرير كلا الاختيارين.

هل هناك وجهة نظر تُعرّف النزعة المحافظة  conservatismبأنها تثمين للممارسات الاجتماعية التي تولدت من القاعدة نتيجة تأثير التقليد في الأفكار التي انبثقت من القمة، أو، إذا جاز القول، هل توجد محاولات لتصور الممارسات الاجتماعية على أساس عقلاني؟ هل تلك نظرة مختلفة عن النزعة المحافظة؟

لا، أعتقد أن تلك وجهة نظر منصفة عن النزعة المحافظة، وهذا سبب آخر يفسر لما تخضع، كموقف منتظم وكوني، للسؤال. يبدو أنه من الأفضل غالبا أن تكون عقلانيًا rational، وبالضرورة يبدو أن ما هو عقلاني، كما تقترح، يصدر من القمة ومما هو معقول  reasonableأكثر، ما سيجده المرء لدى أولئك الذين يمتلكون أكثر الأسباب معقولية. إن المحافظين معتادون على تبجيل المؤسسين، وهذا صائب تمامًا، لكن التأسيس فعلٌ غير محافظٍ.

يبدو هذا وكأنه مفارقة أساسية.

إنه كذلك. وبالتالي من المستحيل أن تكون محافظًا بشكل دائمٍ ومعقولٍ.

هل الشتروسية  Straussian نوع معين من النزعة المحافظة؟

لا، ليس بالضرورة. إن ليو شتراوس نفسه قال إن هناك رائحة السياسة المحافظة لدى أولئك الذين يتبعون طريقتي في التفكير -قال ذلك ذات مرة-. على الرغم من أن معظم الشتروسيين  Straussians محافظين، إلا أن فيهم بعض الليبراليين  liberals. إن الأمر يتعلق أساسا بإحياء الفلسفة السياسية، وليس بتغيير أمريكا. وكون المرء شتراوسيًا قد يجعله محافظًا، لكن ليس بالضرورة.

ما الذي أثار انتباهك في عمل لِيُو شتراوس؟

أول ما لفت انتباهي شجاعته الاستثنائية في إثارة، مرة أخرى، سؤال الفلسفة السياسية الكلاسيكية، كسؤال يحتمل السداد. كنت أيضا أبحث عن فهم للأخلاق  morals وللسياسة  politics، فهم يتموقع بين النسبية  relativism والمطلقية  absolutism، ما تبدى  أنه يقدم وسطًا معقولًا.

ذلك ما أثار انتباهي في البداية. توجد نقطة أخرى فقط تتعلق بطريقته الرائعة في التعامل مع النصوص وتأويلها وقدرته على رؤية الأشياء -ليس فقط تأليفها أو تخيلها- وتبيُّن أنها قابلة للرؤية، وذلك من خلال النصوص التي قرأتها بشكل سريع وسطحي. هذا والتقيت به لاحقا، فوجدته، إلى حد بعيد، أذكى شخص قابلته في حياتي على الإطلاق.

هل تنبع معتقداتك السياسية من دراستك للفلسفة السياسية؟

توفر دراسة الفلسفة السياسية، على الأغلب، جوًا للتفكير السياسي، وليس مجموعة من المبادئ يستخلص منها المرء السياسات بسهولة. إن السياسات نوعية جدا بالنسبة إلى الموقف. ولكن ربما يتعلم المرء من الفلسفة السياسية، على سبيل المثال، من مفهوم أرسطو  Aristotleللنظام regime؛ أن لكل نظام طابع معين يتحتم على المرء أن يكيف معه تفكيره السياسي. ليس من المنطقي أن تكون معادياً للديمقراطية  anti-democrat في ظل ديمقراطية موضوعة الأركان؛ لذا بقدر ما يأخذ المرء افتراضاته السياسية من الموقف يأخذها أيضا مما هو مرغوب فيه فحسب. هذا لا يعني القول إنه يتوجب على المرء أن يتجاهل الاحتمالات البديلة. إن أفضل مواطن ديمقراطي هو الذي يكون على دراية بالنظام المعاد للديمقراطية وحتى بمزاياه، ولكن هذا الوعي يجب استخدامه بغرض تحسين الديمقراطية، وليس بغرض بديل معين خيالي، ربما يكون أسوأ في ظروفنا هذه.

يكاد يبدو أن هناك نبرة أسف في صوتك عندما قلت إنه من غير المعقول أن تكون معاديًا للديمقراطية في مجتمع ديمقراطي. هل تعتقد أنه في بعض النواحي يمكننا أن نكون أفضل حالاً في مجتمع أقل ديمقراطية أم أن هذا ليس سؤالًا متناسقا لأننا حينها لن نكون نحن بل سنكون أشخاصًا آخرين؟

حسنًا، هذا سؤال صعب. لم أقصد أن أكون آسفا أو أشعر بالحنين، بل أن أكون واقعيًا. لست متأكدًا أن هذا هو أفضل تنظيم سياسي على الإطلاق. لذا على المرء أن يحتفظ في ذهنه الخاص بالولاء لأفضل نظام.

بناء على قولك إن هذا ليس بالضرورة أفضل تنظيم سياسي ممكن، ما رأيك في أولئك الذين يدعون أن هذا هو التنظيم السياسي الأخير، وأنه بطريقة ما هناك منطق للتاريخ وأن التطور السياسي للمجتمع يتحرك بلا هوادة نحو هذا النمط من الحكم؟

تقصد فرانسيس فوكوياما  Francis Fukuyamaوأطروحته الشهيرة، التي استعارها من هيجل  Hegel وكوجيف  Kojève. إنه ليس أمرًا حتميا إلى هذا الحد بالنظر إلى الاتجاهات التي حدثت بالفعل والإمكانات الموجودة حاليًا. بطريقة ما فاقت الديمقراطية منافسيها الشموليين بأسلوب مثير للإعجاب، و حاليًا يبدو أنه لا يوجد في المشهد أي بديل عملي.

ماذا عن ظهور الأصولية الإسلامية  Islamic fundamentalism؟

لا أعرف شيئا عن ذلك. يزعم فوكوياما بأن مثل هذه الأنظمة ليست بديلاً عملياً، وأنها تفقد إيمانها بسرعة كبيرة، وأنها تعتمد على العلوم والاقتصاديات الصناعية الغربية، وأن هذه التبعية سيكون لها تأثير بالضرورة.

هل تعتقد أن أهمية الفيلسوف السياسي تَضمُر عندما يصبح العالم أكثر تشابهًا من الناحية السياسية ؟

لا. أعتقد أننا لم نر حتى الآن آخر الأحداث الطارئة، وأن شكلا معينا قويا من اللاديمقراطية anti-democracy يمكن أن يبرز بسهولة، وبشكل غير منتظر وغير قابل للتوقع. يمكن أن يكون نوعًا من الفاشية fascism. لقد تم تقديم اعتراضين رئيسيين على الديمقراطية الليبرالية liberal democracy؛ أحدهما من قبل الشيوعية communism، والآخر من قبل الفاشية. لهذين الاعتراضين بعض الصلاحية validity لدى الديمقراطيين، حتى إذا رأت الشيوعية والفاشية عكس ذلك. اعترضت الشيوعية على أن الديمقراطية الليبرالية أنانية للغاية وغير مكترثة بجميع الناس، وادعت الفاشية أن الديمقراطية الليبرالية وضيعة وغير مكترثة بالنبلاء. كلا الادعاءين صحيح إلى حد ما. لهذا السبب أفضل القول إن الديمقراطية الليبرالية ليست تحقيقا fulfillment تاما للطبيعة البشرية أو كمالاً perfection لها. يمكن للمرء، على سبيل التحدي، أن يتصور دوما نظاما أفضل منها. لكن من الناحية العملية، قد يتحول الأفضل إلى أسوأ، كما حدث مع الشيوعية والفاشية، ولكن الناس كثيرا ما تغريهم المحاولة.

لقد تم تعريفك بأنك ناقدٌ لليبرالية. ما هي في رأيك معضلة الليبرالية؟

لقد نشرت في 1978 كتابًا يضم بين دفتيه مجموعة من المقالات بعنوان روح الليبرالية The Spirit of Liberalism، حيث قدمت نفسي كصديق لليبرالية. ولكن صديق من النوع الذي يُخضِع للنقد معتقدات وممارسات أولئك الذين يسمون أنفسهم ليبراليين؛ لذلك فعلا لم ألق أبدًا رضاهم. أفترض أنني منذ ذلك الحين قد أصبحت محافظا بشكل صريح، لكنني أعتقد أنه يمكن للمرء أن يحدد المهمة الرئيسية للنزعة المحافظة اليوم في أنها تكمن في محاولة جعل الليبرالية تلتزم بمبادئها الخاصة، وذلك في نواحي عدة: في علم الاقتصاد  economicsحيث تلتزم بالسوق وبالملكية الخاصة، في الثقافة حيث تلتزم بالمقاييس العليا لجامعاتنا، في القانون الدستوري حيث تلتزم بحقوق الدستور وبالمؤسسات التي أنشأها وهكذا. هذا ليس مجرد تكتيك بلاغي يستخدم لانتقاد الليبراليين، ولكن أعتقد أنهم بالفعل قد ابتعدوا عن الأشياء التي جعلت الليبرالية جذابة. لقد حدث هذا بشكل خاص في أواخر الستينيات، وهي حقبة قوية جدًا تسببت في أذى كبير.

لكن، ردا على ذلك، سيدعي الليبراليون أن العديد من التغيرات الاجتماعية التي حدثت جلبت حقوقا ومساواة لشرائح من السكان، لم يتمتعوا بها في الماضي. أليس هناك شيء يتوجب قوله بهذا الشأن.

ربما تُفكر في حركة الحقوق المدنية. كان ذلك في أوائل الستينيات وأواسطها، وتكللت بتمرير أول قانون للحقوق المدنية لم يخضع لمماطلة أعضاء مجلس شيوخ الولايات الجنوبية –لقد مثّل القانون الأول للحقوق المدنية إجماعًا حقيقيًا- حدث ذلك في عام 1964.

لم تُشر إلى ذلك عندما لمحت إلى وقوع أذى في الستينيات.

ليس ذلك أو لنقل ليس ذلك بشكل أساسي. صدر تأويل لقانون الحقوق المدنية لعام 1964 في العام الموالي حيث بدأ التمييز الإيجابي  affirmative actionلأول مرة، والذي أرى أنه تشويه لليبرالية. إنه يُحوّل سياستنا من سياسة دستورية  constitutional politicsإلى سياسة موجهة نحو النتائج  result-oriented politics. هذا ما يصنع فرقا كبيرا جدا في الكيفية التي تحصل بها الأقليات أو الفئات الأقل حظا على حقوقها، وأنها تحصل عليها بجهودها الخاصة ومن خلال الوسائل التي توفر المساواة  equality بموجب القانون. ببساطة إن منحها نتيجة متساوية سينكر عليها اعتدادها بذاتها، ولا يمنحها أي شعور بالإنجاز، بل وسيفيد الحكومة كثيرا.

قد يحاج البعض بأن التمييز الإيجابي ليس موجهًا نحو النتائج بهذا المعنى، وأنه لا يستهدف معاملة من هم أقل استحقاقا merit معاملة خاصة، وترقيتهم بشكل متساوي مع أولئك الذين يتمتعون باستحقاق أكبر، بل إنه ينوّع المعايير المتاحة للاستحقاق بحيث يوفر معايير مختلفة لتقييم الناس باختلاف بيئاتهم. هل تعترض على ذلك؟

هذا محتمل، لكن لا أعتقد أن هذا ما يحدث على أرض الواقع. لقد تم بشكل عملي منح الناس أشياء لا يستحقونها على أساس أيِّ معيار عقلاني غير موجه نحو النتائج. إن ممارسة التمييز الإيجابي أسوأ بكثير من المبدأ نفسه. لو تستمع إلى أولئك الذين يدافعون عن المبدأ، فستعتقد أنه إذا كان الاختلاف بسيطا، فيمكن أن يُعطى هؤلاء الناس دفعا من فوق كدليل على أننا الآن نشكل جماعة community ولا نريد احتقار أية فئة. في الواقع ما يحدث هو أن الامتياز الذي يوفره التمييز الإيجابي هائل، سواء لدى الأسود البشرة القادم من مدينة سكيرديل Scarsdale أو القادم من حي هارلم Harlem.

لا يحدث هذا في مسابقات القبول فقط، بل في مسابقات التوظيف بشكل أكبر. أنا مستاء للغاية مما يحدث للطلبة الخريجين من هذا القسم في سوق العمل، فالكثير من الجور يُرتكب في حق ذوي البشرة البيضاء، وسنخجل منه جميعًا في الجيل القادم. ما يفسر عدم حدوث أي تحسن بعد في حرم جامعتنا فيما يخص العلاقات بين الأعراق.

كيف ينطبق نقدك لليبرالية على زميلك في جامعة هارفارد؛ جون راولز  John Rawls؟

لقد كتبت عنه مقالا وتم نشره في الكتاب الذي ذكرته. لكنني نسيت مضمونه. بشكل رئيسي أعتقد أنه يحاول أن يجعل ليبراليته تتلاءم مع كلا الاتجاهين. إنه يفضل إيمانويل كانط على جون لوك لأن كانط لديه سمو أخلاقي معين، ولا يؤسس حجته على الحفاظ على الملكية. لكن رولز لا يتوغل بعيدا بسبب صرامة كانط الأخلاقية، وهو موقف ينبع بدقة من مقدمات كانط ويميز كل فلسفته، كذلك هو لا يعلق على التدابير السياسية والأخلاقية التي اقترحها كانط فعليا في ميتافيزيقا الأخلاق  Metaphysics of Morals. لذا فهو يعود أدراجه في اتجاه جون لوك ليخلص نفسه من صرامة كانط الأخلاقية. أعتقد أنه استبدال غير متناسق بين الرغبة في أن يكون المرء أخلاقيا، والرغبة في أن يكون رحيما. سيكون ذلك تلخيصًا عامًا لكتابه الذي يتضمن بالطبع العديد والعديد من الحجج.

إذن قد يترتب عن ذلك القول إن رولز يدعو إلى مستوى من إعادة التوزيع حيث لا يولي الاستحقاق اعتبارا كافيا ؟

أو مستوى من الأخلاقية  morality، لكن في ذلك تطلع إلى الحفاظ على الجماعة أو الحفاظ الذاتي على الجماعة –ما يسميه رولز النظرية المخففة للخير thin theory of the goodوهذا توصيف رهيب للكانطية Kantianism.

هل تبدو لك فكرة الوضع الأصلي بمثابة آلية فعالة لتنميط عملية اتخاذ قرار منصف لصالح مبادئ العدالة؟

إنها فكرة غير فعالة تماما، لأنها تستبعد ما نحتاج إلى معرفته، فالقرار الذي يتخذه المرء إذا كان جاهلا جنسه يختلف عن القرار الذي يتخذه إذا كان يعرفه. في الواقع بعد معرفة المرء لجنسه لا يوجد سبب يجعله يلتزم بقرار اتخذه بلا معرفة جنسه. لا يمكنه أن يبرر التزامه.

لكن أليس ذلك هو المرام؟ فعندها يكون الناس أكثر استعدادًا لاختيار بنية قاعدية للمجتمع تضمن مساواة أكبر في معاملتها لمختلف الأجناس.

حينما لا يعرف الناس جنسهم سيكون من المحتمل أكثر أن يختاروا بِنية بلا جنس، ولكن لماذا يتوجب عليهم الالتزام بذلك القرار؟ في نهاية المطاف يتعلق الأمر بقرار تم اتخاذه في حالة جهل ignorance. إن الوضع الأصلي  original positionيختلف عن حالة الطبيعة  state of nature عند كل من توماس هوبز  Hobbesوجون لوك  Locke في كون أن حالة الطبيعة من المفترض تنبئ بالطبيعة الحقيقية للمرء، من المفترض أن تكون بالفعل إقرارا بماهية المرء. في حالة الطبيعة حيث توجد قدرة متساوية على القتل، يمكن للمرء أن يرى أن الرجال والنساء سيكونون متساوين تقريبًا لأن النساء، على الرغم من ضعف قوتهن العضدية إلى حد ما، إلا أنه بإمكانهن تعويضها بالمكر، فهناك بعض الحقيقة فيما يخص فكرة المساواة. بالنسبة إلى الوضع الأصلي فهو ببساطة عبارة عن افتراض مضاد للواقع يلتمس من المرء اقتراح شيء يعلم تماما أنه غير صحيح، أعني القول إن المرء يجهل جنسه. يبدأ رولز بافتراض أن معرفة جنس المرء أمر غير مهم. كيف عرف ذلك؟

في رأيك من هم الفلاسفة الذين كان لهم تأثير كبير في تفكيرك ؟

أعتقد أن جون لوك لديه القدر الأعظم من الحكمة فيما يتعلق بالمبادئ. لكن إلى حد بعيد أرى أن أجمل كتاب ينبغي على كل أمريكي أن يقرأه هو الديمقراطية في أمريكا  Democracy in America لألكسيس دي توكفيل Tocqueville. إنه أفضل ما دوّن عن بلدنا. إنه ليس كتاب مبادئ مثل كتاب مقالتان في الحكومة لجون لوك  Two Treatises on Government. المبادئ موجودة لكنها ليست موضوعاتية. أحب أيضا أرسطو، فمن المفيد دائمًا أن يكتشف المرء ما يقوله أرسطو حول أي موضوع.

إلى أي حد تسعى إلى أن تكون متسقا مع بعض المبادئ؟

لا بأس ببعض التكرار، ههنا أسترشد بأرسطو وفكرته عن النظام التي أعتقد أنها تشكل المفهوم الأساسي لكافة علماء السياسة. إنها تفيد بأنه من الخطأ إصدار أحكام مجردة حول مسائل السياسة دون ربطها بالنظام، أي بسياسة مجتمع معين في وقت معين. لذا قد ترغب في تبني سياسات خاطئة من الناحية التجريدية، ولكنها تتلاءم ونمط ديمقراطيتنا. على سبيل المثال يمكن للمرء أن يتساءل بشكل تجريدي عن فكرة الاعتماد على الحقوق، لكن أليست الواجبات مهمة أو أكثر أهمية من الحقوق؟ لكن هذا لا يناسبنا لأنه لدينا افتراض مختلف. ليس من المنطقي تبني سياسة لا تنبثق من فرضية خاصة بنا أو من المتوقع أن تكون خاصة بنا. أعتقد هذا ما يشكل جمال علم السياسية الجديد لتوكفيل. إنه يقبل هذه الثورة الديمقراطية الجديدة كواقع حالٍ، يتسم ببعض الأشياء الجيدة وتعيبه بعض الأشياء السيئة. يمكن للمرء أن يحاول تعزيز الخير والحلول دون وقوع الشر، ولكن ليس من منظور وضع تجريدي معين. عادة الفلاسفة الذين يقضون وقتهم مع السياسات يفكرون بطريقة مجردة للغاية، كما لو كان الأم يتعلق ببلاد الفرس  Persiaأو مصر  Egyptفي العصور القديمة. إنه أمر مثير للسخرية بعض الشيء لأنهم ليبراليين مرتاحين وعاديين وتجريداتهم مؤسسة بشكل ضيق جدا جدا مما يدركون. يجب على المرء أن يكون واعٍ ذاتيًا بكوننا نعيش في ديمقراطية ليبرالية من نوع معين يمكن تحريكها في اتجاه جيد، ولكن لا يمكن تغييرها بشكل جوهري. وعليه فإن الحذر يملي ألا يبحث المرء عن أفضل تجريد في بعض كتب الفلاسفة، ولكن باستخدام تلك المبادئ والتفكير في وضعنا الخاص يجب على المرء محاولة إيجاد بعض التحسينات المفيدة.

أين تفترق وجهات نظرك حول القضايا الاجتماعية عن أولئك المعروفين بالليبرتاريين libertarians؟

أنا لست تماما ضد حكومة واسعة الصلاحيات. بالتأكيد خلال الحرب الباردة كنا بحاجة إلى جيش كبير. وأعتقد أيضًا أن الحكومة تلعب بالضرورة وبحق دورًا تكوينيًا في المجتمع.أتفق مع الليبرتاريين على أن الحكومة المحدودة الصلاحيات هي الأفضل بالنسبة إلينا الآن، ولكن كان لا بد من إقامتها عن طريق فعل التأسيس founding، وهو في حد ذاته لم يشكل ضربة قاضية لهاته الحكومة، بل لقد كوّن شخصيتنا، ومنح إيقاعا لمجتمعنا بأكمله. في بعض الأحيان، نحتاج إلى التذكير بذلك الإيقاع وتلك الشخصية، والأعمال المثيرة للإعجاب مثل حركة الحقوق المدنيةCivil Rights Movement أو الخطب التي توقظ الروح الوطنية patriotism– والأشياء الجيدة التي نتقاسمها بوصفنا أمريكيين. لذلك لا أعتقد أن المرء يجب أن يكون مستهينا دائمًا بالحكومة. أوافق على أنها في الآونة الأخيرة وخاصة منذ الصفقة الجديدة New Deal وهي تحاول أن تفعل الكثير، بينما نحن نحتاج إلى القليل. لذا فإن شخصيتي المفضلة في السياسة الأمريكية الراهنة هي رونالد ريغان.

ما هي الإجراءات التي أفرزتها الصفقة الجديدة، أيُّ وظائف الحكومة ترى أنها الأكثر ضررا؟ وبالنظر إلى أن معظم التغييرات الحكومية الكبيرة التي قد تراها سيئة كانت ردا على الأقل على ما رآه بعض الأمريكيين أنه موجة ضرورية من التغيير، كيف يمكن بطريقة أفضل إحداث التغيير إذا لم يكن من خلال الحكومة، ومن خلال توسيع مهام الحكومة؟

حسنًا، انجرت عن الصفقة الجديدة أخطاء اقتصادية بمحاولتها إنشاء ما أسمته التحرر من الرغبة. لقد ارتكبت أخطاء بنيوية في الحكومة بمهاجمتها للفيدرالية الأمريكية American federalism، وبمضاعفتها للبيروقراطية الحكومية بشكل كبير، وباعتمادها سياسات جعلتنا كلنا أكثر اتكالا على الحكومة، ما يعني أننا أقل استقلالية كمواطنين في جمهورية. وأعتقد أن هذا هو معنى الصفقة الجديدة ككل، لذلك أعتقد أنها كلها خطأ، على الرغم من أن أجزاء منها قد تكون ذات قيمة، والكثير منها قد يستحيل فسخه الآن. أعتقد أن الحكومة مطلوبة في كثير من الأحيان لإجراء تغييرات كبيرة، ولكن يجب أن تقوم بهذه التغييرات بطريقة تترك مساحة للمواطنين الأحرار لممارسة حرياتهم على مسؤولياتهم الخاصة.

تمثلت إحدى التغييرات التي حملتها الصفقة الجديدة في إضفاء الشرعية على دور الحكومة في الحياة اليومية بطريقة أكثر فعالية، على سبيل المثال في استقرار الاقتصاد الكليmacroeconomic  من خلال توفير الضمان الاجتماعي، وأعتقد أن الكثير سيزعمون أن هذه السياسات قد حققت نجاحا باهرا، بحيث لم يعد المرء يرى موجة الاكتئاب المهولة التي اجتاحت أمريكا في سبعينات وعشرينات القرن التاسع عشر. لقد تحسن وضع كبار السن من مستوى الفقر المدقع إلى مستوى أفضل بكثير. فهل تعتقد أن هذه البرامج في حد ذاتها أو أن التغيير السابق والفلسفي الذي تمثله هو شيء ينبغي علينا أن نهتم به أو نتأسف عليه؟

حسنًا، من الصعب تناول ذلك إلا بشكل عام، وبالتأكيد هناك تسهيلات جلبتها الصفقة الجديدة كما تقول. ولكن لا بد أن يكون المرء حريصا على رفض صيغة الصفقة الجديدة، التي تنتمي إلى الماضي، من دون نقد. كذلك لم تكن الصفقة الجديدة نفسها ناجحة جدا من الناحية الاقتصادية إلى غاية الحرب العالمية الثانية، حتى أن نجاحها لم يستمر بعدئذ، ولم ننجح في إلغاء دورة الأعمال business cycle. وليس لدينا أيضا هذا النوع من الفضيلة الذي اعتاد الناس على الاتصاف به، والذي مكنهم من التأقلم مع الظروف الجيدة والسيئة على حد سواء. يبدو أنه كلما أصبحنا أكثر غنى وأكثر أمانًا، أصبحنا أكثر اهتماما بالأمن وأقل تسامحًا مع انعدامه. هذه هي التبعية التي أتحدث عنها. ما هو الشيء الآخر الذي ذكرته؟

الضمان الاجتماعي.

آه نعم، الضمان الاجتماعي والمسنين. حسنًا، هذا جيد، باستثناء أن معظم الناس لا يضطرون إلى التفكير في المستقبل للعناية بأنفسهم في شيخوختهم. هذا أمر سيئ بالنسبة إلى الأسرة لأنه يعني أن الأطفال ليس عليهم الاعتناء بآبائهم المسنين، أو ليس لديهم الدرجة نفسها من المسؤولية للقيام بذلك. وهو أمر سيئ بالنسبة إلى الفرد لأنه ليس عليه الادخار أو ليس لديه سبب قوي للادخار من أجل كبار السن. هناك خطر معين يتولد من الرغبة في العيش بلا خطر. ذلك هو فقدان الفضيلة virtue، كما تُفهم بشكل أفضل في الديمقراطية الليبرالية، وتلك هي نفسها فضيلة الاعتماد على الذات self-reliance أو المسؤولية responsibility.

يعد آلن بلوم* Allan Bloom ناقدا استفزازيا آخر لأمريكا الحديثة. ما هي علاقتك بفكره، وما هو، على سبيل المثال، رأيك في كتابه الموسوم: إغلاق الذهن الأمريكي The Closing of American Mind؟

حسنًا، لقد كان صديقًا مقربًا جدًا. وأنا أفتقده للغاية. لقد اطلعت على مخطوط الكتاب وكان لدي الشرف بإخباره بأنه سيجعله مشهوراً. لم أكن أدرك أنه سيحقق نجاحًا كبيرًا، ولكن تبدى لي أنه بيان رائع لم يكن ممكنا تجاهله. وما أزال أرى أنه كذلك. إنه أحد كتب عصرنا. وأنصح أي شخص لم يقرأه بعد بأن يفعل ذلك على الفور -أو أي شخص قام بشرائه ولم يقرأه بعد- [ضحكات] ما قام به من الناحية الفكرية أو الفلسفية هو إظهار كيف أصبح نيتشه  Nietzscheمواطنا أمريكيا. إنه مضمون الجزء الثالث من الكتاب، وأعتقد أنه الجزء الذي لم يجذب الكثير من الاهتمام. وهذه قصة مهمة للغاية، وربما تكون القصة الأساسية للتاريخ الفكري، وحتى السياسي لعصرنا. على العكس حظي الجزء الأول، حيث تحدث عن الطلبة، باهتمام الجميع. لقد كان لديه هذا الحس الإدراكي الرائع، وتبصّرٌ للمشاكل الراهنة التي يعانيها الشباب. هذا ما جعل الكتاب يُباع. مع ذلك أعتقد أن الجزء الآخر أكثر قيمة.

هل توافق على تقييم بلوم المتشائم للطراز الفكري لدى الشباب الأميركيين؟

لا، إن الأمر يتعلق أكثر بالطراز الأخلاقي. إنهم شباب لطفاء للغاية، وفضيلتنا تكمن في كوننا لطفاء. قد يكون ذلك نوعًا من الرذيلة الفكرية، وهذا ما يشكل جوهر اعتراضه. أن نكون لطفاء للغاية، فهذا يعني أننا منفتحون جدًا. ولكن انفتاحنا سطحي محض لأنه لا يتحدى أي شيء، نؤمن به بداخلنا. وبالتالي فإن هذا اللطف ينبع من غياب الإيمان، ولا يحدث التعلم لمجرد أن يقوم المرء باستبدال غياب الإيمان بتعرُّف سطحي على الثقافات الأخرى أو بالآخرين Others، بحرف “0” كبير.

يبدو أن ما تقوله يرتبط بالادعاء الذي صرح به فرانسيس فوكوياما  Francis Fukuyama في صحيفة الجمهورية الجديدة The New Republic قائلا: «منذ سنوات عديدة، لم يكن ممكنا التحدث في مجتمع مهذب، وبشكل صريح جدا، عن الطابع الاجتماعي الواسع لمختلف الجماعات الإثنية والدينية والعرقية أو التلميح إلى أن ثقافات معينة تتفوق على ثقافات أخرى في ترقية قيم اقتصادية أو اجتماعية أو أخلاقية معينة. وبقدر ما تزال ‘التربية المدنية’ civics تُدرّس في نظامنا المدرسي الحكومي، بقدر ما يتم اختصار جوهر التعليم في النظرة القائلة إن الثقافات الأخرى ليست” أسوأ ” إنها فقط “مختلفة”»(19 أفريل1993، ص 41). هل يضايقك هذا ؟

نعم، بالتأكيد، يضايقني، بل يفزعني. هذه الأيام يشعرُ الناس بسهولةٍ بالغة وبشكلٍ رسمي بالانزعاج كوني أحبّذ استعمال تلك الكلمة. ولكن نعم، ذلك ما كنت أتحدث عنه للتوّ. لتقدير ثقافة أخرى يتوجب على المرء أن يحاول بالفعل معرفة مواطن اختلافها مع ثقافتنا وأسبابه. على سبيل المثال لماذا أحرق الهندوس Hindus الأرامل في محرقة الجنازة؟ لا يكفي أن ترفض ذلك ببساطة على أنه شيء يدعو إلى الغرابة، بل ينبغي السؤال: لماذا فعلوا ذلك؟ ما هو السبب وراء ذلك؟ ماذا عن النظام الطبقي؟ وبعبارة أخرى ما هي الحجج الداعمة له؟ لا بد ألا يكتفي المرء بمجرد النظر إلى مطبخ الثقافات المختلفة، إذا جاز التعبير، وأخذ عينات منها. ينبغي أن يتساءل: هذه الأشياء التي تصدمنا، ماذا تخبرنا عن أنفسنا؟

على الرغم من أنك اقترحت سابقًا أن الفلاسفة السياسيين، ليبراليو الضواحي liberal suburbanites  قد يبالغون في تقدير مدى تجريدهم، هل تعني هنا أنه يمكننا إجراء بعض أنماط التقييم الأخلاقي moral assessment للممارسات في الثقافات الأخرى التي تغلبت على الانقسام الثقافي cultural division ؟

نعم، بالتأكيد يمكن المرء القيام بذلك. وهذا ما تفعله الفلسفة السياسية. فهي تهتم بالبحث في النظام الأفضل، ولذلك تقارن بين الأنظمة المختلفة، وتحكم على الادعاءات المتباينة التي تقدمها. تدعي الأنظمة دومًا مزايا معينة، خاصة تلك التي تفوق مزايا الأنظمة الأخرى التي تقارن نفسها بها. تقارن الديمقراطية الليبرالية نفسها دومًا بالأنظمة المعادية للديمقراطية، حيث تمنح نفسها فضائل معينة، ويحاول الفيلسوف السياسي الحكم على ما إذا كان لديها هذه الفضائل حقًا، وما إذا كانت هناك فضائل أخرى مفقودة. لذا تنظر الديمقراطية الليبرالية دائمًا، وبشكل واضح أكثر وليس ضمني، إلى صورة النظام الأفضل. أساسا يعتبر هذا أمرا طوباويا وعابرا للثقافات، ولكن يحمل كل نظام سياسي ادعاء عابرا للثقافات، وعلى الرغم من أنه لا يعرف جميع الثقافات الموجودة في العالم، لكنه يدعي أنه أفضل منها.

هل تشعر بأن هناك ضغط يُمارس عليك كونك لم تقم بهذه الأنواع من الادعاءات العابرة للثقافات؟

بالتأكيد، خاصة إذا كان الأمر متعلقا بشيء صعب ومحرج بالنسبة إلينا. إن مبدأنا هو أن “كل البشر خلقوا متساوين”. وبالتالي من غير اللائق إطلاق أحكام عن مجموعات مختلفة من الأمريكيين، أي إصدار توصيفات عرقية لأن ذلك يعني أنهم غير متساوين.  في التوصيف يتم دوما تمييز مجموعة معينة بأن لها خاصية معينة، مما يعني أن لديها الكثير من هذا والقليل من ذلك، مما يعني أيضا أنها غير متساوية في بعض الجوانب.

يبدو هذا بمثابة انقسام جوهري بين المحافظين والليبراليين في أمريكا المعاصرة. سيحاول الليبراليون، إلى حد ما، إفشال تفسير النجاح التبايني للمجموعات العرقية والثقافية المختلفة في الولايات المتحدة، الذي يتضمن توصيفًا للطريقة التي من خلالها ربما تؤدي اختلافاتهم الثقافية إلى نتائج متباينة.

أو فضائل مختلفة على وجه الخصوص.

أو أن المحافظين سيكونون أكثر استعدادًا، كما يشير إلى ذلك فوكوياما، لإجراء تقييمات مفادها أن بعض الثقافات تُعيق نفسها في المجال الاقتصادي الأمريكي، والبعض لا تفعل ذلك.

ذلك مثال آخر على كون الليبرالية لا ترقى إلى مستوى مبدأها. وبقدر ما كانت هذه عادة ليبرالية كانت كذلك عادة النزعة المحافظة. حينما يتوقف المرء عن كونه نسبيًا ثقافيًا cultural relativist ، حينها فقط يصبح محافظًا. لم يكن الليبراليون يشعرون بتأنيب الضمير فيما يخص فضح الأنظمة غير الليبرالية والممارسات غير الليبرالية من قبل أناس من داخل النظام. لقد فقدوا الآن ليبراليتهم الخاصة في التعددية الثقافية multiculturalism أو في النسبية relativism، وهم بحاجة إلى تذكيرهم بما يجب أن يؤمنوا به، بوصفهم ليبراليين. كيف يكون من الممكن اعتبار الشخص الذي يعارض تضخيم العلامات محافظاً؟ كان هناك إجماع consensus تام بين الليبراليين والمحافظين على أن الجامعات لا يمكن أن تستمر دون الحفاظ على معاييرها. ولم يتبدل هذا إلا بدءا من أواخر الستينات.

هل هذا توصيف منصف لأولئك الذين ينتقدونك في هذه القضية؟ هل كان هؤلاء الناس يصفون معارضتك لتضخيم العلامات عموما، أو تأويلك العرقي المحدد؟

أعتقد الاثنين معا. هناك أمارة على حركة بين الليبراليين وإدارة جامعة هارفارد بخصوص هذه القضية. آمل أن الرياح ستحمل تغييرا هذه المرة. وكانت رسالة العميد دين بوهل Dean Lawrence Buehl أولى الأَمارات، فمنذ بضع سنوات يقومون بإرسال إحصائيات حول كيفية تقييم كل أستاذ لطلبته بالمقارنة مع كيفية تقييم أساتذة آخرين لنفس الطلبة. وللمرة الأولى يحتوي إعلان تحريريُّ على هذه المعلومة، حيث تُسأل عما إذا كان من الحكمة تغيير سلوكك. لذا إذا أراد الليبراليون الانضمام إلى الحملة ضد تضخيم العلامات، فمرحبًا بهم بكل تأكيد.

هل تعتقد أن الأدلة المتاحة لكل أستاذ كافية لتقديم مزاعم حول وجود أسباب عنصرية محتملة من وراء تضخيم العلامات من دون أن تصدر عن الإدارة معلومات حول متوسط ​​العلامات التي يحصل عليها أعضاء الجماعات العرقية المختلفة في جامعة هارفارد؟

لا، وسيكون من الأفضل قطعًا الحصول على بعض الإحصائيات. إن الافتقار إليها معناه أن المرء عليه أن يتكلم على أساس الملاحظة الشخصية وعلى أساس ما يراه لدى الآخرين. من الشائع جدًا عن الأساتذة ذوي البشرة البيضاء تضخيم علامات الطلبة ذوي البشرة السوداء.

ألا تعتقد أن الأسباب الأولية لتضخيم العلامات، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تتمثل في سياسات هيئات التجنيد الإجباري في حرب فيتنام  Vietnam Warوفي ازدياد التدريس بالاستعانة بأساتذة باحثين، أي طلاب الصف الذين كانوا أصغر سنًا وأكثر قُربا من الطلبة؟

أتفق معك فيما يخص السبب الأول فقط وليس الثاني. في المنتدى الخاص بتضخيم العلامات، استشهدت بهذه الحكمة القديمة التي كانت تقال عن الأساتذة المسنين: “كلما كانت الشرايين أقوى كلما كان القلب أكثر ليونة”. عندما بدأت التدريس كان على المدرّس الشاب أن يُظهر حالة مزاجية قاسية حتى يميز نفسه عن الطلبة من خلال توضيح أنه ملزم بفرض معايير عالية، وأن كونه شابًا يعني أنه مُتطلِّب. أعتقد أن هذا الشيء نفسه الذي أشار بلوم إليه عندما تحدث عن الشباب في الوقت الحاضر الذين يريدون أن يكونوا لطفاء. أعتقد أن الشباب، وبشكل طبيعي، غير متسامحين أكثر بكثير من كونهم متسامحين، ولذلك يحتاج المرء إلى تفسير خاص لِلُطف الطلبة الشباب.

في الستينات والسبعينات لم تفتح الجامعات أبوابها لذوي البشرة السوداء فقط، بل لجماعات عديدة أخرى، بما فيها على سبيل المثال الطلبة من المناطق الريفية والفقيرة. هل ترى أنه من الممكن أن تضخيم العلامات لم ينشأ عن معايير عرقية ازدواجية، بل من الرغبة في جعل التعليم الجامعي متاحا لجماعات من الناس كانت محرومة منه في السابق؟ على ضوء ذلك هل ترى أن مستوى تضخيم العلامات الذي سمح لهاته الجماعات بالبقاء في الجامعة وتلقي التعليم كان أمرا سيئا بالنسبة إلى جامعتنا؟  

حسنا، أعتقد أن حركةً أكثر ديمقراطيةٍ في التعليم كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير في الستينات. في الواقع، كان ذلك جوهر فكرة جامعات الدولة التي تم إنشاؤها بعد قانون موريل(1862) Morrill Act في القرن التاسع عشر. أعتقد أن منح الأقل مستوى علامات جيدة لا يعتبر تشجيعا بالمعنى اللائق لكلمة تشجيع. ذلك هو الجديد. أود القول إن مشروع الإرجاء شكّل جزءًا كبيرًا من القضية، ولكن ما يشكّل الجزء الأكبر والأكثر شمولًا على الإطلاق، فيتمثل في الرأي القائل إن تقييم شخص ما يعني فرض معيار خارجي وممارسة القوة على شخص آخر. يمكن أن ينسجم هذا مع نوع الأسباب التي قدمتها من أن هذا الشخص لديه مؤهلات وأفكار قيّمة نحتاج إلى أن نكون على دراية بها، وأن تكون موجودة في جامعتنا، على الرغم من أنه ليس بارعا في الرياضيات.

لماذا لا يكون للأمر علاقة بكون الجامعة، دعنا نقول في حالة اختبارات القبول وليس العلامات، ستلمس أن هناك قيمة في وجود تنوع في الجماعات المختلفة والفئات والخلفيات ممثلة في هيئة الطلبة بغض النظر عما إذا كانت تلك الرغبة في التنوع قد تؤدي إلى قبول بعض الطلبة الذين أظهروا استحقاقًا أقل من غيرهم، وتم تقييمهم بشكل ضيق طبقا للمعايير المختلفة؟

حسنًا، إن النظرة الضيقة إلى الاستحقاق تعد بحق ميزتنا أي ميزة التعليم العالي. صحيح تمامًا أننا في جامعة هارفارد لا نختار ببساطة قبول أفضل الباحثين المستقبليين، ولا نريد أن يكون لدينا هيئة طلابية تتكون فقط من أساتذة المستقبل. لذلك أعتقد أنهم يأخذون عددا قليلا فقط من العشرين الأوائل المسجلين لاختبارات نظام القبول System Acceptance Testing(SAT)، ثم بعدها بفترة يتوقفون وينظرون إلى أشياء إضافية يمتلكها المترشح، وهذه ”الأشياء الإضافية” يمكن أن تكون نوعا من أنواع الاستحقاق الأخرى مثل امتلاك قدرة بدنية أو فن اللعب على آلة موسيقية أو مهارة قيادة leadership ظاهرة للعيان. كل تلك القدرات أتفق معك أنها مؤهلات استحقاق ضرورية ومرغوب فيها، قد تم اعتبارها بشكل ضيق، ولكن أعتقد أنه خطأ جسيم أن نقحم العِرق، والعِرق ببساطة، كمجرد مؤهِّل. سيكون من الأفضل بكثير أن نجد لدى الطلبة ذوي البشرة السوداء مزايا أو فضائل ستكون مفقودة لولاَهُم، ولكن هذا لا يعني أنها حكرا عليهم دون غيرهم.

أنت تقترح أن تختار الجامعة قبول عدد معين من الأفراد الذين تغلبوا على عقبات معينة تم وضعها في طريقهم، وذلك بغض النظر عن عرقهم ؟

نعم، سيكون من الجيد تطبيق ذلك المقترح، وبالتالي سيميل المرء إلى استحسان بشكل أفضل ذوي البشرة السوداء القادمين من حي هارلم  Harlemعلى أولئك القادمين من مدينة سكرسدايل  Scarsdale نظرًا إلى قدراتهم  المتساوية أو المتساوية تقريبًا. بالفعل إن الادعاء المتضمن في السؤال الذي طرحته يختلف تمامًا عن المبرر الأصلي وراء التمييز الإيجابي. ذلك أن المبرر الأصلي يكمن في كون أن الجامعات قد اتبعت، عند التوظيف، ممارسات عنصرية سواء بقصد أو بغير قصد، أو أنها لم تشجع المترشحين من الأقليات، بما فيه الكفاية، أو لم تُتح لهم فرصة الالتحاق بها. ارتبط المبرر الأصلي للتمييز الإيجابي بتاريخ التمييز العنصري ضد العبيد السود في أمريكا. لا تشير حجة التنوع إلى هذا الباطل، الذي بالطبع طُبِّق على أغلبية الأمريكيين، بما فيهم النساء، على حساب أقلية من الذكور ذوي البشرة البيضاء.

ماذا تقول عن تلك الحجة الأصلية، وعن الحجة القائلة إن التمييز الإيجابي عبارة عن برنامجٍ محدودٍ، تم تصميمه بغرض تدارك أخطاء الماضي، ووضع الجميع على قدم المساواة. هل تدعم هذه الفكرة أكثر؟

نعم، لو كان بالفعل ذلك هو المقصود أو إذا كان ذلك ما يتم تنفيذه الآن. أعتقد من الأجدر أن يصل التمييز الإيجابي إلى منتهاه. لقد كان دلالة على فشلٍ ذريعٍ، بل إنه في الأساس لم يكن ضروريا بتاتا. كان بإمكاننا أن نعترف بالعدد نفسه أو عدد معقول تمامًا من ذوي البشرة السوداء دون أن نتخلى عن مبدأ الاستحقاق، ودون أن ندخل هذه المعايير الجديدة الضارة بالتمييز الإيجابي جنبًا إلى جنب مع البيروقراطية الضخمة التي تقويه وتفسد كل شيء في هذه الجامعة. إنه لم يكن ضروريًا البتة، وهو رمز الفشل. ما يجب علينا فعله الآن هو الشروع في إلغائه، أولاً عن طريق حصره في ذوي البشرة السوداء، الذين يمثلون بحق الجزء المظلوم من سكاننا، وثانيًا بتحديد وقت نعلن بعده أنه قد تم القيام بما يكفي لإيذاء كبريائهم وكرامتهم، وأن الوقت قد حان لمعاملتهم بمثل ما نعامل به الأمريكيين الآخرين.

هل تدرك أن التوتر العرقي الموجود في الحرم الجامعي قد ازداد حدة على ما كان عليه في السابق؟ هل تعتقد أن تعليقاتك تكون، بطريقة ما، قد أسهمت في ذلك؟

لا، لا أعتقد أنها أسهمت في ذلك. ربما تكون قد كشفته إلى حد ما. وأعتقد أن الانكشاف أمر صحيٌّ إلى حد ما. هناك الكثير من الأشياء تم التفكير فيها من كلا الجانبين، وتحتاج إلى أن تُقال بصوت عالٍ وتُناقش بصراحة. إن الأمر أقل بكثير مما يجدر بجماعة. هذا ما أسمعه وما أراه.

هل يمكنك أن تحدثنا عن الاختلاف في تدريس الفلسفة بين قسم الإدارة الحكومية government department وقسم الفلسفة؟

لدي هنا زملاء؛ هم علماء سياسيين يعاملونني على أنني طوباوي، ومفرط في النظرية، وتجريدي، وغير مفهوم. أما في قسم الفلسفة، فعلى العكس من ذلك، لدي زملاء ينظرون إلي على أنني مهتم جدًا بما هو واقعي، عرضي، غير منطقي وغير رياضي. إذا كنت ترغب في دراسة الفلسفة السياسية، فعليك أن تسأل نفسك ما إذا كنت تريد أن تكون مع الأساتذة المهتمين بالسياسة أو أولئك المهتمين بالمنطق الرياضي. إن قسم الفلسفة هذا يتخذ أساسا منحًى تحليليا، ولا يعير سوى اهتماما ضئيلا لتاريخ الفلسفة. ما يجعلني أعتقد أنه بمقدوري إنشاء علاقات وثيقة جدا مع قسم الفلسفة الذي يولي تاريخ الفلسفة اهتماما أكبر. يعتقد الفلاسفة التحليليون أن الفلسفة قد شهدت تقدّمًا حقيقيا؛ يقصدون بذلك أن بعض الأسئلة قد تم حلها، ولم يعد من الضروري طرحها مجددا. على سبيل المثال، لقد تم رفض مُثُل أفلاطون، لذلك لا يحتاج المرء إلى قراءة أفلاطون بجدية باعتباره شخصًا ربما يمتلك الحقيقة. حريٌّ بالطالب أن يستوعب أفلاطون: لذلك يدرسه في السنة الأولى من الدراسات العليا، حيث يتعلم القليل عن “نظرية المثل”، لكن عليه ألا يعتبر ذلك بمثابة ادعاء جاد بامتلاك الحقيقة. وهذا بالضبط ما أفعله. فأنا أرى أن أساتذة الفلسفة قد أجابوا بشكل خاطئ على أسئلة ما تزال مطروحة، وتُضيِّق مجال الأجوبة المحتملة بشكل كبير ودوجماتي. أنا مهتم بتاريخ الفلسفة والفلسفة السياسية، ليس لأسباب ذات علاقة بالتاريخ الغابر، ولكن لأنني أعتقد أن فيهما توجد الحقيقة، ويمكن العثور على أفضل بيان عن الإمكانيات الملائمة. ذلك ما تعلمته –ذلك أحد الأشياء الرئيسية التي تعلمتها- من ليو شتراوس.

لماذا من وجهة نظرك أمضى الفلاسفة الأنجلو-أمريكيين (مثل أولئك الموجودين في جامعة هارفارد) وقتا وجيزا جدا في التفكير في الفلسفة الأوروبية أو ”القارية” Continental  التي كُتِبت بعد خط فاصل وغامض بعض الشيء حَدَثَ في نهاية القرن التاسع عشر؟

سأقول إن قسم الفلسفة لم يتصالح مع نيتشه  Nietzsche، الذي كان، في اعتقادي، فيلسوف عصرنا، لأنه أزاح الستار عن إشكالية العدم  nihilism. أعتقد هذا هو السؤال الذي نواجهه، والذي يتهرب منه معظم الفلاسفة التحليليين. إنهم لا يأخذون نقد نيتشه اللاذع لليبرالية الغربية Western liberalism وللحداثة  modernityككل بجدية كافية. لذا يواصلون في ليبراليتهم، ونفعيتهم  utilitarianism، ووضعيتهم  positivism–الوضعية المنطقية أو غيرها- وألعابهم اللغوية، ونماذجهم الرياضية، من دون النظر بتأني وبعين لا يرف لها جفن إلى وضعنا. إن وضعنا، كما قال نيتشه، يتمثل في أن الإله قد مات God is dead، لم يكن يقصد مجرد إله شخصي، بل كل مبدأ متعال أو مثالي، لأن وعينا التاريخي  historical consciousnessقد قتله. لذا، يعد التغاضي عن نيتشه تغاضٍ عن أهمية التاريخ بالنسبة إلى الفلسفة المعاصرة والتاريخية بقوتها  historicism. هذا ويعتبر مارتن هيدجر  Heidegger الممثل الرئيسي لنيتشه في القرن العشرين، ما يجعل المصالحة مع نيتشه غير ممكنة من دون المصالحة مع هيدغر. ستكون هذه توصيتي الشخصية لأساتذة الفلسفة في جامعة هارفارد.

ماذا عن المفكرين الأوروبيين الجدد مثل ميشال فوكو  Foucault وجاك دريدا  Derrida ؟

كلاهما تأثر بهيدغر إلى حد مثير للاهتمام. ويكفي للمرء أن يقرأ كتاباتهما، ليتأكد من ذلك. في الواقع بمستطاع المرء أن يكتشف أهمية هيدجر من خلالهما.

في جامعة هارفارد وربما في جامعات أمريكية أخرى بارزة، يبدو أن تدريس الفلسفة يتم بطريقة أولى مميزة في قسم الفلسفة، وبطريقة ثانية مميزة أيضا في قسم الإدارة الحكومية. ويبدو أن هناك طريقة ثالثة مختلفة للتعامل مع الفلسفة من لدن جماعة “النظرية الأدبية literary theory“. لماذا حسب رأيك توضع جماعة ” النقد الأدبي” موضع الكثير من السخرية من قبل الجماعات الأكاديمية الأخرى المهتمة بالفلسفة؟ تعتبر كاميل باجليا* Camille Paglia مثالا جيدا عن ناقدةٍ استطاعت إثارة سخرية جامحة من هؤلاء الناس، على معاييرهم، معرفتهم التاريخية …

أعتقد أنها محقة تماما. إنهم يستحقون كل الإهانات التي وجهتها لهم. وأعتقد، من دون استثناء، أن فلسفتهم وسياستهم سطحيتان كليًّا.

أية جماعة تقصد بقولك: “هم” ؟

جماعة الباحثين النقاد التفكيكيين.

ومن تشملُ في جامعة هارفارد؟

لا أريد ذكر أسماء. لكن الجميع يعرف ذلك -لست بحاجة إلى ذكر الأسماء- لقد سألتني عن كاميل باجليا… أعتقد أنها مُعلِّقة ومفكِّرة جادة. إنها نوعًا ما عصامية، على الرغم من أنها كانت طالبة هارولد بلوم* Harold Bloom في جامعة يايل Yale. علينا أن نرى إذا لم تكن من نوع مفكري الموضة العابرة أم لا، مع هذا أعتقد أن النقاط التي تثيرها خطيرة، وأن عملها جاد. إنها طاقة لا يستهان بها وامرأة رائعة أيضا.

هل يمكنك بسط وجهة نظرك عن كون النظرية الأدبية تلقى اهتماما سطحيا في جامعة هارفارد؟

حسنًا، أولا هؤلاء الناس قرأوا لبعضهم بعضا، لكنهم لا يقرأون النصوص الفلسفية الأساسية، وأقصد هنا كتب هيدجر وليس كتب دريدا وفوكو، بل كتب هيدجر التي قرأها كل من دريدا وفوكو. هيدغر ونيتشه كذلك. ولذا فإن الأمر يتطلب أولا التوصل إلى مصالحة جادة مع تاريخ الفلسفة الحديث. ثانيًا، تعتبر سياساتهم سطحية؛ إنهم مسيسون  politicizedلكنهم ليسوا سياسيين  political. تعتبر سياساتهم جزءا صغيرا جدًا من الموضة الحالية  للمساواتية  egalitarianism-وهي اتجاه أساسي في الديمقراطية-. إنهم ببساطة يفترضون من دون دليل ومن دون فحص جميع البدائل، أن وجهة نظرهم حول المساواة الإنسانية هي وجهة النظر الصحيحة، وأنه لا يمكن تصور أية حجة لصالح ترتيبات تقليدية أو ترتيبات بديلة، بل كل ما هو أكثر تقدمًا هو الأصح في نظرهم. لذا فإن تسييّسهم يعتبر إفقارا للسياسة بقدر ما هو إفقارٌ للفلسفة أيضا.

لماذا تعتقد أن قضايا العِرق قد استحوذت كثيرا، في الوقت الحاضر، على النقاش الراهن في الحرم الجامعي بدلاً من قضايا الجندر gender ؟

أعتقد أن كلاهما مثير للجدل من حيث المبدأ. لكن أعتقد، منذ البداية، أن الرجال لم يجادلوا بشأن الثورة النسوية  feminist revolution. يوجد فقط كتاب واحد أو كتابان يعارضانها أعرف أن رجلا كتبهما -وعارضته بعض النساء- ولكن يكاد لا يوجد رجالٌ معارضون- لا يوجد مثل بول كونور*  Bull Connor رجلا منافسا للثورة النسوية.

ما هي الثورة النسوية وما خطبها؟

إنها تقوم على مبدأ التساوي بين الرجال والنساء بمعنى التبادل. أي ما يمكن أن يفعله الرجل يمكن للمرأة أن تفعله أيضا. وأي شيء يمكن للمرأة أن تفعله، يمكن للرجل أن يفعله أيضا. أرى أن هذا مبدأ راديكالي للغاية، لم تتم تجربته من قبل أي مجتمع بشري. إن معظم النسويين معتدلين؛ والنسوي المعتدل هو الذي يعتقد أنه من الممكن للمرأة أن يكون لها أسرة ووظيفة، بينما ينفي النسوي الراديكالي ذلك، ويعارض بشكل صريح إلى حد ما الأسرة. أعتقد أن الثورة التي تنكر اختلافات طبيعية غير قابلة للكَبح، لا يمكن أن يكون النجاح حليفها. لذلك سوف تنتج بل وقد أنتجت بالفعل قدرًا كبيرًا من الحرمان frustration لدى كلا الجنسين. أبدًا لن تنجح النساء في أن يكن رجالًا، في أن يكن، مثل الرجال، ناجحات في وظائفٍ تتطلب قسوةً aggressiveness. وهكذا من خلال إدراك تام لذلك أو إدراك جزئي له، فإنهم يحاولون تغيير طبيعة تلك الوظائف لإصلاحها بحيث تكون القسوة أقل أهمية فيها.

قطعا عندما تشير إلى الوظائف التي تتطلب قسوةً، فأنت لا تقتصر على وظيفة جند المشاة؟

لا.

هلا أسهبت بهذا الخصوص؟ هل تضيف وظيفة تاجر السندات، وأن يصبح المرء فيلسوفًا سياسيًا؟

أكيد. نعم. أي شيء يتطلب المزيد من النهوض باكرا والذهاب إلى العمل، وقلة اهتمام بالأخرين، والمزيد من المبادرة، والمزيد من القساوة. إنني أستخدم بصفة مقصودة الجيد والسيئ من الصفات، لكنني أعتقد أن جميعها يتسم به الرجال أكثر من النساء. بشكل عام يمتلك الرجال هذه الصفات أكثر من النساء -بشكل عام، لأن هناك بالتأكيد أمثلة عن نساء قُساة-كما يطلق عليهن- وعن رجال مخنّثين. وهذا لا يعني، كما يقول النسويون، أن الوظائف الصعبة -أي التي تتطلب من المرء مغادرة المنزل- هي الأفضل. لست أنا من يقول ذلك، بل هم. يقولون إن الوظائف التي يشتغلها الرجال أفضل وأكثر شرفًا وتستحق المزيد من الثناء من تلك التي كانت النساء تقوم بها.

لكن ماذا عن اتجاه النسوية المعتدلة، الذي يزعم أن بعض الوظائف يُدفع مقابلها وبشكل مشروع ثمن أكبر بكثير لأولئك الأكثر قسوة مما يُدفع لأولئك الأقل قسوة. هذا

 إنهم يفعلون ذلك سواء بشكل مشروع أو بشكل غير مشروع -هم يفعلون ذلك أياً ما كانت الطرق-.

حسنا. حسنًا، لنفترض أن هذا معترف به من قبل النسوية المعتدلة، وأن النسوي المعتدل قد يقول إن: “كل ما أبحث عنه هو أن يكون لدينا مجتمع يسمح للأفراد بالفعل بالتنافس مع أفراد آخرين من أجل إظهار مستوى القسوة لديهم، من دون التوقع أنهم لن يكونوا ناجحين مثلهم لأنهم من جنس معين”. وقد يقول أيضا: “اختر معايير النجاح المناسبة. أنا لا أكترث ما هي، طالما يتم تطبيقها بشكل منصف. لا تجعلني أتوقع أنه لا يمكنني أن أكون تاجر سندات لأنني امرأة، بل امنح لي فرصة متساوية لدخول ذلك المجال من المنافسة”.

حسنًا، بالفعل يوجد تواطؤ لصالح القسوة، لأن النساء لا يمتلكن قدرة تنافسية competitiveness كبيرة مثل تلك التي يمتلكها الرجال. لذا لا تهم المعايير بقدر ما يهم تطبيقها في موقف يحتوي على المنافسة. ولهذا أعتقد أن هذا ينطبق على جميع الوظائف وليس على وظيفة جند المشاة فقط، بغض النظر عن المعايير، أعتقد أن النساء دائمًا يفتقرن إلى هذه القدرة. ولذا سيشعرن دائمًا بالإحباط والغش عندما يرون أن شخصًا أقل منهن ذكاءً  intellectوذو طبعٍ character رخوٍ قد حقق نجاحا أكبر. إن الرجال أكثر اعتيادًا على ذلك وتحمُّلاً.

هل تعتقد أن هذه الاختلافات التي تشير إليها هي في الأساس ناشئة عن التنشئة الاجتماعية أم أنها نتاج اختلاف معين في الناحية البيولوجية؟

أعتقد أنها أساسًا اختلافات طبيعية، ولكن هناك جزء مرده إلى التنشئة الاجتماعية أيضًا. يمكن أن تعمل التنشئة الاجتماعية على تأكيد الاختلافات الطبيعية أو محاولة استئصالها. وهو ما نقوم به في الوقت الحاضر بقدر من النجاح، ولكن مع احتمال الإحباط والفشل على ما أعتقد. يجب أن أذكر أيضًا العواقب الوخيمة للنسوية فيما يخص الأسرة. إن الأسرة والعديد من المسائل الأخرى أيضًا، ولكن بشكل خاص الأسرة، قد بقيت قائمة لفترة طويلة بفضل استعداد النساء للعمل أكثر دون أن يشغَلن بالهن بما يحصلن عليه من التقدير. وعلى ما يبدو لم يعد الحال كذلك، مما يؤذي أُسرنا كثيرا. كانت مسؤولية المرأة أن تقوم بالأشياء التي لا يقوم بها ”ذوو المسؤولية”؛ أي الانشغالات اليومية؛ تلك التي تصنع الفرق الحقيقي بين السعادة البشرية وشقائها -ما إذا كان المنزل في حالة لائقة والأسِّرة مرتبة والعشاء جاهز والعناية بالأطفال-.

هل تعتقد أن المشكلة الحقيقية للأسرة الأمريكية اليوم تكمن في كون العديد من النساء، في الأُسر المؤلفة من الأب والأم، يعملن أو أن العديد من الأسر اليوم يكون فيها الزوج أو الأب غائبا؟

حسنًا، كلاهما. من الطبيعي أن تكون اللامسؤولية أكبر عند الذكور منها عند الإناث-ما يتماشى والقسوة ورغبة معينة في الهروب من الارتباطات المتشابكة- لكن النسويون يفشلون في إدراك أن المرأة المحرّرة تحرر الرجل أيضًا. عندما تذهب المرأة إلى العمل، فإن الرجل لن يضطر إلى العمل من أجل إعالتها. وعندما تحصل المرأة على حق الإجهاض بمفردها، من دون رأي الأب، فمن الصعب القول إنه ما يزال يتحمل المسؤولية عندما لا تجهض. هكذا كل طفل يولد في أمريكا اليوم هو بلا شك نتيجة هذا القرار الأحادي الذي تتخذه المرأة، حتى يمكن للمرء أن يقول، إنه قرار يتعدى مسؤولية الأب، بشأنِ أمرٍ ما كان ليحدث لولاه.

لكن فيما يخص قرار الإجهاض من عدمه، قد يحاج المرء بأن النساء يستحققن اتخاذ القرار بشأن تلك المسألة لأنه سيكون عليهن أن يعانين مشقة شخصية خاصة وجسدية لفترة زمنية معينة، بناءً على نتيجة محتملة لذلك القرار.

هذا صحيح بالطبع. وسيء للغاية. لهذا يحصلن على اللذة التعويضية المتمثلة في علاقة أوثق مع أطفالهن. إن المشقة Hardship كلمة قوية جدًا – في الظروف الحديثة أفضل كلمة “انزعاج”   discomfort فهي أكثر ما يمكن للمرء قوله أو كلمة تضايق inconvenience.

قد يجد الليبرتاري احتمال تسعة أشهر من المشقة الشخصية أمرًا شنيعًا جدًا وغير منصف لدرجة أن ذلك سيتغلب على الادعاء بـ

الأمر غير ذلك إذا كان امرأة. تحب النساء إنجاب الأطفال، ما يجعلهن يتحملن في الغالب تلك المشقة. كذلك الرجال يحبون إنجاب الأطفال، ولكن ليس بالقدر نفسه.

لقد استخدمت ضمير “هي”  sheلأول مرة في هذه المقابلة. ألا تشاطر الاتجاه الذي يستخدم لغة جندر محايدة  gender-neutral language؟

صحيح، لأنه يبدو لي أنها لغة تستند إلى فرضية، أُنكِرُها، وهي أن الرجال والنساء قابلون للتبادل.  

ولكن لماذا لا يتم إذن تبادل استخدام ضمائر الذكر والأنثى بحيث الشخص غير المحدّد الذي يشير إليه المرء يختلف، ويمكن تصوره إما ذكرا أو أنثى؟ لكن الاكتفاء باستخدام ضمير الذكر خلال المناقشة قد يشير إلى أن المرء يعتقد أن ما يخص الرجال فقط هو الذي يمكن أن يكون موضوعا مناسبا للمناقشة.

لا، أبدًا ليس هذا هو المقصود. كان دوماً استعمال ضمير “هو” للإشارة إلى الذكور، وضمير “هو” غير المشخص مفهوما تماما-وفي جميع الحالات تقريبًا-. وفي الحالات القليلة التي يكون فيها الأمر غامضا، يمكن توضيحه باستخدام ضميري “هو” و “هي” كما كانا يستعملان في الماضي، عندما يُراد لفت الانتباه إلى الاختلاف الجنسي. ولكن الجانب المضحك في هذا الاستعمال الجديد هو أنه يُنكر الاختلاف الجنسي، وبدلاً من ذلك يلفت الانتباه إليه. كذلك هناك قسرٌ معين -وههنا أنا ليبرتاري libertarian– وفرض معين لسياسة شخص آخر، وهو ما لا أحبّذه. إذا كنا سنفعل ذلك مجددا فسأكون على استعداد للتفكير في نوع من التسوية، وهو ما لن يتم اقتراحه من قبل النسويين، بأفكارهم المجنونة.

لِنعُد إلى مسألة الإجهاض للحظة، هل تعتقد أنه ينبغي أن يكون للزوجين معًا الحق في إجهاض الحمل؟

نعم. أعتقد ذلك. أنا أتفق مع الرئيس كلينتون President Clinton في أن الإجهاض ينبغي أن يكون آمنا وقانونيا ونادر الحدوث. المشكل هو أنه إذا كان آمنا وقانونيا فكيف سيكون نادر الحدوث؟ بالتالي سوف نبحث عن طريقة ما لتخفيض عدد حالات الإجهاض، فمليون ونصف حالة إجهاض كل عام في هذه البلاد، يعتبر عددا مهولا.   

ولكن، دعنا نقول، إذا لم يعتبر الإجهاض، بشكل تجريدي، أمرا غير مقبول أخلاقياً، بمعنى أنه لا يعتبر جريمة قتل، فلماذا يجب أن يكون عدد الحالات التي يتم إجراؤها مهمًا على أي حال؟

مرة أخرى، إنه عدم إحساس رهيب بالمسؤولية أن تتم معاملة الجنين على أنه مصدر انزعاج. إنه ليس شخصًا، ولكنه شخص محتمل، لذلك لا يمكن التعامل معه على أنه مرض أو فَضلَة excrescence. إنها مسألة حياة أو موت، ليست مسألة إنسان قابل للحياة بل إنسانٌ مستقبلي. كيف يفترض أن تنظر أمٌ إلى طفل كشخص كان بإمكانها اختيار قتله؟ يبدو لي أن هذا يفتح باب الحرية على مصراعيه، حرية سيكون من الأفضل بالنسبة إلينا ألا نمتلكها. ولكن، بما أننا نمتلكها، وبما أن هناك حالات من المشقة الحقيقية -حتى الخطر الحقيقي- فلن أحظرها تمامًا، ولكنني سأفرض أعباء كثيرة عليها. واحدة منها اقترحتها زوجتي وتتمثل في ضريبة تصاعدية بشكل حاد على عمليات الإجهاض، بحيث كلما كان لدى المرء المزيد من المال، كلما كان عليه دفع المزيد من الضرائب للحصول على الإجهاض. وأحد أسوأ الأشياء في عمليات الإجهاض، هي أن الكثير منها يقوم به أشخاص قادرون تمامًا على تربية طفل لكنهم يجدون ذلك مزعجا.

ولكن إذا كان للرجل حق النقض على إجهاض امرأة قام هو بتخصيبها، وما لم تكن هناك آليات لإجبار هذا الرجل على تقديم المساعدة الاقتصادية للطفل ولأمه، فإنه في الأساس لديه القدرة على زَجِّها في مشقة اقتصادية.

أو في لذة إنجاب طفل. أنت تستهين بمدى المتعة المتأتية من إنجاب الأطفال. إنه عمل جبّار و-لن أسميه مشقة بل أسميه العمل فقط. ولكنه عملٌ من النوع الممتع، لم أكن لأفوّت فرصة الاستمتاع به في حياتي مهما كلفني الأمر. لقد عشت أوقاتا سعيدة في جميع الأطوار، لكن أسعدها حينما كان أطفالي صغارًا.

إذا أتاحت التكنولوجيا الأمر، فهل ستختبر فكرتك عن لذة إنجاب الأطفال وتحصل بنفسك على طفلٍ؟

نعم، أكيد. لكن، أقصد، هذا تماما… لنقل أنا مستعد ليكون لدي أحفاد.

هل تعتقد أن قانون الإجازة العائلية  هو مسعًى لمساعدة الأسر؟

أعتقد أن هذا سيئ. لا، أعتقد أنه يؤذي الأسر من خلال تحقيق استقلال أكبر للزوج والزوجة عن بعضيهما بعضا. وأنا ضد العناية النهارية أيضًا -أو الرعاية النهارية المدعومة من قبل الحكومة-. أعتقد أنه من الأفضل أن يوجد الآباء في البيت مع أطفالهم، و]أن تكون لهم[حياة أقل يُسرا إلى حد ما.

لكن هل تعتقد أن اتخاذ قرار ما إذا كانت المرأة ستعمل أم لا هو بالنسبة إلى غالبية الأمريكيين يماثل في الحقيقة الاختيار بين اقتناء سيارة ثانية أم لا، بين الثراء والعضوية في الطبقة الوسطى، أو هل تعتقد أنه اتخاذ قرار إما الفقر و

لا، لا أعتقد أن الأمر ينطبق على الفقر، لا.

ألا ترى أن ذلك هو الحال؟ 

صحيح، أعتقد أن هذا مبالغ فيه. لكن يمكنني أن أتفهم لماذا قد ترغب المرأة في الحصول على عمل بدوام جزئي بغية جني المال. في معظم الحالات، ذلك لا يتطلب على ما أعتقد، عملا أو وظيفة بدوام كامل، وذلك يختلف عن المبرر الذي قد يستخدمه معظم النسويين. عليّ القول إن النساء الحديثات يواجهن بالتأكيد مشكلة؛ تتمثل في أنه لا يوجد الكثير للقيام به في البيت، خاصة بعد أن يصل الأطفال إلى سن معينة. سيشعرن بالملل. إنهن بالتأكيد سيحتجن إلى شيء آخر غير عمل ربة بيت، لذلك أنا لا أقصد الحكم عليهن بحياة مكرسة للعناية بالمطبخ. لكن يجب أن يستفدن من وقت الفراغ لأجل إثراء عقولهن، فراغ سيحسدهن رجالٌ كثرٌ عليه لو فكّروا قليلا.

في ملاحظة شخصية، هل كان عليك أن تطمئن شريكات حياتك أنك، في الواقع، لا ترغب في الحكم عليهن بحياة مكرسة للأعمال المنزلية؟

نعم، وتتمثل نسويتي في أن أعمل بالقرب من المنزل. هذا عمليٌّ أكثر.

هل لك أن تخبرنا عن كتابك الذي سيصدر قريبا؟

أنا أستعد لكتابة كتاب عام عن السياسة الأمريكية. يتألف من ثلاثة أجزاء -سياستنا وفضيلتنا وثقافتنا والترابطات الداخلية بينها. لذلك، سيكون موضوعا شاملا جدا، أرغب بالتأكيد تناول جميع القضايا الساخنة -النساء، السود  blacks، المثليين  gays، كل شيء- لكن لدي شيئان يجب أن أنهيهما أولا قبل أن أشرع في هذا الكتاب.

هل ترى نفسك في موقع تنافس مع بلوم  Bloom من أجل بيان نهائي عن أمريكا الحديثة؟

لا، لا أريد تكرار ما قاله، وبالتالي لن أضع الجامعات في محور تركيزي. بدلا من ذلك سأركز على الدستور  Constitutionووضعه اليوم، وكيف تم تغييره وهل كان ذلك من أجل الأفضل أو الأسوأ. وتفاديا لما هو سياسي ضيق –سأركز على فضيلتنا وثقافتنا أيضًا. فضيلتنا هي المنفعة الذاتية selfinterest ، بالإضافة إلى المسؤولية التي سبق وتحدثت عنها إلى حدٍّ ما. أما عن ثقافتنا فتتمثل في هذه التعددية الثقافية المتصاعدة بالإضافة إلى الجامعات التي ما تزال ذات قيمة، وحقيقٌ الدفاع عنها، وهي تحتاج بشدة إلى الإصلاح، والفنون  arts والثقافة الشعبية  popular culture. أريد التحدث عن كل هذه المسائل.

أين تجد الدافع  لتكون شخصية ذات حضور في الحرم الجامعي، أو أن تكون صليبيًا  أو تقود عراكا وهو شيء غالبا ليس شائعًا في جامعة هارفارد؟

إنه ينبع من الشعور المروع أنه إذا لم أتكلم أنا فلن يتكلم أحد. إنه ليس طموحًا حقًا، لأنني [لا] أهتم بتسيير الأشياء أو توجيهها أو إدارتها. إنه إحساس قوي بأن الأمور عوجاء، ويحتاج شخص ما على الأقل إلى لفت الانتباه إلى الأخطاء الجسيمة التي نرتكبها.

هل تشعر أن بعض المواقف التي توقعتها قد أثرت سلبًا في علاقتك بالطلبة الذين قد يرغبون في حضور دروسك؟ كيف ينظر إليك طالب ذو بشرة سوداء أو أنثى بوصفك أستاذا؟

حسنًا، على عكس السابق يختار الطلبة الدروس بسبب آراء الأستاذ، وهو أمر سيئ جدًا. لا أعتقد أنه يمكنني استغلال ذلك كذريعة للصمت، وعلي فقط أن آمل أن يكون هناك عدد كافٍ من الطلبة النزهاء الذين أعتقد سيلاحظون، إذا حاولوا ذلك، أنني أبذل قصارى جهدي لأقدم دروسي بكل إخلاص. ولا أعتقد أن هذا يحتاج إلى تعريف، لأن الجميع يعرف ما يعنيه ذلك.

أجرى الحوار كل من جوش هارلن وكريستوفر كجاي Josh Harlan and Christopher Kagay، وصدر في مجلة هارفارد للفلسفة في ربيع 1993. ويمكن الاطلاع عليه بلغته الأصلية، أي الإنجليزية، على العنوان الإلكتروني الآتي:

http://www.hcs.harvard.edu/~hrp/issues/1993/Mansfield.pdf

 * أستاذة باحثة، قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله-

*  صمويل بير، عالم سياسة أمريكي. من كتبه  To Make a Nation : The Rediscovery of American Federalism (1998)

*  آلن بلوم (1930-1992)، فيلسوف أمريكي، اشتهر على وجه الخصوص بكتابه الموسوم: The Closing of the American Mind: How Higher Education Has Failed Democracy and Impoverished the Souls of Today’s Students (1987)

*  كاميل باجليا، مولودة في 1947، ناقدة اجتماعية ونسوية أمريكية، من كتبها: مقالات في الجنس والفن والثقافة الأمريكية (1992).

*  هارولد بلوم، (1930-2019) ناقد أدبي أمريكي من أصول يهودية، من أشهر كتبه: The Western Canon: The Books and School of the Ages (1994).

*  ثيوفيل أوجين “بول” كونور Theophilus Eugene ، سياسي أمريكي (1879-1973)، عُرف بإدارته ومواقفه العنصرية المتطرفة.

للمترجمة أيضا:

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي بقلم د جميلة حنيفي – الجزائر

21 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  د جميلة حنيفي – الجزائر أستاذة محاضرة – قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله إن تهميش المرأة فعل مترسخ في ذهنية مجتمعاتنا فهي لم تكن شيئا يذكر على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “والله ما كنا نعد النساء شيئا حتى أنزل الله فيهن …

حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية

‏3 أسابيع مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

جميلة حنيفي ترجمة: جميلة حنيفي* حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of …

جورجيو أغامبين: توضيحات

5 مايو 2020 ترجمةتغطيةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي آل صحفي إيطالي على نفسه، وفقًا لأفضل ممارسة ممكنة لمهنة الصحافة، القيام بمهمة تشويه وتزييف أفكاري بشأن الارتباك الأخلاقي الذي ألقي فيه الوباء البلاد، حيث لم يعد هناك أي احترام، حتى للقتلى ذاتهم. ومثلما لا يستحق الأمر عناء ذكر اسم الصحفي، فهو كذلك لا يستحق …

حوار مع كورنيل وست: إعمال الإيمان الفلسفي

4 مايو 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Philosophical Faith in Action حوار مع كورنيل وست Cornel West ترجمة جميلة حنيفي جميلة حنيفي كنا نأمل أن نبدأ هذا الحوار بالحديث عن كيفية ولوجك إلى عالم الفلسفة، وتحديدا الفلسفة البراغماتية وفلسفة الدين. فهل يمكن أن تقدم لنا وصفا لمسارك الدراسي؟ أعتقد أن الأمر برمته يعود إلى العائلة والكنيسة معا. …

روبرتو إسبوسيتو: علاج إلى غاية النهاية

4 مايو 2020 متابعاتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي Roberto Esposito Cured to the Bitter End أجد في ثنايا هذا النص الذي كتبه جون-لوك نانسي، جميع السمات التي ميزت دوما شخصيته – على وجه الخصوص جوده الفكري الذي حظيت به شخصيًا في الماضي، وتأثري الكبير بتفكيره، لا سيما في بحوثي المتعلقة بالجماعات. إن معارضته الشديدة والدائمة …

تقرير عن ندوة محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني

3 مايو 2020 تغطيةمجلاتمساهمات 0

بقلم الأستاذة جميلة حنيفي أقام مخبر إشكالية البحث العلمي في بناء المجتمع العربي الحديث والمعاصر، بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله- ندوة فكرية بعنوان: “محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني”. وذلك يوم 11 مارس2020 المنصرم. شارك في أشغال هذه الندوة كل من الأساتذة الأتية 

جان-لوك نانسي: استثناء فيروسي

5 أبريل 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة جميلة حنيفي يزعم جورجيو أغامبين، وهو صديق قديم لي، أن فيروس كورونا لا يكاد يختلف عن الأنفلونزا العادية. يبدو أنه قد نسي أن مرض الإنفلونزا “العادية” يمكن علاجه بواسطة لقاح قد ثبتت فعاليته. ومع ذلك فهو يحتاج إلى إعادة التكيف مع الطفرات الفيروسية عامًا بعد عام. ثم إن الإنفلونزا …

جورجيو أغامبين: حالة استثناء أثارتها حالة طوارئ بلا دافع

29 مارس 2020 ترجمةعامةمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي من أجل فهم التدابير الطارئة، الجامحة وغير المعقولة وغير المبررة على الإطلاق المعتمدة لمواجهة وباء فيروس كورونا المزعوم، يتوجب علينا أن نبدأ من إعلان مجلس البحث الوطني الإيطالي (NRC)، والذي يقول: “لا يوجد وباء SARS-CoV2 في إيطاليا. “ ويواصل: على أي حال “تسبب العدوى وفقًا للبيانات

إلى الحجر الصحي من الحجر الصحي: روسو وروبنسون كروزو و”أنا” كاثرين مالابو

27 مارس 2020 بصغة المؤنثمجلاتمفاهيم 0

To Quarantine from Quarantine: Rousseau, Robinson Crusoe, and “I” Catherine Malabou ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في شهر ماي من عام 1743، رست سفينة قادمة من مدينة كورفو Corfu باليونان تحمل جثث أفراد طاقمها الذين ماتوا بسبب مرض غامض إلى مدينة ميسينا Messina بإيطاليا. لقد تم إحراق السفينة والحمولة، …

آلان باديو: حول جائحة الكورونا فيروس

25 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة: جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 منذ البداية، كان لدي اقتناع بأن الوضع الراهن، الذي اتصف بجائحة فيروسية، لم يكن على وجه الخصوص استثنائياً. من جائحة فيروس الإيدز AIDS، إلى أنفلونزا الطيور، إلى فيروس إيبولا Ebola، إلى فيروس السارس1SARS – ناهيك عن ظهور العديد من أنواع الأنفلونزا، وأنواع من مرض …

سلافوي جيجك: الشيوعية العالمية أو قانون الغاب _ كورونا فيروس يرغمنا على اتخاذ القرار

22 مارس 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في الوقت الذي ينتشر فيه الرعب من فيروس كورونا، يتوجب علينا الحسم بين اختيارين- إما أن نفرض منطق البقاء للأصلح، وهو المنطق الأكثر وحشية، أو نوعًا من الشيوعية المبتكرة التي تتم بالتنسيق والتكاتف العالمي. ما يفتأ إعلامنا، وبلا هوادة، يكرر عبارة “لا داعي للرعب!”

جوديث بتلر: للرأسمالية حدود

21 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 Capitalism Has its Limits تناقش الفيلسوفة جوديث بوتلر Judith Butler وباء كورونا فيروس-19 وآثاره السياسية والاجتماعية المتصاعدة في أمريكا يتزامن الأمر بالحجر الصحي مع اعتراف جديد بترابطنا الكوني المتبادل خلال زمان ومكان جديد للوباء. من جهة نحن مطالبون بحجز أنفسنا في وحدات عائلية أو …

في فلسفة القانون حوار مع ألَن مورتن درشويتس* Alan Morton Dershowitz

24 فبراير 2020 بصغة المؤنثترجمةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي** في الآونة الأخيرة، أثير بعض الجدل في كلية الحقوق بجامعة هارفارد حول الحظر المقترح على خطاب الكراهية. ما هي وجهة نظرك حول قوانين الخطاب؟ ما أؤيده هو حكم محدد يوضح أنه لا يمكن حظر أي شيء ما لم يتم تحديده بموجب قاعدة معينة. والشيء الوحيد الذي أنا …

في الجمهورياتية والليبرالية – حوار مع مايكل ساندل

20 فبراير 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Machael Sandel ترجمة جميلة حنيفي* الجزائر  عُرفت بوصفك ناقدا لليبرالية، فما المقصود بالضبط بالليبرالية وما المشكلة المطروحة بشأنها؟ أعتبر نفسي ناقدا لصيغة معينة من الليبرالية، تلك الصيغة التي تجد تعبيرها أو حكمها الأكثر تأثيرا لدى إيمانويل كانط، لكن أيضا لدى فلاسفة آخرين معاصرين مثل جون رولز. إنها الصيغة التي ترى …

شاهد أيضاً

رَفْعُ «حُجُب إِيزِيسْ» عن اليومي

«مارتن ستيفان»، «بيير ديلو»، «تيري فورمي»* ترجمة: الحسين أخدوش لا يصبح امتلاك أيّ منّا ليومه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *